ديوان : ديالكتيك الممشى
ديالكتيك الممشى

مصعب الرمادي
ديالكتيك الممشى
__________________
الكتاب : ديالكتيك الممشى
الكاتب : مصعب الرمادي
تاريخ الطبع : أكتوبر 2026م
حقوق الطبع والتأليف محفوظة للمؤلف
____________________
I
شيئاً فشيئاً، قبل أن تكتمل دورة الصهد،
كانت الريح تكنس أوراق الشجر اليابسة،
وكان الممشى يبدّل جلده تحت أقدام العابرين،
كأن الأرض حيوانٌ قديمٌ يستعدّ لتبديل ذاكرته.
II
قالت امرأةٌ، في ليلةٍ يتدلّى قمرها من غصن المشمش:
أيّنا يتعلّم التربّص من الآخر؟
أنت الذي تراقب الظلال، أم الحذاء الذي ينتظر القدم،
أم الطريق الذي يعرف موعد السقوط ولا يحذّر أحداً؟
III
كانت تضع العطر على معصمها،
وتترك للنافذة مهمّة إكمال الجملة.
حين اقتربت، تراجع الضوء قليلاً؛
وحين ابتعدت، ظلّ المقعد يحتفظ بحرارة الغياب.
IV
في الخارج، كان الزنزلخت يراقب المشهد
بحياد شجرةٍ لا تعرف شيئاً عن الأخلاق،
لكنها تعرف أن الطيور تغيّر أعشاشها،
وأن الجذور لا تصوّت حين تُقتلع.
V
وضع حذاءه قرب السرير،
كمن يضع سؤالاً عند باب النوم.
كانت قدماها حافيتين على السجادة،
وكان بينهما طريقٌ لم ترسمه الخرائط.
VI
لم يكن الحذاء مصنوعاً من الجلد وحده؛
في باطنه عرقُ عاملٍ لم يُذكر اسمه،
وفي خياطته أجرةٌ مؤجّلة،
وفي لمعانه اقتصادٌ كاملٌ من الأكاذيب.
VII
قال الإسكافي: الجلد يتذكّر الحيوان.
وقال الفيلسوف: الوجود يتذكّر العابر.
أما الحذاء، فظلّ صامتاً،
لأنه كان يحمل الاثنين إلى سوقٍ واحد.
VIII
على الرصيف، رجلٌ يبيع الأحذية المستعملة،
يمسح نعلاً قديماً بقطعة قماش،
ثم يرفع عينيه إلى زبونٍ أنيق
كأنه يفاوضه على ماضيه لا على مقاس قدمه.
IX
كان الزبون يريد حذاءً لا يترك أثراً،
حذاءً يعبر الفقر من دون أن يلتفت،
ويجتاز الحروب من دون غبار،
ويعود إلى البيت كأن العالم لم يمسّه.
X
لكن الحذاء يعرف أسرار صاحبه:
يعرف أين تباطأ أمام بابها،
وأين أسرع حين رأى الشرطي،
وأين وقف طويلاً أمام واجهةٍ
تعرض حياةً لا يستطيع شراءها.
XI
في كتابٍ قديم، وجد رسماً لحذاء فان غوخ؛
حذاءً لا يطلب من المشاهد أن يحبّه،
بل أن يسأل عمّن استهلكه الطريق،
وعن اليد التي أصلحته، وعن الأرض التي ابتلعته.
XII
قالت اللوحة: هذا حذاء.
قال التأويل: هذا أثر العمل.
قال الجدل: من يملك الشيء، ومن يملك معناه؟
ثم مرّت امرأةٌ بكعبٍ عالٍ،
فانحنى السؤال ليفسح لها الطريق.
XIII
كان الكعب يطرق الأرض
كما يطرق موظفٌ باب سلطةٍ لا يراها.
كل طرقةٍ توقّع عقداً صغيراً
بين الجسد والجاذبية والعيون المتربّصة.
XIV
لم تكن مشيتها إعلان حرب،
ولا استسلاماً للمرآة؛
كانت تعرف أن الخطوة لغتها،
وأنها تستطيع أن تفتح المسافة
أو تغلقها بإشارةٍ لا يملكها سواها.
XV
اقتربت منه، ثم توقّفت.
لم يسألها لماذا؛
فالقبول ليس طريقاً مستقيماً،
والرغبة التي لا تسمع كلمة «لا»
ليست رغبةً، بل سلطةٌ ترتدي وجهاً بشرياً.
XVI
في المرآة، كان الجسد يتأمّل صورته،
وكانت الصورة تتأمّل مَن يتأمّلها.
لم يعد النهد تضاريسَ منفصلةً عن العالم،
ولا الردف خريطةً يحقّ للعابر امتلاكها؛
كان الجسد سيادةً لا تُمنح إلا برضا صاحبه.
XVII
تذكّر نصيحةً قديمةً عن الإغواء،
ثم مزّقها؛
فليس العطر وعداً بالعبور،
ولا الزينة صكّاً لفتح الأبواب،
ولا التمايل تفويضاً لأحدٍ بتجاوز الحدود.
XVIII
في مجتمع الحريم، كانت المرايا تتكاثر،
وكانت النساء يتعلّمن هندسة النظرات،
والتنافس على الإصغاء،
والضحك حين يتحوّل الصمت إلى امتياز.
لكن امرأةً واحدةً أطفأت المرآة،
وخرجت تسأل عن الباب الذي لا يحتاج إلى حارس.
XIX
قالت العجوز، وهي ترتّب الحليّ:
كلُّ زينةٍ لها تاريخٌ من الخوف.
وكلُّ عطرٍ يخفي وراءه سؤالاً:
لمن نتجمّل حين لا يكون أحدٌ في الغرفة؟
XX
في منتصف الليل، نهض الحذاء وحده،
ومشى إلى النافذة.
رأى المدينة تقلب وجوهها كأوراق اللعب،
ورأى المارة يجرّون وراءهم
أحذيةً لم يشترها أحدٌ منهم بإرادته.
XXI
كان لكل حزبٍ حذاءٌ رسمي،
ولكل خطابٍ نعلٌ يطابق مقاس الجماهير.
تبدّلت الرايات، وظلّ الغبار واحداً،
وتغيّرت الشعارات فوق الجدران،
بينما بقيت الأقدام تنتظر أجورها.
XXII
قال الحذاء للراية:
أنتِ ترفرفين فوق الرؤوس،
وأنا أُداس تحتها.
ومع ذلك، حين تنتهي المسيرة،
يُعلّقون الراية في المتحف،
ويتركونني عند باب المخزن.
XXIII
في مكتب المسؤول، حذاءٌ لامع،
وملفٌّ عن الفقراء،
وصورةٌ لمشروعٍ لم يكتمل.
كان الرجل يتحدث عن المستقبل،
بينما ظلّ حذاؤه واقفاً فوق حاضرٍ مكسور.
XXIV
وفي المصنع، كانت الآلات تبتلع الجلود،
والأجساد تكرّر الحركة ذاتها،
ثماني ساعاتٍ من النهار،
ثم تعود إلى البيوت بأقدامٍ
تعرف التعب أكثر مما تعرف أسماء الأشياء.
XXV
قال ماركس، في هامشٍ متخيّل:
انظر إلى ما يخفيه التبادل.
فالسعر لا يكشف كلَّ الأيدي التي صنعت الشيء،
واللمعان لا يشرح عدد الظهور التي انحنت،
والحذاء الذي يشتريه الغنيّ
قد يحمل في خياطته عمرَ فقيرٍ مجهول.
XXVI
لكن العامل لم يقرأ الهامش؛
كان يحسب أجرة الحافلة،
ويشتري خبزاً، ويصلح نعلاً،
ثم ينام على حلمٍ صغير
كي يستطيع بيع نهارٍ آخر.
XXVII
في الصباح، ارتدى الطفل حذاءً أكبر من قدمه،
ومشى إلى المدرسة كأنه يستعير مستقبلاً.
كان النعل يصفّر مع كل خطوة،
وكان الطريق يضحك في سرّه:
كم من الناس كبروا داخل أحذية الآخرين!
XXVIII
على الجسر، وقف جنديٌّ يلمّع حذاءه،
وراءه مدينةٌ تنام بعينٍ مفتوحة.
لم يعرف إن كان يحمي الحدود،
أم أن الحدود ترتدي ساقيه،
وتأمره بالوقوف حيث ينتهي السؤال.
XXIX
في الجهة الأخرى، حذاءٌ وحيدٌ قرب حفرة،
لا قدم فيه، ولا اسم، ولا وصيّة.
مرّت سيارةٌ فوق الغبار،
فارتفع الحذاء قليلاً،
كأنه يلوّح لمن تأخر عن دفنه.
XXX
هكذا تتكلم الأشياء حين يصمت أصحابها:
الكوب يحفظ شكل الشفاه،
والباب يحفظ دفعة الكتف،
والحذاء يحفظ انحناءة الجسد
حين يهرب من رصاصةٍ أو يقترب من قبلة.
XXXI
في متحفٍ بعيد، نام حذاء سندريلا الزجاجي،
وكان الزجاج شفافاً بما يكفي
ليُظهر القدم، لا ليكشف الحكاية.
من الذي اخترع المقاس المناسب؟
ومن الذي قرر أن الخلاص
يبدأ حين تعثر المرأة على فردةٍ مفقودة؟
XXXII
ضحك الحذاء الزجاجي من الأمير،
وقال: أنت تبحث عن صاحبة القدم،
لكنّك لا تسأل إن كانت تريد القصر.
ثم تشقّق في الحلم،
وسقطت من داخله شظيةٌ تشبه باباً مفتوحاً.
XXXIII
أما حذاء القطّ في الحكاية،
فكان يعرف كيف يصنع من المظهر سلطة،
ومن الخدعة طريقاً إلى القصر.
لبسه القطّ، فصدّقه الناس؛
فكم من حقيقةٍ تحتاج إلى حذاءٍ أنيق
كي تعبر بوابة الاعتراف؟
XXXIV
وفي خزانة طفلٍ، نام حذاء دوروثي،
يحتفظ بلمعةٍ جاءت من عالمٍ آخر.
كانت العودة ممكنةً بثلاث ضربات،
لكنّ الطريق إلى البيت
ظلّ أعقد من حركة الكعب على الكعب.
XXXV
حذاءٌ أحمر في حكاية أندرسن،
يرقص حتى يفقد صاحبه القدرة على التوقّف.
من منح الرغبة هذه السرعة؟
ومن جعل الزينة عقوبةً؟
ومن قال إن القدم التي تطلب الفرح
يجب أن تدفع ثمنه من جسدها؟
XXXVI
وفي مكانٍ آخر، كان حذاء طنبوريٍّ عجوز
يدخل الأسواق قبل صاحبه،
ويخرج منها محمّلاً بسيرةٍ من الديون.
كلما حاول التخلص منه،
عاد الحذاء كأن الفقر ذاكرةٌ
تجدّد نفسها في كل موسم.
XXXVII
تحت شجرةٍ عتيقة، وُضعت نعلا موسى،
وفي الحكاية أمرٌ بالخلع عند الوادي المقدّس.
تساءل العابر: متى يصبح خلع الحذاء
اعترافاً بأن الأرض ليست ملكاً للقدم؟
ومتى يصبح ارتداؤه
إصراراً على أن لكل جسدٍ حقّ العبور؟
XXXVIII
وعند عتبةٍ هندية، ظهرت فردتا حذاء راما،
رمزاً لسلطةٍ يمكن أن يغيب صاحبها
ويبقى أثره في موضعه.
قالت الفردتان: ليس كلُّ غيابٍ فراغاً،
فبعض الغائبين يتركون نظاماً،
وبعض الحاضرين لا يتركون سوى الضجيج.
XXXIX
أما الحذاء ذو الأميال السبعة،
فكان يختصر المسافة ويضاعف الحيرة.
خطوةٌ واحدةٌ تعبر الجبال،
لكنها لا تعبر الندم،
ولا تختصر الطريق إلى قلبٍ
تعلّم أن يخاف من الوصول.
XL
في مخزن الأحذية، اجتمعت الأساطير:
زجاجٌ، وجلدٌ، وخشبٌ، وغبار،
وأحذيةٌ لم تعرف أقداماً قطّ.
كانت تتجادل حول أصل الطريق،
حتى دخل طفلٌ حافياً
فانقطع النقاش.
XLI
قال الفيلسوف: الوجود ليس حذاءً.
قال الإسكافي: جرّب المشي يوماً في هذا العالم.
قالت المرأة: كلاكما يتحدث عن القدم،
ولا يسألني أين أريد أن أذهب.
فصمتت الكتب، وبدأ الممشى.
XLII
لم يكن الممشى خطاً على الأرض،
بل جملةً تعيد ترتيب كلماتها.
كل عابرٍ يغيّر فاصلةً،
كل حذاءٍ يترك علامةً،
وكل عودةٍ تمحو شيئاً
كي يظهر شيءٌ لم يكن مرئياً.
XLIII
في أول النهار، كانت الريح تكنس الأوراق.
وفي آخره، كانت الأوراق تكنس الذاكرة.
لم يعرف الرجل أيّهما سبق الآخر،
فالأشياء في الزمن الحلزوني
تصل قبل أن تغادر،
وتغادر بعد أن تصل.
XLIV
رأى أوديب أبا الهول عند العتبة،
امرأةً بوجه اللغز،
وأسداً يحمل جسد القوة،
وجناحين يرفرفان فوق طريقٍ لا ينتهي.
سأله الوحش: من يمشي؟
فأجاب الرجل: من لم يعرف بعدُ
أن السؤال يمشي داخله.
XLV
قال أبو الهول: ما الذي يمشي بأربعٍ في الصباح،
وباثنتين في الظهيرة، وبثلاثٍ في المساء؟
قال أوديب: الإنسان.
فضحك الطريق؛
فقد عرف الإجابة قبل أن يولد السؤال،
لكنه أراد أن يرى الإنسان
وهو يتعثّر في يقينه.
XLVI
لم يسقط أبو الهول هذه المرة،
ولم تنقذ الإجابة مدينةً من مصيرها.
ظلّ اللغز جالساً فوق الصخرة،
لأن الإنسان الذي عرف اسمه
لم يعرف بعدُ اسم الطريق الذي يسلكه.
XLVII
تقدّم أوديب، وكان حذاؤه مبلّلاً
بماءٍ لا تعرفه الأنهار.
رأى وراءه آثار طفولةٍ مطموسة،
وأمامه باباً يشبه باب البيت،
فأدرك أن المعرفة قد تفتح العتبة،
لكنها لا تعيد البراءة إلى القدم.
XLVIII
على الطريق، كان نيتشه يمشي بلا خريطة،
يسأل الحجارة إن كانت تؤمن بالعودة.
أجابته الحجارة بصمتٍ دائري،
فكتب في الغبار: ربما نعود،
لكننا لا نعود بالوجه نفسه.
XLIX
وعند مفترقٍ، وقف هايدغر يتأمل حذاءً،
لا باعتباره شيئاً معزولاً عن العالم،
بل باعتباره انكشافاً لعلاقةٍ بين القدم والأرض والعمل.
كان الطريق بيتاً مؤقتاً للوجود،
وكان الحذاء باباً صغيراً
يفتح على حياةٍ كاملة.
L
وصل شابيرو، وتبعه دريدا،
واختلفت القراءة حول ما تقوله اللوحة.
أهذا حذاء فلاحٍ أم أثرُ عملٍ مجهول؟
هل يملك الشيء معنىً واحداً،
أم أن كلّ قراءةٍ تفتح شقّاً في المعنى؟
LI
قال دريدا، في محكمة الحروف:
لا تثقوا بالحدود التي ترسمها الكلمات.
الحذاء ليس ما يحيط بالقدم فحسب،
بل ما يكشفه الفرق بين الداخل والخارج،
بين الأثر وصاحبه،
بين الشيء واسمه الذي لا يستقرّ.
LII
وكان فوكو يراقب طابوراً أمام باب المؤسسة،
يرى كيف تنتظم الأقدام في صفوف،
وكيف تتحوّل الخطوات إلى توقيت،
وكيف يصبح الجسد قابلاً للقياس
حين يُفرض عليه ممشىً واحد.
LIII
في السجن، كان الحذاء يصدر صوتاً منتظماً،
خطوةً إلى الباب، وخطوةً إلى الجدار.
لم تكن الحرية غائبةً تماماً،
لكنها كانت تُقاس بعدد الأمتار
التي يسمح بها الحارس.
LIV
وفي الشارع، كان إعلانٌ يبيع حذاءً رياضياً،
يَعِد صاحبه بالسرعة والقوة والانتصار.
وقف شابٌّ أمام الصورة،
ثم نظر إلى ساقيه المتعبتين،
وعرف أن السوق يبيع أحياناً
حلماً جاهزاً لا يبيع القدرة على تحقيقه.
LV
كانت الأيديولوجيا ترتدي جلداً ناعماً،
وتخيط شعاراتها في بطانة الأحذية.
تقول للقدم: امشي كما يمشي الجميع،
وتقول للعابر: الطريق لك،
ثم تضع عند آخره بوابةً لا يملك مفتاحها.
LVI
لكن القدم لم تكن مطيعةً دائماً.
في يومٍ من أيام الاحتجاج،
توقّف آلاف الأحذية في منتصف الشارع.
لم يتقدّم أحد،
ومع ذلك تحرّك التاريخ قليلاً،
كأن السكون نفسه صار خطوةً جماعية.
LVII
في الميدان، سقط حذاءٌ من قدم متظاهر،
فمرّت عليه الأقدام، ثم توقفت.
رفعه طفلٌ ووضعه قرب الرصيف،
كأنه يعيد إلى الغائب حقّه في الصورة،
وكأن المدينة بدأت تتعلّم
أن الأشياء الصغيرة قد تشهد على ما تنكره الخطب.
LVIII
في المساء، عاد الحذاء إلى البيت وحده،
وكان الباب نصف مفتوح.
سألت الأمُّ العتبة عن صاحب القدم،
فأجابها الغبار،
ثم صعدت رائحة الخبز من المطبخ
كأن الحياة ترفض أن تتحوّل كلّها إلى رثاء.
LIX
في غرفةٍ مجاورة، كانت امرأةٌ ترتّب حذاءها،
وتختار عطراً لا يعلن سرّه من بعيد.
لم تكن تستعدّ لتكون موضوعاً لنظرةٍ عابرة،
بل لتكون صاحبة المسافة،
تقرر من يقترب، ومتى ينتهي الاقتراب.
LX
دخل عاشقٌ يحمل زهرةً صغيرة،
ووضعها على الطاولة، لا في يدها.
انتظر جواباً لا يملكه،
فابتسمت، ثم قالت: اقترب.
كانت الكلمة ممشىً قصيراً،
وكانت المسافة بينهما
أوسع من كلّ الطرق التي قطعاها.
LXI
تلامست يداهما، ثم ارتدّ الضوء عن الزجاج.
لم يكن اللمس امتلاكاً،
بل سؤالاً يتجدّد مع كلّ حركة،
وكان الصمت بينهما واضحاً بما يكفي
ليحفظ للرغبة بابها المفتوح وحدودها.
LXII
على السجادة، استراح الحذاءان متجاورين،
كأنهما تعبَا من حراسة الجسد.
وكان الليل يمرّ على حوافّ الأشياء،
يمنحها ظلالاً أطول من حقيقتها،
ويترك للخيال أن يواصل ما لا تقوله اللغة.
LXIII
في الصباح، وجدت المرأة عند الباب
أثراً خفيفاً من الغبار،
فابتسمت؛
لم يكن الغبار دليلاً على الخيانة،
ولا النظافة برهاناً على الوفاء،
فالطرق لا تمنح أحداً شهادةً أخلاقية.
LXIV
عاد الرجل إلى الشارع،
وكانت المدينة قد بدّلت إشاراتها.
الطريق الذي قاده إلى الحبّ بالأمس
قاد غيره إلى المحكمة اليوم،
وفي الزاوية نفسها باع بائعٌ حذاءً
لرجلٍ يظن أن المقاس المناسب
يكفي كي تتناسب الحياة معه.
LXV
تحت الجسر، كان عاملٌ يصلح نعلاً ممزّقاً،
ويحكي لابنه عن بلدٍ بعيد.
قال: لا تثق بالمسافات التي تعدك بالنجاة،
لكن لا تجعل الخوف بيتك الأخير.
ثم غرز الإبرة في الجلد،
فخرج من الثقب خيطٌ يشبه خطّ الأفق.
LXVI
في السوق، تساوت الأسعار على اللوحات،
لكنها لم تتساوَ في الأجساد.
كان حذاءٌ يُعرض خلف الزجاج،
وحذاءٌ آخر ينام في كيسٍ مهترئ،
وكانت المسافة بينهما
أقرب إلى جدارٍ منها إلى شارع.
LXVII
قالت المدينة: الجميع يمشي.
قال الفقير: لكن بعضنا يمشي كي يبقى حياً.
وقال الغنيّ: الطريق مفتوحٌ للجميع.
ثم أدار سيارته نحو البوابة الخاصة،
وترك الممشى العامّ يختنق بالظهيرة.
LXVIII
في البرلمان، تحدّثوا عن حرية الحركة،
ووقّعوا أوراقاً تمنع الحركة.
كان كلّ مقعدٍ حذاءً كبيراً،
وكلّ منصةٍ ممشىً ضيقاً،
وكلّ وعدٍ باباً يفتح على ممرّ آخر
لا يصل إلى المكان الذي وُعد به.
LXIX
في المدرسة، كتب المعلّم على السبورة:
الإنسان كائنٌ يمشي.
رفع طفلٌ يده وسأل:
وإذا لم يجد حذاءً؟
توقّف الطباشير في منتصف الجملة،
وانفتح في الحائط شقٌّ صغير
دخلت منه شمسٌ لم يخطط لها الدرس.
LXX
في المستشفى، ترك مريضٌ حذاءه تحت السرير،
وكانت قدمه ملفوفةً بالشاش.
لم يعرف إن كان سيعود إلى الطريق،
لكن الحذاء ظلّ ينتظر،
كأن الانتظار أيضاً وظيفةٌ من وظائف الأشياء.
LXXI
في المطار، عبرت الأحذية بوابة التفتيش،
وصارت الأقدام أرقاماً على شاشات.
حقيبةٌ تحمل أحذيةً جديدةً إلى بلدٍ بعيد،
وأخرى تحمل فردةً قديمةً
لأن صاحبها لا يستطيع ترك ذكرى
لا وزن لها في ميزان الأمتعة.
LXXII
على الحدود، طلب الحارس من المسافر أن يخلع حذاءه.
خلعه، فظهر الغبار الذي جمعه من مدنٍ عديدة،
والتشقّق الذي حفظ شكل الرحلة،
والجرح الذي لم يظهر في جواز السفر.
قال الحارس: ما غايتك؟
أجاب المسافر: أن أجد مكاناً
لا يُسأل فيه الحذاء عن أصله.
LXXIII
في المنفى، كانت المرأة تمشي كل مساء،
لا لتصل إلى مكانٍ محدد،
بل كي لا يصير البيت غرفةً مغلقةً داخل الرأس.
كان حذاؤها يترك أثراً على الثلج،
ثم تمحوه الريح،
فتعيد الخطوة كأنها تكتب رسالةً
إلى قارئٍ لم يولد بعد.
LXXIV
في هاتفها، صورةُ شارعٍ قديم،
ورائحةُ مطبخٍ لا تستطيع الصورة حفظها،
وصوتُ أمٍّ يقول: انتبهي للطريق.
كان الحذاء عند الباب،
وكانت المسافة بين الصورة والبيت
أطول من المحيطات التي قطعتها الطائرة.
LXXV
هكذا تتكاثر الأزمنة داخل النعل:
زمنٌ لماضٍ يمشي خلف صاحبه،
وزمنٌ حاضرٌ يتعثّر في فواتيره،
وزمنٌ آتٍ ينتظر عند محطةٍ مغلقة.
ولا أحد يعرف أيّ الأزمنة
يرتدي القدم أولاً.
LXXVI
في الليل، استيقظ الحذاء من حلمه،
فوجد نفسه فردةً واحدةً في صحراء.
بحث عن شريكه،
فأجابه السراب: ربما صار ممشىً،
وربما اختار طريقاً لا يحتاج إلى قدم.
LXXVII
كانت النجوم تنزل إلى الأرض،
لا لتضيء الطريق،
بل لتسأل العابرين عن أسماء المدن
التي محوها من خرائطهم.
وفي الرمل، تشكّلت حروفٌ مقلوبة،
كلما قرأها المسافر عاد خطوةً إلى الوراء.
LXXVIII
رأى الحذاء في الأفق حذاءً آخر،
يمشي من دون صاحب،
فأسرع نحوه.
كلما اقترب، اتسعت المسافة،
حتى فهم أن بعض الأشياء
ليست بعيدةً في المكان،
بل بعيدةٌ في معنى الوصول.
LXXIX
في مدينةٍ بلا مرايا، صارت المشية مرآةً.
عرف الناس بعضهم من وقع الخطوات،
وعرفوا الخائف من سرعة نعله،
والعاشق من تردّده،
والسلطة من وقع أحذيتها المتشابهة
حين تمرّ فوق أرصفةٍ لا تتشابه.
LXXX
ثم جاءت ريحٌ أخرى،
وكنست أوراق الشجر اليابسة،
وأعادت ترتيب آثار الأمس.
قالت المرأة: هل تعلّم الممشى أخيراً؟
قال الرجل: لا.
لكنه صار يعرف أن التربّص ليس حكمةً دائماً،
وأن الحذر إذا طال
قد يتحوّل إلى قفصٍ شفاف.
LXXXI
كانت قد تركت النافذة مفتوحة،
لا دعوةً لأحد،
بل كي يدخل الهواء من غير استئذان.
على الطاولة، عطرٌ وكتابٌ وحذاء،
وفي الكتاب جملةٌ مشطوبة،
وفي الحذاء أثرٌ لا يريد صاحبه محوه.
LXXXII
قالت: لكلّ طريقٍ ثمن.
قال: ولكلّ ثمنٍ طريقٌ آخر.
ثم ضحكا، لأنهما أدركا
أن الفلسفة أحياناً
تبدأ حين يعجز الاثنان عن إصلاح مقبض الباب.
LXXXIII
في الصباح التالي، مرّا بالسوق،
فاشتريا خبزاً وحذاءً جديداً.
كان البائع يمدح الجلد،
وكانت المرأة تختبر النعل بيدها،
وكان الرجل يتأمل السعر،
كأن الثلاثة يقرؤون نصّاً واحداً
بلغاتٍ لا تتفق على معنى القيمة.
LXXXIV
في الطريق إلى البيت، تعثّر الرجل،
فأمسكت بذراعه.
لم يكن التعثّر عيباً،
ولا الإمساك انتقاصاً من حريته؛
كانت اليد جسراً مؤقتاً،
وكان الجسر يعرف أن العابرين
لا يملكون دائماً قدمين متساويتين.
LXXXV
في المساء، خلع حذاءه،
ووضعه قرب حذائها.
لم يتشابها في اللون،
ولا في المقاس، ولا في تاريخ الاستعمال،
لكن المسافة بينهما
لم تعد ساحةً للمنافسة،
بل مساحةً تسمح لكلّ واحدٍ
أن يحتفظ بطريقه.
LXXXVI
وفي الحلم، عاد أبو الهول إلى العتبة،
لكن وجهه لم يعد وجه امرأةٍ غامضة،
ولا جسده جسد أسدٍ متحفّز.
صار تمثالاً من أحذيةٍ قديمة،
وفي فمه لغزٌ جديد:
ما الذي يمشي حين تتوقف القدم،
وما الذي يتوقف حين يظنّ أنه وصل؟
LXXXVII
أجاب الطفل: الذاكرة.
أجاب العامل: التاريخ.
أجابت المرأة: الرغبة.
وأجاب الحذاء، بعد صمتٍ طويل:
الإنسان الذي ينسى أن الطريق
يتغيّر كلما غيّر خطوته.
LXXXVIII
لم يمت أبو الهول،
ولم ينجُ أوديب من أسئلته،
لكن المدينة فتحت أبوابها للمسافرين.
صار لكلّ عابرٍ حقُّ السؤال،
ولكلّ سؤالٍ حقُّ البقاء مفتوحاً،
ولكلّ حذاءٍ حقُّ أن يتوقّف
حين تصبح الخطوة التالية أمراً لا اختياراً.
LXXXIX
في الساحة، رقصت الظلال من دون أجساد،
وكانت الأحذية تتبادل أصحابها في الحلم.
حذاءُ العامل على قدم الوزير،
وحذاءُ الوزير في يد الطفل،
وحذاءُ الجنديّ معلّقٌ على غصن،
كأن العالم يجرّب للمرة الأولى
تغيير مواقع الأشياء قبل تغيير أسمائها.
XC
لكن الفجر لم يأتِ عادلاً.
عاد العامل إلى أجره القليل،
وعاد الحارس إلى بوابته،
وعادت المرأة إلى مرآتها،
وعاد الحذاء إلى عتبة البيت.
غير أن شيئاً دقيقاً تغيّر:
لم يعد أحدٌ يظن أن المقاس
هو الحقيقة الكاملة للقدم.
XCI
في دفترٍ مفتوح، كتب الشاعر:
الحذاء جلدٌ يلامس الأرض،
والأيديولوجيا جلدٌ يلامس العقول،
وكلاهما قد يحمي،
وكلاهما قد يخنق،
إذا نسي صاحبه أن الجلد
ليس العالم كلّه.
XCII
ثم شطب كلمة «صاحبه»،
وكتب «من يرتديه».
فليس الحذاء ملكاً للقدم على الدوام،
ولا الفكرة ملكاً لمن ينطق بها،
ولا الطريق ملكاً لمن يرسمه؛
فالأشياء تعبر بين الأيدي،
وتغيّر معناها كلما تغيّرت علاقتها بالعالم.
XCIII
في آخر السوق، كان الإسكافي يغلق دكّانه،
ويضع الإبرة في صندوقٍ خشبي.
سأله طفلٌ: هل تصلح كلّ الأحذية؟
قال: لا.
بعضها يحتاج إلى نعلٍ جديد،
وبعضها يحتاج إلى قدمٍ تستريح،
وبعضها يحتاج إلى طريقٍ
لا يعيد صاحبه إلى الحفرة ذاتها.
XCIV
كانت الريح قد هدأت،
لكن أوراق الشجر واصلت السقوط.
لم يعد الرجل يراقبها ليعرف اتجاه الريح،
بل ليتعلّم أن السقوط أيضاً
حركةٌ لها إيقاعها،
وأن ما ينتهي في الغصن
قد يبدأ في ذاكرة الأرض.
XCV
عند العتبة، توقّف الحذاء لحظةً،
كأنه يصغي إلى شيءٍ تحت البلاط.
سمع جذور الزنزلخت تتحدث،
وسمع الطرق القديمة تتبادل الحكايات،
وسمع أقداماً لم تولد بعد
تسأل عن ممشىً لا يخاف من الاختلاف.
XCVI
لم يعد الطريق عريضاً أو ضيقاً،
لم يعد وعداً باللقاء،
ولا عقوبةً على التأخر،
ولا خطاً مستقيماً نحو خلاصٍ جاهز.
كان طريقاً يتغيّر تحت الخطوة،
وكانت الخطوة تتغيّر تحت السؤال،
وكان السؤال يترك باباً مفتوحاً
لما لم يُفكَّر فيه بعد.
XCVII
في الغرفة، أطفأت المرأة الضوء،
وتركت النافذة مفتوحةً على الليل.
قالت: هل نعرف أين نمضي؟
قال: نعرف متى نقترب،
ومتى نتوقف،
ومتى نترك للطريق حقّاً
في ألا يكون امتداداً لرغبتنا.
XCVIII
تجاور الحذاءان عند الباب،
وفي الخارج مرّت سيارةٌ مسرعة،
ثم هدأ الشارع،
ثم عادت الريح إلى عادتها القديمة.
لم يكن في المشهد انتصارٌ معلن،
ولا نهايةٌ تستحق التصفيق؛
كانت الحياة تعيد خياطة يومها
بإبرةٍ صغيرةٍ من التعب والحنان.
XCIX
ومرةً أخرى، قبل اكتمال دورة الصهد،
كنست الريح أوراق الشجر اليابسة.
وقف أبو الهول عند مفترق الطرق،
لا يلتهم العابرين،
ولا يمنحهم خلاصاً مجانياً،
بل يترك أمامهم لغزاً
يتغيّر كلما تغيّر صاحب القدم.
C
أما الحذاء، فقد مضى.
لم يعرف إن كان يمشي إلى المستقبل،
أم أن المستقبل كان يقترب منه،
ولم يعرف إن كان الممشى جلده،
أم أن جلده صار ممشىً للآخرين.
في آخر الطريق، لم يجد باباً،
بل عتبةً أخرى،
وعلى العتبة أثرُ قدمٍ لم تُخلق بعد.
وكان السؤال، أخيراً،
يمشي حافياً.
______
أكتوبر 2026م
حي كرفس - القضارف
تعليقات
إرسال تعليق