ديوان : ولاية الموالي
أطلس الموالي
مصعب الرمادي
أطلس الموالي
أو
__________________
الكتاب : ولاية الموالي
الكاتب : مصعب الرمادي
تاريخ الطبع : أكتوبر 2026م
حقوق الطبع والتأليف محفوظة للمؤلف
____________________
1.
في البدء لم تكن الشجرة تعرف أسماء أبنائها، كانت تمدُّ جذورها في الجهات الأربع، وتترك للريح أن تختار للأوراق لغاتها، ثم جاء رجلٌ يحمل دفترًا مختومًا بالشمع، وقال: هذه غابةٌ لا يدخلها إلا الذين يشبهون جذورهم.
2.
ومنذ ذلك اليوم صار للنسب بابٌ، وللباب حارسٌ يفتش في عيون العابرين، يسألهم عن أسماء الجدود الذين ناموا تحت التراب، عن القبائل التي لم تترك في أجسادهم شهادة ميلاد، وعن اللهجة التي ينبغي أن ينطقوا بها كي يستحقوا الهواء.
3.
كان المولى يجيء من آخر الخريطة، يحمل خبز أمه، وملح الطريق، وشيئًا من الخوف، يطرق باب المدينة التي تحتاج إلى يديه، فتفتح له نصف فتحةٍ كي يبني لها قصرًا، ثم تنسى اسمه حين يكتمل البناء.
4.
هكذا بدأت الحكاية، لا من دمٍ نقيٍّ، بل من اختلاط الأيدي في طين الإمبراطوريات، من رجلٍ يزرع، وآخر يترجم، وثالثٍ يحرس الحدود، ومن امرأةٍ تنسج ثوب السلطان ولا تدخل مجلسه، ومن طفلٍ يرث المدينة ولا يرث الاعتراف.
5.
لم يكن الموالي شعبًا واحدًا، ولا قبيلةً نزلت من غيمةٍ مكتملة الأنساب، كان الاسم يتبدّل كلما تبدّلت يد السلطة، مرةً يعني المعتَق، ومرةً الحليف، ومرةً التابع، ومرةً يصير مرآةً يرى فيها المنتصر خوفه من الآخرين.
6.
يا تاريخ، من الذي سمّاك أبًا، وأنت الذي تركت أبناءك على أبواب القصور؟ من الذي منح الدم حقَّ الكلام، وحرم الخبرة حقَّ الذاكرة، وجعل الإنسان ضيفًا في البلاد التي ساهم في صنعها؟
7.
رأيتُ المولى في مرآةٍ قديمة، وجهًا كرديًّا يخبئ ثلج الجبال تحت جفنيه، ووجهًا قبطيًّا يحمل النيل في طين أصابعه، ووجهًا أمازيغيًّا يقرأ الصحراء في نجومها، ووجهًا تركيًّا يوقظ في الخيل ذاكرة السهوب.
8.
لكن المرآة لم تقل إنهم واحد، ولا إن تاريخهم نهرٌ يصب في نهرٍ واحد، كانت تقول: لكل وجهٍ شقوقه الخاصة، ولكل جماعةٍ طريقها الطويل إلى الاسم، ولكل اسمٍ حكايةٌ لا تختصرها تسميةٌ عابرة.
9.
في هامش المخطوطة كتب ناسخٌ مجهول: هؤلاء هم الذين ساعدوا الدولة على أن تتكلم، ثم منعتهم الدولة من امتلاك صوتها، فأصبحوا حروفًا في لسان الإمبراطورية، وحراسًا لمعنى لم يسمح لهم الحراس بتغييره.
10.
لم يكن الهامش مكانًا صغيرًا دائمًا، أحيانًا كان قلب الصفحة الذي تخجل منه الصفحة، وأحيانًا كان اليد التي تمسك المصباح، بينما يتلو صاحب العرش أسماء أسلافه، ولا يرى أن النور الذي يقرأ به جاء من الغريب.
11.
في مدينةٍ شرقيةٍ لا تنام على جهةٍ واحدة، كان السوق يبيع الأنساب بالكيلوغرام، ويشتري الصمت بأكياس الذرة، وتتجاور فيه رائحة البن مع غبار القمح، كأن الحضارة نفسها دكانٌ نسي صاحبه مفتاحه.
12.
هناك، في شرق السودان، كانت الطرق تأتي من وراء الحدود ومن داخل الذاكرة، تأتي القوافل بألسنةٍ كثيرةٍ ووجوهٍ متعبة، وتدخل المدينة كما يدخل المطر أرضًا عطشى، ثم يسألها أحدهم: من أين جئتِ، قبل أن يسأل ماذا تحملين؟
13.
القضارف، يا مرآة الجهات، يا مدينةً يختلط فيها الغبار بسنابل الموسم، هل لك أصلٌ واحدٌ ينام في قبرٍ معروف، أم أنك حكاياتٌ تعلّمت أن تتجاور، وكل حكايةٍ تظن أنها الباب الوحيد إلى البيت؟
14.
قال الشاعر لنفسه: سأقسو عليك، أيتها المدينة، سأقول إنك بلا وجيعٍ يوقظ فيك الضمير، وإنك تمشين على قدمين من القمح والنسيان، ثم أعود فأرى وجيعك واقفًا في طابور الخبز.
15.
قلتُ: مدينةٌ بلا أصل، فارتجفت حجارة السوق في مواضعها، وخرجت من تحتها أقدام الذين بنوا الدكاكين، وأمهاتٌ حملن الماء إلى البيوت الأولى، وأطفالٌ لا يعرفون لماذا يُسألون عن أجدادهم قبل أسمائهم.
16.
لم تكن القضارف بلا أصل، كان أصلها أكثر من أن تحمله شجرةٌ واحدة، أصلها في يد الفلاح الذي يفتح الأرض للفجر، وفي خطى الوافد الذي يفتش عن مأوى، وفي ذاكرة من عاشوا هنا قبل أن تُرسم الخرائط.
17.
لكن المدينة قد تخون أبناءها أحيانًا، حين تترك السوق يتكلم بلسان الربح وحده، وحين تصير الأرض دفترًا لتسجيل الامتيازات، وحين ينسى أهلها أن الجوار مسؤولية، وأن التاريخ الذي لا يسمع الضعفاء يتحول إلى دعاية.
18.
كان في الزقاق نازيٌّ يستعير وجهًا سودانيًّا، وفي الزقاق نفسه درويشٌ يخبئ خبزه للفقراء، وتاجرٌ يرفع شعار القبيلة عند البيع، ويخفضه حين تتغير الأسعار، فلم يعد القناع دليلًا على صاحبه، بل حيلةً لستر مصالحه.
19.
تراكمت الأقنعة حتى صار لكل وجهٍ وجهان، واحدٌ يخرج إلى الشمس ليعلن نقاءه، وآخر يذهب ليلًا إلى مخزن المصالح، هناك يتصافح الخصوم فوق أكياس الحبوب، ويختلفون صباحًا على اسم الوطن وحدود الغابة.
20.
يا مدينةً تتنازعها الأسماء، ليس كل وافدٍ دخيلًا على كرامتك، وليس كل مقيمٍ حارسًا لأمانتك، فالخيانة فعلٌ له يدٌ وقرار، ولا يجوز أن نعلّق جريمتها في عنق جماعةٍ كاملة.
21.
المولى ليس لعنةً في جينوم الإنسان، ولا طفرةً في شجرةٍ تبحث عن نقائها، إنه سؤالٌ عن المجتمع حين يوزع الحقوق، وعن السلطة حين تجعل الأصل رخصةً للعبور، وعن الذاكرة حين تتحول إلى شرطيٍّ عند باب المستقبل.
22.
أرأيتَ الجذر حين يخرج من التراب؟ لا يسأل التربة عن نسب الماء، إنه يشرب ما يجد كي تبقى الشجرة، لكن الشجرة قد تنسى الماء حين تثمر، وتقول للغيمة: أنا التي صنعتُ هذا المطر.
23.
هكذا تفعل الإمبراطوريات، تستدعي الغرباء حين يضيق بها العمل، وتستدعيهم حين يطول حصار الحدود، وتستدعي عقولهم حين تتعطل خزائن المعرفة، ثم تمنحهم اسمًا صغيرًا كي لا يطالبوا باسم الدولة.
24.
في الدفاتر القديمة تتبدل الكلمات، مولى، حليف، معتَق، تابع، صاحب عهد، كل كلمةٍ نافذةٌ تطل على زمنٍ مختلف، وكل زمنٍ يخفي وراء مصطلحاته نزاعًا، بين من يملك تعريف الإنسان ومن يُعرَّف به.
25.
لم يكن الإسلام الذي عبر القارات ختمًا على عرقٍ واحد، دخلته شعوبٌ بلغاتٍ وأحوالٍ وذاكراتٍ شتى، واختلفت تجاربها في الفقه والسلطة والمعاش، فلا يصح أن نختصر الكرد والقبط والأمازيغ والأتراك، في سلالةٍ واحدةٍ لمجرد أن مؤرخًا كتب كلمة «الموالي».
26.
الكرديُّ يحمل جباله في ذاكرته، والقبطيُّ يصغي إلى طبقات النيل في الحجارة، والأمازيغيُّ يقرأ أثر القدم في الرمل، والتركيُّ يسمع صهيل الطريق في لغة الريح، وكل واحدٍ منهم أوسع من خانةٍ في سجلٍّ قديم.
27.
لم تكن هذه الشعوب نسخًا من بعضها، ولا أصولًا متشابهةً لمشروعٍ واحد، لكن بعض أفرادها دخلوا في أنظمة الولاء، وبعضهم خدم في جيوشٍ وإداراتٍ ومدن، وبعضهم ظل خارج الاسم الذي تمنحه السلطة.
28.
الهوية ليست حبلًا يجرُّ الإنسان إلى الوراء، وليست مقصًّا يقطع ذاكرته كي يرضى الحراس، إنها مساحةٌ يتفاوض فيها الماضي مع الاختيار، تحتفظ بالأثر دون أن تحوّله إلى أمرٍ أبدي، وتسمح للإنسان أن يرث الحكاية ثم يكتب نهايتها.
29.
من قال إن الجذور أوامر؟ إنها آثارٌ تحت الأرض، لا قوانين فوق الرأس، تعلمنا أين مرّ الذين سبقونا، لكنها لا تختار لنا من نحب، ولا تمنح أحدًا حقَّ إذلال الآخرين باسم الأجداد.
30.
في أطلس الموالي لا توجد حدودٌ مطلقة، هناك خرائط تتداخل فيها الهجرة مع الحرب، والتجارة مع اللغة، والولاء مع الخوف، وتتحرك الأسماء مثل طيورٍ في سماءٍ متغيرة، فلا تستقرُّ في قفصٍ إلا إذا كُسرت أجنحتها.
31.
سأل الشاعر: هل هم الذين قيل عنهم إنه ليس لهم غير الله ورسوله؟ ثم فتح كتابه، ولم يجد الاسم الذي يبحث عنه، وجد كلماتٍ لها أسانيدها وسياقاتها، ووجد قلبه يريد أن يجعل الحيرة نسبًا.
32.
لا يكفي تشابه العبارة كي نصنع نسبًا، ولا يكفي ألم الجماعة كي نثبت لها حديثًا، فالكلام المنسوب إلى النبي أمانةٌ في الرواية، له سياقٌ وتخريجٌ وطرقٌ تُفحص، وليس مرآةً نعلّق عليها كل من خذله التاريخ.
33.
قالت المرآة للشاعر: لا تجعل المقدس شاهدًا لمرافعتك قبل أن تسأله، ولا تضع في فم الحديث أسماءً لم يذكرها، فالعدالة لا تحتاج إلى سندٍ مختلق، والإنسان المظلوم لا يفقد حقه إذا جهلنا نسبه.
34.
كان في صدره سؤالٌ أشدُّ من الجواب، لماذا يحتاج المقهور إلى شهادةٍ من السماء، كي يصدقه حارسٌ عند باب الأرض؟ لماذا لا تكفي إنسانيته، ولماذا لا يكون الظلم نفسه دليلًا على فساد الميزان؟
35.
جهينة في روايات النسب ليست طريقًا سحريًّا، ولا اسمًا يربط كل غريبٍ بأبٍ واحد، والعباس عمُّ النبي له تاريخٌ معروف، لكن التحالفات والولاءات لا تصنع وحدها نسبًا بيولوجيًّا، ومن ادّعى السلالة احتاج إلى بينةٍ تتجاوز الرغبة.
36.
ربما مرّت جماعاتٌ من الحجاز في طرق الهجرة، وربما عقدت بطونٌ أحلافًا مع بطونٍ أخرى، وربما اختلطت الأنساب على ألسنة الرواة، لكن القصيدة لا تحوّل «ربما» إلى وثيقة، ولا تبيع الاحتمال في سوق اليقين.
37.
في سجلّ المدينة رجلٌ قال: أنا ابن فلان، وفي سجلّ آخر امرأةٌ قالت: أنا ابنة الطريق، وبين الشهادتين نامت قرونٌ من الأسئلة، حتى صار الاسم ميراثًا يتنازع عليه الأبناء، وصار الصمت وثيقةً لا يعرف أحدٌ من كتبها.
38.
يا صاحب النسب، ماذا تفعل إذا اكتشفت أن جدّك اختار الرحيل، وأن جدّ جدّك حمل اسمًا غير اسمه، وأن امرأةً مجهولةً أنقذت السلالة من الجوع؟ هل تنكرها لأن شجرتك لم تسجل يدها؟
39.
أم تضع لها مقعدًا في مجلس الذاكرة، وتترك كرسيًّا فارغًا لمن لا تعرف أسماءهم؟ فليس كل مجهولٍ عارًا على التاريخ، أحيانًا يكون المجهول هو الباب الذي أغلقه المنتصر، وأحيانًا تكون الوثيقة التي ضاعت هي ضمير الأرشيف.
40.
في حنين، عند منعطف الذاكرة، سمعتُ أصواتًا تتداخل مع وقع الخيل، وأسماءً تتردد بين الرواة والكتب، لكن التاريخ لم يسلّم مفاتيحه لقصيدةٍ واحدة، فمعركةٌ تُروى ليست معركةً واحدةً في كل عين.
41.
سأل الشاعر: من كانوا الموالي في حنين؟ فأجابه المؤرخ: لا تجعل الاسم مظلةً لكل مشارك، ولا تنسب إلى جماعةٍ كاملة دورًا بلا دليل، افحص الروايات، والأنساب، وسياق المعركة، فالشجاعة لا تُثبت بالتخمين، والهزيمة لا تورث العار.
42.
كان الغبار يرتفع فوق أرض المعركة، وفيه تختلط الأصوات كما تختلط الذاكرة بالحلم، رجلٌ يرفع رايةً لا يعرف من نسجها، وآخرٌ يبحث عن أخيه بين أسماء القتلى، وثالثٌ يكتشف أن النصر لا يعيد المفقودين.
43.
ما الذي بقي من المعارك؟ سيفٌ في متحفٍ يلمع أكثر مما ينبغي، وقصةٌ تتبدل على ألسنة الأحفاد، وأمٌّ لا تهمها أسماء القادة، لأن ابنها لم يعد من الطريق الذي قالوا إنه مجيد.
44.
ثم جاءت التتار والمغول في دفاتر الرعب، فتحوّلت المدن إلى رمادٍ يتذكر شكل البيوت، وتكسرت المكتبات على عتبات النجاة، وأصبح الفقيه يسأل عن معنى الأمان، بينما يكتب الناجي تاريخًا لا يملك رفاهية الترتيب.
45.
في تلك العصور لم يكن «الموالي» جيشًا واحدًا، ولا كان أهل الذمة كتلةً واحدةً في وجههم، فالناس عاشوا تحت نظمٍ متباينةٍ من السلطة، وتحالفوا أو اختلفوا وفق ظروفٍ لا تختزلها التسمية، وكان الخوف يوزع حصصه دون أن يستشير الأنساب.
46.
رأيتُ ناسخًا يخبئ مخطوطةً تحت ثوبه، ورأيتُ طبيبًا يداوي جنديًّا من جيشٍ غريب، ورأيتُ خبازًا يقسم رغيفه بين طفلين، أحدهما من بيتٍ مسلم والآخر من بيتٍ محميٍّ، وفي الصباح كتب السلطان أن الرحمة من إنجازاته.
47.
لا تمحو الحروب اختلاف العقائد، لكنها تكشف مقدار ما نخفيه خلف الشعارات، فقد يقتل رجلٌ باسم الحقيقة، وينقذ آخرٌ إنسانًا لا يشاركه الصلاة، ويظل الاثنان في ذاكرة المدينة أكثر تعقيدًا من الرايات.
48.
في شمال غرب سوريا تتنفس الخريطة بصعوبة، إدلب وحماة وحمص تحمل أسماءها على كتف الريح، والقرى تصغي إلى السماء قبل أن تفتح نوافذها، والطرق التي كانت تجمع الحقول صارت أسئلةً مسلحة، والأطفال يتعلمون جغرافيا النجاة قبل جغرافيا المدرسة.
49.
لم تسأل القرية النازح عن أصل جدته، حين جاء يحمل بابًا مخلوعًا من بيته، سألته إن كان جائعًا، وإن كان يستطيع النوم، لكن الحواجز أعادت السؤال القديم: من أنت، ومن أين، ولمن ترفع قلبك؟
50.
في دير الزور، على ضفة الذاكرة، يمشي النهر بجوار مدنٍ تعرف معنى الانقطاع، تتبدل الأعلام، ويبقى العطش في الأفواه، وتتغير أسماء الجهات على خرائط الجنود، بينما يحفظ الماء أسماء الذين لم يجدوا قبرًا.
51.
وفي الأردن، حيث تتجاور مسارات اللجوء والعمل، تستريح الأقدام من رحلةٍ لا تعرف نهايتها، يحمل القادم مفتاح بيته الذي لم يعد موجودًا، ويخشى أن يسأله الأبناء يومًا عن الوطن، فيجيبهم بصورةٍ باهتةٍ لا تكفي لبناء نافذة.
52.
وفي فلسطين، يصير المفتاح تاريخًا من معدن، وتصير الخريطة اختبارًا لحق الإنسان في المكان، ويحمل المنفيُّ اسم قريته كما يحمل نبضه، لا كي يطرد جاره من الحياة، بل كي لا يتحول اقتلاعه إلى حقيقةٍ بلا ذاكرة.
53.
وفي السعودية تتقاطع طرق الحجاز والبادية، وتختلط ذاكرة القوافل بتاريخ المدن الحديثة، وتعبر الأسماء من قبيلةٍ إلى سوقٍ إلى مؤسسة، لكن العبور لا يجعل كل عابرٍ من أصلٍ واحد، ولا يحوّل الجوار القديم إلى شهادة نسبٍ عامة.
54.
أما الأسماء التي تعيش في شمال غرب سوريا، فليست كلها من سجلٍّ واحدٍ أو زمنٍ واحد، بعضها قبليّ، وبعضها محليّ، وبعضها حديث التكوين، والرواية التي تسمي الجميع «الموالي» تحتاج إلى مساءلة، قبل أن تتحول من حكايةٍ عن التداخل إلى قيدٍ جديد.
55.
يا أطلس الموالي، لا تجعل الخريطة قفصًا من أسماء البلدان، دعها نافذةً على الحركة والتبادل والاقتلاع، فكل سهمٍ فيها يخفي وراءه جسدًا، وكل خطٍّ مرسومٍ على الورق قد يكون ندبةً في لحم إنسان.
56.
أرأيتَ كيف تتبدل البلاد في رأس النازح؟ يصبح البيت مدينةً، والمدينة قارةً، ويصير البئر نهرًا، والباب حدودًا، ويحمل الرجل وطنه في كيسٍ صغير، بينما تسميه نشرات الأخبار رقمًا إضافيًّا.
57.
في مجلس هارون الرشيد أضيئت القناديل، ودارت الأخبار والشعر والجدل حول السلطان، وتحدثت الحكايات عن الغناء والترف والمجالس، لكن القصيدة لا تتخذ الأسطورة محضرَ شرطة، ولا تجعل كل مجلسٍ عباسيٍّ مسرحًا واحدًا للفساد.
58.
كان في القصر من ينشد القصيدة، ومن يصنع اللحن، ومن ينسخ الكتاب، ومن يترجم الحكمة من لسانٍ إلى لسان، وكانت السلطة تمنح بعضهم القرب، ثم تذكّرهم أن القرب ليس مساواةً في المصير.
59.
في الممر الخلفي ضحكةٌ تنزلق على الحرير، وكأسٌ يلمع كأنه قمرٌ موضوعٌ في اليد، وشاعرٌ يمدح السلطان كي يشتري يومًا آخر، ثم يخرج إلى الليل ويكتب قصيدةً ضد الخوف، فمن يملك الحقيقة في مجلسٍ تتبدل فيه الوجوه؟
60.
تقول الحكاية إن المجون كان بابًا للسلطة، ويقول التاريخ إن المجتمع أوسع من حكايةٍ واحدة، فلا نحاكم عصرًا كاملًا بشائعةٍ عن عريٍ أو عربدة، ولا نمحو ما فيه من علمٍ وفنٍّ وصراع، بل نقرأ الترف بوصفه سؤالًا عن توزيع الثروة والكرامة.
61.
كم من امرأةٍ جعلوها زينةً في حكاية السلطان، ثم محوا عقلها من دفتر المؤرخين، كم من مغنٍّ صار اسمه لقبًا لا سيرة، وكم من خادمٍ عرف أسرار القصر، لكن الباب ظل يفتح للذين يملكون حقَّ الرواية.
62.
لم يكن المولى دائمًا ضحيةً بريئة، فقد يصير التابع حارسًا على تابعٍ آخر، ويتعلم المقهور لغة سيده ثم يعاقب بها الأضعف، وتنتقل السلطة من يدٍ إلى يد، بينما يبقى شكل الباب كما كان.
63.
تلك هي المفارقة التي ينبغي أن تُرى: الداخلون يصنعون المؤسسة بأيديهم، ثم يضعون على أبوابها شروطًا جديدة، ويورثون الحراسة لمن يشبههم، حتى ينسوا أنهم كانوا ذات يومٍ ينتظرون الإذن.
64.
في خزائن بغداد نامت كتبٌ كثيرة، وفي حواشيها آثار مترجمين وأطباء وفلكيين، وفي أروقة الدولة تحركت لغاتٌ متعددة، لم تكن الحضارة صوتًا واحدًا في غرفةٍ مغلقة، بل جدلًا طويلًا بين الذاكرة والمعرفة والسلطة.
65.
كل حضارةٍ مدينةٌ لأناسٍ لا يظهرون على واجهتها، لمن يحملون الماء، ويعدّون الحروف، ويصلحون الساعات، لمن ينقلون خبرة الجدول إلى حقلٍ جديد، ولمن يترجمون المعنى كي لا يبقى حبيس لسانٍ واحد، لكن التماثيل غالبًا لا تحفظ إلا أسماء أصحاب السيوف.
66.
أيُّ حجرٍ هذا الذي يرفض أن يعترف باليد؟ وأيُّ بابٍ ينكر نجارَه بعد أن يستقيم؟ وأيُّ قصرٍ يستطيع أن يقف وحده، إذا انسحب منه البنّاؤون والكتبة والحمّالون، وتركوا للسلطان أن يرفع سقفه بمرسوم؟
67.
في الشرق، حيث تتجاور السهول والحدود، كانت الأسماء تتنقل مع المواسم، والرعاة يعبرون الأرض التي لا تعرف السياج، والتجار يبدلون اللغات بقدر ما يبدلون البضائع، وكانت الهوية أكثر سيولةً من ختمٍ على وثيقة.
68.
ثم جاءت الدولة الحديثة بخطوطها المستقيمة، فقالت للراعي: قف هنا، فهنا يبدأ اسمك، وقالت للمزارع: هذه القطعة لها رقمٌ جديد، وقالت للغريب: انتظر حتى يفحصوا ذاكرتك، وصارت الأرض التي كانت طريقًا جدارًا من الأسئلة.
69.
في القضارف، القمح لا يسأل عن لهجة اليد، والسنابل لا تفحص بطاقة العامل، لكن السوق يعرف كيف يصنع التفاوت، وكيف تتحول الحاجة إلى تبعية، وكيف يصبح من يملك المخزن صاحبَ صوتٍ أعلى من صاحب الحقل.
70.
يا مدينة الحبوب، كم رغيفًا خرج من أرضك ولم يشبع جائعًا؟ كم يدًا تعبت في الحصاد ولم تدخل مجلس القرار؟ كم اسمًا مرّ بك ولم يجد مكانًا في ذاكرتك؟ وكم مرةٍ سمّيتِ الإقصاءَ نظامًا طبيعيًّا؟
71.
أنتِ لستِ بلا أصل، لكن أصلَك لا يبرئك من الظلم، ولستِ بلا وجيعٍ إن كنتِ تصغين إلى الذين يتألمون، غير أن الوجيع ليس تمثالًا يُنصب في الساحة، بل ضميرٌ يرفض أن يتاجر بألم الناس.
72.
قلتُ عنكِ: مدينةٌ تعج بالوافدين، فجاءني صوتٌ من ديم النور يسأل: ومن الذي جاء أولًا، ومن الذي وصل بعده؟ هل تحفظ الأشجار سجلًّا كاملًا للخطى، أم أنها تترك لكل جيلٍ وهمَ البداية؟
73.
في ديم بكر نامت حكاياتٌ تحت التراب، وفي العباسية القديمة صارت الأزقة دفاترَ مفتوحة، وفي السوق تداخلت النداءات مع أصوات الموازين، وفي أطراف المدينة كان المسافر يمد ظله، ويحسب أن الظلَّ وحده لا يحتاج إلى وثيقة.
74.
هنا لا يكفي أن نرفع راية الأصل، ولا أن نسخر من ذاكرة من سبقونا، بل أن نسأل كيف توزعت الأرض والفرص، وكيف دخل بعض الناس إلى أبواب القرار، وبقي آخرون يدفعون ثمن الإقامة من كرامتهم.
75.
التاريخ الشفاهي ليس كذبًا لأنه شفاهي، لكنه ليس معصومًا من النسيان والتأويل، يحفظ ما أهملته الوثائق أحيانًا، ويضيف إلى الحادثة ظلالًا من الرغبة والخوف، لذلك نسمعه بإنصاتٍ ونقارنه دون أن نكسر قلب الراوي.
76.
قالت امرأةٌ مسنّةٌ عند طرف السوق: كان أبي يعرف أسماء القادمين من رائحة الطريق، لكنها لم تقل إن الرائحة تثبت النسب، قالت إنه كان يعرف الجوع من وقع الخطوة، ويعرف الغريب الذي يحتاج إلى الماء، قبل أن يعرف القبيلة التي يكتبها الناس على جبينه.
77.
وفي الليلة التالية رأى الشاعر شجرةً بلا أوراق، تتدلى من أغصانها جوازات سفرٍ قديمة، كل جوازٍ يحمل اسمًا تغيّر في منفذٍ حدودي، وكل اسمٍ يتذكر أمًّا نطقت به للمرة الأولى، ثم عجز عن نطقه حين صار صاحبه مطلوبًا للنجاة.
78.
سأل الشجرة: هل اعترفتِ بأبنائك؟ قالت: أنا لا أملك محكمةً للأنساب، أنا أعرف الجذر من عطشه، وأعرف الغصن من انكساره، أما أنتم فتجعلون ظلي شهادةً ثم تمنعونني من الكلام.
79.
عند الفجر رأى مرآةً تسير وحدها، لا يحملها أحدٌ ولا تتبع موكبًا، كانت تعكس الوجوه كما تأتي، من غير أن تسألها عن لون الجدّ، ومن غير أن تطلب من المستقبل أن يشبه الماضي.
80.
قالت المرآة: لستُ براءةً من التاريخ، ولا بابًا لمحو الذاكرة، أنا فرصةٌ لترى ما ورثته دون أن تصبح أسيره، وأن تعرف جذورك دون أن تعاقب بها غيرك، وأن تختار طريقك دون أن تدّعي أنك بدأت من فراغ.
81.
من وراثة الاسم إلى اختراع الإنسان، تمتد مسافةٌ لا تقيسها الأجيال، بل تقيسها القدرة على مراجعة الموروث، على تمييز الحكمة من التعصب، وعلى ترك ما يجرح الآخرين دون أن نكره من سبقونا.
82.
لا تطلب من ابنك أن يكرر خوفك، ولا من ابنتك أن تحمل عارك القديم، ولا من جارك أن يثبت استحقاقه للماء، فالذاكرة التي لا تسمح بالتجديد، تتحول إلى قبرٍ واسعٍ تسكنه أجيالٌ حية.
83.
كان الشاعر يقسو على نفسه، يكتب: أنا ابن مدينةٍ لا وجيع لها، ثم يمحو الجملة بيدٍ ترتجف، فهو يعرف أن القسوة على المدينة سهلة، وأن الصعوبة أن يظل فيها شاهدًا لا جلادًا.
84.
كتب: نحن أبناء الغبار، ثم سأل: أيُّ غبارٍ هذا؟ غبار الحقول أم غبار الدبابات؟ غبار البيوت المنهارة أم غبار السجلات؟ وهل يستطيع الغبار أن يفرّق بين قدمٍ هاربةٍ وقدمٍ تطاردها؟
85.
في السودان انفتح الجرح على اتساعه، وصارت الخرطوم ذاكرةً تحترق في النهار، وتنقلت العائلات من غرفةٍ إلى محطة، ومن محطةٍ إلى وطنٍ مؤقتٍ لا يطمئن، وأصبح الطريق أطول من قدرة الاسم على تفسير المصير.
86.
حين اندلعت الحرب في أبريل، لم تسأل القذيفة عن القبيلة التي تسكن البيت، ولم تميّز النوافذ بين لغةٍ ولهجة، لكن الحرب ليست عمياءً في كل شيء، فثمة من يختار الهدف، ومن يأمر، ومن يربح، وثمة ضحايا لا ينبغي أن نحمّلهم ذنب من حمل السلاح.
87.
ثم اتسع الخراب نحو الجزيرة، وعبرت قوات الدعم السريع مناطق واسعة، وصار القلق يسبق الأخبار إلى القرى، وتعرض مدنيون للقتل والانتهاكات والنهب والنزوح، فغدت الحقول التي وعدت بالموسم خرائطَ للخوف.
88.
يا ود مدني، كم بابًا فُتح ليلًا ثم لم يعد إلى مكانه؟ كم بيتًا حمل مفتاحه في جيب نازح؟ كم طفلًا تعلم أسماء الطرق البديلة، قبل أن يتعلم أسماء الفصول؟ وكم أمًّا أخفت في حقيبتها صورةً كي لا تنساها النار؟
89.
لا تجعلوا الحرب نسبًا جديدًا، ولا تجعلوا دم الضحايا رخصةً لقتل آخرين، فالعدالة ليست قبيلةً تنتقم من قبيلة، ولا رايةً تبرئ حاملها من الجريمة، إنها اسم المسؤولية حين يجرؤ المجتمع على تسمية الفعل وفاعله.
90.
من خان الوطن لا يصبح ممثلًا لكل من يشبهه، ومن ارتكب جريمةً لا يمنحك حقًّا في تجريم جيرانه، فالمسؤولية تُنسب إلى الفعل والدليل، والعدالة تبدأ حين نرفض العقاب الجماعي، وحين لا تتحول ذاكرة المظلوم إلى آلةٍ لإنتاج مظلومٍ جديد.
91.
في القضارف صار الخوف يطرق النوافذ، وصارت الشائعة أسرع من الشاحنة القادمة، والناس يقيسون وجوه بعضهم بميزان الشك، حتى صار الجار يسأل عن الجار، لا ليطمئن عليه، بل ليتأكد أنه لا يشبه الخطر.
92.
هنا تبدأ محنة الهوية: حين يتقدم الهوى متخفيًا في هيئة التاريخ، وحين يصبح الأصل جوابًا جاهزًا عن كل سؤال، وحين يتوارى الإنسان خلف شعارٍ موروث، وتتحول المدينة إلى قاعة تفتيشٍ لا تنتهي.
93.
هل الشرق شرقٌ والغرب غربٌ، وهل استحالت بينهما اللقاءات منذ بيانٍ محليٍّ في عام 1994؟ أم أن العبارة ذاكرةُ صراعٍ لم تُكتب وثائقه كاملة، وأن الحدود التي تصنعها السياسة تتغير، بينما يظل الناس يعبرون الأسواق والحقول والبيوت؟
94.
لن أجعل عبارةً متداولةً حكمًا على قارتين، ولا بيانًا لم تتضح وثائقه قانونًا أبديًّا للانقسام، سأضعها على طاولة التحقيق الرمزي، وأسأل من قالها، وفي أي نزاعٍ ظهرت، ومن استفاد حين صدق الناس أن اللقاء مستحيل.
95.
الشرق ليس جوهرًا مغلقًا في الدم، والغرب ليس قدرًا يسكن الجسد، كلاهما اسمٌ يتبدل مع زاوية النظر، وقد يصبح الشرق غربًا في دفتر تاجر، وقد يصير الغرب شرقًا في حلم طفلٍ يبحث عن بيت.
96.
لكن الكلمات حين تسكن الخوف طويلًا، تتحول إلى أبوابٍ من حديد، يُمنع العابرون من فتحها حتى لو حملوا المفاتيح، ويتعلم الأطفال أن يكرهوا قبل أن يعرفوا، ويصبح الجار حكايةً عن عدوٍّ لم يروه.
97.
في تلك اللحظة يدخل المولى من الباب الخلفي، ليس لأنه أقلُّ إنسانيةً من غيره، بل لأن الباب الأمامي صُمم لوجوهٍ محددة، ولأن الحارس ورث منصبه من حارسٍ سابق، ولم يسأله أحدٌ لماذا يحتكر حقَّ الدخول.
98.
ثم يكبر الطفل الذي دخل خفيةً، ويتعلم القراءة، ويصير قاضيًا أو شاعرًا، ويكتب قانونًا ينظم أبواب المدينة، فإذا به يضع على الباب شرطًا جديدًا، ويقول للطفل القادم: عد غدًا، فأنت لا تشبهنا.
99.
يا لغرابة التاريخ حين يكرر قسوته، ويغيّر أسماء الضحايا فقط، فلا يكفي أن نبدل الحارس كي تتحرر المدينة، ولا يكفي أن نرفع ابن الهامش إلى العرش، إن لم نغيّر القاعدة التي تجعل العرش فوق الناس.
100.
المولى الذي تحرر ليس من أنكر جذوره، ولا من مزق شجرة أسرته انتقامًا، بل من أوقف الوراثة عند حدّ الكرامة، وقال: ما ورثته تفسيرٌ لماضٍ، وليس تفويضًا مفتوحًا لإيذاء من يختلف عني.
101.
رأيتُ في المنام أرشيفًا بلا موظفين، الملفات فيه تفتح أبوابها بنفسها، وتخرج منها أسماءٌ لم يكتبها المنتصرون، تقول: كنا هنا، بنينا، أحببنا، خفنا، ولم نكن حاشيةً في قصةٍ كتبها رجلٌ واحد.
102.
كان بين الملفات ملفٌّ بلا عنوان، فيه صورةُ امرأةٍ تمسك بيد طفلٍ مجهول، وفي الخلف بيتٌ لا يُعرف موقعه، وعلى الصورة بقعةُ ماءٍ تشبه خريطةً، فلم يعرف المؤرخ أهي دمعةٌ أم نهرٌ أم مطر.
103.
كتب على الغلاف: أصلٌ غير مثبت، ثم تراجع، ومزق العبارة، فكيف يصير غياب الدليل حكمًا بغياب الإنسان؟ وكيف يصبح الجهل بالاسم سببًا لمحو الحياة؟ لقد أخطأ الأرشيف حين ظن أن ما لم يحفظه لم يوجد.
104.
في مجلس الذاكرة جلست الشعوب المتعددة، لم يجلس الكردي ممثلًا لكل كردي، ولا القبطي ممثلًا لكل قبطي، ولا الأمازيغي حاملًا سرّ الصحراء وحده، ولا التركي شاهدًا نهائيًّا على جميع السهوب.
105.
كل واحدٍ تكلم بلسانه الشخصي، بما عاشه من عبورٍ وفقدٍ ونجاة، واختلف مع من يتحدث باسم الجماعة، فلم تعد الهوية جوقةً تتلقى إشارة قائد، بل أصواتًا تتجادل دون أن يلغي أحدها الآخر.
106.
قال الكردي: لا تختصروا جبالي في حرب، وقال القبطي: لا تجعلوا تاريخي هامشًا على النيل، وقال الأمازيغي: لا تحولوا لغتي إلى أثرٍ سياحي، وقال التركي: لا تجعلوا السهوب تفسيرًا لكل ماضٍ، ثم أضافوا: نحن أيضًا لسنا أسماءً بلا خلافاتٍ داخلية.
107.
لم يكن بينهم نسبٌ واحدٌ يفسر اختلافهم، لكنهم عرفوا بابًا واحدًا حين أُغلق، باب الاعتراف بأن الإنسان أكثر من بطاقة، وأن المجتمع الذي يتسع للذاكرة، يستطيع أن يتسع للاختلاف دون أن يذوب.
108.
في شرق السودان تتجاور رواياتٌ كثيرة، عن قبائل عبرت، وأسرٍ استقرت، وأسواقٍ نشأت، وعن حروبٍ غيّرت الطرق، ومواسم فتحت أبواب الرزق، لا يجوز أن نجعل كل رواية وثيقةً نهائية، ولا أن نهملها لأنها لم تُطبع في كتابٍ رسمي.
109.
علينا أن نسأل كبار السن عن الأسماء، وأن نقارن الروايات بالسجلات والخرائط، وأن نقرأ اللغة في ضوء الهجرة والتجارة، وأن نميز بين الحلف والنسب والإقامة، كي لا تتحول الذاكرة إلى مصنعٍ للشعارات المضللة.
110.
فالمدينة ليست شجرةً ذات جذعٍ منفرد، إنها غابةٌ من المصائر المتقاطعة، بعض جذورها ظاهرٌ عند السطح، وبعضها يمتد تحت البيوت والطرقات، وبعضها انقطع ثم أنبت في مكانٍ لم يتوقعه أحد.
111.
من أين يأتي الحق في الأرض؟ من سبقٍ زمنيٍّ وحده، أم من إقامةٍ طويلة؟ من قانونٍ عادل، أم من اعترافٍ متبادل؟ كيف نصون ذاكرة السابقين دون أن نحرم اللاحقين، وكيف نمنع الملكية من التحول إلى سيفٍ فوق رقبة الجار؟
112.
لم أجد جوابًا في شجرة النسب، وجدتُ أسئلةً في فم الفلاح، وفي يد المرأة التي تبيع الخضار، وفي عين النازح الذي فقد عنوانه، وفي الطفل الذي يريد أن يعرف أين ينام الليلة.
113.
قال الفلاح: الأرض تعرف تعبنا، لكنها لا تمنحنا وحدها قانونًا عادلًا، وقال النازح: البيت الذي فقدته لا يعود بالصراخ، لكنه لا يختفي لأن أحدًا أنكر وجوده، وقال الطفل: لا أريد أصلًا يطرد صديقي.
114.
هنا تراجعت البلاغة خطوةً إلى الوراء، وأفسحت مكانًا لرغيفٍ وماءٍ ودواء، فالفلسفة التي لا ترى الجائع تجريدٌ متأنق، والقصيدة التي لا تسمع الناجي زينةٌ على جدار، والهوية التي لا تحمي الحياة اسمٌ بلا مسؤولية.
115.
أين كان المولى حين بُنيت الدولة؟ في الجيش، وفي الديوان، وفي الحقل، في الأسواق التي صنعت المدن، وفي الكتب التي ترجمت علوم الآخرين، وفي البيوت التي حفظت اللغة من الانقطاع.
116.
وأين كان حين أغلقت الدولة أبوابها؟ في صفوف الانتظار، وفي المهن التي لا تُرى، في حيٍّ يختبئ اسمه تحت اسمٍ آخر، وفي وثيقةٍ تؤجل الاعتراف عامًا بعد عام، وفي ذاكرةٍ تعرف أنها ساهمت في البناء ولا تملك مفتاحه.
117.
المفارقة ليست أن الغرباء يدخلون، بل أن المؤسسة تحتاجهم ثم تنكر أثرهم، أن تستعير من لغاتهم ثم تسخر من ألسنتهم، أن ترفع خبرتهم وقت الأزمات، ثم تضعهم في الهامش عندما تعود الطمأنينة.
118.
لذلك لا أريد مملكةً للموالي، تستبدل حارسًا بحارسٍ وتعيد الطقس نفسه، ولا أريد تاجًا للغريب يلمع فوق رؤوس الآخرين، أريد بابًا لا يتوقف عند لونٍ أو لهجة، وقانونًا لا يسأل الدم قبل أن يسمع القضية.
119.
أريد تاريخًا يعترف بالامتياز كما يعترف بالمحنة، وبالإنجاز كما يعترف بالخطأ، وبأن الجماعات ليست ملائكةً أو شياطين، بل بشرٌ تتصارع فيهم المصالح والرغبات، وأن العدالة تبدأ حين تتوقف الأساطير عن إعفاء الأقوياء.
120.
في آخر القاعة جلس السلطان بلا تاج، أمامه مرآةٌ لا تعكس صورته، بل تعكس أيدي الذين بنوا قصره، ووجوه الذين حملوا الماء إلى جنوده، وأسماء الذين دفعوا ثمن المائدة ولم يجلسوا إليها.
121.
حاول أن يأمر المرآة بالصمت، فأجابت: أنا لا أتكلم، أنا أُظهر، وحين أظهرت له وجهه بلا حاشية، رأى رجلًا عاديًّا يخاف من الوحدة، ويحتاج إلى الآخرين أكثر مما يعترف.
122.
في تلك اللحظة فهم أن العرش مستعار، وأن الدولة لا تسكن في جسد الحاكم، بل في علاقات الناس ومؤسساتهم، وأن الحارس الذي يحتكر الباب، قد يستيقظ يومًا ليجد أن المدينة صنعت طريقًا آخر.
123.
يا قارئ الأطلس، لا تبحث عن الموالي في لونٍ محدد، ولا في لقبٍ تتناقله الأفواه دون تمحيص، ابحث عن موضع الإنسان من السلطة، وعن المسافة بين عمله واعتراف المجتمع به.
124.
قد يكون المولى صاحب القصر، وقد يكون ساكن غرفةٍ في طرف المدينة، قد يكون عالمًا يفتح أفقًا جديدًا، وقد يكون رجلًا يكرر قسوة من قهره، فالتسمية لا تمنح أحدًا حصانةً أخلاقية.
125.
ولا تجعل الموالي عذرًا لتاريخٍ مغلق، ولا تجعلهم اسمًا لكل من هاجر أو استقر، فالمصطلحات القديمة لا تصلح وحدها خرائطَ للحاضر، والهويات الحديثة لا تنطبق آليًّا على عصورٍ سابقة، والبحث الجاد يبدأ حين نتوقف عن جعل الشبه دليلًا.
126.
في القضارف رأيتُ طفلين يتقاسمان كرةً، اختلفا في اسم الفريق ولم يختلفا في اللعب، ثم جاء الكبار فشرحوا لهما حدود الانتماء، ورسموا على التراب خطًّا بينهما، فتعلمت الكرة لأول مرةٍ كيف تنحاز إلى الخوف.
127.
لكن الطفلين محوا الخط بأقدامهما، وركضا خلف الكرة إلى جهةٍ ثالثة، لم تكن شرقًا ولا غربًا في قاموس النزاع، كانت مساحةً للضحك والعرق والتراب، وكانت المدينة لثوانٍ أقلَّ ادعاءً وأكثر إنسانية.
128.
لماذا نمنح الأطفال ميراث الخصومة كاملًا؟ لماذا نسمّي الخوف حكمةً موروثة؟ لماذا نطلب منهم أن يحرسوا قبورًا لم يروها، وأن يكرروا أحكامًا لم يختبروها، وأن يكرهوا أناسًا لم يجلسوا معهم حول مائدة؟
129.
التحرر ليس نسيان الموتى، بل إنقاذ الأحياء من أن يصبحوا أدواتهم، ليس إنكار ما وقع من ظلمٍ في الماضي، بل رفض تحويله إلى رخصةٍ لظلمٍ جديد، وليس قطع الجذور، بل منعها من خنق الأغصان.
130.
في الليلة الأخيرة عاد الشاعر إلى الشجرة، فوجد أوراقها تحمل لغاتٍ كثيرة، بعضها مكتوبٌ بالحبر، وبعضها بالدمع، وبعضها لا يُقرأ إلا حين يقترب الإنسان من غيره، ويترك للحكاية أن تكشف ما أخفاه الخوف.
131.
قالت الشجرة: لم أكن بريئةً دائمًا، فقد احتمى بي حارسٌ كي يمنع العابرين، وقد اتخذني شاعرٌ دليلًا على تفوق سلالته، وقد قطعني تاجرٌ ليصنع بابًا لقصره، ثم كتب في دفتره أن الخشب لا ذاكرة له.
132.
قلتُ لها: وهل تريدين اعتذارًا؟ قالت: أريد أن تعرفوا ما صنعتم، وأن تفرقوا بين الجذر والقيد، وأن تسمحوا للغصن أن يتجه إلى الشمس، دون أن يطلب من جذوره شهادةً كل صباح.
133.
عندها رأيتُ نفسي في مرآةٍ مشروخة، نصف وجهي يمدح المدينة التي أحب، ونصفه يتهمها بما أخفته عني، وفي الشقوق وجوهُ الذين عبروا المكان، فلم أستطع أن أكتب تاريخًا لا يشملني بالنقد.
134.
أنا أيضًا ورثتُ أقنعةً لا أعرف صانعها، وأحكامًا دخلت رأسي قبل أن أتعلم السؤال، وحكاياتٍ حسبتُها حقائق لأنها مألوفة، فكيف أطالب الآخرين بالتحرر، إذا لم أجرؤ على فحص ما يسكن لغتي؟
135.
لهذا أقسو على نفسي أولًا، أفتش في ضمير المتكلم عن حارسٍ صغير، وأراقب كيف يتحول الخوف إلى حكم، وكيف تصبح الكلمة سكينًا حين ترفض المراجعة، وكيف يستطيع الشاعر أن يعيد إنتاج السجن وهو يكتب عنه.
136.
ليس الشاعر نبيًّا معصومًا من الوهم، ولا المؤرخ مالكًا لكل ما حدث، ولا الفيلسوف قاضيًا خارج الزمن، إنما يضيئون مواضع الظل بقدر استطاعتهم، ويخطئون حين يظنون أن المصباح هو الشمس.
137.
أما الحديث الشريف الذي سأل عنه القلب، فلا أجعله زينةً في قصيدةٍ عن المنسيين، بل أتركه في موضع الأمانة والبحث، تُفحص ألفاظه وسياقاته وأسانيده، فالمحبة لا تحتاج إلى أن تنسب إلى النبي ما لم يثبت عنه.
138.
وأما جهينة والعباس والطرق القديمة، فلا أضع بينها نسبًا بقرارٍ شعريّ، ولا أقطع الطريق أمام احتمالٍ تؤيده الوثائق، سأدع الباحث يختبر الروايات، وأدع القصيدة تسأل لماذا يحتاج الإنسان إلى نسبٍ كي يُصدَّق.
139.
وأما مجالس الخلفاء وأخبار الترف، فأقرأها بوصفها مشاهد في تاريخ السلطة، لا حكايةً واحدةً عن كل عصرٍ أو كل جماعة، فالترف قد يكشف تفاوت الثروة، والفن قد يزدهر في المكان نفسه الذي يضيق فيه العدل.
140.
وأما حنين والتتار والمغول، فلا أستدعيهم ليصنعوا نسبًا عجائبيًّا للموالي، بل لأتأمل كيف تصنع الحرب ذاكرتها الخاصة، وكيف يختلف الناجي عن صاحب النشيد، وكيف تتحول الوقائع إلى مرايا متعارضةٍ في عيون الأحفاد.
141.
وأما إدلب وحماة وحمص ودير الزور، والأردن وفلسطين والسعودية، فهي أمكنةٌ تسكنها تواريخ متباينة، ولا يكفي أن نجمع أسماءها في سطرٍ واحد، كي نعلن أنها حكايةُ جماعةٍ واحدةٍ عبر القرون.
142.
لكل مكانٍ أرشيفه ووجعه، ولكل جماعةٍ اختلافاتها الداخلية، ولكل طريقٍ من الهجرة أسبابٌ ونتائج، ولا تصبح الخريطة علمًا بمجرد أن تمتلئ بالأسماء، بل حين تعترف بما تعرفه وما تجهله.
143.
في شرق السودان سأترك نافذةً مفتوحة، يدخل منها صوت الراعي والفلاح والتاجر، والمهاجر الذي لا يملك إلا خبرته، والمرأة التي تحفظ أسماء الأحياء في ذاكرتها، والنازح الذي يريد أن يعيش دون أن يتهمه أحدٌ بأصلٍ مفترض.
144.
لن أسمّي كل وافدٍ خائنًا، ولا كل مقيمٍ أمينًا، ولا كل مهمّشٍ بريئًا من أخطائه، ولا كل صاحب امتيازٍ مذنبًا بمجرد ميراثه، بل سأفحص الفعل الذي وقع، والحق الذي انتُهك، والدليل الذي يمكن أن يصمد.
145.
فالوطن ليس رقعةً يتكدس فيها الناس، ولا مخزنًا تُكدَّس فيه الأسماء القديمة، ولا قلعةً تحرسها مخاوف الأحياء من الأموات، إنه علاقةٌ قابلةٌ للإصلاح بين الإنسان والمكان، ومسؤوليةٌ مشتركةٌ عن الحياة التي لم تأتِ بعد.
146.
إذا خان رجلٌ وطنه، فليُسأل عن خيانته، وإذا اعتدى مقاتلٌ على مدنيٍّ، فليُحاسب، وإذا نهب صاحب سلطةٍ مال الناس، فليُكشف، لكن لا تجعلوا النسب محكمةً بديلةً عن القانون، ولا تجعلوا الهوية ستارًا يختبئ وراءه المجرمون.
147.
يا أطلس الموالي، أعد رسم الخرائط من جهة الإنسان، لا من جهة السيف الذي قسم الأرض، ولا من جهة الحارس الذي احتكر اسم الوطن، بل من جهة الباب الذي يتسع لكرامة الجميع، ومن جهة المرآة التي لا تطلب من الوجه أن يعتذر عن وجوده.
148.
من لعنة النسب إلى حرية المرايا، تبدأ الرحلة حين نعرف ما ورثناه، ونعترف بما أصاب الآخرين من ظلمٍ باسمنا، ونرفض أن نكون أسرى لماضٍ لا نراجعه، ونفهم أن المستقبل ليس ملكًا حصريًّا لأسلافنا، بل أمانةٌ نتركها لمن سيأتون بعدنا.
149.
ستبقى الأشجار مختلفةً في شكل جذورها، وستظل اللغات تحمل آثار المسافات، وستتجاور في المدينة حكاياتٌ لا تتطابق، لكن لا ينبغي أن يتحول الاختلاف إلى حكمٍ بالإقصاء، ولا أن يصبح التاريخ سورًا يمنع الإنسان من أن يكون أكثر مما ورث.
150.
وفي الصفحة الأخيرة لم أكتب اسم قبيلة، ولا اسم إمبراطوريةٍ تنتصر إلى الأبد، كتبتُ: هنا مرَّ بشرٌ صنعوا مدينةً ثم اختلفوا عليها، وهنا تعلّم الشاعر أن الهوية سؤالٌ لا سجن، وأن الوطن لا يحتاج فيه أحدٌ إلى بابٍ خلفيٍّ كي يدخل من الباب الأمامي للكرامة.
______
أكتوبر 2026م
دار إتحاد الرعاة - القضارف


تعليقات
إرسال تعليق