ديوان : بحرالمندلق
بحر المندلق

مصعب الرمادي
بحر المُندلق
__________________
الكتاب : بحر المندلق
الكاتب : مصعب الرمادي
تاريخ الطبع : سبتمبر 2026م
حقوق الطبع والتأليف محفوظة للمؤلف
____________________
كان البحر نائماً في كتاب قديم،
وحين فتح الفراهيدي نافذته خرجت التفاعيل تمشي على أربع جهات،
تعثرت واحدة في عرجون نخلة،
وأخفت أخرى قدميها داخل حنجرة مغنٍّ سوداني،
أما الثالثة فركبت قطاراً متجهاً إلى باريس،
وعادت بعد قرنين تحمل في حقيبتها بذرة إيقاع لم يولد بعد.
لم يكن البحر ماءً، ولم تكن له شواطئ،
كان ذاكرة تتنفس تحت جلد اللغة،
كلما قال العروضي: هذا حدُّ الوزن،
أخرجت القصيدة من جيبها سمكةً لا تعرف اليابسة،
وأطلقتها في فضاء لا يحتاج إلى بوصلة،
فانفتح المندلق مثل بابٍ لم يتذكر أحدٌ أنه أغلقه.
في البدء كانت الومضة،
نقطة صغيرة تسقط من عين شاعر على صفحة بيضاء،
لكن الصفحة لم تكن بيضاء؛
كانت تحمل آثار أقدام البحور الخمسة عشر،
وكان المتدارك يطرق الباب من الجهة التي لا يراها النائمون،
بينما كانت القصيدة تبحث عن نافذة سادسة عشر ونبضٍ يتجاوز النوافذ.
رأيت الخليل بن أحمد الفرهيدي جالساً في مختبر من العاج،
يضع أذنه على صدر جملةٍ عربية،
يسمع انتظاماً خفياً تحت اضطراب الحروف،
ويزن الهواء كما يزن الصائغ ذرات الذهب،
لكن البحر الذي خرج من مختبره لم يكن نهاية التجربة،
كان أول سؤالٍ يتركه العلم مفتوحاً أمام مخيلة المستقبل.
في المرآة المقابلة وقف الأخفش،
لا ليهدم ما شيده الخليل، بل ليصغي إلى ما لم تقله المرايا،
كانت التفاعيل تتبدل في عينيه مثل وجوه المسافرين،
وكانت اللغة تعبر من فم إلى فم دون أن تفقد نسبها،
فكل وزنٍ ذاكرةٌ قابلة للمراجعة،
وكل مراجعةٍ نافذةٌ تطل على احتمال جديد.
لم أسمع البحر الجديد في أول الأمر،
سمعت خشخشة ورقةٍ تتقلب في مكتبة مهجورة،
ثم تنفس امرأةٍ وراء جدار من الملح،
ثم وقع حذاءٍ يقطع شارعاً لا ينتهي،
وكانت الأصوات تتجمع في صدري كأنها قافلة من حروف،
حتى صار الصمت نفسه يملك تفعيلةً لا تُكتب.
المندلق ليس اسماً لماءٍ فائض،
إنه ما يتدفق حين تتعب القوالب من حدودها،
حين تتجاور الضربة الموسيقية والوقفة،
وحين تتناوب العبارة الطويلة مع ومضةٍ كأنها شرارة،
وحين يصبح الفراغ شريكاً في بناء المعنى،
لا حفرةً تسقط فيها الكلمات المنهكة.
أخرجت من درج الذاكرة بحور الخليل،
فرأيتها مثل مدنٍ لها أبواب وأسوار وأسواق،
في كل مدينةٍ عازفٌ يخبئ نايه تحت معطفه،
وفي كل شارع شاعرٌ يبدل خطواته بحسب المطر،
لم تكن المدن متشابهة،
لكنها جميعاً تعرف أن الطريق لا يُقاس بعدد الأقدام وحده.
في الليل ظهرت التفاعيل على هيئة طيور،
تطير في أسرابٍ ثم تتفرق فوق بحيرة زجاجية،
بعضها يحافظ على إيقاع جناحيه،
وبعضها يغير اتجاهه عند أول ريح،
وكانت القصيدة تراقبها من برجٍ غير مكتمل،
وتتعلم أن الحرية ليست غياب الجناح بل معرفة الطيران.
لم يكن الوزن قفصاً دائماً،
ولم تكن الحرية سماءً بلا قوانين،
كان بينهما حوارٌ طويل تحت شجرة موسيقية،
جذورها في الرمل وأغصانها في السحاب،
كلما تحرك غصنٌ استيقظت تفعيلة،
وكلما سقطت ورقةٌ اخترع الصمت طريقةً أخرى للإنشاد.
رأيت القصيدة تبدأ من خفقةٍ لا من عنوان،
تتقدم مثل امرأةٍ تعرف الطريق وتضلله عمداً،
تدخل غرفة الذاكرة وتخرج من نافذة المستقبل،
تستدعي صورةً قديمة ثم تقلب وجهها،
وتترك للقارئ أن يكمل ما لم تقله،
فالمعنى الذي لا يتنفس خارج النص يتحول إلى حجر.
كان الإيقاع يسكن في أشياء لا يلتفت إليها العابرون،
في قطرة ماءٍ تتردد قبل السقوط،
في ساعةٍ يختل عقربها كلما مر طائر،
في مصعدٍ يحمل عاملين إلى طابقين مختلفين،
في امرأةٍ تنفض غبار النهار عن كتفيها،
وفي قلبٍ يغير سرعته حين يسمع اسماً قديماً.
عشرة أبوابٍ فتحتها القصيدة في وجه نفسها،
باب الدفقة، وباب الصورة، وباب الانزياح،
باب التشظي، وباب تعدد الأصوات، وباب التراسل الحسي،
باب الزمن الحلزوني، وباب الكتابة على الكتابة،
وباب الإيقاع الداخلي، وباب الذروة التي لا تنتهي،
وكان خلف كل بابٍ شاعرٌ يكتب على ضوء احتمال.
في الباب الأول انفجرت الدفقة،
لم تنتظر العبارة أن تستأذن النحو،
خرجت من باطن التجربة مثل ماءٍ محبوس،
ثم أخذت تتراجع وتتقدم وتغير مجراها،
حتى أدركت أن الاندفاع وحده لا يصنع قصيدة،
وأن النهر يحتاج إلى ضفافٍ كي يعرف شكل حريته.
في الباب الثاني تكاثرت الصور،
رأيت حصاناً يجر عربةً من نجوم،
ورأيت نافذةً تنمو لها أجنحة من قماش،
ورأيت كتاباً يضع رأسه على كتف امرأة،
لم تكن الصور زينةً للمعنى،
كانت المعنى حين يقرر أن يخلع ثوبه القديم.
في الباب الثالث انحرفت الدلالة عن طريقها،
فصار المفتاح سمكةً تفتح باب الماء،
وصارت المرآة بئراً لا تعيد الوجوه،
وصار الظل أطول من صاحبه في ظهيرة شتوية،
لم يكن الانزياح هروباً من الحقيقة،
بل محاولةً لرؤيتها من الجهة التي تخفيها العادة.
في الباب الرابع تقطعت الجملة،
تركت أجزاءها على الأرصفة مثل حقائب مسافرين،
ثم عادت تجمع نفسها من أفواه الغرباء،
كل مقطعٍ يحمل نبضاً لا يكتمل إلا بالمقطع الآخر،
وكان البياض بين الشذرات يكتب ما عجزت اللغة عن قوله،
فأصبح الانقطاع نوعاً آخر من الاتصال.
في الباب الخامس تكلمت الأصوات معاً،
صوت العازف وصوت الشاعر وصوت المدينة،
صوت الأمس الذي لم يمت وصوت الغد الذي لم يولد،
صوت امرأةٍ تغني في غرفةٍ بعيدة،
وصوت رجلٍ ينسى اسمه عند أول منعطف،
فلم تعد القصيدة حنجرةً واحدة بل جوقةً من المصائر.
في الباب السادس تلامست الحواس،
شممت لوناً أزرق يخرج من فم الناي،
ورأيت طعماً معدنياً في ضوء القمر،
وسمعت ملمس الحرير فوق سطح الماء،
كانت الحواس تتبادل مفاتيحها في عتمةٍ دافئة،
حتى صار الجسد آلةً موسيقيةً لا تحتاج إلى عازف.
في الباب السابع دار الزمن على نفسه،
عاد الطفل شيخاً يحمل لعبةً لم يخترعها بعد،
وعادت المدينة إلى صباحها الأول بوجهٍ متغير،
وكانت الساعة تلد عقاربها ثم تبتلعها،
لا بداية واضحة ولا نهاية مطمئنة،
بل حلزونٌ يوسع الدائرة كلما ظن أنه عاد.
في الباب الثامن كتبت القصيدة على جلدها،
رأت أخطاءها القديمة تتحول إلى خرائط،
ورأت استعاراتها تتجادل في قاعةٍ بلا سقف،
وكانت كل جملةٍ تسأل الجملة التي تليها عن شرعيتها،
لم تعد الكتابة مرآةً للتجربة فقط،
بل صارت تجربةً تراقب نفسها وهي تتكون.
في الباب التاسع استيقظ الإيقاع الداخلي،
لا يعلن عن نفسه بميزانٍ ظاهر،
بل يختبئ في تكرارٍ يتغير معناه،
وفي وقفةٍ تسبق كلمةً كأنها على حافة الهاوية،
وفي تنفسٍ يطول حين تتسع الصورة،
وفي قفلةٍ تنفتح بدلاً من أن تغلق الباب.
أما الباب العاشر فكان بلا مفصلات،
خلفه ذروةٌ لا ترفع صوتها،
تتراكم فيها الصور حتى يصبح الضوء ثقيلاً،
ثم تنفلت الأشياء من ترتيبها المألوف،
وتترك القصيدة نهايتها معلقةً في الهواء،
كأنها تقول إن الوصول بدايةٌ أخرى للرحيل.
في تلك الليلة وصلت إلى القضارف،
وكانت المدينة تستحم في غبارٍ ذهبي،
تفتح الأسواق عيونها على وقع عرباتٍ متعبة،
وتخرج من الأزقة رائحة القهوة والخبز والذاكرة،
رأيت في شارعٍ بعيد بحراً لا يعرف الملح،
وكانت أمواجه تمشي على إيقاع طبولٍ قديمة.
هناك سمعت سرور يقترب من ذاكرة الغناء،
لا يحمل تاجاً من ذهب بل حنجرةً تعرف التحول،
كان يخرج من الطنبارة إلى فضاء الحقيبة،
ومن الرمية إلى القصيدة التي تتسع للأصوات،
وكانت الكلمات تتعلم كيف تسكن اللحن،
مثل طائرٍ يجد أخيراً شجرةً تناسب جناحيه.
لم يكن سرور مجرد صوتٍ يملأ المكان،
كان علامةً على انتقالٍ في تاريخ الأداء،
حيث يتغير موضع الشاعر داخل الأغنية،
وتتبدل علاقة الفرد بالجماعة،
ويصير الكورس ذاكرةً ثانية للعبارة،
كأن الجملة لا تكتمل حتى تسمع صداها الجماعي.
سمعت «برضي ليك المولى الموالي» من بعيد،
فلم تكن الكلمات وحدها هي التي تعبر،
كان اللحن يحمل ظلالاً من زمنٍ اجتماعي كامل،
وكان الصوت يفتح نافذةً في جدار الذاكرة،
رأيت العبارة تتقدم ثم تتراجع في ضوءٍ خافت،
كأنها تكتشف أن الغناء طريقةٌ أخرى للسرد.
وعند منعطفٍ من الحكاية ظهر كرومة،
عبد الكريم عبد الله مختار، صاحب حنجرةٍ ذات مسار،
لم يكن صورةً أخرى لسرور ولا صدىً مكرراً له،
كان يفتح للحن أبواباً لا تتشابه مفاتيحها،
ويمنح الجملة الغنائية مساحةً لتلوينها،
كأن الصوت يستطيع أن يغير شكل الزمن من الداخل.
كان كرومة يمر في الممرات مثل نسمةٍ حادة،
يترك على الجدار أثر نغمةٍ لا تستقر،
ويجعل العبارة تقترب من أذن المستمع ثم تبتعد،
كأنها امرأةٌ تعرف كيف تخفي ابتسامتها،
لا يحتاج اللحن إلى أن يشرح سرَّه،
يكفي أن يترك في الذاكرة مكاناً لا يملؤه سواه.
لم أضع سروراً في كفة وكرومة في كفة،
فالميزان الذي يطلب فائزاً لا يفهم الموسيقى،
لكل منهما طريقته في صناعة الحضور،
ولكل حنجرةٍ علاقتها الخاصة بالعبارة،
كان الأول يضيء عتبة التحول،
وكان الثاني يفتح في الضوء ممراً آخر.
في دفترٍ قديم كتبت: الرمية ومضة،
لكن الومضة ليست الرمية كلها،
فالرمية تنتمي إلى بنيةٍ غنائيةٍ وتاريخ أداء،
أما الومضة الشعرية فتولد من ضغط التجربة،
قد يلتقي الاثنان في سرعة الاشتعال،
لكن لكل منهما جذوره وشروطه وذاكرته.
ثم سمعت الكورس ينهض من خلف الصوت،
رجالٌ تتعاقب حناجرهم كأنها أمواجٌ متجاورة،
لا يكررون العبارة تكراراً آلياً،
بل يردونها إلى الجماعة بعد أن تمر بالفرد،
فيصبح اللحن طريقاً بين صوتٍ وصوت،
ويصبح التعدد الإنساني جزءاً من هندسة الإيقاع.
تذكرت الطنابرة والكرير والدوباي والمديح،
وتذكرت كيف كانت الجماعة تحفظ نبضها بالصوت،
وكيف تتبادل الرمية والرد أدوار الحضور،
ثم رأيت الكورس يعبر إلى الحقيبة بوجهٍ جديد،
لا ينقطع الماضي تماماً ولا يعود كما كان،
بل يغير ثيابه ويواصل السير في مدينةٍ أخرى.
في قاعةٍ بلا جدران جلس عازفان،
أحدهما يحمل ذاكرة سرور والآخر ظلال كرومة،
وبينهما طاولةٌ عليها أوراق الخليل،
وعلى الطاولة كأس ماءٍ يتحرك دون أن يلمسه أحد،
كان الماء يترجم اللحن إلى دوائر،
وكانت الدوائر تترجم القصيدة إلى احتمالات.
سألت الماء: هل الإيقاع الخماسي بحرٌ شعري؟
فضحك الماء حتى ارتجفت حواف الكأس،
وقال: لا تخلط عدد درجات السلم بعدد أقدام الوزن،
ولا تجعل دورة الإيقاع تفعيلةً من غير برهان،
فاللحن يملك زمنه والكلام يملك بنيته،
وقد يلتقيان في أغنيةٍ دون أن يتطابقا.
رأيت سلماً موسيقياً من خمس درجات،
يصعد عليه عصفورٌ ثم يهبط من الجهة الأخرى،
وفي أسفل السلم كانت تفعيلاتٌ عربية تتنفس،
لم تتشاجر الدرجات مع التفعيلات،
فكل واحدةٍ تعرف حدود مجالها،
وكل واحدةٍ تستطيع أن تفتح للقصيدة نافذةً جديدة.
كانت أغنية الحقيبة نهراً متعدد الروافد،
تدخل إليه ظلال الطنبارة والدوبيت والمديح،
وتحمل في مياهه تحولات المدينة والناس،
وتتشكل على ضفتيه لغةٌ غنائيةٌ جديدة،
لم يكن النهر نسخةً من منبعٍ واحد،
بل ذاكرةً تتغير كلما أضاف إليها صوتٌ مياهاً أخرى.
في مرآة الأغنية رأيت قصيدة التفعيلة،
تتحرك بين انتظامٍ موروث وحريةٍ متزايدة،
تطيل السطر حين تتسع الدفقة،
وتختصره حين تشتعل الومضة،
لا تترك الموسيقى خلفها بل تعيد توزيعها،
كأنها تنقل النبض من قفصٍ إلى فضاءٍ أوسع.
ورأيت قصيدة النثر تمشي حافيةً،
لا تحمل ميزاناً ظاهراً في يدها،
لكن خطواتها تعرف التكرار والوقف والتوتر،
وتصنع من التنفس موسيقى لا تُرى،
تستعير من الأغنية اقتصاد العبارة وحرارة العودة،
ثم تنفصل عنها لتصنع جسدها المستقل.
لم يكن سرور ولا كرومة يكتبان بياناً عن الحداثة،
لكن التاريخ كان يكتب في أصواتهما تحولاته،
فالفن أحياناً يسبق المصطلح إلى اكتشاف الطريق،
والناقد يأتي بعد ذلك ليضع مصباحاً على العتبة،
أما القصيدة فتواصل عبورها دون انتظار،
وتترك للمصطلحات أن تلحق بها متى استطاعت.
في مطبخٍ كوني كانت النغمات تغلي،
وضعت امرأةٌ حروفاً عربيةً في قدرٍ نحاسي،
وأضافت إليها قطرةً من عرق المغنين،
ورشةً من غبار المسارح الأوروبية،
ثم أغلقت الغطاء حتى صار البخار موسيقى،
وعندما فتحته خرجت قصيدةٌ لا تعرف جواز سفرها.
رأيت إسبانيا تنام على كتف الغيتار،
وكان لوركا يمر في حقلٍ من الزيتون،
تتدلى من أغصانه ظلالُ الخيول والدم والليل،
وتتردد في الهواء خطواتُ راقصٍ لا يلمس الأرض،
لم يكن الفلامنكو نسخةً من البحر العربي،
لكنه كشف كيف يستطيع الجسد أن يكتب إيقاعه.
في فرنسا كانت الكلمات تمشي على أطراف أصابعها،
بودلير يفتح نافذةً على مدينةٍ مزدحمة بالروائح،
ومالارميه يترك البياض يشارك الحروف في الكلام،
وكانت الجملة تتخلص من ثقل التفسير المباشر،
وتتجه نحو موسيقى المعنى الموارب،
حيث لا يكتمل الضوء إلا بما يحجبه.
في إنجلترا وقف إليوت عند أرضٍ يابسة،
يجمع شظايا الأصوات من مقاهٍ ومحطاتٍ وأساطير،
ويجعل الماضي يتكلم داخل الحاضر المتعب،
لم تكن القصيدة خطبةً متصلةً ولا حكايةً مستقيمة،
بل مدينةً من الأصوات المتجاورة والمتصادمة،
وكانت الشذرة تلمع مثل زجاجةٍ على طريقٍ مهجور.
وفي ألمانيا كان ريلكه يصغي إلى الأشياء،
إلى تمثالٍ يخبئ صرخته في الحجر،
وإلى ملاكٍ لا يقترب منه البشر دون خوف،
وكانت الموسيقى تتسرب من داخل التأمل،
لا لتزين العالم بل لتكشف هشاشته،
وتجعل الصمت غرفةً واسعةً للوجود.
أما إيطاليا فكانت تضع أذنها على جدار الأوبرا،
فيردي يرفع الستارة عن مصائر البشر،
وبوست يترك الأوركسترا تتنفس بين العاطفة والقدر،
وفي الأزقة يمر صوتٌ شعبيٌ يحمل ذاكرة المدينة،
تلتقي الحنجرة بالآلة في مسرحٍ من الضوء،
وتتذكر القصيدة أن الدراما قد تكون إيقاعاً أيضاً.
وفي الولايات المتحدة كانت الطرق طويلةً كالأفق،
والتفت والتويتمان يفتحان السطر على اتساع النفس،
بينما تتناثر أصوات المدن فوق الأرصفة،
وتدخل القطارات والمصانع والوجوه إلى القصيدة،
لم يعد السطر سوراً حول الفكرة،
بل طريقاً يزداد طولاً كلما اتسعت التجربة.
عبرتُ هذه البلاد دون أن أطلب من أحدٍ أن يكون الخليل،
فلكل ثقافةٍ ذاكرةٌ صوتيةٌ لا تُختصر في بحرٍ واحد،
ولكل شاعرٍ موسيقاه التي تولد من لغته وجسده،
لكن المرآة العابرة للقارات تكشف اختلاف النبض،
وتتيح للقصيدة العربية أن تتعلم دون أن تتنكر،
وأن تتحاور دون أن تفقد صوتها الأول.
في محطةٍ تحت الأرض اجتمع الشعراء،
كل واحدٍ يحمل حقيبةً من إيقاع بلاده،
إسبانيٌ يخبئ كعبه في ضربة الأرض،
وفرنسيٌ يخبئ موسيقاه في البياض،
وألمانيٌ يخبئها في صرامة العبارة،
وعربيٌ يحمل في صدره بحوراً تتذكر الصحراء.
كان المتدارك واقفاً عند بوابة المحطة،
يبدو كأنه عاد من سفرٍ طويل،
تتجاوب في خطواته نبضاتٌ متقاربة،
ثم تتبدل حين يصطدم بجملةٍ حديثة،
لم يأتِ ليكون حارساً على الماضي،
بل ليذكرنا أن الإيقاع الموروث قادرٌ على احتمالاتٍ جديدة.
أصغيت إلى المتدارك وهو يخلع معطفه،
فلم أسمع تفعيلةً جامدةً بل حركةً قابلةً للإنشاد،
كانت وحدته تتكرر ثم تتغير في الأداء،
وتتسع بين النبر والوقف والتنفس،
رأيت في مرآته بذرةً يمكن أن تنمو،
إذا منحها الشاعر تجربةً لا مجرد اسمٍ جديد.
قال المتدارك للمندلق: لا تسرق اسمي،
ولا تجعلني قناعاً تخفي وراءه عجز الوزن،
خذ من نبضي ما تستطيع اختباره،
واترك لي تاريخي الذي لا تمحوه التجارب،
فالتجديد لا يحتاج إلى تزوير الأنساب،
بل إلى شجاعةٍ تميز بين الاستمرار والاختراع.
عندئذٍ ظهر «المتدارك المستقبلي»،
لا بحراً معلناً ولا تفعيلةً موثقةً بعد،
بل مشروعاً لتجريب النبض في جملةٍ جديدة،
تتكرر وحداتها دون أن تستنسخ بعضها،
وتختبر طول النفس وقصره في فضاء الأداء،
حتى تعرف أين ينتهي الاحتمال وأين يبدأ النظام.
كتبت في دفتر المختبر:
ليس كل ما يلمع وزناً، وليس كل ما يتكرر بحراً،
ولا يصبح الارتجال نظاماً بمجرد تسميته،
ولا يصير الإيقاع علماً إذا اكتفينا بالإعجاب به،
على التجربة أن تكشف وحداتها وحدودها،
وعلى الأذن أن تشهد بما تسمعه لا بما تتمناه.
كان البحر الجديد ينتظر في غرفة الولادة،
لم يكن له جسدٌ مكتمل ولا اسمٌ نهائي،
كانت أمه القصيدة تتنفس بصعوبةٍ بين السطور،
وكان الطبيب يضع أذنه على نبضها الداخلي،
كلما اقترب من تحديد وحدته أفلتت منه صورة،
وكلما ترك الصورة استعاد النبض طريقه.
في غرفةٍ مجاورة كانت الغروية تكتب تاريخها،
تتمدد الكلمات مثل مادةٍ حيةٍ لا تستقر،
ثم تتجمع في كتلٍ وتنفصل إلى قطرات،
وتلتصق بالذاكرة مثل دَبَقٍ لا يزول،
لكنها لم تكن تريد أن تكون فوضى بلا شكل،
كانت تبحث عن لزوجةٍ جماليةٍ تحفظ تماسك القصيدة.
رأيت التكلس يغطي عظام العبارة،
ثم جاء صوتٌ خفيٌ يكسر القشرة،
فخرجت الجملة من صلابتها إلى مرونةٍ جديدة،
وتجعد الزمن حولها مثل جلدٍ يحمل آثار السفر،
كانت القصيدة تعرف أن النضج ليس استقامةً دائمة،
وأن التشوه أحياناً بابٌ إلى صورةٍ أكثر صدقاً.
في مختبر الأصوات وضعوا الحروف تحت المجهر،
فانكشفت مخارجها وطبائعها وامتداداتها،
حروفٌ تنفجر كأنها أبوابٌ معدنية،
وأخرى تهمس كالماء تحت حجر،
وحروفٌ تطول حتى تصير جسراً بين نفسين،
وأخرى تختصر المسافة بجرسٍ خاطف.
لم يكن الصوت وحده كافياً لصناعة الموسيقى،
فالدلالة أيضاً تملك إيقاعها الخفي،
تتكرر الفكرة وهي ترتدي وجهاً آخر،
وتعود الصورة إلى موضعها بعد أن تغيره،
وتصنع الذاكرة من المعنى دورةً لا تنتهي،
كأن الكلمات تملك ساعةً لا تقيس الزمن بل تحوله.
في ساحة المدينة اجتمعت الآلات،
نايٌ يفتح نافذةً في جدارٍ قديم،
عودٌ يمد جسراً فوق حفرةٍ من الغياب،
كمانٌ تنبت من خشبه جذورٌ تبحث عن المطر،
وطبلٌ يوقظ تراباً نامت تحته قوافل،
وكانت القصيدة تدور حولها مثل كوكبٍ يبحث عن مداره.
رأيت موتسارت يعبر حديقةً من النغم،
يترك خلفه ترتيباً يلمع كبلورٍ صافٍ،
وبيتهوفن يطرق باب العاصفة بقبضته،
كأن الموسيقى تستطيع أن تصنع من الصراع بناءً،
لم يكن المطلوب استعارة ألحانهما إلى العربية،
بل الإصغاء إلى طرقهما في تشكيل الزمن داخل الصوت.
في مكتبةٍ معلقةٍ بين السماء والأرض،
جلست إيقاعات العالم على رفوفٍ شفافة،
لم يكن أحدها نسخةً من الآخر،
لكنها كانت تتبادل الضوء عبر مسافاتٍ بعيدة،
وكانت العربية تقرأ تاريخها دون أن تنغلق،
وتكتب مستقبلها دون أن تنسى جذور الحروف.
دخلت امرأةٌ تحمل كتاباً من البحور،
كانت صفحاتُه تتحرك مثل أجنحة فراشاتٍ مذعورة،
كلما قلبت صفحةً سمعت صوت بحرٍ مختلف،
وكلما توقفت عند هامشٍ خرجت منه أغنية،
قالت: لا تبحث عن موسيقى القصيدة في التفعيلة وحدها،
ففي النبر والوقف والسكوت خرائطُ لا تقل اتساعاً.
في منتصف المكتبة وقف المندلق،
كان جسده شفافاً كالماء في ضوء القمر،
وفي داخله بحورٌ تتناوب ولا تتصارع،
ومقاطعُ تنمو ثم تنكمش مثل رئةٍ كونية،
لم يطلب أن يكون سيداً على البحور،
بل أن يكون سؤالاً يوقظ ما نام في الأذن.
على الجدار ظهرت معادلةٌ بلا أرقام،
نبضٌ صوتيٌ يلتقي بحركة الدلالة،
وصورةٌ تفتح مساراً للذاكرة،
ووقفةٌ تمنح الهواء حق المشاركة،
ثم عودةٌ للعبارة وقد تغير ظلها،
فانفتح الإيقاع مثل دائرةٍ تتعلم كيف تصبح حلزوناً.
لكن المندلق لم يكتمل بمجرد الصورة،
فقد كان عليه أن يخرج من الحلم إلى الاختبار،
أن يحدد وحداته القابلة للرصد،
وأن يوضح أين يسمح بالتنويع وأين يرفضه،
وأن يقدم نصوصاً يمكن قراءتها وإنشادها ومقارنتها،
فالجمال لا يخاف الدقة، والعلم لا يقتل الدهشة.
كتبت مقطعاً ثم قرأته بصوتٍ مرتفع،
تعثرت في موضعٍ كان يبدو جميلاً على الورق،
واستقام موضعٌ آخر حين تركت بين كلمتين فراغاً،
اكتشفت أن العين تسمع أحياناً ما لا تسمعه الأذن،
وأن الأذن تكشف عيوباً تخفيها الزخرفة،
وأن الأداء امتحانٌ لا تمنحه القصيدة لنفسها.
جاء عازفٌ من ذاكرة الحقيبة،
وضع إصبعه على موضع التكرار في النص،
وقال: هنا تعود العبارة ولكنها لا تعود كما كانت،
فالمرة الأولى تزرع المعنى والثانية تكشف ظله،
والثالثة تفتح الباب لشيءٍ لم نعرفه،
هكذا يتحول التكرار من عادةٍ إلى حركةٍ درامية.
رأيت الكورس يدخل القصيدة الجديدة،
لا بوصفه مجموعةً تردد ما يقوله المنشد،
بل بوصفه طبقةً ثانيةً من الوعي،
تجيب أحياناً وتخالف أحياناً وتترك فراغاً،
فتنشأ بين الفرد والجماعة موسيقى اختلاف،
وتصير القصيدة مسرحاً تتبادل فيه الأصوات حق الكلام.
في الخارج كانت القضارف تواصل ليلها،
مصابيحُ قليلةٌ تشبه نجومًا سقطت في الشوارع،
وعربةٌ تعبر الغبار حاملةً صندوقاً من البرتقال،
ورجلٌ يغلق دكانه ويترك أغنيةً في الباب،
كانت المدينة كلها تؤدي نصاً لا يعرف مؤلفه،
وكان المندلق يصغي إلى إيقاع الحياة قبل أن يسميه.
رأيت امرأةً تفتح نافذةً في الطابق الثالث،
تمد يدها إلى قمرٍ مصنوعٍ من زجاج،
ثم تضعه على حافة السرير مثل طفلٍ متعب،
وكانت ساعة الحائط تتأخر كلما تنفست،
في الشارع رجلٌ يعزف على صفيحةٍ فارغة،
وفي الغرفة تتكون قصيدةٌ من أصواتٍ لا يراها أحد.
في سوقٍ بعيد كانت الأشياء تتبادل أسماءها،
البرتقالة تنادي المصباح باسم أختها،
والميزان يزن ظلال المارة بدلاً من أثقالهم،
والبائع يبيع دقائقَ إضافيةً لمن تأخر عن الحب،
كانت الواقعية السحرية تخلع عن اليوم قناعه،
وتكشف أن العجائبي يسكن قلب العادي منذ البداية.
في تلك اللحظة فهمت أن القصيدة لا تحتاج إلى تنينٍ كي تصبح عجائبية،
يكفي أن يتكلم الباب مع صاحبه،
وأن تنسى الساعة مهمتها في قياس الزمن،
وأن تتحول الأغنية إلى طريقٍ يعبره الموتى،
وأن يرى العابر وجهه في ماءٍ لم يسقط بعد،
فالسحر الحقيقي هو انكشاف المستحيل داخل المألوف.
رأيت سروراً يمشي في شارعٍ من أصوات،
وكرومة يعبر من الجهة المقابلة دون أن يلتقيا،
لكن ظلالهما تلتقي على جدارٍ واحد،
فتتشكل من الظلين صورةُ مغنٍّ ثالث،
لا ينتمي إلى الماضي ولا يدعي تمثيل المستقبل،
بل يحمل ذاكرة الحقيبة إلى زمنٍ لم يسمعها بعد.
كان ذلك المغني الثالث يغني بلا كلمات،
يضع في حنجرته رائحة الأرض بعد المطر،
وفي صدره دورة إيقاعٍ تتسع وتضيق،
وفي عينيه خريطةٌ من مدنٍ لم تُبنَ،
ثم يترك النغمة تسير وحدها فوق الأسطح،
كأنها طائرٌ يبحث عن اللغة التي ستولد له.
في مرآةٍ بعيدة ظهر الأخفش مرةً أخرى،
وكانت حوله كتبٌ تتجادل في نسب التفاعيل،
لم يكن التاريخ سطراً واحداً كما تحب الحكايات السهلة،
فالمعرفة تتشكل من رواياتٍ وقراءاتٍ ومراجعات،
والأسماء الكبيرة لا تحتاج إلى أنسابٍ مختلقة،
كي تظل قادرةً على إلهام من يأتون بعدها.
تذكرت أن الأخفش الأوسط ليس مجرد ظلٍ للخليل،
وأن تاريخ العروض والنحو أكثر تعقيداً من صورة الأستاذ والتلميذ،
لكنني تركت المرآة مفتوحةً للشعر،
ففيها يمكن أن يلتقي العالمان دون تزوير التاريخ،
الخليل يزن نبض الكلام، والأخفش يصغي إلى وجوه الرواية،
والمستقبل يسأل الاثنين عن اللغة التي لم تكتمل.
على مائدةٍ مستديرة جلست البحور القديمة،
الطويل والبسيط والكامل والوافر والرمل والمتقارب،
وبقية الوجوه التي تحفظها الذاكرة العروضية،
وكان المتدارك يتأمل كرسيه كأنه يعرف مصيره،
لم يطرد أحدٌ أحداً من المائدة،
لكن مقعداً شاغراً ظل ينتظر فرضيةً جديدةً قابلةً للبرهان.
لم يكن المقعد الشاغر جائزةً للمندلق،
بل مسؤوليةً أثقل من الاسم،
فكل بحرٍ يترك وراءه نظاماً يمكن وصفه،
وكل نظامٍ يفتح مجالاً للقراءة والاختلاف،
أما الادعاء فينطفئ عند أول اختبار،
وتبقى القصيدة شاهدةً على ما استطاعت الأذن أن تثبته.
في آخر الليل رأيت البحر يخرج من الكتاب،
لم يكن يرتدي تاجاً ولا يحمل راية،
كان يمشي ببطءٍ على أرضٍ من مقاطع متناثرة،
ويجمع من كل مقطعٍ نبضةً لا تشبه أختها،
ثم يضع النبضات في وعاءٍ من ضوء،
ويتركها تتخمر حتى تنضج موسيقى جديدة.
كانت المدينة تنام وتستيقظ في اللحظة نفسها،
والقطارات تصل إلى محطاتها قبل أن تغادر،
والشوارع تلتف حول بيوتها مثل أفاعٍ من الإسفلت،
والأطفال يكبرون داخل أحلام آبائهم،
وكان الزمن حلزوناً يبتلع ذيله ثم يخرجه نجمةً،
لا يعود إلى البداية إلا لكي يغير معناها.
في ساحةٍ كونيةٍ رُفعت منصةٌ من الهواء،
وقف شاعرٌ لا يحمل اسماً ولا وطناً محدداً،
قرأ نصاً تتجاور فيه ذاكرة البحور مع نداء المستقبل،
وتصعد فيه الحقيبة السودانية إلى فضاءٍ مفتوح،
ثم تتقاطع مع أصوات إسبانيا وفرنسا وإنجلترا وألمانيا وإيطاليا وأمريكا،
دون أن تذوب لغةٌ في لغةٍ أو يختفي صوتٌ في آخر.
لم يكن الشاعر يطلب موسيقى عالميةً موحدة،
فالعالم لا يحتاج إلى حنجرةٍ واحدة،
كان يريد موسيقى تستطيع أن تسمع اختلاف الحناجر،
وتعرف كيف تمنح كل لغةٍ مجالها،
وكيف تترك بينها جسراً من الإصغاء،
حتى يصبح التنوع نفسه شكلاً من أشكال الانسجام.
في ذروة المشهد ارتفع صوتٌ من باطن الأرض،
قال إن القصيدة ليست سفينةً تعبر البحر فحسب،
بل بحرٌ يتعلم كيف يحمل سفنه،
وإن الموسيقى ليست زينةً للكلمات،
بل طريقةٌ يتعرف بها الوجود إلى حركته،
وإن الإيقاع هو أثر الزمن حين يلمس الجسد.
عندها انفتح المندلق على نفسه،
وتكاثرت في داخله النهايات مثل مرايا متقابلة،
كل نهايةٍ تعيد القصيدة إلى ومضتها الأولى،
لكن الومضة لم تعد كما كانت في البدء،
فقد حملت ذاكرة سرور وكرومة،
وأصوات البحور القديمة وأحلام الشعراء الذين لم يولدوا.
رأيت الخليل يبتعد في ممرٍ من النور،
يحمل ميزانه ولا يلتفت إلى الوراء،
وكان المتدارك يرافقه مثل صديقٍ قديم،
أما الأخفش فكان يقلب صفحاتٍ لم تكتب بعد،
وفي آخر الممر ظهرت نافذةٌ تطل على بحرٍ بلا شاطئ،
وكانت التفاعيل تعبرها كأنها أسرابٌ من نجوم.
سمعت من بعيد أغنيةً لا أعرف كلماتها،
ربما كانت من ذاكرة سرور أو من ظلال كرومة،
وربما كانت صوت مدينةٍ تتذكر نفسها،
وربما كانت قصيدةً عربيةً تكتب موسيقاها القادمة،
لكنني لم أبحث عن اسم المغني،
فقد صار الصوت ملكاً للفضاء الذي أنجبه.
في الصباح وجدت على الطاولة ورقةً واحدة،
لم تحمل عنواناً ولا توقيعاً ولا تاريخاً،
كان عليها أثرُ دائرةٍ تحولت إلى حلزون،
وفي قلب الحلزون نقطةٌ تنبض ثم تختفي،
وتحتها جملةٌ لم أستطع أن أقرأها كاملة،
كأن اللغة تركت نصفها للزمن كي يكتبه.
خرجت إلى الطريق فوجدت البحر ينتظر،
لم يكن أزرق ولا أخضر ولا بنفسجياً،
كان لوناً يتغير كلما اقتربت منه،
وفي موجه رأيت وجوه الشعراء والعازفين،
ورأيت القصيدة تخلع آخر قيدٍ عن خيالها،
ثم تمضي إلى جهةٍ لا يعرفها حتى الحلم.
لم أقل إن المندلق اكتمل،
فالبحر الذي يكتمل يغلق مياهه على نفسه،
ولم أقل إنه صار وزناً ثابتاً،
فذلك يحتاج إلى قواعدٍ وتجاربَ وإنشادٍ وفحص،
لكنني قلت إن الأذن وجدت سؤالاً جديداً،
وإن السؤال قد يكون أول أشكال الموسيقى.
كان سرور يضحك في آخر الموجة،
وكان كرومة يرسل نغمةً من خلف الضباب،
وكان الكورس يرفع صوته دون أن يطغى على الفرد،
وكانت القصيدة تكتب تاريخها بأصابعٍ من هواء،
أما البحر فكان يمد يده إلى المستقبل،
ويترك وراءه آثاراً لا تمحوها عودة المد.
ثم رأيت القصيدة تدخل حلماً آخر،
تجلس في قطارٍ بلا سائقٍ ولا وجهة،
وتقرأ على الزجاج أسماء مدنٍ لم توجد،
وتسمع من المقعد المجاور تفعيلةً تتنفس،
وتكتشف أن الطريق نفسه صار آلةً موسيقية،
وأن كل محطةٍ ليست إلا بدايةً مؤقتةً للرحيل.
كان القطار يعبر حقولاً من الورق،
وفي كل حقلٍ ينبت بيتٌ لم يكتبه شاعر،
وتحته جذورٌ من أوزانٍ قديمة،
وفوقه أجنحةٌ من قصائد حرةٍ لا تحصى،
وعلى حافة الحقل يقف عازفٌ يختبر الصمت،
كأنه يريد أن يعرف مقدار الموسيقى في الغياب.
عند المنعطف الأخير ظهر البحر السابع عشر،
لا بوصفه حقيقةً عروضيةً محسومة،
بل بوصفه احتمالاً يطلب من الشعراء عملاً شاقاً،
أن يختبروا نبضه ويكتبوا قوانينه إن أمكن،
وأن يميزوا بين ما يسمعونه وما يتخيلونه،
وأن يتركوا للقصيدة حقها في أن تفاجئ أصحابها.
مددت يدي إلى الماء فلم أقبض عليه،
كان يتسرب بين الأصابع مثل معنى لا يستقر،
لكنني سمعت في داخله صوتاً واضحاً،
يقول إن البحر لا يولد من الاسم وحده،
وإن القصيدة لا تعيش بالدهشة وحدها،
وإن الموسيقى تحتاج إلى حريةٍ تعرف كيف تصنع شكلها.
وفي المساء عادت الأغنية إلى النافذة،
كان صوت سرور يمر من جهة الذاكرة،
وصوت كرومة يمر من جهة اللحن،
وكانت المدينة تضع بينهما ضوءاً صغيراً،
ثم تتركه يكبر حتى يصير قمراً،
فوق بحرٍ يتعلم كل ليلةٍ اسماً جديداً.
لم يعد المندلق يبحث عن مقعدٍ بين البحور،
صار يفتش عن أذنٍ قادرةٍ على احتمال اختلافه،
وعن شاعرٍ لا يخلط الحرية بالإهمال،
وعن عازفٍ يسمع ما وراء الكلمات،
وعن ناقدٍ يفتح المختبر دون أن يطفئ الحلم،
وعن قارئٍ يقبل أن تكون النهاية نافذةً لا جداراً.
رأيت القصيدة تخلع حذاءها عند حافة البحر،
وتدخل الماء بقدمين من ضوء،
وكانت الموجة الأولى تحمل ذاكرة الخليل،
والثانية تحمل حنجرة سرور،
والثالثة تحمل أصابع كرومة،
أما الرابعة فكانت تحمل صمت شاعرٍ لم يولد بعد.
ثم انطفأت المصابيح دفعةً واحدة،
لكن الظلام لم يكن نهاية المشهد،
فقد بدأت النجوم تنقر سقف الليل بإيقاعٍ خفي،
وصار كل نجمٍ مقطعاً وكل مدارٍ قصيدة،
وكان البحر ينساب في فضاءٍ لا يحده ساحل،
بينما تركت القصيدة بابها مفتوحاً للذين سيأتون.
________
سبتمبر 2026م
برج الثقافة - القضارف

تعليقات
إرسال تعليق