ديوان : مستنظرات الصيني

مستنظرات الصيني                                Story pin image

مصعب الرمادي

 مُستنظرات الصيني

__________________
 الكتاب :  مستنظرات الصيني            

 الكاتب : مصعب الرمادي
تاريخ الطبع : سبتمبر 2026م
حقوق الطبع والتأليف محفوظة للمؤلف 

_____________________

إلى : شيماء جو إي إي - مديرة  مكتب  قناة الجزيرة الأخبارية  في الصين 

__________________________

 1

الصين لا تدخل من الباب،
تدخل من الحائط الذي ظنناه سوراً،
ثم تخرج من الساعة الصينية المعلقة فوق قلب كونفوشيوس.
كان الرجل العجوز يقول: احفظ النظام،
وكان الحفيد يركض في مدينة من الزجاج،
وفي القطار الذي يقطع المسافة كأنه يمحو المسافة،
كانت شيماء ترفع الميكروفون:
ليس هذا خبراً؛ هذه حضارة تحاول أن تشرح نفسها وهي تركض.

2

قالت بكين للخرائط: لا تكفيني الورقة.
فأضافت إلى الورق طريقاً للحرير،
وإلى الطريق قطاراً،
وإلى القطار شبكةً من الأقمار الصناعية،
ثم وضعت فوق كل ذلك امرأةً تسأل عن اسم عامل في محطة.
كانت شيماء تعرف أن التاريخ لا يظهر دائماً في القصور،
أحياناً يظهر في يد بائعة تفاح،
وفي عين رجل ينتظر الحافلة،
وفي طفل يتعلم الحرف الأول من اسمه.

3

في الصباح كان سور الصين عظيماً،
وفي المساء صار السور فكرةً،
وفي منتصف الليل صار خطاً أسود في دفتر مراسلة.
قال السائح: هذا سور.
قال الشاعر: هذا خوفٌ حجري من الغزاة.
قال المؤرخ: هذه دولة تبحث عن حدودها.
وقالت شيماء: دعوني أصوّر الإنسان الذي يمشي فوقه،
فربما كان السور نفسه لا يعرف لماذا بُني.

4

في بكين ساعة لا تشير إلى الوقت،
بل إلى السلالات التي ماتت.
الإمبراطور يخرج من قصره البنفسجي،
يرى سيارة كهربائية تمر تحت النافذة،
فيعود إلى قبره متأخراً ألف عام.
تضحك المدينة.
وفي غرفة الأخبار،
كانت شيماء تعيد ترتيب الزمن في جملة قصيرة.

5

قال العربي القديم: اطلبوا العلم ولو في الصين.
ثم سافر الخيال قبل المسافر،
ووضع الصين في آخر الأرض.
لكن الأرض اتسعت.
صارت الصين شاشةً في يد الطفل،
ومصنعاً في الهاتف،
وميناءً في البحر الأحمر،
وسؤالاً في مكتب شيماء:
من يملك المستقبل حين يصبح المستقبل سلعة؟

6

لم تكن الصين بعيدة.
كانت نحن حين ننسى أن الآخر ليس مرآةً لنا.
كان الحرف الصيني يحدق في الأبجدية العربية،
فتسأله الباء: أين صوتك؟
فيرد الرمز: أنا صورةٌ لصوتٍ لا ترينه.
تضحك الباء.
يضحك الحرف.
وتكتب شيماء في دفترها:
كل لغة تخفي عالماً لا يستطيع الآخر ترجمته كله.

7

في ووهان،
كان الصمت أكثر ازدحاماً من الأسواق.
الشوارع فارغة،
الإشارات الضوئية تعمل وحدها،
والبيوت تراقب أبوابها.
دخلت شيماء المدينة،
فصار جسدها نقطةً صغيرة داخل جائحة كبرى،
وصار المراسل شاهداً على تاريخ لا يعرف نهايته.

8

كانت ووهان في تلك الأيام
مدينةً بلا مدينة.
المترو نائم،
المطاعم وراء أبوابها،
والنوافذ أصبحت شاشاتٍ للانتظار.
قال رجل: نريد أن نعود إلى الحياة.
لم تسأله شيماء عن الإحصاء،
سألته عن أمه.
وهنا بدأ الخبر يصبح إنساناً.

9

عندما دخلت شيماء ووهان
لم تدخلها وحدها.
دخل معها جمهور عربي لا يعرف شكل الشارع الصيني،
ودخل معها خوف العالم،
ودخلت معها لغة المراسل التي تحاول ألا تزيد الألم.
كانت الكاميرا عيناً،
لكنها كانت أيضاً ضميراً.
وكل ضمير يحتاج إلى مسافة لا تقتل القرب.

10

في شارع مغلق
كان رجل يضع كيس خضار أمام باب امرأة.
لا مصافحة.
لا حديث.
فقط كيسٌ صغير أمام باب كبير.
قالت شيماء:
هكذا تبدو الإنسانية حين تصبح المسافة شرطاً للنجاة.
ثم اختفى الرجل خلف القناع،
وبقي الكيس شاهداً.

11

في الصين القديمة
كان الامتحان طريقاً إلى الدولة.
وفي الصين الحديثة
صار الامتحان طريقاً إلى الجامعة.
وبين الاثنين
جلس طالب ينام فوق كتابه.
حلم أنه أصبح إمبراطوراً،
ثم استيقظ على المنبه،
فوجد نفسه متأخراً عن المحاضرة.

12

قال كونفوشيوس: تعلّم.
قالت الثورة: تعلّم.
قال المصنع: تعلّم.
قال الذكاء الاصطناعي: تعلّم أسرع.
وقالت شيماء وهي تقرأ تقريرها:
لكن ماذا يتعلم الإنسان حين يصبح الزمن أسرع من قدرته على الفهم؟

13

الصيني ليس شخصيةً واحدة.
إنه فلاح،
وطالب،
وعامل،
ومهندس،
وشاعر،
ومبرمج،
وأمّ تخبئ قلقها تحت المائدة.
لكن التاريخ يصر على اختصارهم في كلمة واحدة: الصين.
وكانت شيماء تعرف أن أكبر خطأ صحفي
أن تجعل المليار وجهاً وجهاً واحداً.

14

الوجه الصيني القديم
يحمل الأسرة في داخله.
الأب ليس أباً فقط،
بل ذاكرة.
والأم ليست أماً فقط،
بل استمرار.
والابن يحمل المستقبل كما يحمل حقيبة الجامعة.
ثم تأتي المدينة،
فتقول للعائلة:
أنا أيضاً أمكم الآن.

15

كان «الوجه» أكثر من وجه.
سمعةٌ،
ومكانة،
وذاكرة اجتماعية.
ومن يفقد وجهه
لا يسقط وحده؛
يسقط أمام عيون الآخرين.
لذلك كان الصمت أحياناً
طريقةً لحماية شيء لا نراه.

16

في مطعم صغير
جلست فتاة صينية أمام نافذة المطر.
كان حبيبها في مدينة أخرى.
كتبت له رسالة من حرف واحد،
ثم حذفتها.
كتب لها: وصلتُ.
قالت: إلى أين؟
قال: إلى المسافة التي بيننا.

17

الحب الصيني في هذه القصيدة
ليس وردةً حمراء.
إنه كوب شاي ينتظر أن يبرد،
ومقعد محفوظ في قطار،
ومظلة يتركها رجل أمام باب امرأة،
ولا يطرق.
إنه حب يعرف أن الصمت
يمكن أن يكون اعترافاً أطول من الكلام.

18

قالت الحبيبة: أحبك.
قال الحبيب: سأنتظرك.
قالت: أين؟
قال: عند الجسر.
كان الجسر قد هُدم منذ عشرين عاماً.
ومع ذلك ذهب.
ففي الصين، كما في الشعر،
بعض الأماكن لا تحتاج إلى أن تكون موجودة كي نذهب إليها.

19

كانت المرأة الصينية
تخرج من المترو في الصباح،
وجهها مضاء بهاتف،
وشعرها يلتقط رائحة المطر.
كانت المدينة وراءها
مثل تنين كهربائي.
لم يرها أحد في الأخبار.
لكن شيماء رأت يدها
حين أمسكت بطفلها.

20

الوطن ليس العلم.
الوطن أيضاً
الرائحة التي تعرفها قبل أن ترى البيت،
والطعام الذي لا يستطيع مطعم آخر تقليده،
وصوت الأم في الهاتف،
والشارع الذي يختفي ثم يعود.
وحين قالت الصين: الوطن،
ظهرت ملايين الوجوه
ولم يظهر وجه واحد.

21

في قوانغتشو
وصل العرب قديماً مع البحر.
جاء الحرير في اتجاه،
وجاءت التوابل في اتجاه آخر،
وجاءت الكلمات مختبئة في حقائب التجار.
لم يكن البحر يعرف الحدود.
كان يعرف الريح فقط.
ومن الريح ولد نسبٌ آخر:
نسب المرافئ.

22

لم يكن العربي والصيني
يتعارفان دائماً بالدم.
تعارفا بالسلعة،
ثم بالطريق،
ثم بالبيت،
ثم بالزواج،
ثم بالابن الذي يحمل اسمين.
فصار النسب أحياناً
أن تتعلم كيف تنطق اسم شخص آخر.

23

في مسجد صيني
كان الهلال يلمس سقفاً ذا ملامح صينية.
صعد الأذان في الهواء،
فاستدار التنين في لوحة قديمة.
لم يسأل أحد:
أين ينتهي العربي وأين يبدأ الصيني؟
كانت الصلاة تقول:
يمكن للسماء أن تتسع لأكثر من لغة.

24

البوذية دخلت الصين
فخرجت منها وهي تحمل شيئاً من الصين.
والطاوية لم تكن طريقاً فقط،
بل محاولةً لفهم كيف تتحرك الأشياء دون أن ندفعها دائماً.
والكونفوشيوسية جلست إلى مائدة الأسرة.
والإسلام دخل من البحر والبر.
ثم قالت الصين للأديان:
كل واحد منكم سيعبرني،
لكن لن يخرج مني بالصورة نفسها.

25

الكنائس تقف في مدن الصين،
والمساجد تقف في مدن الصين،
والأديرة تحفظ صمتها،
والأضرحة الشعبية تحمل أسماء لا نعرفها.
أما شيماء
فكانت تعرف أن الخبر الديني ليس عقيدةً فقط،
بل طريقة الناس في صنع معنى للحياة.

26

الحرف الصيني
ليس حرفاً وحيداً.
إنه نافذة.
تراه فلا تعرف هل هو كلمة
أم شجرة
أم باب
أم أثر قدم.
وحين حاولت العربية أن تترجمه
خرجت من الغرفة
وهي تحمل نصف المعنى.

27

قال الحرف العربي: أنا صوت.
قال الصيني: وأنا أثر.
قال المترجم: أنتما الاثنان مشكلة.
فضحكت شيماء.
ثم وضعت الكاميرا على الطاولة
وقالت:
ليست الترجمة نقل الكلمات،
بل محاولة منع العالم من أن يضيع بين لغتين.

28

في اللغة الصينية
تتغير النبرة فيتغير المعنى.
كأن الكلمة لها قلبان،
أحدهما في الصوت،
والآخر في طريقة خروج الصوت.
وهكذا فهمت شيماء
أن الصحفي أيضاً يحتاج إلى نبرة.
فخبر واحد يمكن أن يقتل،
وخبر واحد يمكن أن ينقذ إنساناً من سوء الفهم.

29

كانت الصحافة الصينية
تعيش بين الدولة والمجتمع.
وكانت الصحافة العربية
تأتي من بعيد لتسأل.
وبين السؤال والجواب
تتكون منطقة ثالثة:
منطقة المراسل.
لا هو في الخارج تماماً،
ولا هو في الداخل تماماً.

30

شيماء ليست نافذةً محايدة.
كل نافذة لها إطار.
لكنها تحاول أن تجعل الإطار أوسع.
تسأل المسؤول،
ثم تسأل المواطن،
ثم تنظر إلى الشارع.
ثلاثة مصادر للحقيقة،
والحقيقة لا تقبل دائماً أن تجلس في كرسي واحد.

31

في بيونغ يانغ
كانت الأعلام تتحرك في العرض العسكري.
كان المشهد منظماً
حتى إن الظلال بدت وكأنها تتلقى التعليمات.
وفي مكان ما
كانت شيماء تراقب وجوه الناس.
فالجيش يرى الأجساد،
أما الصحفي الجيد
فيرى ما تخفيه الوجوه.

32

في هونغ كونغ
كانت المدينة تسأل عن معنى المستقبل.
في الشوارع
تتقاطع المظلات واللافتات والشرطة والذاكرة.
المدينة التي كانت مستعمرة
تبحث عن شكلها الجديد.
والتاريخ لا يجيب بسرعة.
إنه يضع السؤال على طاولة أخرى
ويغادر.

33

في تايوان
كانت صناديق الاقتراع صغيرة،
لكن ظلها كبير.
كل ورقة تحمل اسماً،
وكل اسم يحمل تصوراً عن الهوية.
الصين ترى التاريخ من جهة،
وتايوان ترى نفسها من جهة أخرى،
والعالم يقف في المنتصف
كمن يمسك كوباً مملوءاً حتى الحافة.

34

في واشنطن وبكين
كان التعريف الجمركي يتحول إلى سلاح.
سلعة تعبر المحيط
فتدخل في معركة سياسية.
حاوية تصبح بياناً.
رقم يتحول إلى خطاب.
والاقتصاد، الذي ادعى أنه بلا عاطفة،
بدأ يتكلم بلهجة الحرب.

35

قال المصنع: أنا بريء.
قالت السياسة: أنت ورقة تفاوض.
قال المستهلك: أريد سعراً أرخص.
قال العامل: أريد عملاً.
قالت الدولة: أريد القوة.
وقالت شيماء:
هكذا تبدأ السياسة العالمية:
حين يكتشف كل طرف أن كوب الشاي على طاولته
مرتبط بميناء في قارة أخرى.

36

السياسة الصينية
تمشي ببطء يشبه الماء.
لا تصرخ دائماً،
لكنها تملأ الأواني.
تدخل إفريقيا من طريق،
وأوروبا من طريق،
والشرق الأوسط من طريق،
ثم تستدير نحو القطب.
والخريطة تكتشف متأخرة
أن الطريق نفسه كان سياسة.

37

في إفريقيا
كان الطريق يُعبد.
وفي الصين
كانت الآلة تنتظر.
وفي السودان
كان السؤال أقدم من الطريق:
ماذا نفعل بالموارد؟
جاءت الصين بشركاتها ومشاريعها وموانئها.
لكن شيماء، لو سألت النهر،
فسيقول:
الشراكة لا تنجح إذا كان طرف واحد فقط يعرف ماذا يريد.

38

السودان والصين
يلتقيان أحياناً في النفط،
وأحياناً في التعليم،
وأحياناً في الذاكرة.
لكن الجغرافيا أعمق من الاتفاقيات.
البحر الأحمر يفتح فمه،
والقطار يبحث عن طريق،
والصحراء تقول:
من يملك الممر
قد لا يملك النهاية.

39

الحزام والطريق
لم يكن طريقاً فقط.
كان استعارةً لعالم جديد.
موانئ،
سكك،
كابلات،
مناطق صناعية،
وملفات تمويل.
ثم جاء السؤال:
هل الطريق يحمل البضائع فقط
أم يحمل النفوذ أيضاً؟

40

الصين لا تطرق باب العالم دائماً.
أحياناً تبني الباب.
وأحياناً تبني الطريق المؤدي إليه.
وأحياناً تشتري المصنع القريب منه.
وأحياناً ترسل قطاراً.
ثم تقول:
هذه تجارة.
فيجيب التاريخ:
التجارة حين تكبر
تبدأ في الكلام بلسان السياسة.

41

كانت أمريكا تنظر إلى الصين
من فوق المحيط.
والصين تنظر إلى أمريكا
من خلف الرقائق.
بينهما شاشة،
وسوق،
وجيشان،
وتكنولوجيا،
وخوف من أن يسبق الآخرُ الآخرَ بثانية.

42

الرقاقة الإلكترونية
أصغر من حبة أرز،
لكن العالم كله يمكن أن يرتجف إذا اختفت.
قالت شيماء:
لم تعد القوة في حجم الصاروخ فقط.
قد تكون في قطعة سيليكون
لا يراها أحد
وتحرك مليارات الأجهزة.

43

تايوان جزيرة صغيرة
لكنها تجلس على طاولة العالم.
المحيط حولها أزرق،
لكن الخرائط فوقها حمراء.
الطائرات تعبر السماء،
والسفن تراقب الماء،
والرقائق تدخل المصانع.
وفي غرفة الأخبار
يتعلم الصحفي كيف يكتب جملة
لا تشعل البحر.

44

في الصين
الذكاء الاصطناعي
ليس آلة فقط.
إنه سؤال عن الإنسان.
إذا عرفت الآلة كل شيء عنك،
فهل بقي لك شيء لا تعرفه الدولة؟
وإذا عرفت الدولة الكثير،
هل يصبح الأمان اسماً آخر للمراقبة؟
كانت شيماء تكتب،
ثم تتوقف عند علامة الاستفهام.

45

في مدينة ذكية
تتحدث الكاميرات أكثر من الناس.
السيارة تعرف الطريق،
والهاتف يعرف المزاج،
والمدينة تعرف الازدحام.
لكن طفلاً صغيراً
ركض خارج الخريطة.
فشل النظام في اللحاق به.
ضحكت شيماء:
الحياة تبدأ أحياناً حيث تفشل الخوارزمية.

46

القطار الصيني
لا يسير فقط فوق القضبان.
إنه يركض فوق الزمن.
من مدينة إلى أخرى
يصير المساء أقصر.
وكان رجل عجوز ينظر من النافذة
فيمر أمامه قريته القديمة
كذكرى لا تستطيع اللحاق بها.

47

الصين الحديثة
تريد أن تسبق المستقبل.
لكن المستقبل ليس قطاراً.
إنه كائن يتغير أثناء مطاردته.
كلما قالت الصين: وصلنا،
غيّر المستقبل اسمه.
ولهذا ظلت المدن تبني،
والجامعات تبحث،
والمصانع تعيد تصميم نفسها.

48

الشعر الصيني القديم
كان يعرف ما لا تعرفه البيانات.
الجبل يتكلم.
القمر يراقب.
النهر يتذكر.
الطيور تحمل رسالة.
والإنسان لا يكون وحده حتى حين يكون وحده.
هكذا جاء الشعر
ليضع قلباً في جغرافيا شاسعة.

49

لي باي يشرب القمر.
دو فو يحمل الحرب في قصيدته.
والجبل يظل صامتاً.
أما شيماء
فكانت تحمل ميكروفوناً في مدينة حديثة
وتبحث عن الشعر في وجه عامل.
ربما لم يتغير الشعر،
بل تغيرت الكاميرا.

50

الصين في منتصف المطولة
تتوقف عن أن تكون بلداً.
تصبح امرأة.
تلبس ثوباً أحمر،
ثم تخلعه أمام مرآة.
تجد على كتفها إمبراطوراً،
وفي يدها هاتفاً،
وفي جيبها بطاقة قطار،
وفي قلبها قرية لا تريد أن تموت.

51

قالت المرأة: أنا الصين.
قالت المدينة: لا، أنتِ القرية.
قالت القرية: لا، أنتِ التاريخ.
قال التاريخ: لا، أنتِ المستقبل.
قال المستقبل: لا أعرفك بعد.
دخلت شيماء إلى المشهد،
فقال الجميع:
هذه الصحفية تعرف أن السؤال أحياناً
أصدق من الجواب.

52

الحبيبة الصينية
لا تأتي دائماً من الباب.
قد تصل في رسالة،
أو كوب شاي،
أو مقعد فارغ في القطار.
تقول: انتظرني.
ولا تحدد الساعة.
فيصبح الانتظار وطناً صغيراً
يسكنه اثنان.

53

كانت تحب رجلاً من مدينة أخرى.
المسافة بينهما سبع ساعات قطار.
قال لها: سأقطعها.
قالت: لا تقطعها.
دعها تبقى.
فإذا بقيت المسافة
عرفنا لماذا نحب.
وإذا اختفت
ربما انتهى السؤال.

54

الحب الصيني هنا
ليس شرقياً ولا غربياً.
إنه إنساني.
رجل يشتري دواء لأمه حبيبته.
امرأة تحفظ موعد امتحانه.
شاب يرسل صورة المطر.
فتقول له:
أعرف أنك بخير،
لأن المطر عندك يشبه المطر عندي.

55

الوطن والحبيبة
كانا يختلطان في القصيدة.
كلاهما لا تستطيع حمله كله.
كلاهما يمكن أن يوجعك.
كلاهما يجعلك تكره الحدود
وتحب التفاصيل.
قالت شيماء:
ربما الوطن هو الشخص الذي يجعلنا
نريد العودة دون أن يطلب منا ذلك.

56

سور الصين العظيم
كان يمد ظهره فوق الجبال.
لكن السور لم يمنع كل الغزاة.
وهذا ما يعرفه التاريخ.
كل سور له باب.
وكل باب له حارس.
وكل حارس له نوم.
والإنسان الذي يخاف العالم
يبني سوراً،
ثم يكتشف أن العالم يسكن داخله.

57

في الليل
كان السور بلا سياح.
الريح تمشي فوق الحجارة.
قمر صغير يعلق بين برجين.
سمعت شيماء صوتاً يقول:
أنا لم أبنَ لأمنع العالم،
بل لأتذكر أن العالم كان خطراً يوماً.

58

الصين لا تخاف الماضي.
هي تعيد استخدامه.
تأخذ التنين
وتضعه على شعار حديث.
تأخذ الحرير
وتجعله متحفاً.
تأخذ الفلسفة
وتضعها في جامعة.
ثم تقول للمستقبل:
تعال، لكن لا تطلب مني أن أنسى.

59

الثورة غيّرت الصين.
والإصلاح غيّر الثورة.
والسوق غيّر الإصلاح.
والتكنولوجيا غيّرت السوق.
والعالم كله صار يغير الصين.
هكذا التاريخ ليس سلماً.
إنه دائرة لها أبواب كثيرة،
كل باب يؤدي إلى الماضي.

60

في أحد الأزمنة
كان ماو يطل من صورة.
وفي زمن آخر
كان دينغ يفتح نافذة.
ثم جاءت المدن والمصانع.
ثم جاء الهاتف.
ثم جاء الذكاء الاصطناعي.
والصورة القديمة بقيت معلقة.
كأن التاريخ نفسه
لا يعرف أين يضع وجهه.

61

قال العامل: أريد أجراً.
قال المستثمر: أريد سوقاً.
قال الحزب: أريد الاستقرار.
قال المواطن: أريد حياةً أفضل.
قال العالم: أريد قواعد.
قالت شيماء:
الصين ليست معادلة اقتصادية؛
إنها ملايين الرغبات التي تحاول أن تعيش داخل دولة واحدة.

62

الصيني المعاصر
يمشي بين هاتفه وأجداده.
يعمل في شركة عالمية،
ثم يعود إلى طعام الأسرة.
يكتب بالصينية،
ويتحدث عن أمريكا،
ويشتري منتجاً أوروبياً،
ويشاهد فيلماً هندياً،
ثم يعود إلى أغنية من طفولته.
العولمة لم تمحُ الهوية؛
جعلتها أكثر تعقيداً.

63

في الجامعة
كان طالب يدرس اللغة العربية.
سأله أستاذه: لماذا؟
قال: لأنني أريد أن أفهم الصحراء.
قال الأستاذ: والصحراء لماذا؟
قال: لأن الصين لا تفهم نفسها
إذا لم تفهم الطرق التي جاءت منها الأشياء.

64

كان طالب عربي في بكين
يدرس الحرف الصيني.
كتب رمزاً مائلاً.
ضحك أستاذه.
قال: أخطأت.
قال الطالب: أعرف.
قال الأستاذ: فلماذا تضحك؟
قال: لأن الخطأ أول طريقة يتعلم بها الإنسان
أن العالم ليس بلغته.

65

«اطلبوا العلم ولو في الصين»
تدخل الآن إلى القرن الرقمي.
لم تعد الرحلة ضرورية دائماً.
لكن المسافة بقيت.
قد يكون العالم كله في هاتفك
ولا تكون قد تعلمت شيئاً.
المشكلة ليست في البعد الجغرافي.
المشكلة في بعد العقل.

66

العلم الذي نبحث عنه
ليس معلومة.
إنه قدرة على رؤية الآخر
دون تحويله إلى صورة كاريكاتورية.
أن تقول: الصين ليست معجزة فقط.
وليست تهديداً فقط.
إنها إنسان وتاريخ ودولة وسوق وذاكرة.
قالت شيماء:
هذه أول قاعدة في الصحافة.

67

الإعلام العربي
حين ينظر إلى الصين
قد يقع في فخين:
إما أن يجعلها مصنعاً،
أو يجعلها خصماً.
لكن الصين لا تتسع لهذين القالبين.
هناك طفل،
وشاعرة،
ومريض،
وعامل،
ومهندس،
وحزب،
وإمبراطور ميت.

68

المراسل العابر للثقافات
لا يترجم اللغة فقط.
يترجم الصمت.
يفهم لماذا صمت الرجل،
ولماذا ابتسمت المرأة،
ولماذا لم يجب المسؤول،
ولماذا بقي الباب مغلقاً.
كانت شيماء تتحرك داخل هذه المنطقة
كمن يمشي فوق جسر لا يظهر في الصورة.

69

في تونس
تسمع العربية.
في الصين
تسمع الصينية.
وفي غرفة الأخبار
تلتقي اللغتان في جملة واحدة.
شيماء ليست بين عالمين فقط؛
هي داخل المسافة بينهما.
وهذه المسافة نفسها
صارت مهنتها.

70

في إحدى ليالي بكين
نامت المدينة تحت المطر.
كانت شيماء تراجع تقريراً عن الاقتصاد.
لكن الكلمات خرجت من الشاشة
وصارت شوارع.
«النمو» صار حافلة.
«التجارة» صارت حاوية.
«التوتر» صار طائرة.
«المواطن» صار وجهاً.
وهكذا تتحول اللغة إلى مدينة.

71

كانت الأخبار تتدفق.
تايوان.
واشنطن.
بكين.
الشرق الأوسط.
الطاقة.
الرقائق.
الموانئ.
الحزام والطريق.
لكن قلب الصحفي يحتاج أحياناً
إلى خبر صغير:
امرأة عادت إلى بيتها.

72

الصحافة ليست أن تعرف كل شيء.
إنها أن تعرف ما الذي لا تعرفه.
لذلك كانت شيماء تسأل.
ثم تسأل مرة ثانية.
ثم تنظر.
ثم تصمت.
فالصمت أداة بحث أيضاً
حين يكون الكلام أسرع من الحقيقة.

73

في السوق
امرأة تقلب السمك.
لم تكن تعرف أن العالم يتحدث عن الصين.
بالنسبة إليها
الصين هي سعر السمك،
وابنها الذي تأخر،
وفاتورة الكهرباء،
والمطر الذي لم ينزل.
ضحكت شيماء:
الدولة العظمى تبدأ من مطبخ صغير.

74

في المصنع
آلة ترفع صندوقاً.
العامل يرفع رأسه.
الآلة أسرع.
العامل أبطأ.
لكن العامل هو الذي اخترع الآلة.
وهنا يبدأ السؤال:
هل المستقبل هو الآلة،
أم الإنسان الذي يقرر ماذا تفعل الآلة؟

75

المدينة الصينية
تبدو أحياناً كأنها وصلت إلى المستقبل.
لكن في زقاق صغير
امرأة تغسل الأرز.
التكنولوجيا لم تلغِ الطقس القديم.
لقد وضعت هاتفاً إلى جانبه.
وهذه هي الصين:
الماضي لا يموت،
بل يحصل على اتصال بالإنترنت.

76

في الليل
يظهر التنين على واجهة مبنى.
لا أحد يخافه.
صار ضوءاً.
صار إعلاناً.
صار فناً.
التنين الذي كان أسطورة
دخل الاقتصاد الرقمي.
وهنا ضحك التاريخ
لأنه لم يتوقع أن يصبح الوحش شاشة.

77

الفن الصيني
يعرف الفراغ.
وفي الفراغ
يجلس شيء لا نراه.
شجرة وحدها،
جبل وحده،
طائر بعيد.
كل شيء قليل،
لكن المعنى كثير.
وهكذا كان الشعر يقول:
لا تملأ الصفحة كي تترك للغياب مكاناً.

78

كانت شيماء تنظر إلى الشاشة.
قال لها المصور: انتهى البث.
قالت: لم ينتهِ.
قال: ماذا بقي؟
قالت: الإنسان.
فالخبر ينتهي حين يغلق المذيع فمه،
لكن الحكاية تبدأ
حين يعود الناس إلى بيوتهم.

79

ووهان تعود.
المترو يتحرك.
المطاعم تفتح.
الأطفال يعودون إلى المدارس.
لكن المدينة تحمل في جسدها
ذاكرة لا تظهر في الإحصاء.
قالت شيماء:
بعض المدن تشفى،
لكنها لا تنسى.

80

عاد القطار.
عاد المطار.
عادت الأسواق.
لكن امرأة بقيت تنظر إلى باب مستشفى.
لم تسأل عن المستقبل.
كانت تنظر إلى الماضي.
الصين التي نجت
لم تكن الصين نفسها التي دخلت الإغلاق.

81

في الزمن الدائري
تعود ووهان إلى البداية.
تظهر شيماء مرة أخرى.
الميكروفون في يدها.
لكنها هذه المرة
لا تجد الوباء.
تجد طفلاً يحمل بالوناً.
يسألها: هل انتهى الخوف؟
فتقول:
الخوف لا ينتهي؛ يتعلم فقط كيف يعيش معنا.

82

يظهر كونفوشيوس من محطة القطار.
يسأل عن موعد الرحلة.
يعطيه موظف المحطة هاتفاً.
يتفحصه الحكيم.
يقول: أين الكتاب؟
يرد الموظف: هنا.
يبتسم كونفوشيوس:
إذن لم تتغيروا كثيراً.

83

يظهر ماو من خلف لوحة.
يرى المدن.
يرى المصانع.
يرى المليارديرات.
يسأل: أي ثورة هذه؟
لا يجيبه أحد.
يمر قطار كهربائي.
تقول شيماء:
التاريخ لا يجيب الموتى؛
يترك لهم صوراً جديدة.

84

يظهر دينغ في السوق.
ينظر إلى الرفوف.
يقول: المهم أن تعمل.
يجيبه العامل:
لكن العمل له ثمن.
يقول الاقتصادي:
والسوق له ثمن.
يقول المواطن:
والحياة لها ثمن.
تكتب شيماء في هامشها:
لا اقتصاد بلا إنسان.

85

يظهر شاعر صيني قديم
على جسر حديث.
يرفع كأسه إلى القمر.
تلتقطه كاميرا هاتف.
يصير فيديو قصيراً.
يصير ملايين المشاهدات.
يضحك الشاعر:
كنت أكتب للنجوم.
قالت شيماء:
النجوم الآن تكتب للمستخدمين.

86

الحبيبة لا تزال تنتظر.
لكن القطار أسرع.
والهاتف أقرب.
والرسائل تصل في ثانية.
فلماذا ما زال الانتظار طويلاً؟
لأن المسافة الحقيقية
ليست بين مدينتين،
بل بين قلبين لا يعرف أحدهما
ماذا يخفي الآخر.

87

السور العظيم
يرى الأقمار الصناعية.
لا يفهمها.
القمر الصناعي يرى السور.
لا يفهمه.
أما الإنسان
فيقف بين الاثنين.
وهنا تبدأ الفلسفة:
كلما اتسعت الرؤية
ازداد ما لا نفهمه.

88

قالت الصين: أنا المستقبل.
قال العالم: ربما.
قالت الصين: أنا الماضي أيضاً.
قال العالم: نعرف.
قالت الصين: إذن لا تختصروني.
فتوقف العالم قليلاً.
وفي تلك اللحظة
كتبت شيماء عنواناً جديداً:
«الصين التي تأتي ولا تأتي».

89

كانت السفن تتحرك في البحر.
كل سفينة تحمل آلاف القصص.
حاوية تحمل هاتفاً.
هاتف يحمل صورة.
الصورة تحمل امرأة.
المرأة تحمل طفلاً.
والطفل يحمل سؤالاً:
من أين جاء هذا العالم؟

90

قال العربي: من الصين.
قال الصيني: ومن العرب.
قال البحر: مني.
قال الطريق: مني.
قال الزمن: من الجميع.
ضحكت شيماء
لأن الحقيقة لا تحب النسب الواحد.
الحضارات أبناء زيجات كثيرة.

91

الصين النبوية
ليست نبوءة عن الصين.
إنها نبوءة عن الإنسان
حين يطلب المعرفة خارج بيته.
الصين هنا ليست نهاية الطريق،
بل اختبار الرغبة في الرحيل.
من يخرج من يقينه
يبدأ أول درس.

92

اطلب العلم ولو في الصين،
لكن لا تعد إلى بيتك
وأنت تحمل الصين كغنيمة.
عد وأنت تحمل سؤالاً.
تعلم اللغة دون أن تسخر منها.
تعلم التاريخ دون أن تقدسه.
تعلم القوة دون أن تعبدها.
وتعلم أن الآخر
ليس مادةً لاستكمال صورتك عن نفسك.

93

شيماء تمشي في بكين.
الكاميرا معها.
لكنها لا تصور كل شيء.
هناك أشياء لا تستطيع العدسة حملها:
رائحة البيت،
خوف الأم،
وحدة الطالب،
ذاكرة المريض،
حب المرأة،
وصمت المدينة حين تنام.

94

قال لها المصور:
أين القصة؟
أشارت إلى رجل مسن.
قال: ماذا يفعل؟
قالت: ينتظر.
قال: ماذا ينتظر؟
قالت: لا أعرف.
قال: إذن ليست قصة.
قالت: بل ربما هذه هي القصة كلها.

95

الصين لا تُقرأ من برج واحد.
اقرأها من القرية.
من الجامعة.
من المسجد.
من المعبد.
من المصنع.
من السوق.
من الميناء.
ومن المرأة التي تعود آخر الليل
وتفتح باب بيتها
بمفتاح لا يعرف السياسة.

96

كل صيني يحمل خريطة.
ليست بالضرورة خريطة الدولة.
قد تكون خريطة الأم.
أو المدرسة.
أو الحي.
أو الجبل.
أو النهر.
أو الهاتف.
وقد تكون خريطة حبيبته
التي لا يعرف العالم أنها وطنه الصغير.

97

في آخر الليل
جلس سور الصين على كرسي.
قال: تعبت.
قالت له شيماء: من ماذا؟
قال: من أن يجعلني الناس رمزاً دائماً.
قالت: وماذا تريد؟
قال: أريد أن أكون حجارة.
فضحكت.
ثم قالت: حتى الحجارة لها ذاكرة.

98

الصين تمشي نحو الغد.
لكن ظلها يعود إلى أسرة هان.
قطارها يسير بسرعة.
وقصيدتها تمشي ببطء.
مدنها ترتفع.
وقراها تنام.
اقتصادها يتغير.
وقلبها يحفظ أسماء الأجداد.
وهكذا لا تأتي الصين كاملة أبداً.

99

وفي المقطع قبل الأخير
تعود شيماء إلى ووهان.
لا جائحة.
لا حواجز.
لا صفارات.
فقط شارع.
امرأة تشتري خبزاً.
طفل يركض.
رجل يضحك.
تغلق شيماء الكاميرا
وتقول: الآن فقط رأيت المدينة.

100

الصين ليست سوراً.
ولا تنيناً.
ولا مصنعاً.
ولا حزباً.
ولا قطاراً.
ولا رقائق إلكترونية.
الصين إنسانٌ يتعلم كيف يعيش
بين ذاكرة لا تريد أن تموت
ومستقبل لا يريد أن ينتظر.

والصين التي قال عنها الخيال العربي:
«اطلبوا العلم ولو في الصين»
لم تعد في آخر العالم؛
لقد انتقلت إلى قلبه.

وشيماء جو إي إي
تمشي في منتصف هذا القلب
بميكروفون صغير
وذاكرة مزدوجة،
تسأل المدينة عن اسمها،
وتسأل الإنسان عن خوفه،
وتسأل الخبر عن الحقيقة،
ثم تعود في الزمن الدائري
إلى ووهان،
إلى السور،
إلى القطار،
إلى الحبيبة التي تنتظر،
إلى الحرف الذي لم يُترجم،
إلى البحر الذي حمل العرب إلى الصين،
وإلى الصين التي تأتي ولا تأتي.

وفي اللحظة التي نظن فيها أن المطولة انتهت،
يُفتح بابٌ صيني صغير في آخر الصفحة،
يخرج منه كونفوشيوس،
ولي باي،
وعامل الميناء،
والمرأة العاشقة،
والطفل،
والجندي،
والشاعر،
وشيماء،

ويمشون جميعاً نحو مكان لا يظهر على الخريطة.

هناك،
فقط هناك،
يفهم المسافر أن:

العلم ليس في الصين.

العلم هو
أن تعرف لماذا
ذهبتَ إلى الصين.

_______ 

سبتمبر 2026م

البيت الصيني - الخرطوم 




تعليقات

المشاركات الشائعة