ديوان : هوام تنهش ذاكرة الرعد

هوام تنهش ذاكرة الرعد 

مصعب الرمادي

هوام  تنهش ذاكرة الرعد

__________________
 الكتاب : هوام تترك العالم بلا آثار 

 الكاتب : مصعب الرمادي
تاريخ الطبع : أكتوبر 2026م
حقوق الطبع والتأليف محفوظة للمؤلف 

____________________ 

في الصباح، يترك الكرسيُّ انحناءته على الهواء.

لا أحد يجلس عليه.

ومع ذلك، تتراجع الطاولة قليلًا، كأن يدًا غير مرئية قد دفعتها نحو النافذة.

على الزجاج قطرة ماء.

تحت القطرة، هامةٌ صغيرة تتلمس طريقها إلى الضوء.

لا تعرف شيئًا عن الرجل الذي غادر الغرفة، ولا عن المرأة التي أغلقت الباب خلفه، ولا عن السنوات التي ستحتاج إليها الأشياء كي تتفق على ما حدث.

تمضي الهامة.

ويبقى الكرسي في انتظاره.

*

لم يكن الرعد بعيدًا.

كان في الملعقة التي سقطت من يد الطفل، وفي ارتجافة الماء داخل الكأس، وفي الباب الذي انفتح على ممرٍّ لا يؤدي إلى أي مكان.

سمعته المرأة، لكنها لم ترفع رأسها.

كانت تقشر تفاحة.

كلما أدارت السكين، امتدت القشرة في شريطٍ طويل، أحمر من جهة، أبيض من جهة أخرى، كأن الزمن جلدٌ يمكن نزعه عن الأشياء.

على حافة الطاولة، تحركت هامة.

توقفت المرأة.

لم يكن في الغرفة ما يستحق الخوف.

وهذا بالضبط ما أخافها.

*

في الغرفة المجاورة، ينام رجلٌ منذ أعوام.

يقول الأطباء إنه مستيقظ.

ويقول الذين يزورونه إنه غائب.

أما الساعة، فتواصل عملها، دقيقةً بعد دقيقة، من غير أن تسأل أحدًا عن رأيه في الزمن.

فوق زجاج النافذة، تتجمع ذرات الغبار.

تدخل هامةٌ من شقٍّ صغير.

تعبر وجه الرجل، ثم تقف عند أذنه.

لا توقظه.

لكن شفتيه تتحركان.

كأنه يجيب عن سؤالٍ لم يطرحه أحد.

*

أحيانًا، لا يحتاج الغياب إلى موت.

يكفي أن يترك المرء معطفه خلف الباب، وأن ينسى المفتاح في جيبٍ آخر، وأن يخرج من البيت من دون أن يقول إلى أين.

بعد يومين، تُنقل الأكواب إلى رفٍّ أعلى.

بعد أسبوع، يتغير مكان السرير.

بعد شهر، يصبح الاسم أقل استعمالًا.

ثم يأتي غريبٌ يسأل عن صاحب المعطف.

لا يتذكر أحدٌ صوته.

في جيب المعطف، هامةٌ يابسة.

*

كانت المدينة تمسح واجهاتها كل مساء.

تغسل الأرصفة، وتبدل المصابيح، وتزيل الملصقات القديمة عن الجدران.

لكن في الشقوق، كانت الأشياء الصغيرة تتعلم أسماءها الجديدة.

هامةٌ في مكتب الحسابات.

هامةٌ في درج المراسلات.

هامةٌ في خزانة الأدوية.

هامةٌ تحت صورة رجلٍ لم يعد أحد يعرف إن كان قد مات أم سافر.

لم تكن الهوام تخرب شيئًا.

كانت تنتظر فقط.

وحين يمرّ عامل النظافة، تفسح له الطريق.

*

في المصعد، يقف سبعة أشخاص.

لا يتحدث أحد.

رجلٌ يحمل باقة زهور.

امرأةٌ تحمل حقيبةً ثقيلة.

طفلٌ يراقب الأرقام المضيئة فوق الباب.

في الطابق الثالث، يدخل هواءٌ بارد.

في الطابق الخامس، تختفي رائحة الزهور.

في الطابق السابع، يخرج الجميع.

يبقى الطفل لحظةً إضافية.

ينظر إلى المرآة.

يرى هامةً فوق كتفه.

يلتفت.

لا يجد شيئًا.

ثم يبتسم للمرآة، كأنه تعرف إلى شخصٍ قديم.

*

لا تتشابه الذكريات في أحجامها.

هناك ذكرى تملأ غرفةً كاملة.

وهناك أخرى لا تتجاوز صوت ملعقةٍ تلامس حافة فنجان.

لكن الثانية قد تكون أكثر قدرةً على البقاء.

في منتصف الليل، ينهض رجلٌ من سريره.

يمشي إلى المطبخ.

يفتح الصنبور.

يشرب الماء واقفًا.

ثم يسمع، من مكانٍ لا يعرفه، صوت أمه وهي تناديه باسمه الأول.

يغلق الصنبور.

تسقط قطرة أخيرة.

على الحوض، تتحرك هامةٌ صغيرة.

*

الرعد لا يتذكر السماء.

إنه يتذكر الأشياء التي ارتجفت حين مرّ.

النافذة.

الماء.

الطيور النائمة في الأشجار.

المرأة التي وضعت يدها على فمها.

والرجل الذي ضحك، لأنه لم يعرف كيف يتصرف حين خاف.

بعد سنوات، سيقول الجميع إن العاصفة انتهت.

لكن في درجٍ مغلق، ستظل ملعقةٌ ترتجف كلما فُتح الباب.

*

كان الطفل يضع الحشرات في علب الثقاب.

لم يكن يريد قتلها.

كان يريد أن يعرف كيف يبدو العالم من مستوى الأرض.

وضع العلبة قرب النافذة، ثم فتحها.

خرجت الهامة ببطء.

دارت حول إصبعه.

حطت على كتاب.

كان الكتاب يتحدث عن النجوم والمسافات والضوء الذي يصل بعد موت مصدره.

رفع الطفل رأسه.

في الخارج، كان النهار واضحًا.

لكن شيئًا ما في الصفحة جعله يظن أن السماء قد تأخرت.

*

في محطة الانتظار، يعلن مكبر الصوت وصول قطارٍ لن يصل.

يتحرك الركاب نحو الرصيف.

يحمل كل واحدٍ حقيبته، أو يده، أو ما تبقى من صبره.

لا يظهر القطار.

يظهر رجلٌ يحمل مظلةً مغلقة.

يسأل عن الوقت.

يشيرون إلى الساعة.

يقول إن الساعة متأخرة.

ثم يجلس.

تحت المقعد، هامةٌ صغيرة تتجه نحو السكة.

حين يمرّ القطار أخيرًا، لا يرفع الرجل رأسه.

لقد وصل إلى المكان الذي كان يذهب إليه.

*

هناك رائحةٌ لا تعود إلا حين يغيب صاحبها.

رائحة صابونٍ قديم.

قماشٍ احتفظ بحرارة جسد.

كتابٍ ظل مغلقًا طوال الصيف.

في خزانةٍ خشبية، وجدت امرأةٌ منديلًا مطويًا.

لم تعرف لمن يعود.

قربته من وجهها.

أغمضت عينيها.

لم تتذكر شيئًا.

ومع ذلك، جلست على الأرض، وأخذت تبكي.

على الرف الأعلى، كانت هامةٌ تتحرك بين الأقمشة.

لم تقترب منها.

*

أحيانًا، لا تنهش الهوام الذاكرة.

تحرسها.

تمنعها من التحول إلى حكايةٍ مرتبة، لها بداية واضحة ونهاية مريحة.

كلما حاول أحدهم إغلاق الماضي، فتحت هامةٌ نافذةً صغيرة.

دخل منها هواءٌ قديم.

تحركت الستائر.

انطفأ المصباح.

وفي الظلام، تداخلت الأصوات التي ظننا أنها ماتت: ضحكةٌ من طفولة بعيدة، صرير باب، نداءٌ من شارع، وصوت الماء وهو يسقط في إناءٍ معدني.

لم يكن أحدٌ حاضرًا.

لكن الغرفة لم تكن خالية.

*

في مكتبةٍ عامة، أعاد قارئٌ كتابًا إلى مكانه.

لم يضع علامةً على الصفحة الأخيرة.

لم يكتب اسمه.

لم يترك رسالةً بين الأوراق.

لكن حين فُتح الكتاب في اليوم التالي، سقطت منه ورقة شجر.

لم تكن الورقة من أشجار الحديقة القريبة.

كانت عروقها دقيقةً كخريطةٍ لبلادٍ لم تُكتشف.

أخذها أمين المكتبة إلى النافذة.

في الضوء، رأى فوقها هامةً لا تتحرك.

أعاد الورقة إلى الكتاب.

ومنذ ذلك اليوم، لم يعد أحدٌ يقرأ الصفحة نفسها مرتين.

*

في مقهى صغير، يبرد الشاي قبل أن يصل إلى فم الرجل.

على الطاولة هاتفٌ مضاء.

تظهر عليه صورة بيتٍ تهدم سقفه.

يضع الرجل الهاتف مقلوبًا.

ينظر إلى الشاي.

تتشكل على سطحه دائرةٌ صغيرة.

داخل الدائرة، تظهر نافذة.

داخل النافذة، رجلٌ يضع هاتفه مقلوبًا.

وحين يمدّ إصبعه ليلمس الماء، تختفي الصورة.

في قاع الكأس، تتحرك هامة.

*

ليس كل ما يتكرر عادة.

قد يكون التكرار بابًا لا نعرف كيف نغلقه.

تستيقظ المرأة كل ليلة في الساعة نفسها.

تذهب إلى النافذة.

تتأكد من أن الباب مغلق.

تعود إلى السرير.

تنام.

في الليلة التالية، يحدث الأمر نفسه.

بعد شهر، تلاحظ أن الساعة لا تعمل.

بعد عام، تكتشف أن النافذة لا تطل على الشارع الذي تعرفه.

ومع ذلك، تواصل فتحها.

في الشق الخشبي، تعبر هامةٌ صغيرة.

*

في حديقةٍ مهجورة، تنمو شجرةٌ بين حجارة الرصيف.

تدفع الإسفلت ببطء.

لا تعلن انتصارها.

ولا تعرف أن أحدًا قد يقطعها غدًا.

تأتي الطيور في الصباح.

تختار الأغصان.

تغادر عند الظهيرة.

وعند الغروب، تتجمع الهوام حول الجذع.

لا تشكل سربًا.

لا تتبادل الإشارات.

تتحرك كل واحدةٍ في اتجاه.

لكن الشجرة، من بعيد، تبدو كأنها تتذكر غابةً كاملة.

*

كان الرجل يكتب رسالةً لا ينوي إرسالها.

كتب اسم المرأة.

ثم شطبه.

كتب اسم المكان.

ثم شطبه.

كتب: «أنا بخير».

وظل ينظر إلى الجملة.

في الخارج، كانت الريح تحرك الستارة.

على الزجاج، ظهرت هامةٌ صغيرة.

توقف الرجل عن الكتابة.

لم يعد يعرف هل يخاطب المرأة، أم نفسه، أم شخصًا آخر سيقرأ الرسالة بعد أن ينتهي الزمن من تبديل الأسماء.

طوى الورقة.

وضعها في درجٍ لا يفتحه أبدًا.

*

في المساء، يمرّ رجلٌ أمام محلٍّ لبيع الساعات.

تتوقف جميع الساعات عند السادسة.

يدخل الرجل.

يسأل البائع عن السبب.

يقول البائع إن الأمر يحدث أحيانًا.

ينظر الرجل إلى ساعته.

إنها تشير إلى السادسة.

يخرج.

في الشارع، تتوقف السيارات.

تتوقف الطيور في الهواء.

تتوقف امرأةٌ وهي ترفع يدها لتصفع طفلًا.

ثم يعود كل شيءٍ إلى الحركة.

إلا هامةٌ واحدة.

تظل ثابتةً فوق عقرب الدقائق.

*

هل يعرف الكائن الصغير أنه صغير؟

ربما لا.

ربما لا تبدأ الأحجام إلا حين ينظر أحدنا إلى الآخر.

الطائر يرى الأرض واسعة.

والحشرة ترى الجدار جبلًا.

والإنسان يرى حياته مركزًا للعالم، حتى يضع أذنه على صدر ميتٍ ويكتشف أن العالم لا يحتاج إلى نبضه لكي يواصل الدوران.

في تلك الليلة، حلمتُ أنني هامة.

كان الرعد بعيدًا جدًا.

وكانت السماء سقفًا منخفضًا.

ولم أجد في العالم مكانًا أختبئ فيه من الضوء.

*

في قاعةٍ واسعة، وقف رجلٌ يتحدث عن المستقبل.

خلفه شاشةٌ تعرض أرقامًا صاعدة.

تحت الشاشة، صفوفٌ من المقاعد.

في الصف الأخير، نام شخصٌ لا يعرفه أحد.

كانت الكلمات تمرّ فوق رأسه: النمو، التقدم، الكفاءة، الاستقرار.

ثم انطفأت الشاشة.

في الظلام، سُمعت حركةٌ خفيفة.

لم يكن أحدٌ قد غادر القاعة.

لكن جميع المقاعد أصبحت فارغة.

وعلى المنصة، بقي الميكروفون مفتوحًا، ينقل إلى الغرفة المجاورة صوت هامةٍ تمشي.

*

في غرفة الولادة، يبكي طفل.

تفتح الأم عينيها.

يضع الطبيب الطفل قربها.

تمد يدها إلى وجهه.

خارج النافذة، يبدأ المطر.

تتحرك الستارة.

تستقر هامةٌ على حافة السرير.

لا تعرف شيئًا عن المستقبل.

ولا تعرف أن هذا الطفل قد يكبر ليخاف من الحشرات، أو يكتب عنها، أو ينساها تمامًا.

لكنها تعرف أن الجسد الجديد يتنفس.

وهذا يكفيها لكي تنتظر.

*

بعد سنوات، يعود الطفل إلى الغرفة نفسها.

لم يعد طفلًا.

الأثاث تغير.

النافذة تغيرت.

الشجرة التي كانت في الخارج قُطعت، وبُني مكانها جدار.

يضع الرجل يده على الحائط.

يشعر ببرودةٍ لا يعرف مصدرها.

ثم يسمع بكاءً بعيدًا.

لا يعرف إن كان بكاءه، أم بكاء طفلٍ آخر، أم صوت المطر وهو يضرب سقفًا قديمًا.

في الشق بين حجرين، تظهر هامة.

ينحني الرجل.

تختفي.

*

الرغبة أيضًا ذاكرة.

يدٌ تتذكر يدًا.

شفاهٌ تتذكر كلمةً لم تُقل.

جسدٌ يتذكر دفءَ غرفةٍ غادرها قبل أن يعرف أنه سيشتاق إليها.

في الممر، يمرّ عطرٌ خفيف.

تلتفت المرأة.

لا أحد.

تواصل سيرها.

لكن خطواتها تتباطأ، كأن الأرض قد استدعت منها اسمًا كانت قد تركته في مكانٍ بعيد.

فوق إطار الباب، تتحرك هامةٌ صغيرة.

لا تعرف شيئًا عن الحب.

ومع ذلك، تظل قرب الباب حتى الصباح.

*

في مدينةٍ أخرى، ينزل الثلج على النوافذ.

تتراكم البياضات فوق السيارات.

يخرج رجلٌ ليمسح زجاج بيته.

يرسم بإصبعه دائرةً صغيرة.

داخل الدائرة، يظهر الشارع.

داخل الشارع، تظهر شجرة.

داخل الشجرة، طائرٌ لا يعرف الشتاء.

تأتي هامةٌ من خلف الإطار.

تمشي فوق الثلج.

لا تترك أثرًا.

يعود الرجل إلى الداخل، مقتنعًا بأنه لم يرَ شيئًا.

وفي المساء، يتذكر الدائرة.

ولا يتذكر لماذا رسمها.

*

في مكانٍ بعيد، يقرأ شاعرٌ قصيدةً عن خراب العالم.

يبحث عن صورةٍ تصلح لتكون خاتمة.

يكتب: «انتهى كل شيء».

ثم يمحوها.

يكتب: «لم يبدأ شيء».

ويمحوها.

يترك الورقة بيضاء.

تمرّ ساعة.

تمرّ ليلة.

في الصباح، يجد على الصفحة نقطةً سوداء.

يظن أنها حبرٌ تسرب من القلم.

يقلب الورقة.

لا يجد أثرًا.

يقربها من الضوء.

تتحرك النقطة.

*

كلما اتسعت السماء، ضاقت النافذة.

وكلما ضاقت النافذة، صار الضوء أكثر تحديدًا.

تدخل الشمس من شقٍّ بين الستارة والإطار.

تسقط على الأرض في هيئة مستطيل.

تجلس القطة داخله.

تغلق عينيها.

في الطرف الآخر من الغرفة، هامةٌ تتبع خط الضوء.

لا تقترب من القطة.

ولا تبتعد.

بينهما مسافةٌ صغيرة، لكنها تكفي لتأجيل الحكاية.

*

أيتها الذاكرة،

لماذا تحتفظين بصوت الباب، وتنسين وجه الذي أغلقه؟

لماذا تتذكرين رائحة المطر، وتنسين اسم الشارع؟

لماذا يعود الحلم كاملًا، بينما يتساقط النهار من ذاكرتنا كحبات الرمل؟

لا تجيب الذاكرة.

تفتح درجًا.

فيه مفتاحٌ لا يخص أي باب.

وصورةٌ لامرأةٍ لا نعرفها.

وحشرةٌ جافة.

نغلق الدرج.

نسمع في داخله رعدًا صغيرًا.

*

في المستشفى، يراقب رجلٌ جهازًا يقيس نبضه.

يرتفع الخط.

ينخفض.

تظهر أرقامٌ جديدة.

يسأل الممرضة عن معنى الرقم الأخير.

تقول إنه طبيعي.

يهز رأسه.

ينظر إلى النافذة.

فوق الزجاج، ذبابةٌ تحاول الخروج.

تضرب الزجاج مرةً، ثم تتوقف.

تضربه مرةً أخرى.

يضع الرجل يده على صدره.

لا يعرف أيهما يحاول العبور: الذبابة أم النبض.

*

في غرفةٍ مظلمة، يتبادل شخصان الكلام من دون أن يريا وجهيهما.

يسأل الأول: هل تتذكر؟

يقول الثاني: ماذا؟

يقول الأول: ذلك المساء.

يصمت الثاني.

ثم يسأل: أي مساء؟

تتكرر الأسئلة.

تتبدل الأجوبة.

بعد قليل، يكتشفان أنهما يتحدثان عن مساءين مختلفين، في مدينتين مختلفتين، وعن شخصين لم يلتقيا قط.

في السقف، تمشي هامةٌ ببطء.

لا تعرف أيهما يروي الحقيقة.

*

في الصباح التالي، لا يتذكر أحدٌ الحوار.

لكن الطاولة تحركت من مكانها.

والكوب الذي كان على اليمين أصبح على اليسار.

والنافذة مغلقة، مع أن الرجلين يتذكران أنهما تركاها مفتوحة.

تدخل عاملة النظافة.

تمسح الأرض.

تفتح النافذة.

تخرج.

في اللحظة التي يغلق فيها الباب، تعود الطاولة إلى مكانها الأول.

*

ليس للهوام تاريخٌ مكتوب.

لا توجد لها نصبٌ تذكارية.

لا تحمل أسماءها الكتب المدرسية.

ومع ذلك، تعرف الجدران مساراتها، وتعرف النوافذ أوقات ظهورها، وتعرف المصابيح الصغيرة كيف يتغير الضوء حين تعبره أجنحتها.

ربما كان التاريخ ما يكتبه المنتصرون.

وربما كان ما يتركه المهملون خلفهم.

في آخر الرف، يتحرك كائنٌ صغير فوق كتابٍ عن الإمبراطوريات.

لا يقرأ أسماء الملوك.

يتوقف عند صفحةٍ بيضاء.

*

في المطبخ، يسقط الملح على الأرض.

تأتي المرأة بالمكنسة.

تجمع الحبات في كومةٍ صغيرة.

تتوقف قبل أن ترميها.

تتذكر يدًا كانت تملح الطعام.

تتذكر صوتًا يقول إن الملح كثير.

تتذكر ضحكةً قصيرة.

ثم تفتح يدها.

تتساقط الحبات.

تعود إلى الأرض.

في الزاوية، تختبئ هامةٌ تحت خزانة الصحون.

ليس كل ما يُجمع يمكن إعادته إلى مكانه.

*

في الليل، يتغير ترتيب النجوم.

لا يلاحظ أحد.

تواصل الطائرات عبورها.

تضيء نوافذ الأبراج.

تتحرك السيارات في الشوارع.

في غرفةٍ صغيرة، ينهض طفلٌ من نومه ويقول إنه رأى السماء تنزل إلى الأرض.

تضحك أمه.

تغطيه بالبطانية.

بعد أن ينام، تفتح النافذة.

لا ترى شيئًا غير عادي.

لكنها تتركها مفتوحة حتى الصباح.

على الحافة، هامةٌ لا تتحرك.

*

هناك أشياء لا يمكن تنظيفها.

ليس لأنها متسخة، بل لأن أثرها أصبح جزءًا من المادة.

بقعةٌ في الجدار.

خدشٌ على الطاولة.

انخفاضٌ في الوسادة.

علامةٌ في جلد اليد.

كلما حاولنا إزالتها، اتسعت.

وكلما تركناها، تغير لونها.

تأتي الهامة في المساء.

تمشي حول البقعة.

لا تلمسها.

تجلس إلى جوارها، كأنها تعرف أن بعض الآثار لا تحتاج إلى من يوقظها.

*

في الميناء، تتراجع السفينة عن الرصيف.

يعلو صوت المحرك.

تلوح الأيدي.

تبتعد الحبال.

امرأةٌ لا تلوّح.

تقف خلف حاجزٍ حديدي، وتراقب الماء.

على سطح الماء، تتناثر دوائرٌ صغيرة.

تظهر هامةٌ عند طرف الحاجز.

تسير في الاتجاه المعاكس للسفينة.

لا تحمل وداعًا.

ولا تعرف أن الرحيل قد يبدأ أحيانًا قبل أن يتحرك الجسد.

*

في غرفة الفندق، يضع المسافر حقيبته قرب السرير.

يفتح النافذة.

يستمع إلى أصواتٍ لا يعرف لغتها.

تحت النافذة، تتحدث امرأةٌ في الهاتف.

في الطابق الأعلى، يسحب شخصٌ كرسيًا.

وفي الممر، يمرّ عاملٌ يحمل أغطيةً نظيفة.

يجلس المسافر.

يخرج من الحقيبة صورةً قديمة.

ينظر إليها طويلًا.

ثم يعيدها.

حين يغلق الحقيبة، يسمع حركةً خفيفة في الداخل.

يفتحها مرةً أخرى.

لا يجد شيئًا.

*

في مختبرٍ أبيض، تتسع صورة الهامة تحت المجهر.

تظهر الأجزاء الدقيقة.

تظهر المفاصل.

تظهر الشعيرات.

يكتب الباحث وصفًا دقيقًا لما يرى.

ثم يبتعد عن الجهاز.

يخلع القفازات.

يغسل يديه.

في الممر، يقف أمام نافذةٍ طويلة.

يرى صورته منعكسةً في الزجاج.

للحظة، يظن أن خلف كتفه كائنًا صغيرًا.

يلتفت.

لا يجد أحدًا.

يعود إلى المختبر، ويكتب في تقريره أن الملاحظة انتهت.

*

أيتها الهامة،

لا أريد أن أعرف حجمك.

أريد أن أعرف لماذا يضيق العالم حين أراك.

لماذا تصبح الغرفة أقل اتساعًا، والليل أكثر يقظةً، والجلد أكثر انتباهًا إلى نفسه؟

هل أنت التي تقتربين؟

أم أن خوفي هو الذي يصنع المسافة؟

تجلس الهامة فوق طرف الكتاب.

لا ترد.

تتحرك صفحةٌ بفعل الهواء.

تسقط ورقة.

تغلق النافذة وحدها.

*

في الحديقة، يذبل الورد بعد أيامٍ من القطاف.

تضعه المرأة في إناءٍ زجاجي.

تغير الماء.

تقص أطراف السيقان.

تتساقط بتلاتٌ على الطاولة.

كلما جمعتها، ظهرت أخرى.

في المساء، تترك الإناء في مكانه.

حين تعود صباحًا، تجد وردةً جديدة.

لا تعرف من أين جاءت.

على إحدى البتلات، هامةٌ دقيقة.

تفتح المرأة النافذة.

ولا تسأل.

*

في شارعٍ طويل، يمشي رجلٌ إلى الخلف.

لا يصطدم بأحد.

لا يلتفت.

يعبر الإشارة الحمراء، ثم يتوقف عند إشارةٍ خضراء.

تتبعه امرأةٌ تحمل مظلة.

يمرّان بواجهات المحال، وبموقف الحافلات، وبباب مدرسةٍ مغلق.

بعد ساعة، يصل الرجل إلى المكان الذي بدأ منه.

ينظر إلى ساعته.

لم تمرّ سوى دقيقة.

على كتفه، هامةٌ صغيرة تتجه نحو الشمس.

*

ربما لم يكن الزمن خطًا.

ربما كان غرفةً ذات أبواب كثيرة.

كل بابٍ يفتح على غرفةٍ تشبهها، لكن فيها شيءٌ مختلف: نافذةٌ أخرى، ساعةٌ أخرى، رجلٌ لم يغادر، أو امرأةٌ لم تصل.

تدخل الهامة من بابٍ.

تخرج من آخر.

لا تعرف هل تقدمت أم عادت.

وحين تسألها المرآة عن اسمها، ترفع جناحيها.

في المرآة، يظهر الرعد.

*

في المساء، يجتمع الناس حول شاشةٍ كبيرة.

تظهر صور الحرائق والفيضانات والطرقات المقطوعة.

تظهر أرقام الضحايا.

تظهر أسماء البلدان.

يتحدث المذيع بصوتٍ ثابت.

يمدّ طفلٌ يده إلى الشاشة.

يلمس صورة بيتٍ منهار.

تظهر على إصبعه نقطة سوداء.

يمسحها.

تعود.

يطفئ الأب الشاشة.

في الظلام، يسمع الجميع صوت المطر.

لا تمطر السماء.

*

في غرفةٍ أخرى، يكتب شخصٌ رسالة اعتذار.

لا يعرف لمن يعتذر.

يكتب عن الباب.

عن الرحيل.

عن الصمت الذي طال أكثر مما ينبغي.

ثم يتوقف.

يدخل في الجملة صوتٌ لا يشبه صوته.

يقول: لم يحدث شيء.

يقرأ العبارة.

يشطبها.

يكتب: حدث كل شيء.

يشطبها أيضًا.

على طرف القلم، تتحرك هامةٌ صغيرة.

*

عند الفجر، يعود الرعد.

لا يأتي من السماء.

يأتي من درجٍ يفتح وحده، ومن بابٍ يصدر صريرًا، ومن كوبٍ يتحرك فوق رفٍّ خشبي.

أضع يدي على الحائط.

أشعر بنبضٍ خفيف.

أقترب.

في الجدار شقٌّ ضيق.

أسمع منه أصواتًا كثيرة: ماءً يجري، طائرًا يصرخ، طفلًا يضحك، وامرأةً تقول إن الوقت قد تأخر.

أغلق عينيّ.

وحين أفتحهما، لا أجد الشق.

*

ربما لم يكن الرعد في السماء قط.

ربما كان صوت العالم حين تتلامس الأشياء التي لا ينبغي أن تلتقي.

مفتاحٌ بلا باب.

صورةٌ بلا وجه.

كرسيٌّ بلا صاحب.

رسالةٌ بلا مرسل.

هامةٌ بلا أثر.

حين تتجاور هذه الأشياء، يرتجف الهواء.

ولا يعرف أحدٌ أيها بدأ أولًا.

*

في الصباح، يدخل الضوء إلى الغرفة.

الكرسي في مكانه.

الطاولة في مكانها.

الكوب فارغ.

النافذة مغلقة.

لا أثر للهامة.

أفتح الدفتر.

أجد الصفحات مكتوبةً بخطٍّ أعرفه ولا أعرف صاحبه.

في الصفحة الأخيرة، جملةٌ واحدة:

«لم يكن الرعد يتذكرنا؛ كنا نحن الذين نتذكره كي لا نسمع الصمت».

أقلب الصفحة.

لا توجد صفحة أخرى.

لكن الورق يواصل التقليب وحده.

*

في مكانٍ لا يظهر على الخرائط، تستيقظ هامةٌ صغيرة.

لا تتذكر الغرفة.

لا تتذكر النافذة.

لا تتذكر الرعد.

تتحرك فوق سطحٍ أملس، ثم تتوقف عند حافةٍ لا تراها.

تحتها، تمتد مدينةٌ كاملة.

فوقها، سماءٌ لا تنتهي.

تحاول أن تطير.

لا يحدث شيء.

تحاول مرةً أخرى.

وفي اللحظة التي ترفع فيها جناحيها، يختفي العالم.

*

لا أحد يعرف أين ذهبت الهوام.

لا أحد يملك صورةً أخيرة.

البيوت نظيفة.

الحدائق هادئة.

المصابيح مضاءة.

الأبواب مغلقة.

ومع ذلك، صار الناس يتوقفون فجأةً في منتصف الطريق، وينظرون إلى الشقوق الصغيرة في الجدران.

لا يجدون شيئًا.

يواصلون السير.

ثم ينسون لماذا توقفوا.

*

في المساء، يعود الطفل إلى العلبة الفارغة.

يفتحها.

لا يجد الحشرة.

يضع فيها ريشةً وقطعةً من الورق وحبة تراب.

يغلق الغطاء.

يكتب فوق العلبة: «العالم».

ثم يتركها قرب النافذة.

في الليل، تهبّ الريح.

تنفتح العلبة.

تتحرك الأشياء في داخلها.

وفي الصباح، يجد الطفل العلبة في مكانها.

لكن كلمة «العالم» قد اختفت.

*

الرعد يبتعد.

أو لعل السماء هي التي تبتعد عنه.

لا نعرف.

في الغرفة، تتراجع الأشياء إلى صمتها الأول.

تستقر الملعقة.

يتوقف الماء عن الحركة.

تعود الستارة إلى النافذة.

والكرسي، الذي ظل فارغًا طوال الحكاية، ينحني قليلًا تحت وزنٍ لا يظهر.

أقترب منه.

لا أجلس.

أضع يدي على مسنده.

أسمع في الخشب طنينًا خافتًا.

*

لم تعد الهوام تنهش ذاكرة الرعد.

لقد تغيرت الذاكرة.

صارت أوسع من السماء، وأضيق من شقٍّ في الجدار.

لم تعد تحتفظ بالأحداث كما وقعت.

صارت تحتفظ بما لم يحدث، بما كاد أن يحدث، بما انتظرناه ولم يصل، وبما وصل من دون أن ننتظره.

في آخر الليل، يمرّ الضوء فوق الأرض.

لا يوقظ أحدًا.

وفي زاوية الغرفة، حيث لا يوجد شيء، تتحرك هامةٌ صغيرة.

*

في الصباح التالي، يفتح رجلٌ نافذته.

ينظر إلى الشارع.

لا يرى شيئًا غير عادي.

يشرب الماء.

يرتدي معطفه.

يخرج إلى العمل.

خلفه، تبقى الغرفة مفتوحةً على الضوء.

على الطاولة، الكوب الذي تركه فارغًا يمتلئ ببطء.

لا ماء فيه.

ولا شيء يشبه الماء.

ومع ذلك، يرتفع سطحه، حتى يصل إلى الحافة.

ثم تتكون فوقه دائرةٌ صغيرة.

داخل الدائرة، يلمع برقٌ بعيد.

*

لم يكن الرعد قد غادر.

كان ينتظر في الكوب.

وكانت الهوام قد اختفت.

أو هكذا بدا.

حين اقتربتُ من النافذة، رأيت السماء منخفضةً حتى تكاد تلامس الأبنية.

رأيت الطيور تحلق في الاتجاه المعاكس للريح.

رأيت رجلًا يلوّح لشخصٍ لا يظهر.

ثم رأيت، على زجاج النافذة، نقطةً سوداء تتحرك ببطء.

لم ألمسها.

لم أفتح الباب.

انتظرت.

*

تحت النافذة، كان الشارع يواصل يومه.

الباعة ينادون.

الحافلات تتحرك.

امرأةٌ تحمل رغيفًا ساخنًا.

طفلٌ يركض وراء كرة.

وفي غرفةٍ مغلقة، كان رجلٌ يكتب قصيدةً عن الرعد.

كلما كتب سطرًا، اختفى سطرٌ قبله.

كلما حاول أن يتذكر البداية، وجد النهاية.

وحين وضع القلم، اكتشف أن الورقة بيضاء.

لم يكن قد كتب شيئًا.

لكن الرعد، في الخارج، كان يقرأ.

*

ربما كان هذا هو كل ما أرادته الهوام.

أن تترك العالم بلا آثار.

لا لتثبت أنها لم تمرّ، بل لتجعل المرور نفسه سؤالًا.

أن تترك الأشياء في أماكنها، ثم تغير المسافة بينها.

أن تجعل الغائب أقرب من الحاضر، والصغير أوسع من الكبير، واللحظة أطول من العمر.

أن تمنح الذاكرة جناحين، ثم تمنعها من الطيران.

*

في آخر المشهد، لا توجد نهاية.

هناك نافذةٌ مفتوحة.

هناك كرسيٌّ فارغ.

هناك كأس ماءٍ لا ينقص.

هناك شجرةٌ تنبت من شقّ الإسفلت، وطائرٌ ينام في ضوءٍ لم يأتِ من الشمس.

وهناك هامةٌ صغيرة، لا تترك أثرًا.

تقترب من الرعد.

لا تنهشه.

لا تخاف منه.

تجلس فوق صوته، كأنها وجدت أخيرًا مكانًا تستطيع أن تستريح فيه.

ثم ترفع جناحيها.

وفي اللحظة التي تغادر فيها، يسمع العالم صوتًا خافتًا.

ليس رعدًا.

ليس طنينًا.

إنه صوت الأشياء وهي تتذكر أنها كانت، يومًا ما، غريبةً عن بعضها.

ثم يعود كل شيءٍ إلى مكانه.

إلا الزمن.

فالزمن، في تلك اللحظة، يبدأ من جديد.

___________

أكتوبر 2026م

حي المعمورة - الخرطوم 

تعليقات

المشاركات الشائعة