ديوان : أريزونا أو ما يتبقى من العالم

 أريزونا أو ما يتبقى من العالم 

 

مصعب الرمادي

 أريزونا أو يتبقى من العالم

__________________
 الكتاب :  أريزونا أو يتقى من العالم 

 الكاتب : مصعب الرمادي
تاريخ الطبع : سبتمبر 2026م
حقوق الطبع والتأليف محفوظة للمؤلف 

____________________ 

 1
في أريزونا، حيث يخلع النهار قميصه الراهج عند باب المساء،
رأيتُ سيدة طاعنة في شهوة المشمش تحمل غروباً صغيراً في حقيبتها الجلدية، وتبحث في هاتفها عن مطعم لا يفرض ضريبةً على الحنين،
قلتُ لها: في بلادي، كان الحب يبدأ بفنجان قهوة،
فضحكت: هنا يبدأ أحياناً بكلمة مرورٍ لا يتذكرها أحد.
2
على الطريق السريع، كانت السيارات تمرّ كأنها أفكارٌ هاربة من كتاب،
وكانت لافتةٌ زرقاء تشير إلى مدينةٍ لا أعرف إن كانت موجودة،
وضعتْ يدها فوق يدي، لا لتملكني، بل لتختبر دفء المسافة،
قالت: لا أحب الرجال الذين يخلطون الحب بعقد الملكية،
فقلت: جئتُ من بلادٍ تتنازع فيها الخرائطُ حتى على أسماء الأنهار.
3
في مطعمٍ مضاءٍ بالنيون، جلسنا قبالة قائمةٍ أطول من تاريخ الحدود،
برغرٌ يلمع كقمرٍ اصطناعي، وتاكو يحمل رائحة المكسيك،
وفلافلٌ يتيمة تتدحرج في ذاكرة مهاجرٍ من شرق السودان،
قالت: ماذا ستطلب؟ قلت: شيئاً لا يحتاج إلى ترجمة،
فأحضرتِ النادلةُ طبقاً من البطاطا، ومعه فاتورةٌ تفهم كل اللغات.
4
أخبرتُها أن الهيل يفتح في القهوة باباً سرياً إلى البيوت البعيدة،
فوضعت حبةً منه في فنجانها، ثم أغمضت عينيها كمن يسمع المطر،
قالت: رائحته تشبه حديقةً لم أزرها، لكنها تعرف اسمي،
وكانت شفتاها قريبتين بما يكفي لتتلعثم الجغرافيا،
وبعيدتين بما يكفي لأظلّ ممتناً لحرية الاقتراب.
5
في الطريق إلى فينيكس، ابتلعت الصحراء ظلال الشاحنات،
وكانت الشمس تجرّ وراءها سلسلةً من الساعات المحترقة،
حدّثتني عن طفولتها قرب أشجارٍ لا تتذكر أسماءها،
وحدّثتُها عن مدينةٍ سودانيةٍ كانت الطيور فيها تعرف البيوت،
ثم صمتنا، كأن الذاكرة قطارٌ تأخر عند محطةٍ لا وجود لها.
6
عند محطة الوقود، اشتريتُ قهوةً سوداء لا تعرف شيئاً عن السودان،
وسألتني الموظفة عن اسمي، فاختصرته في محاولةٍ مرتبكة،
كتبته بحرفٍ ناقص، فصار شخصاً آخر يسكن إيصال الدفع،
قالت حبيبتي: ربما يعيش ذلك الرجل حياةً أسهل منك،
قلت: دعيه، فلعلّه الوحيد الذي عبر الحدود بلا تفتيش.
7
كانت شقتُها في الطابق الثالث تطلّ على موقف سياراتٍ فارغ،
والقمر يمرّ بين قضبان الستائر مثل سجينٍ يتدرّب على الحرية،
خلعت حذاءها، وتركت قدميها تستريحان من ضجيج النهار،
ثم سألتني إن كنت أريد البقاء حتى الصباح،
فأجبتها: أريد أن أبقى ما دام الباب يعرف معنى الخروج.
8
في الصباح، اكتشفنا أن الإيجار ارتفع مرةً أخرى،
وأن التكييف تعطّل في الظهيرة الأكثر سخونةً من الاعتذار،
كان صاحب المبنى يرسل رسائل عن القيمة السوقية للشقق،
بينما كانت هي تقيس المسافة بين كتفي وكتفها،
وتقول إن السوق يعرف سعر الجدران، لكنه لا يعرف ثمن السكينة.
9
تحت النافذة، رجلٌ يبيع أحلاماً بالتقسيط،
وفوق السطح، جهازُ تكييفٍ يحتضر كحيوانٍ معدني،
وفي الداخل، امرأةٌ تضحك لأننا لا نستطيع شراء الراحة،
فأفتح ذراعيّ، وتدخل إليهما كما تدخل نسمةٌ من بابٍ قديم،
ويصير العناقُ مسكناً مؤقتاً لا يطلب كشفاً مصرفياً.
10
قالت إن الحب الأمريكي يحب المواعيد الواضحة،
وإنني أجيء أحياناً كعاصفةٍ لا تعلن عن نفسها،
فقلت: في بلادي، قد يزورك المساء بلا موعدٍ ولا سبب،
وتأتي معه وجوهٌ لم ترها منذ عشرين عاماً،
لكنها تعرف أين تخبئ أمك السكرَ حين ينفد الكلام.
11
في دائرة رخص القيادة، اصطفّ الناس كجملٍ طويلةٍ من الانتظار،
يحمل كل واحدٍ ورقةً تثبت أنه الشخص الذي يقف أمام الموظف،
وكانت هي تقرأ الأسئلة، بينما أراجع تاريخ ميلادي في رأسي،
سألني الموظف عن عنواني، فظهر في داخلي بيتان وثلاثة بلدان،
وإجابةٌ واحدةٌ لم أستطع كتابتها: أين يقيم القلب حين يتنقّل؟
12
قالت: إن حصلت على الرخصة، سأدعك تقود السيارة إلى الوادي،
فقلت: أخشى أن أخلط بين المسار السريع وطريق النجاة،
فضحكت حتى التفت إلينا رجلٌ يحمل كومةً من الاستمارات،
ثم لمست وجهي برفقٍ كأنها تعيد ترتيب خريطةٍ ممزقة،
وقالت: لا بأس، نتعلّم القيادة كما نتعلّم الحب، منعطفاً بعد منعطف.
13
في متجر البقالة، وقفنا أمام رفوفٍ من الحليب والذكريات،
حليبٌ عضويّ أغلى من قصيدةٍ منشورة في مجلةٍ صغيرة،
ولحمٌ حلال يجاور طعاماً لا يعرف المهاجر كيف ينطق اسمه،
قلت لها: أحياناً أشعر أنني أحتاج إلى قاموسٍ كي أشتري العشاء،
فقالت: وأنا أحتاج إلى قلبٍ إضافي كي أفهم لماذا تخاف الفاتورة.
14
اختارت تفاحاً أحمر، واخترتُ خبزاً يشبه خبز البيت،
ثم اختلفنا حول سعر زيت الزيتون وبلد المنشأ،
كان ملصقٌ صغيرٌ يعلن انتصار التجارة على المسافة،
لكن رائحة الخبز أعادت إلينا شارعاً لا يعرف الباركود،
فاشترينا أكثر مما نحتاج، كي لا تعود الذاكرة جائعة.
15
في المساء، صنعتُ لها شاي النعناع كما تصنعه الأمهات في البلاد البعيدة،
ووضعت هي شرائح الليمون على طبقٍ أبيض،
كان مطبخها يجمع الصحراء المتوسطية بالصحراء الأمريكية،
وحين انحنت فوق الكأس، لامس شعرها بخار الماء،
فشعرت أن العالم كله يتعلّم للمرة الأولى كيف يتنفّس.
16
لم تكن الغيرة وحشاً، بل ساعةً سيئة الضبط،
تدقّ في منتصف الليل حين تتصل أمي من قارةٍ أخرى،
وتسألني إن كنت قد أكلت، وإن كانت المرأة التي أحبها طيبة،
فتبتسم حبيبتي، رغم أنها لا تفهم كل الكلمات،
ثم تلوّح للهاتف كأنها تحيي عائلةً تعيش خلف شروقٍ آخر.
17
تسألني أمي: متى تعود؟
وتسألني حبيبتي: متى تتوقف عن الشعور بأنك عائدٌ إلى مكانٍ آخر؟
وبين السؤالين، أمدّ حبلاً من الضوء فوق المحيطات،
تتدلّى منه أصواتٌ ووجوهٌ وصورٌ قديمةٌ لا تتفق على النهاية،
وأمشي عليه كبهلوانٍ يحمل قلبين ولا يريد إسقاط أيٍّ منهما.
18
في عيد ميلادها، اشتريتُ وردةً من متجرٍ على زاوية الشارع،
كانت أغلى من وجبةٍ كاملة، وأصغر من اعتذارٍ تأخر عاماً،
قدّمتها لها، فقالت إن الزهور لا تحتاج إلى مناسبة،
ووضعتها قرب النافذة حيث تنام الشمس كل مساء،
فصار للوردة عنوانٌ، وللعنوان قلبٌ، وللقلب موعدٌ لا يُلزم أحداً.
19
في الطريق إلى منزل صديقتها، سألتني عن السياسة،
قلت إن السياسة تدخل البيوت من باب الكهرباء والإيجار،
وتجلس إلى المائدة حتى لو رفض أصحابها الحديث عنها،
قالت إن الانتخابات تجعل الجيران يتخاصمون على العشب والمهاجرين،
فقلت: في بلادنا، قد يتخاصمون على العشب، ثم يختلفون حول من يملك المطر.
20
كان الحيّ يعقد اجتماعاً عن الماء والضرائب والسكن،
ورجلٌ يرفع صوته كأن الصحراء ستستسلم لميكروفونه،
وامرأةٌ تتحدث عن الأطفال الذين لا يجدون ظلاً في الطريق إلى المدرسة،
أما أنا فكنت أبحث عن كلمةٍ لا تجعلني ضيفاً في النقاش،
حتى قالت حبيبتي: الماء ليس قضيةً انتخابية، إنه شرطٌ لبقاء الجميع.
21
تلك الليلة، سرنا بمحاذاة قناةٍ تحمل الماء إلى البيوت،
كانت الأضواء تتكسر فوق سطحها كأسماءٍ في دفتر الهجرة،
قلت لها إن الأنهار في الخرائط تبدو أحياناً أكثر عدلاً من البشر،
فأجابت: لأنها لا تسأل العابر عن جواز سفره،
ثم أمسكت يدي، وتركنا الماء يكتب ما عجزنا عن قوله.
22
في الجامعة، كان طالبٌ عربيّ ينام فوق كتاب الاقتصاد،
ويستيقظ ليعمل في مطعمٍ حتى يدفع ثمن الفصل التالي،
كانت حبيبتي تعرفه، وتقول إنه يبتسم دائماً كي لا يقلق والديه،
فأرسلت إليه وجبةً ساخنةً وكتاباً مستعملاً عن الشعر،
وأدركت أن الكرم هنا لا يرتدي ثوباً تقليدياً؛ أحياناً يرتدي سترةً جامعية.
23
قلت لها إنني أريد أن أكتب قصيدةً عن هذا الطالب،
فقالت: لا تجعل تعبه زينةً في معرض البلاغة،
اكتب عنه كما هو، إنساناً يريد النوم والضحك والنجاح،
ولا تنسَ أنه قد يقع في الحب ويكره الرياضيات،
فالذين يعبرون الحدود لا يتحولون إلى رموزٍ طوال الوقت.
24
في المكتبة، بين رفوف الروايات وكتب القانون،
وجدتُ قاموساً يترجم كلمة الوطن إلى عدة معانٍ،
لكن كل معنى كان يحتاج إلى هامشٍ آخر كي يكتمل،
وضعت حبيبتي إصبعها على كلمة «بيت»، ثم على صدري،
وقالت: لا تخلط بينهما؛ فالبيت مكان، وأنت تستطيع أن تتغيّر.
25
على باب الجامعة، وزّع طالبٌ منشوراتٍ عن إصلاح قوانين الهجرة،
وكانت الشمس تحوّل الورق إلى مرايا صغيرة،
قرأتُ عن عائلاتٍ تنتظر قراراً لا تعرف موعده،
وعن أطفالٍ يحفظون أسماء المحامين قبل أسماء النجوم،
ثم رأيت حبيبتي تقف إلى جانبي، كأنها تقول إن التضامن أيضاً طريقةٌ للحب.
26
في المقهى، كان التلفاز يعرض مناظرةً انتخابيةً صاخبة،
وكل مرشحٍ يضع المستقبل في جيبه ثم يلوّح به للكاميرا،
أما النادل فكان يحسب الإكراميات كي يدفع فاتورة الكهرباء،
وحبيبتي تقسم قطعة الكعك بيننا دون أن تسأل من انتصر،
فقلت: ربما الديمقراطية تبدأ حين نتعلّم كيف نقتسم آخر لقمة.
27
كانت تكره الشعارات التي تصف المهاجر بأنه مشكلة،
وتقول إن المشكلة أحياناً هي المرآة التي يختار المجتمع النظر إليها،
فمن يزرع الطعام ليس شبحاً، ومن ينظف الشوارع ليس رقماً،
ومن يتعلم لغةً جديدة لا يتخلى بالضرورة عن لغته الأولى،
ومن يحب امرأةً من بلدٍ آخر لا يحتاج إلى تبرير قلبه أمام الحدود.
28
قلت لها إنني أخاف أن أكون ضيفاً أبدياً،
فقالت: لا أحد يعيش طويلاً في صالة الاستقبال،
إما أن تصنع لنفسك مكاناً، أو تعيد ترتيب معنى المكان،
ثم فتحت النافذة، فدخلت رائحة التراب بعد رشة مطرٍ مفاجئة،
وشعرت أن الانتماء قد يبدأ أحياناً من حاسة الشم.
29
في مطعمٍ مكسيكيّ، تعلّمنا كيف نطلب الطعام دون أن نتظاهر بالإتقان،
كانت تلفظ أسماء الأطباق بثقةٍ لا تخلو من الخطأ،
وكنت أشرح لها الفلفل كما لو أنه استعارةٌ سياسية،
فضحكنا حتى سقطت قطرة صلصةٍ على قميصها،
فمسحتها بإبهامي، ثم تركتني أعتذر للقطن كأنني أعتذر للعالم.
30
كان صاحب المطعم يروي حكاية جده الذي عبر الحدود قبل عقود،
وكان في صوته ممرٌّ طويلٌ من التعب والكرامة،
استمعنا إليه دون أن نقارن مأساته بمأساتنا،
فكل رحلةٍ لها جوازها الخاص من الفقد والأمل،
وكل مائدةٍ تستطيع أن تكون مؤتمراً صغيراً للإنسانية.
31
على الطريق 66، كانت المحطات القديمة تلمع كصورٍ من فيلمٍ منسي،
رأينا سيارةً كلاسيكيةً تقف بجوار شجرةٍ وحيدة،
وقالت حبيبتي إن الأمريكيين يحبون الطرق لأنها تعدهم بالفرار،
فقلت إن المهاجرين يحبونها لأنهم يظنون أن الوصول سيُنهي الرحلة،
ثم اكتشفنا معاً أن الطريق لا يَعِد إلا بمزيدٍ من الطريق.
32
اشترينا خريطةً ورقيةً رغم أن الهاتف يعرف مكاننا،
كانت الخطوط الحمراء تعبر الجبال والوديان كعروقٍ في كفّ عجوز،
أشارت إلى نقطةٍ صغيرة وقالت: هنا يمكن أن نتوقف،
قلت: وماذا لو لم يكن هناك شيءٌ يستحق التوقف؟
أجابت: يكفي أن نكون قد اخترنا التوقف معاً.
33
في الفندق الصغير، تعطل جهاز التدفئة في ليلةٍ باردة،
فلففنا أنفسنا ببطانيةٍ رقيقةٍ تحمل شعار شركةٍ بعيدة،
وكانت الريح تقرع النافذة مثل ساعي بريدٍ لا يعرف العنوان،
اقتربت مني لتدفأ، لا لأن العالم انتهى خارج الغرفة،
بل لأن جسدين قادرين على مشاركة الدفء يملكان حجةً ضد قسوته.
34
قالت إن الرومانسية الحديثة لا تحتاج إلى قصرٍ ولا عربة،
بل إلى شخصٍ لا ينظر إلى هاتفه كلما بدأت الحكاية،
فوضعت هاتفي مقلوباً على الطاولة كمن يسكت مذياع حرب،
وأصغيت إلى صوتها وهي تروي أحلاماً لم تخبر بها أحداً،
حتى بدا الليل غرفةً واسعةً لا تتسع إلا للإنصات.
35
في الصباح، اكتشفنا أننا نسينا دفع رسوم موقف السيارات،
وكانت ورقة المخالفة تحت المسّاحة كرسالةٍ من موظفٍ غاضب،
ضحكت وقالت إن الحب لا يعفي من القوانين الصغيرة،
فدفعتُ الغرامة، ثم كتبت على ظهر الإيصال بيتاً شعرياً،
عن مدينةٍ تبيع الوقت بالدقيقة وتترك للعشاق دقيقةً إضافيةً مجاناً.
36
كانت تعمل طوال النهار، وتدرس مساءً، وتردّ على رسائل العائلة ليلاً،
أما أنا فكنت أحاول أن أكتب قصيدةً وسط ضجيج الغسالة،
وكانت كلانا يسرق من التعب دقيقةً ليجلس قرب الآخر،
قالت: لا تجعلني مكافأةً على نجاحك، ولا مشروعاً لإصلاحك،
فقلت: أحبك لأنك لستِ حلاً لمسألةٍ، بل حياةً تطرح أسئلةً جديدة.
37
في مرآة المصعد، رأينا وجهينا متجاورين بين طابقين،
وجهها يعرف أسماء الشوارع، ووجهي يعرف أسماء الغياب،
ومع ذلك لم يكن أحدنا غريباً بما يكفي كي يهرب،
قالت: أحياناً أشعر أنني أعيش في مدينةٍ من الاحتمالات،
فقلت: وأنا أعيش في مدينةٍ من الذكريات التي لم تحدث بعد.
38
عندما سألتني عن الحرب، لم أستطع اختصارها في خبرٍ عاجل،
فالخراب لا يظهر كله في الصور، ولا يغادر مع المذيع،
إنه يدخل نوم الناس، ويغيّر طريقة إغلاق الأبواب،
ويجعل الضحكة تتلفت حولها قبل أن تخرج من الفم،
فأطفأت التلفاز، وتركت يدها على كتفي حتى عاد الليل قابلاً للسكن.
39
في شاشة الأخبار، كانت الخرائط تتبدل ألوانها كل ساعة،
والمدن تتحول إلى أسهمٍ ومربعاتٍ وخطوطٍ عسكرية،
أما نحن فكنّا نعدّ حبات العنب في طبقٍ صغير،
قالت: كيف يمكن للعالم أن يحترق بينما نأكل؟
قلت: ربما لأن الحياة لا تنتظر انتهاء الحريق كي تتعلم التنفس.
40
في يومٍ عاصف، اختلط غبار الصحراء بسماءٍ من نحاس،
وأغلقت المحال أبوابها، وتأخرت الحافلات عن مواعيدها،
كانت حبيبتي تمسك طرف معطفي كي لا نفترق وسط الريح،
فقلت: لو كنا في قصيدةٍ لقال الشاعر إن العاصفة رمزٌ،
لكننا كنا في الشارع، نبحث عن موقفٍ آمنٍ للسيارة.
41
في الجامعة، كتبت طالبةٌ على السبورة كلمة «الحرية»،
ثم أحاطتها بدائرةٍ أكبر من حدود الدولة،
سألها الأستاذ عن تعريفها، فأجابت: أن أستطيع تغيير رأيي،
وأن أقول لا دون أن أخسر حقي في الأمان،
وأن أحب من أريد دون أن يصبح الحب وثيقةَ ملكية.
42
أعجبتني إجابتها، فكتبتها في دفترٍ يحمل رائحة القهوة،
ثم سألت نفسي إن كنت قد فهمت الحرية حقاً،
هل أترك لمن أحبها مساحةً لا أملؤها بالأسئلة؟
هل أقبل أن تعود إلى وحدتها دون أن أعدّ ذلك هزيمة؟
وهل يستطيع القلب أن يبقى مفتوحاً دون أن يتحول إلى بابٍ مكسور؟
43
قالت إنها تريد ليلةً لنفسها، وكتاباً وحماماً دافئاً،
فودّعتها عند الباب دون أن أفتش في صمتها عن عذر،
مشيتُ في الشارع، وكان القمر يمشي بمحاذاتي كصديقٍ قليل الكلام،
لم أشعر أنني مرفوض، بل أنني تعلّمت فاصلةً جديدةً في الحب،
فالمسافة التي نختارها أحياناً هي ما يجعل العودة ممكنة.
44
في اليوم التالي، أرسلت إليّ صورةً لسماءٍ بنفسجية،
وكتبت: رأيت هذا اللون وفكرت فيك، لا أكثر،
فلم أطالبها باعترافٍ أكبر من اللحظة،
اكتفيت بأن أقول إن السماء بدت جميلةً من جهتي أيضاً،
وكان ذلك كافياً كي تفتح المساء نافذته دون ضجيج.
45
في سوقٍ شعبي، وجدتُ رجلاً يبيع ساعاتٍ مستعملة،
كل ساعةٍ تشير إلى زمنٍ لا يوافق الأخرى،
اشتريت واحدةً متوقفةً عند الثالثة وسبع عشرة دقيقة،
قال البائع إن إصلاحها يكلف أكثر من ثمنها،
فقلت: بعض الأشياء لا نشتريها كي تعمل، بل كي تذكّرنا بما توقف.
46
كانت حبيبتي تعرف أنني أكتب حين أعجز عن الإجابة،
وأنني أضع المدن في القصائد كي لا أفقدها تماماً،
قالت: لا تجعلني مدينةً أخرى في كتابك،
فأنا امرأةٌ أتعب، وأغضب، وأغيّر رأيي، وأريد أحياناً بيتزا باردة،
فأغلقت الدفتر، وطلبنا البيتزا، وانتصر الواقع على الاستعارة برهةً.
47
في المساء، قرأت لها سطراً عن عينيها،
فقالت إن عينيها لا تحتاجان إلى إعلانٍ شعريّ،
ثم اقتربت لتقرأ ما كتبت، وكانت رائحة شعرها تشبه المطر،
توقفتُ عند كلمةٍ لم أستطع نطقها دون أن ألمس يدها،
فابتسمت، وتركت للكلمات أن تتعثر كما يتعثر الضوء على الماء.
48
لم تكن القبلة نهاية القصيدة، كما يظن الشعراء المستعجلون،
بل بداية سؤالٍ عن الجسد حين يطمئن إلى حضوره،
وعن الشفتين حين تصيران لغةً لا تلغي لغة الكلام،
وعن يدٍ تستأذن، وأخرى تجيب دون خوفٍ أو تظاهر،
وعن حميميةٍ لا تحتاج إلى جمهورٍ كي تثبت أنها حدثت.
49
في صباحٍ هادئ، أعدّت القهوة ونسيت السكر،
فشربتها كما هي، كأن المرارة تدريبٌ صغيرٌ على الصراحة،
قالت: أليست هذه أقرب إلى الحقيقة؟
قلت: الحقيقة ليست دائماً مُرّة، لكنها لا تعدنا بالحلاوة،
ثم وضعت السكر في فنجانها وحدها، فضحكنا لاختلاف الذائقة.
50
عند منتصف الطريق، اكتشفنا أننا لا نريد الشيء نفسه دائماً،
هي تريد البقاء قرب أهلها، وأنا أحلم بالسفر والكتابة،
هي تحب الاستقرار، وأنا أفتح النوافذ حتى حين تهب العاصفة،
لم نجعل اختلافنا محكمةً تبحث عن مذنبٍ واحد،
بل خريطةً نتعلم منها أين نلتقي وأين يحق لكلٍّ منا أن يذهب.
51
في حيٍّ قريب، علّق الجيران أعلاماً مختلفةً فوق الشرفات،
وكانت طفلةٌ ترسم بيتاً لا يعرف أين ينتهي السور،
سألتها عن ألوانه، فقالت: هذا بيتٌ لكل من يحتاج إليه،
لم يسألها أحد عن الجنسية أو تاريخ الوصول،
فبعض الأطفال يولدون ومعهم دستورٌ صغيرٌ لم يفسده الكبار بعد.
52
رأيتُ مهاجراً ينظف واجهة متجرٍ قبل طلوع الشمس،
وكانت المدينة تمرّ خلفه بنظاراتها الداكنة،
لم يعرف المارة كم لغةً يستطيع أن يحلم بها،
ولا كم رسالةً ينتظر من أمه في آخر الليل،
ولا أنه حين يلمع الزجاج، يرى فيه للحظةٍ وجه البيت الأول.
53
في محطة الحافلات، نامت امرأةٌ فوق حقيبتها،
وبجانبها طفلٌ يضم لعبةً فقدت إحدى عينيها،
لم تكن الصورة استعارةً جميلةً لمن يعيشان داخلها،
كانت انتظاراً حقيقياً، وظهراً متعباً، وموعداً مجهولاً،
فأدرت وجهي عن الكاميرا، واشتريت لهما وجبةً دون أن أسأل عن الحكاية.
54
قالت حبيبتي إن الكرامة لا تعني أن نرفض المساعدة،
بل أن نتلقاها دون أن نفقد حقنا في تقرير المصير،
وأن نساعد الآخرين دون أن نصنع من عطائنا سلّماً للسيطرة،
ثم وضعت يدها في يدي أمام باب المركز المجتمعي،
وكانت تلك الحركة الصغيرة أكثر وضوحاً من خطبةٍ طويلةٍ عن العدالة.
55
في قاعةٍ عامة، تحدث محامٍ عن ملفات اللجوء،
وعن سنواتٍ تتراكم فوق الطاولات كغبارٍ لا يراه أحد،
كانت الأسماء تتحول إلى أرقامٍ في نظامٍ إلكتروني،
لكن خلف كل رقمٍ سريرٌ فارغٌ وعائلةٌ تحبس أنفاسها،
وطفلٌ يتعلم الانتظار قبل أن يتعلم كيف يكتب اسمه.
56
خرجنا من القاعة، وكان الهواء بارداً على غير عادة أريزونا،
قالت: كيف يمكن للورقة أن تحدد أين يعيش الإنسان؟
قلت: الورقة لا تخلق البيت، لكنها قد تفتح بابه أو تغلقه،
ثم نظرتُ إلى يديها، فرأيت خطوطاً لا تستطيع أي وثيقة قراءتها،
وعرفت أن القانون يحتاج إلى عقلٍ واضحٍ وقلبٍ لا يتصلب.
57
في المساء، ذهبت إلى أمسية شعرية في مقهى صغير،
وكان الميكروفون يلتقط الأنفاس قبل أن يلتقط الكلمات،
قرأت قصيدةً عن السودان، فظن بعض الحاضرين أنني أشرح حرباً،
لكنني كنت أتحدث عن رجلٍ يشتري الخبز ويشتاق إلى أمه،
وعن امرأةٍ تغسل كوبها وتخاف أن يتأخر حبيبها عن العشاء.
58
بعد القراءة، سألني شابٌ إن كانت العربية لغةً حزينة،
فقلت: إنها لغةٌ تستطيع أن تضحك وهي تحمل جنازةً على كتفها،
وأن تغازل امرأةً فيما الأخبار تعلن انهيار مدينة،
وأن تضع الحكمة في فم بائعٍ لا يعرف اسمه في الكتب،
فقال: أريد أن أتعلمها، كي أفهم ما لم أستطع سماعه الليلة.
59
كانت حبيبتي تنتظرني خارج المقهى، تحمل معطفين،
أعطتني واحداً وقالت إن القصائد لا تمنح صاحبها حصانةً من البرد،
سرنا تحت مصابيح الشارع كأننا نقطتان في جملةٍ لم تُكتب،
وحين توقفتُ لأقول شيئاً، لم تطلب مني أن أكون شاعراً،
بل سألتني إن كنت جائعاً، فبدت العنايةُ أكثر بلاغةً من القافية.
60
في المنزل، أخرجت من حقيبتي ورقةً كتبت عليها أسماء المدن،
القضارف، فينيكس، توسون، الخرطوم، مدينةٌ لا أتذكر اسمها،
قرأت الأسماء، ثم طويتها حتى تلامست أطراف الخرائط،
قالت: هل تستطيع أن تحب مكانين دون أن تخون أحدهما؟
قلت: أحاول أن أحب البشر دون أن أجعل الجغرافيا قاضياً عليهم.
61
في توسون، رأينا جبالاً تقف في المساء كحيواناتٍ أسطورية،
وكانت الصحراء تتنفس تحت أقدامنا ببطءٍ عميق،
حدّثتني حبيبتي عن النباتات التي تخزن الماء لتنجو،
فقلت إن البشر يفعلون الشيء نفسه بالذاكرة،
يخبئون جرعةً من الحنان كي لا يموتوا في مواسم الجفاف.
62
لم يكن الصبّار وحيداً كما يبدو من بعيد،
فحول شوكه كائناتٌ صغيرةٌ تعرف كيف تقتسم الظل،
قلت لها إن الوحدة قد تكون طريقةً أخرى لتنظيم الحياة،
لكنها أجابت: لا تجعل الألم فضيلةً لمجرد أنك اعتدت عليه،
ثم اقتلعت شوكةً سقطت قرب حذائي، وتركتني أتعلم الرفق.
63
في ليلةٍ مقمرة، جلسنا فوق صخرةٍ تطل على الوادي،
وكانت النجوم مبعثرةً كرسائل لم تجد عناوينها،
تحدثنا عن الشيخوخة، وعن السفر، وعن الأشياء التي لا نريدها،
وعن احتمال أن نصبح غريبين حتى عن أنفسنا،
ثم ضحكنا لأننا لم نستطع الاتفاق على اسمٍ لكلبٍ لم نقتنه بعد.
64
قالت إنها تحب أسماء الكلاب القصيرة،
وأحب أنا الأسماء التي تحمل تاريخاً أطول من أصحابها،
اقترحت «قمر»، واقترحت «مترو»، ثم اقترحت «مواطن»،
فرفضت الاسم الأخير لأنه يبدو كأنه مرشحٌ لانتخاباتٍ بلدية،
وانتهى بنا الأمر إلى اسمٍ لا يعرفه أحدٌ خارج تلك الليلة.
65
في صباح الأحد، مررنا بكنيسةٍ صغيرةٍ ومسجدٍ في شارعٍ مجاور،
وكانت الأجراس تتداخل مع صوت سيارةٍ تذيع أغنيةً قديمة،
قالت إن المدينة لا تتفق على صلاةٍ واحدة،
فقلت إن البشر لا يحتاجون إلى الاتفاق كي يتبادلوا الخبز،
وأن الطريق الذي يقود إلى الرحمة أوسع من الطريق المؤدي إلى اليقين المتعصب.
66
في مطبخها، علّمتني كيف أعدّ فطائر التفاح،
وعلّمتها كيف أمدّ العجين دون أن أمزّق أطرافه،
كانت يداها مغطاتين بالدقيق كأنهما خرجتا من شتاءٍ أبيض،
فلمست أصابعها، فضحكت وقالت إننا سنحتاج إلى تنظيف المطبخ،
وهكذا اكتشفنا أن الحميمية أيضاً عملٌ منزليٌّ لا تتولاه الاستعارات وحدها.
67
أخبرتني عن أبيها الذي كان يصلح الأشياء قبل رميها،
وعن أمها التي تخبئ الرسائل القديمة في علبةٍ معدنية،
فأخبرتها عن البيوت التي تحفظ أصوات الغائبين في جدرانها،
وعن أشياء لا نعرف قيمتها إلا حين يتعذر علينا لمسها،
ثم جلسنا نصلح مصباحاً معطلاً كأننا نعيد إلى الزمن جزءاً من نوره.
68
كان المصباح يومض كلما مرّت سيارةٌ في الشارع،
فتبدو الغرفة لحظةً كأنها مقطعٌ من فيلمٍ أبيض وأسود،
تقترب وجوهنا ثم تبتعد، وتعود الأشياء إلى أماكنها،
قالت: هكذا تبدو الذاكرة حين تحاول أن تكون دقيقة،
فقلت: وربما هكذا يبدو المستقبل حين لا يجرؤ على الوعد.
69
في حديقةٍ عامة، جلس رجلٌ مسنٌّ يطعم الحمام،
وكانت على مقعده حقيبةٌ صغيرةٌ تحمل ملصقات سفرٍ قديمة،
سألناه عن الطريق إلى البحيرة، فأشار إلى مسارٍ ملتف،
وقال إن الطريق الأقصر ليس دائماً الطريق الذي نحتاج إليه،
ثم عاد إلى الحمام كأن الحكمة لم تكن سوى طريقةٍ لمواصلة يومه.
70
مشينا في المسار الملتف، وكانت الأشجار ترسم ظلالاً متحركة،
تحدثنا عن قراراتٍ اتخذناها متأخرين، وأخرى لم نتخذها أبداً،
قالت إنها لا تريد أن تعيش حياتها كاعتذارٍ دائم،
فقلت إنني لا أريد أن أجعل الماضي سجاناً للمستقبل،
ومضينا، لا لأننا عرفنا الإجابة، بل لأن الطريق ظل مفتوحاً.
71
عند البحيرة، انعكست السماء على الماء دون أن تستقر،
كانت الغيوم تمرّ فوق صورتها كأفكارٍ تغيّر رأيها،
قالت: أهذا هو الحب، أن نرى انعكاسنا في الآخر؟
قلت: ربما، بشرط ألا نطلب منه أن يبقى مرآةً إلى الأبد،
فضحكت، ورمت حصاةً صغيرةً جعلت السماء تتشظى في دوائر.
72
في العودة، مررنا بمظاهرةٍ تدافع عن حقوق العمال،
وكانت اللافتات تتحدث عن الأجور والكرامة وساعات العمل،
رفع عاملٌ يده لتحية طفلٍ يلوّح له من الرصيف،
فتوقفت حبيبتي لتقرأ أسماء المنظمين وتتبرع بما تستطيع،
وعرفت أن الرومانسية لا تنسحب من العالم؛ إنها تتعلم كيف تقف فيه.
73
في متجرٍ للكتب المستعملة، وجدت ديواناً ممزق الغلاف،
وكانت في صفحته الأولى إهداءةٌ لامرأةٍ لا أعرفها،
«إلى التي علّمتني أن الرحيل ليس دائماً خيانة»،
قرأت العبارة، ثم أعدت الكتاب إلى الرف كمن يعيد سراً إلى صاحبه،
فقالت حبيبتي إن بعض الكتب تصل إلينا كي لا نشتريها.
74
اشترينا كتاباً آخر عن تاريخ المدن الصحراوية،
وكتاباً صغيراً عن النباتات التي تعيش بأقل قدرٍ من الماء،
وكتاب طبخٍ كتب على غلافه أن كل شيءٍ يبدأ من البيت،
قالت إننا نقرأ أحياناً كي نؤجل الاعتراف بما نعرف،
فقلت: ونطبخ أحياناً كي لا يضطر القلب إلى شرح نفسه.
75
في تلك الليلة، اختلفنا حول السفر في الشتاء،
هي تريد مدينةً دافئةً قرب المحيط، وأنا أريد رؤية الثلج،
قالت إن البرد يجعلها تشعر بأن جسدها يتقلص إلى سؤال،
فقلت إن الثلج يعلّم المدن كيف تصمت،
ثم اتفقنا على مكانٍ لا يعرفه أيٌّ منا، وتركنا الخريطة تقترح الحلم.
76
في مطارٍ مزدحم، كان الناس يجرّون حقائبهم كأنهم يجرّون أعمارهم،
والإعلانات تنادي المدن بلغاتٍ متعددة،
وقفنا عند بوابة المغادرة دون أن نعرف أيّنا أكثر خوفاً،
قالت: لا تعدني بأنك لن تتغير، فهذا وعدٌ لا يستطيع أحدٌ الوفاء به،
فقلت: أعدك أن أخبرك حين أتغير، وألا أطلب منك البقاء كما كنتِ.
77
في الطائرة، جلسنا متجاورين فوق غيومٍ تشبه أرخبيلَ أحلام،
وكانت يدها ترتاح على مسند المقعد بيننا،
لم أقبض عليها كمن يخشى أن تضيع،
بل تركت أصابعي قريبةً بما يكفي لتختار الاقتراب،
وكان ذلك الفراغ الصغير أوسع من المحيط الذي عبرناه.
78
حين هبطنا، كانت المدينة الجديدة تلمع تحت ضوءٍ بارد،
والممرات الطويلة تحمل وجوهاً لا تعرف أنها تشبه بعضها،
أخرجت حبيبتي هاتفها لتطلب سيارةً،
فقال التطبيق إن السائق سيصل خلال سبع دقائق،
فضحكنا: حتى الانتظار هنا صار يقدّم نفسه في هيئة رقمٍ دقيق.
79
في سيارة الأجرة، سألنا السائق عن بلدنا،
ثم روى عن أخيه الذي يعيش في مدينةٍ بعيدة،
لم تكن قصته نسخةً من قصتنا، ولم نحاول أن نجعلها كذلك،
لكننا أنصتنا إليه كما ينصت المسافر إلى محركٍ يعرف الطريق،
وعندما نزلنا، تمنينا له ليلةً هادئةً وحياةً أقل قسوة.
80
في المساء، أكلنا في مطعمٍ صغيرٍ يديره زوجان مهاجران،
كانت المرأة تتحدث إلى الزبائن وتراقب قدر الحساء في آنٍ واحد،
وكان الرجل يكتب الحسابات على ورقةٍ قرب آلة القهوة،
قالت حبيبتي إن المكان يشبه بيتاً قرر أن يصبح مشروعاً،
فقلت: وربما يشبه حلماً يطعم الناس كي يستطيع أن يستمر.
81
في طاولةٍ قريبة، كان شابٌّ يشرح لأبيه نظام التأمين الصحي،
وكان الأب يهز رأسه كأنه يتعلم لغةً بلا مفرداتٍ للطمأنينة،
تحدثا عن الأدوية والفواتير والمواعيد المتأخرة،
وعن عملٍ لا يكفي أحياناً كي يحمي صاحبه من المرض،
فأدركت أن الحلم الأمريكي ليس سلّماً واحداً؛ أحياناً يكون متاهةً مضاءة.
82
سألتني حبيبتي إن كان الحب يستطيع أن يدفع ثمن العلاج،
قلت إن الحب لا يعوّض نظاماً عادلاً ولا فاتورةً مدفوعة،
لكنه يستطيع أن يرافق المريض إلى العيادة،
وأن يقرأ التعليمات حين تتعب العينان، وأن ينتظر دون استعراض،
وأن يقول: لست وحدك، دون أن يتظاهر بأنه قادرٌ على إصلاح كل شيء.
83
في شارعٍ جانبي، رأينا لوحةً تعلن عن شقةٍ للإيجار،
وكان السعر مكتوباً بخطٍ عريضٍ كأنه حكمٌ قضائي،
قالت حبيبتي إن المدينة تطرد أحياناً الذين صنعوا دفأها،
وإن العامل قد يبني البيوت ثم يعجز عن السكن فيها،
فكتبتُ على دفتري: أيُّ وطنٍ هذا الذي يؤجر جدرانه وينسى سكانه؟
84
لم نكن نملك حلاً لمشكلة السكن،
لكننا عرفنا أسماء جيرانٍ يبحثون عن غرفٍ أرخص،
وساعدنا امرأةً في نقل صندوقين إلى شقةٍ أصغر،
كان الصندوق الأول يحمل كتباً، والثاني صوراً لأطفالها،
ولم تكن في الصورة أيُّ إشارةٍ إلى أنها خسرت نصف مساحة حياتها.
85
في الحيّ، كانت طفلةٌ تتعلم ركوب الدراجة،
وأمها تركض خلفها وهي تقول: انظري إلى الطريق،
لكن الطفلة كانت تنظر إلى السماء وتضحك،
فقالت حبيبتي إن الحرية تحتاج إلى توازنٍ لا إلى ضمانات،
ورأيتُ في العجلة الصغيرة صورةً لكل مهاجرٍ يتعلم أن يمضي دون أن ينسى الأرض.
86
في رسالةٍ من السودان، وصلتني صورةُ شارعٍ أعرفه،
وكانت البيوت فيه تقف كأنها تنتظر عودة أصحابها،
لم أعرف هل أحنّ إلى المكان أم إلى الشخص الذي كنتُه فيه،
فأرسلتُ الصورة إلى حبيبتي دون تعليقٍ طويل،
فكتبت: أحياناً نشتاق إلى نسخنا القديمة، لا إلى الأماكن وحدها.
87
جلستُ قرب النافذة أراجع أسماء الذين غابوا،
لم يكن الغياب مقبرةً واحدةً، بل غرفاً موزعةً في القلب،
غرفةٌ للأصدقاء، وغرفةٌ للأهل، وغرفةٌ لأحلامٍ لم تجد وقتها،
وكانت حبيبتي تقرأ في الطرف الآخر من الغرفة،
ثم رفعت رأسها وقالت: يمكنك أن تحزن دون أن تعتذر عن حزنك.
88
اقتربتُ منها، وجلستُ عند قدميها،
فأغلقت الكتاب ومررت أصابعها في شعري،
لم تسألني أن أشرح الخراب الذي يمرّ في رأسي،
ولم أطلب منها أن تتحول إلى وطنٍ بديل،
بل بقينا هكذا، شخصين يتقاسمان الصمت دون أن يسرق أحدهما صمت الآخر.
89
في الصباح، كتبت قصيدةً على ظهر فاتورة الكهرباء،
وكانت الكلمات تتداخل مع الأرقام والمواعيد النهائية،
في السطر الأول: الماء، وفي الثاني: الإيجار، وفي الثالث: وجهها،
ثم جاء خبرٌ عن انتخاباتٍ جديدةٍ وخطابٍ قديمٍ عن الحدود،
فصارت الفاتورة خريطةً لما يدفعه الجسد كي يظلّ حياً.
90
أرسلت القصيدة إلى مجلةٍ أدبية، فعادت إليّ برسالة اعتذارٍ مهذبة،
قالت هيئة التحرير إن النص لا يناسب عددها القادم،
فوضعت الرسالة بجوار فاتورة الكهرباء وضحكت،
قالت حبيبتي: ربما يحتاج العالم إلى وقتٍ كي يفهمك،
فقلت: أو ربما يحتاج النص إلى وقتٍ كي يفهم العالم.
91
في ليلةٍ صيفية، تعطّل التيار الكهربائي في الحيّ،
وخرج الناس إلى الشرفات حاملين كراسيهم ومراوحهم اليدوية،
تبادل الجيران الثلج والماء والنكات عن شركة الكهرباء،
وكانت طفلةٌ تعرض مصباحها الصغير على كل من يحتاج إلى الضوء،
فبدت المدينة، للحظةٍ، أقل اعتماداً على الشبكات وأكثر اعتماداً على بعضها.
92
جلست حبيبتي قرب الباب، وثوبها يلتقط نسمةً نادرة،
وكانت رائحة التراب تتصاعد من الحديقة كأن الأرض تهمس،
قالت إننا نعيش في زمنٍ يستطيع فيه الهاتف أن يجد أيّ مكان،
لكن الإنسان قد لا يجد شخصاً يسمعه حتى النهاية،
فأطفأنا الشاشات، وتركنا الليل يروي حكايته دون إشعارات.
93
تحدثنا عن المستقبل دون أن نرسم له سياجاً،
عن بيتٍ ربما نشتريه، أو مدينةٍ ربما نغادرها،
عن أطفالٍ قد يأتون، أو حياةٍ قد تبقى لنا وحدنا،
عن لغةٍ ستكبر بيننا، وعن خلافاتٍ لن تنتهي كلها،
ثم اتفقنا أن المستقبل ليس عقداً جاهزاً، بل عملٌ يوميٌّ من الإصغاء.
94
قالت: لا أريد أن تكون قصتنا حكايةً عن إنقاذ أحدنا للآخر،
ولا أن أكون دليلك السياحي إلى أمريكا،
ولا أن تكون أنت دليلي الأخلاقي إلى العالم العربي،
نحن شخصان، لكلٍّ منا ماضٍ لا يملكه الآخر،
ولكلٍّ منا حقٌّ في أن يظلّ أوسع من الصورة التي يرسمها الحب.
95
في اليوم التالي، قدنا السيارة نحو الأخدود العظيم،
وكانت الأرض تنفتح أمامنا ككتابٍ لا يملك خاتمةً،
طبقاتٌ من الحجر تحكي عن زمنٍ لا تستطيع الذاكرة البشرية احتواءه،
قالت: هل يبدو لك هذا الخراب جميلاً؟
قلت: ليس الخراب جميلاً، لكن النظر إليه قد يعلّمنا كيف نحمي ما لم ينهَر بعد.
96
وقفنا عند الحافة، ولم نقترب أكثر مما يسمح به الأمان،
وكان الوادي عميقاً إلى حدّ أن العين تفقد قدرتها على القياس،
شعرتُ أن المدن التي عرفتها ليست إلا شقوقاً صغيرةً في صخر الزمن،
وأن الحب، مهما اتسع، لا يستطيع أن يمنع كل انهيار،
لكنه يستطيع أن يمنعنا من تحويل بعضنا إلى أنقاضٍ إضافية.
97
أخرجت حبيبتي كاميرتها، ثم أنزلتها دون أن تلتقط صورة،
قالت إنها تريد أن تتذكر المشهد بعينيها لا بذاكرة الجهاز،
فوقفتُ إلى جانبها، وتركنا الريح تعبث بأطراف ملابسنا،
لم نقل إن اللحظة أبدية؛ فالأبدية كلمةٌ متعبة،
قلنا فقط إننا هنا، وإن هذا يكفي الآن.
98
في طريق العودة، عبرت شاحنةٌ تحمل أخشاباً وأدوات بناء،
وكانت خلفها سيارةٌ قديمةٌ ينام فيها طفلٌ على المقعد،
فكرتُ في البيوت التي تُبنى من عمل غرباء لا يظهرون في الصور،
وفي المدن التي تكبر أسرع من قدرة سكانها على الانتماء،
وفي الحب الذي لا يعفي أحداً من العالم، بل يعيده إليه بعيونٍ أكثر انتباهاً.
99
عندما وصلنا إلى أريزونا، كان المساء يطوي خرائطه الحمراء،
وأضواء فينيكس تشتعل كأنها نجومٌ اختارت السكن على الأرض،
قالت حبيبتي: هل ما زلت تشعر أنك عابرٌ هنا؟
نظرتُ إلى الطريق، ثم إلى يدها، ثم إلى البيت الذي ينتظرنا،
وقلت: أحياناً، لكنني لم أعد أظن أن العبور نقيضُ الإقامة.
100
في أريزونا، حيث يترك الحجرُ ظله على ذاكرة العابرين،
وحيث تتجاور الفاتورةُ مع القصيدة، والحدودُ مع الحلم،
وحيث يطلب المهاجر خبزاً ويمنح المدينة اسماً جديداً للأمل،
أمشي مع امرأةٍ لا أريد اختصارها في وطنٍ ولا في استعارة،
وأترك للعالم حقه في الاتساع، ولها حقها في الرحيل،
ولي حقّي في أن أحبّها دون أن أحوّل الحبَّ إلى قفص،
ثم أرى الصحراء تفتح باباً آخر، ولا تسألنا إلى أين نمضي.


______

أكتوبر 2026م

السفارة الأمريكية - الخرطوم

تعليقات

المشاركات الشائعة