ديوان : مشاوير مدين
مشاوير مدين
مصعب الرمادي
مشاوير مدين
__________________
الكتاب : مشاوير مدين
الكاتب : مصعب الرمادي
تاريخ الطبع : سبتمبر 2026م
حقوق الطبع والتأليف محفوظة للمؤلف
_____________________
* إلى صديقتي : إلهام محمد صالح
___________________________________
لم تكن ديار البكريين حيّاً في أول الحكاية، بل كانت جرّةً مقلوبة على وجه الأرض، وحين انكسرت خرج منها الهوسا والغرباء والباعة والعائدون من طرق لا تحفظها الخرائط، وكانت امرأة عجوز تقول إن موسى مرّ من هنا ذات ليلة، ثم تضحك لأنها تعرف أن أحداً لن يصدّقها، وكانت الضحكة نفسها أقدم من الحقيقة وأشدّ صبراً منها، وفي آخر الزقاق كانت شجرة من أشجار العالم تمدّ جذورها بين القضارف ومدين وشيروود، بينما يعبر فوقها طائر لا يعرف أن الجغرافيا اختراع متأخر للإنسان.
كانت ديم بكر تفتح بابها على الغابة، لا على الشارع، وكلما خرج طفل يبحث عن كرة أو رغيف أو اسم أبيه، عاد وفي جيبه ورقة من غابة بعيدة لا تنبت في السودان ولا في إفريقيا ولا في كتاب النبات، ورقة تشبه خرائط الأمازون، وتشمّ منها رائحة السنديان الأوروبي والماهوجني الاستوائي، وكانت الأمهات يعلّقن الأوراق فوق الأبواب اتقاءً للحسد، بينما كانت الغابة تضحك في مكان آخر من العالم لأنها وجدت أخيراً طريقاً إلى ذاكرة المدينة.
وفي حي الأسرى كان الليل يحتفظ بأسماء الذين لم يعودوا، وكانت البيوت تتبادل حكاياتها كما تتبادل الأشجار ظلالها، وكان رجل أعمى يقول إن الأسر ليس أن تُغلق عليك الأبواب، بل أن تصدق أن العالم ينتهي عند الباب، ثم يرفع عصاه نحو السماء فتتحول العصا في عين الصبيان إلى ثعبان من نار، وتتحول الحكاية إلى مدين، وتتحول مدين إلى سؤال لا يستطيع أحد أن يعيده إلى حجمه الأول.
أما سلامة البيه فكان في القصيدة اسماً يمشي قبل صاحبه، وكان الناس يسمعون وقع خطاه قبل أن يعرفوا من القادم، ويقال إن ظله كان أطول من الشارع الذي يعبره، وإنه إذا جلس في حلقة الذكر استيقظت الحيوانات النائمة في الغابة البعيدة، ورفعت الذئاب رؤوسها، وتوقفت الغربان عن عدّ الموتى، وصارت الأشجار أكثر إصغاءً، كأن الذكر لا يحتاج إلى مسجد كي يجد طريقه، بل يكفي أن يكون القلب غابةً فتدخل إليه الأصوات القديمة.
وفي الصوفي الأزرق كان اللون نفسه حكاية، لم يكن أزرق البحر ولا أزرق السماء، بل زرقة الغريب حين يطيل النظر إلى وطن لم يولد فيه، وكان الدراويش يمرون في القصيدة كأنهم طيور لا أقدام لها، وكل واحد يحمل في ثوبه مدينة أخرى، كرن، أروما، روما، نابولي، ميلانو، تورينو، فلورنسا، فينيسيا، باليرمو، ثم يضعها جميعاً في طبق صغير أمام طفل جائع ويقول له: كل المدن تشبه بعضها حين يكون الخبز بعيداً.
قالت هجرة، أو أجرة، أو ربما كان الاسم قد فقد حروفه في الطريق، إن أباها جاء من مدينة إيطالية لا تظهر في الكتب، وإن أمها كانت تبيع المطر في سوق لم يعرف النقود، ولذلك حين كبرت صارت تمشي بين أسماء المدن كما تمشي الإبرة في ثوب ممزق، تخيط روما بكرن، ونابولي بأروما، والبندقية بماء البئر في مدين، ثم تسأل: هل المدن تتشابه لأنها جميلة، أم لأنها جميعاً تخفي خراباً تحت جلدها؟
وكانت فلورنسا تظهر لها في المرآة، مدينة حجرية تحمل في جيوبها رسامين موتى، وكانت ميلانو تظهر في الحذاء الذي يلمع عند باب السوق، وكانت تورينو حصاناً أسود يجرّ عربة من الضباب، وكانت البندقية طائراً مائياً يرفض أن يغادر الماء، أما باليرمو فكانت امرأة ترتدي ثوباً أسود وتبحث عن ابنها بين أشجار غابة لا تنتمي إلى صقلية ولا إلى إفريقيا ولا إلى الحكاية.
وحين سألوها من أنتِ قالت: أنا هجرة، فقال رجل: بل أنتِ أجرة، وقال ثالث: أنتِ مجرد اسم أخطأ الناس في نطقه، فضحكت حتى امتلأت الغابة بالخفافيش، ثم قالت: كل الأسماء مهاجرة، وما الاسم إلا جواز سفر تمنحه اللغة للإنسان كي يعبر إلى فم الآخر، ثم اختفت في زقاق ديم بكر ولم يبق منها سوى رائحة قهوة وحرف إيطالي مكسور.
كانت السيدة حبيبة، في هذه الحكاية المتخيلة، تجلس إلى جوار شعيب عند باب البيت، ولم يكن أحد يعرف إن كانت زوجته أم حبيبته أم الاسم الذي اخترعته النساء كي لا يبقى النبي وحيداً في حكايات الرجال، وكانت تحمل سلة من أوراق الأشجار، وتعرف أسماء النباتات التي لم تعرفها الكتب، وحين يسألها شعيب عن السوق تقول: السوق مريض، وحين يسألها عن الناس تقول: الناس أشجار تقف مقلوبة.
قالت حبيبة لشعيب: إن العدل لا يبدأ من الميزان، بل من اليد التي تضع الحبة فيه، وإن الحبة ليست حبة قمح دائماً، قد تكون كلمة، أو امرأة تنتظر دورها عند البئر، أو طفلاً لم يجد مكاناً في ظل المدينة، فخفض شعيب رأسه، وكانت الغابة وراء البيت تهتز، كأنها سمعت حكمة لم تكن موجودة في أي كتاب من كتبها.
ثم جاء موسى.
لكنه جاء هذه المرة من الجهة التي لا يصل منها أحد، يحمل في ثوبه رائحة مصر، وفي قدميه غبار الهرب، وفي عينيه مدينة كاملة من الصمت، وحين وصل إلى البئر لم ير حبيبة، رأى امرأتين، ورأى الماء، ورأى رعاة يزدحمون حول حقهم في القوة، فعرف أن الغريب لا يحتاج إلى معرفة المكان كله كي يعرف أين يقع الظلم.
وكانت إحدى ابنتي شعيب تراقب الماء، والأخرى تراقب الغريب، بينما كانت حبيبة في البيت تسمع الخبر قبل أن يصل إليها، لأن الأمهات في الأساطير يعرفن ما يحدث من حركة الهواء، قالت: سيأتي رجل من بعيد، وسيخرج من البيت رجل آخر، ولم تعرف هل كانت تتحدث عن موسى أم عن الزمن الذي سيدخل البيت على هيئة موسى.
في تلك الليلة ذبحت الغابة ظلاً من ظلالها وقدمته للقمر، فامتلأت السماء بحكايات الحيوانات، ظهر الذئب الذي خرج من غابات أوروبا، والنمر الذي عبر من أدغال الهند، والفيل الذي حمل ذاكرة إفريقيا، والثعلب الذي كان يضحك في الحكايات العربية، والبومة التي لا تنام في الأساطير اليونانية، والغراب الذي يعرف أسماء الجثث في كل الروايات.
قال الذئب: أنا الخوف.
قال الثعلب: أنا الحيلة.
قال النمر: أنا القوة حين تفقد ضميرها.
قال الفيل: أنا الذاكرة حين ترفض أن تنسى.
قال الغراب: أنا الشاهد الذي لا يريد أحد شهادته.
ثم نظرت الحيوانات إلى الإنسان وقالت: وأنت، من تكون؟
فلم يجد جواباً.
كان كتاب الأدغال مفتوحاً في منتصف الغابة، لكن الصفحات لم تكن تحمل حكاية واحدة، كان الطفل موغلي يمشي بجوار روبن هود، وكان شيروود يختلط بغابات جوزيف كونراد الاستعمارية، وكانت حيوانات الحكايات القديمة تتحدث مع وحوش الواقعية السحرية، وكل واحد يسأل الآخر: من الذي اخترع الغابة؟ الإنسان أم خوف الإنسان؟
وكان روبن هود يطلق سهماً نحو شجرة، فيتحول السهم إلى سؤال عن الملكية، ويقول إن الغابة كانت أول مكان يهرب إليه الإنسان من القانون، ثم اكتشف أن القانون نفسه قادر على التحول إلى غابة، وكانت أشجار شيروود ترفع أغصانها احتجاجاً، بينما كان الفقراء يعبرون الطريق بحثاً عن خبز لا يحتاج إلى ختم ملكي.
وفي غابة أخرى كان المستعمر يحمل خريطته، يرسم الأخضر بلون واحد، ثم يقول: هذه أرض مجهولة، فتجيبه الشجرة: المجهول هو ما لا تعرفه أنت، لا ما لا يعرف نفسه، وكان المستعمر يضع اسماً جديداً للنهر، فتضحك التماسيح، ويضع رقماً للشجرة، فتسقط ورقة على رأسه، ثم يعلن اكتشاف المكان الذي كان يسكنه الناس منذ آلاف السنين.
قالت الغابة: لم تكتشفني.
قال المستعمر: عندي دليل.
قالت: دليلك ورقة، وأنا جذور.
قال: عندي جيش.
قالت: وجيشي من البذور.
قال: سأعود غداً.
قالت: وأنا موجودة منذ قبل أن تتعلم لغتك كيف تقول غداً.
ثم ضاعت الحملة كلها في ضباب صنعته شجرة عجوز.
كانت الغابة السياسية أكثر وحشية من الغابة الطبيعية، لأن الوحش فيها يلبس بدلة، ويوقّع أوراقاً، ويرسم الحدود على أجساد الأنهار، ويقسم القبائل كما يقسم تاجرٌ كعكةً لا يملكها، وكانت الطيور تراقب ذلك من أعلى، فلا تفهم لماذا يحتاج الإنسان إلى خط كي يعرف أين ينتهي، بينما تعرف الشجرة أن الجذر يستطيع أن يمر تحت ألف حدود.
وفي ديم بكر كان رجل هوساوي يروي للأطفال حكاية حفصة، لا حفصة التاريخية التي تحفظها الكتب وحدها، بل حفصة التي ولدت من صوت الاسم حين هاجر عبر الأجيال، امرأة سنية إفريقية متخيلة، تحمل مصحفاً في يد وسلة ذرة في اليد الأخرى، وتمشي بين البيوت كأنها تقرأ المدينة من أولها إلى آخرها.
كانت حفصة تقول إن الهجرة لا تنقل الإنسان من مكان إلى مكان، بل تنقل اللغة من فم إلى فم، وإن الكلمات التي تخرج من قلب بعيد تصل إلى مكان آخر وقد تغيرت قليلاً، مثل البذور التي تحملها الطيور، وقالت إن ديم بكر ليست حيّاً فقط، بل سفينة توقفت عن الإبحار لأن سكانها حملوا البحر معهم.
وحين سألوها عن عمر قالت: لم أرَه، لكنني ورثت اسمه كما يرث الناس الأغاني، فقال شيخ القراء: الاسم ليس السند، والسند ليس الاسم، فضحكت حفصة وقالت: إذن اتركوا لي الحكاية، فما دام الإنسان يروي فهو لا يزال يقاوم الصمت.
ومن وراءها ظهرت نجود.
كانت زوجة عاصم في العالم التخييلي للمطولة، وأماً لحفص الذي لم يكن في هذه القصيدة شخصاً تاريخياً بقدر ما كان رمزاً لصوت يعبر الأجيال، وكانت نجود تجلس أمام بابها وتسمع الناس يقولون: رواية حفص عن عاصم، فتضحك لأنها تسمع العبارة كأنها وصف لأسرة ضائعة في الأزقة.
قالت نجود: كل رواية يمكن أن تخون صاحبها حين ينسى الناس أنها طريق وليست سجناً، وكل ترجمة تخون النص قليلاً كي تمنحه حياة أخرى، وكل تعريب هو مغامرة يعبر فيها الغريب إلى بيت اللغة ثم يغير ترتيب الأثاث، ولذلك لا تخافوا من الكلمات حين تسافر، خافوا عليها حين يمنعونها من السفر.
كان حفص الصغير في الحكاية يجلس قرب الغابة ويستمع إلى الأصوات، يسمع عاصماً من جهة بعيدة، ويسمع أمه من جهة أخرى، ويسمع الحروف وهي تتشاجر فوق الماء، وكانت الألف تريد أن تكون شجرة، والباء تريد أن تصبح بئراً، والجيم غزالاً، والميم طريقاً إلى مدين، وحين حاول أن يقرأها تحولت الصفحة إلى سرب فراشات.
قالت نجود: لا تقرأ الحرف.
اسمعه.
فالحرف طائر أيضاً.
وإذا حبسته في قفص المعنى مات.
وإذا تركته يطير عاد إليك بلغة أخرى.
وهكذا أصبحت «رواية حفص عن عاصم» في الغابة استعارةً كبرى، لا عن الاسم وحده، بل عن انتقال الصوت من إنسان إلى إنسان، وعن الحكاية حين تتغير دون أن تفقد قلبها، وعن القرآن في مقامه الخاص الذي لا يذوب في الأسطورة، بينما تتجول الاستعارة الشعرية في فضاء السرد البشري بحذر واحترام.
وفي الأسرى كان رجل يسمونه حافظ الحكايات، لا أحد يعرف اسمه الحقيقي، لأنه مات مرة ودفنوه باسم آخر، ثم عاد في رواية امرأة، فقال إن كل مدينة تملك موتاها مرتين، مرة في المقبرة ومرة في الذاكرة، وكانت ذاكرة القضارف القديمة أكثر رحابة من الشوارع، تسكن فيها وجوه الصوفية والتجار والغرباء والأطفال.
قال حافظ الحكايات: رأيت شعيباً.
قالوا: متى؟
قال: حين رفض رجل أن يغش في الميزان.
فضحكوا.
قال: ورأيت موسى.
قالوا: أين؟
قال: حين سقى شاب امرأة لا يعرفها ثم مضى.
فضحكوا أكثر.
قال: أنتم تريدون أن تروا الأنبياء في الصورة، وأنا أراهم في المعنى.
ثم انطفأ المصباح.
وكان ذلك كافياً كي تبدأ الغابة.
في الصوفي الأزرق، كانت حلقة الذكر تدور، وكل دورة تعيد مدينة إلى أصلها، يدور الرجل فيرى مدين، ويدور مرة أخرى فيرى روما، ويدور في الثالثة فيرى كرن، وفي الرابعة يرى أروما، ثم تختلط المدن كلها حتى يصبح الجسد خريطة تدور حول نفسها، وكانت الطبول تضرب القلب لا الأذن.
قال الدراويش: ليس الطريق مستقيماً.
وقالت الغابة: لم يكن مستقيماً قط.
قالوا: نحن نعود إلى الأصل.
قالت: ومن يعرف أين الأصل؟
فسكتوا.
ثم داروا أكثر.
كانت شجرة الباوباب الإفريقية تقف بجوار سيكويا عملاقة جاءت من القارة الأخرى في حلم، وكان السنديان الأوروبي يمد أغصانه إلى نخلة صحراوية، وكانت أشجار المانغروف تغني للماء، والأبنوس يخفي الليل في قلبه، والماهوجني يلمع مثل أثاث قصر مهجور، وفي وسط هذا المعجم النباتي العالمي كانت شجرة مجهولة ترفض الاسم.
سألها عالم النبات: ما نوعك؟
قالت: أنا الذاكرة.
قال: لا يوجد هذا النوع في التصنيف.
قالت: لهذا لم تستطع العثور عليّ.
وكانت النباتات العاشبة تتكلم عن الرعاة، والسراخس تكتب تاريخ الرطوبة، والطحالب تحفظ أسرار الصخور، والفطريات تمد شبكاتها تحت الأرض مثل رسائل سرية بين الأشجار، حتى بدا أن الغابة ليست مجموعة نباتات بل جهازاً عصبياً ضخماً يفكر ببطء.
وفي تلك الشبكة كانت مدين تومض.
ثم تنطفئ.
ثم تظهر.
وكانت القضارف القديمة تومض معها، ديم بكر والأسرى وسلامة البيه والصوفي الأزرق، كأن المدن لا تسكن الجغرافيا، بل تسكن بعضها بعضاً، وكأن الحي الذي لم يعرف مدين تاريخياً يستطيع أن يحملها شعرياً في ذاكرته، لأن الشعر لا يزعم أن المسافة لم تكن موجودة، بل يعترف بها ثم يقفز فوقها.
جاء لوط في هذه المرة على هيئة سؤال، لا على هيئة شخصية تدخل الحكاية، وكان السؤال يقول: كم يكفي من القرابة كي تصنع ذاكرة؟ وكانت الروايات النسبية تتجادل في الخلفية مثل طيور فوق شجرة، وكل واحدة تريد أن تكون الأولى في الوصول إلى الحقيقة.
قالت شجرة النسب: لا تقطعوني لتعرفوا من أنا.
قال المؤرخ: أحتاج إلى دليل.
قال الشاعر: أحتاج إلى ظل.
قالت الأسطورة: أحتاج إلى من يصدقني قليلاً.
فجلس الأربعة تحت الغصن نفسه.
ولم يتفقوا.
وكان عدم الاتفاق هو أول الحقيقة.
أما إبراهيم فكان في المطولة جذراً رمزياً أكثر من كونه شخصية تتحرك في المشاهد، جذراً بعيداً تتفرع منه أسئلة النبوة والقرابة والهجرة، وتلتقي عنده طرق شعيب وموسى في المخيلة، لا كي تختلط الأنساب أو تضيع الفروق، بل كي يظهر التاريخ الروحي بوصفه شجرة متعددة الأغصان.
وكان موسى يحمل نسبه الإبراهيمي عبر إسحاق ويعقوب، بينما تقف مرويات شعيب ونسبه في مساحات متعددة من كتب التراث، ولذلك كانت القصيدة تمشي على حافة المعرفة، لا تثبت ما لا دليل عليه، ولا تمنع الأسطورة من أن تحلم، وتقول إن الشعر يستطيع أن يفتح باباً للتأمل دون أن يدعي أنه محكمة للتاريخ.
وحين غادر موسى مدين، لم تكن مدين قد انتهت.
كان البيت وراءه.
وكانت حبيبة المتخيلة تجمع أوراقها.
وكانت ابنتا شعيب عند الباب.
وكانت السنوات التي قضاها هناك تتحول إلى طيور.
وكانت الطيور تطير فوقه وتقول: لا أحد يخرج من المكان الذي غيّره.
ثم بدأ الطريق.
كان الطريق إلى طوى في النص طريقاً حقيقياً ورمزياً في آن، لكنه لم يكن يسمح للحكايات الشعبية أن تصادر قدسيته، لذلك كانت النار حين تظهر تميز نفسها عن أشجار النار التي تلدها المخيلة المحلية، وكانت الأسطورة تقف على مسافة احترام، تقول: أنا ابنة الخيال، وهناك مناطق أستطيع النظر إليها ولا أستطيع الادعاء بأنني صنعتها.
ومع ذلك كانت الغابة تريد أن ترافقه.
أرسلت غراباً.
ثم أرسلت بومة.
ثم أرسلت ذئباً.
ثم أرسلت طفلاً من ديم بكر.
ثم أرسلت امرأة تدعى هجرة تحمل مدينة روما في حقيبة.
فقال موسى: الطريق لا يتسع لكم.
قالت الغابة: بل الطريق لا يكتمل من دوننا.
لكن موسى مضى.
لأن بعض المشاوير لا يمكن أن يمشيها أحد بدلاً عن أحد.
وعند طرف الليل ظهرت العصا، لا لكي تتحول القصيدة إلى إعادة سرد لمعجزة، بل لتصبح رمزاً للطريق الذي يسند المسافر، وكان الصبي من حي الأسرى يراها حية، ويرى الرجل العجوز فيها شجرة، وترى هجرة فيها عموداً رومانياً مكسوراً، وترى حبيبة فيها غصناً يابساً، ويرى موسى فيها ما يعرفه هو وحده.
قالت الغابة: كل شيء يتحول.
قالت الحكاية: إلا المعنى.
قال الشعر: حتى المعنى.
ثم ضحك الجميع.
وكانت الحية، في عالم الخرافة، تمر من بعيد، لا حية الآيات ولا حية التفسير، بل حية رمزية لها جلد من مرايا، وكل من ينظر إليها يرى خوفه، فنظر إليها الذئب فرأى صياداً، ونظر إليها المستعمر فرأى شعباً متمرداً، ونظر إليها الطفل فرأى ليلة بلا أم.
أما الإنسان فرأى نفسه.
فهرب.
ومن هنا بدأت الغابة النفسية، تلك التي لا يمكن تحديد حدودها على الخريطة، لأن أشجارها تنبت في الأحلام، وحيواناتها تتكاثر في اللاوعي، ومساراتها هي الذكريات التي تجنبنا المرور بها، وكل بئر فيها هو سؤال دفناه كي لا نسمع صوت الماء.
قال طبيب عجوز: الإنسان يحمل غابة في رأسه.
قال شاعر: بل الغابة تحمل إنساناً في رأسها.
قالت شجرة: كلاكما متأخر عن الحقيقة.
ثم سقطت ورقة.
وكان سقوط الورقة أكثر فلسفة من النقاش.
في ديم بكر، كان الأطفال يطاردون فراشة زرقاء، وكلما اقتربوا منها تحولت إلى امرأة من روما، وكلما اقتربت المرأة تحولت إلى حبيبة، وكلما اقتربت حبيبة صارت إحدى ابنتي شعيب، ثم تعود فراشة لا يمكن الإمساك بها.
قالت الجدة: لا تمسكوا الفراشة.
قال طفل: لماذا؟
قالت: لأن بعض الأشياء موجودة فقط ما دامت حرة.
فسكت الأطفال.
ثم فتحوا أيديهم.
وفي حي الأسرى كان رجل يبيع أقفاصاً للطيور، وكانت الطيور المهاجرة تمر فوقه بلا اهتمام، فسأله أحدهم: لماذا تبيع الأقفاص إذا كانت الطيور الحرة لا تنزل إليك؟
قال: أنا لا أبيع الأقفاص للطيور.
قالوا: فلمن؟
قال: للناس الذين يريدون أن يصدقوا أنهم يملكون شيئاً.
ثم أغلق متجره وذهب إلى الغابة.
كان اسم سلامة البيه يعود كلما ضاعت الحكاية، كأنه كلمة سرية تحفظ الطريق، وكان الناس يقولون إن الرجل يعرف أسماء الأشجار قبل أن تنبت، ويعرف أسماء الأطفال قبل أن يولدوا، وحين مات لم يجدوا جسده في المكان الذي دفنوه فيه، بل وجدوا غصناً أخضر فوق التراب.
قال شيخ صوفي: هذا كرامة.
قال المؤرخ: لا دليل.
قال الشاعر: لا أحتاج إلى دليل كي أكتب غصناً.
فقالت الغابة: اكتبوه إذاً.
وهكذا عاش سلامة البيه مرتين.
مرة في المدينة.
ومرة في اللغة.
أما الصوفي الأزرق فكان يخرج ليلاً من اسمه، ويتحول إلى طائر مائي، يطير فوق الأحياء ثم يحط عند البئر، ويقول لموسى: الماء الذي شربته هنا لا يزال يجري في الكلام، فينظر موسى إلى البئر ولا يجيب، لأن بعض الرموز حين تُشرح تموت.
وفي صباح آخر اجتمعت الحيوانات لتناقش الإنسان.
ترأس الفيل الجلسة.
وكان الغراب أميناً للسر.
والثعلب مسؤولاً عن المكر.
والذئب مسؤولاً عن الأمن.
والبومة مستشارة فلسفية.
أما النمر فوقف عند الباب.
قال الفيل: ما مشكلتنا مع الإنسان؟
قال الغراب: يكتب عنا أكثر مما يسمعنا.
قال الثعلب: يسمي نفسه عاقلاً ثم يضع الفخاخ.
قال الذئب: يتهمني بالوحشية ويصنع الحروب.
قالت البومة: المشكلة أنه لا يدخل الغابة ليعرفها، يدخلها ليجد نفسه بريئاً.
فرفعت الحيوانات الجلسة.
وبقي الإنسان متهماً.
كانت الواقعية السحرية تمر في المطولة لا كزينة أدبية، بل كطريقة لمقاومة الديكتاتورية التي تفرضها الواقعية الضيقة على المخيلة، فإذا تحولت امرأة إلى طائر لم يكن السؤال كيف حدث ذلك، بل لماذا أصبح التحول هو اللغة الوحيدة القادرة على وصف العالم.
وإذا تكلمت الشجرة، لم تكن المعجزة في قدرتها على الكلام، بل في عجز الإنسان الطويل عن الاستماع.
وإذا عادت المدن الإيطالية إلى أزقة القضارف، لم يكن ذلك خطأً في الجغرافيا، بل اعترافاً بأن الهجرة تجعل الخرائط تسكن أجساداً لا تعرفها الأطالس.
روما كانت حجراً.
نابولي كانت ناراً تحت الأرض.
ميلانو كانت معطفاً في شتاء الذاكرة.
تورينو كانت حصاناً.
فلورنسا كانت لوحة تبحث عن وجهها.
فينيسيا كانت ماءً يخاف من المستقبل.
باليرمو كانت أماً تنتظر.
وكرن كانت جرساً بعيداً.
وأروما كانت رائحة طريق.
أما ديم بكر فكانت تجمعها جميعاً في قدر الحكاية.
قالت هجرة: المدن نساء.
قالت نجود: المدن لغات.
قالت حفصة: المدن روايات.
قالت حبيبة: المدن بيوت إذا كان فيها عدل.
قالت الغابة: المدن غابات حين تنسى ذلك.
ثم سكت الجميع.
كان الصمت أكبر من أي مدينة.
وفي مشهد آخر كانت نجود تمسك بخيط طويل، تقول إنه خيط السند، وتعطي طرفه لعاصم في الحكاية وطرفه لحفص، ثم تمده إلى قارئ مجهول في ديم بكر، ثم إلى امرأة في نابولي، ثم إلى شيخ في الصوفي الأزرق، حتى صار العالم كله مشدوداً بخيط واحد.
قالت: إذا انقطع الخيط لا تموت الرواية.
قالوا: ماذا يحدث؟
قالت: تبدأ رواية أخرى.
ومن هنا بدأ الخائن.
لم يكن رجلاً.
كان ترجمة.
وكانت الترجمة تعبر من لغة إلى أخرى وتفقد شيئاً وتربح شيئاً، وكان الأعجمي يدخل العربية حاملاً في جيبه رائحة أمه، فتفتح له العربية الباب وتسأله: ماذا تركت خلفك؟
فيجيب: تركت كلمة لا يمكن ترجمتها.
فتقول العربية: إذن اكتبها بجواري.
وكان هذا هو تعريب العالم.
لا أن نبتلع الغريب.
بل أن نجلس معه على مائدة واحدة.
وكانت مدين تعرف ذلك.
لأن الغريب الذي جاءها صار جزءاً من حكايتها.
لكن الحكاية لم تملكه.
وفي الغابة ظهر وحش جديد.
لم يكن له شعر ولا أنياب.
كان يحمل منشاراً كهربائياً.
اقترب من شجرة سيكويا.
قال: سأحولك إلى مال.
قالت الشجرة: وماذا ستفعل بالمال؟
قال: أشتري به أشياء.
قالت: مثل ماذا؟
فكر طويلاً.
ولم يجد شجرة.
كان الوحش البيئي أكثر صمتاً، لأنه لا يحتاج إلى أن يكره الغابة كي يدمرها، يكفي أن يحب الربح أكثر من الزمن.
وكانت الأنهار تتراجع.
والطيور تفقد طرق هجرتها.
والحيوانات تبحث عن ظل.
والإنسان يكتب تقارير طويلة عن الكارثة.
ثم يفتح نافذة مكيفة.
قالت الغابة: لقد أصبحت أنا مستقبلكم.
لم يفهموا.
قالت: إذا متّ، ستكتشفون أنكم كنتم تسكنون في جسدي.
وهنا دخلت الغابة طور الذاكرة.
لم تعد أشجاراً فقط.
صارت أسماءً.
صورة شجرة في كتاب المدرسة.
خشب طاولة قديمة.
رائحة مطر.
حكاية جدة.
اسم حيوان انقرض.
وأغنية شعبية لا يعرف أحد من كتبها.
وصارت الذاكرة نفسها غابة لا يستطيع الحفيد دخولها من دون أن يضيع.
في القضارف القديمة كانت الأحياء تحفظ بعضها كما تحفظ الأشجار الريح، وكان كل حي يروي الحي الآخر بطريقة مختلفة، وكانت ديم بكر تقول إنها بوابة المدينة، ويقول الأسرى إنهم قلبها الخفي، ويقول الصوفي الأزرق إن المدينة تبدأ حين يبدأ الذكر، بينما كان سلامة البيه يبتسم في الحكاية من مكان لا يعرفه أحد.
قالت امرأة: كل مدينة تحتاج إلى أولياء كي لا تنهار.
قال رجل: وكل مدينة تحتاج إلى خبازين.
قال طفل: وتحتاج إلى ملعب.
فضحك الجميع.
وقالت الغابة: تحتاج أيضاً إلى من يتذكرها.
ثم عادت حبيبة إلى الباب.
كانت أكبر من العمر وأصغر من الأسطورة، وتحمل طبقاً من ثمار لا تنتمي إلى موسم واحد، تيناً من حكاية عربية، رماناً من الشرق، تفاحاً من الغابات الأوروبية، مانغو من المناطق المدارية، وجوزاً من شجرة لا يعرفها أحد.
قالت لشعيب: لماذا تريد أن تصلح العالم؟
قال: لا أريد.
قالت: ماذا تريد؟
قال: ألا أشارك في كسره.
فوضعت الطبق على الأرض.
وقالت: هذا أصعب.
وكان موسى يستعد للرحيل.
لم يقل أحد وداعاً طويلاً.
فالحكايات الكبيرة تعرف أن الكلمات لا تستطيع حمل كل شيء.
نظرت إحدى ابنتي شعيب إليه.
ونظرت الأخرى إلى الطريق.
أما حبيبة فنظرت إلى الغابة.
وقالت: سيعود.
قال شعيب: إلى أين؟
قالت: إلى الحكاية.
ثم انطفأ البيت.
لكن البئر بقيت مضيئة.
كان الطريق إلى طوى يمتد في القصيدة مثل جملة لم تنته، وكلما تقدم موسى صارت الكلمات أقل، وكلما اقتربت النار صار الصمت أكثر، فتراجعت الحيوانات، وعادت المدن إلى خرائطها، وسكتت هجرة، وأغلقت نجود كتابها، وتوقفت حفصة عن الحكاية.
حتى الغابة عرفت أن هناك عتبات يجب أن تتوقف عندها المخيلة.
وقفت عند الحد.
وقالت: اذهب.
لم يلتفت موسى.
لكن الطائر التفت.
وكان ذلك كافياً.
في الطرف الآخر من الزمن كانت مدين لا تزال موجودة، ليس بالضرورة كما يرسمها المؤرخ، ولا كما يحلم بها الشاعر، بل بين الاثنين، مساحة مشتعلة من السؤال، وكلما حاول أحد أن يحددها نهائياً تحولت إلى طريق.
وهكذا عادت المشاوير.
مشوار من البئر إلى الغابة.
ومن الغابة إلى الحي.
ومن الحي إلى إيطاليا.
ومن إيطاليا إلى إفريقيا.
ومن إفريقيا إلى الأسطورة.
ومن الأسطورة إلى النص.
ومن النص إلى الإنسان.
ثم إلى البئر.
وكان السؤال ينتظر.
هل يدخل الإنسان الغابة ليكتشف ما تخفيه؟
أم أن الغابة تدخل الإنسان لتكشف له ما أخفاه؟
قال الذئب: لا أعرف.
قالت البومة: المعرفة ليست دائماً جواباً.
قال الفيل: تذكروا السؤال.
قال الغراب: اكتبوه.
قالت الشجرة: عشوه.
أما حبيبة فقالت: اسقوه.
وأما نجود فقالت: ارووه.
وأما حفصة فقالت: انقلوه.
وأما هجرة فقالت: ترجموا الطريق.
وأما سلامة البيه فمرّ في الظل ولم يقل شيئاً.
وأما الصوفي الأزرق فدار.
دار.
دار.
حتى أصبحت المدينة دائرة.
وأصبحت الدائرة بئراً.
وأصبحت البئر عيناً.
وأصبحت العين غابة.
وأصبحت الغابة إنساناً.
وهنا، فقط، عرف الوحش أنه كان ينتظر نفسه.
لم تكن النهاية في آخر السطر.
كانت في الشجرة التي لم نسألها عن اسمها.
وفي الطائر الذي عبر الحدود ولم يطلب إذناً.
وفي المرأة التي حملت مدينة داخل اسمها.
وفي الغريب الذي سقى امرأتين ثم جلس تحت الظل.
وفي الميزان الذي ينتظر اليد.
وفي الحكاية التي لا تثبت شيئاً كي تكون قادرة على كشف أشياء كثيرة.
وفي القضارف القديمة حين تستيقظ داخل قصيدة.
وفي مدين حين تصبح أكثر من مكان.
وفي الغابة حين تتوقف عن أن تكون غابة.
فتصير مرآة.
ندخل إليها.
فنضيع.
ثم نكتشف، بعد زمن طويل، أننا لم نكن نبحث عن طريق للخروج.
كنا نبحث عن الشخص الذي دخل.
____
أغسطس 2026م
حي البرنو - القضارف

