ديوان : توت عنخ أمون في متاهة الترام

 توت عنخ أمون في متاهة الترام 

This may contain: a close up of a woman's face with makeup and piercings on it

مصعب الرمادي

توت عنخ أمون في متاهة الترام

__________________
 الكتاب :  توت عنخ أمون في متاهة الترام

 الكاتب : مصعب الرمادي
تاريخ الطبع : سبتمبر 2026م
حقوق الطبع والتأليف محفوظة للمؤلف 

____________________ 

هبط الشاعر من طائرةٍ مشوشةِ المرايا في مطار القاهرة الدولي،
وكان ختمُ الوصول على جوازه يشبه عينَ حورس وقد أُغلقت بنصف حلم،
فقال له موظفٌ لا يُرى: إلى أين؟
قال: إلى القصيدة.
فأشار الموظف إلى المدينة كلها، وقال: اذهب، فهي المطار الذي لا يصل إليه أحد.
ومنذ تلك اللحظة بدأ الزمن يلفُّ نفسه حول حروف «سمادير الجيزة».

في قاعة الوصول،
كانت حقائب المسافرين تدور في آلةٍ دائرية كأنها أفلاكُ قبورٍ تبحث عن أصحابها،
حقيبة سوداء، حقيبة حمراء، حقيبة فيها رائحةُ خبز،
وحقيبة صغيرة تحمل صمتًا لا تسمح الجمارك بفتحه.
قال الشاعر: هذه أول محطات القصيدة.
فارتجف السيرُ المتحرك، كأن القاهرة نفسها صعدت إلى العربة قبلنا.

خارج المطار،
تقدمت السيارات مثل أسماكٍ معدنيةٍ هاربة من بحرٍ لم يُكتشف،
والإشارات الضوئية تتبدل كنبضات قلبٍ صناعي،
والسائقون يتكلمون بأصواتٍ تعرف الطريق أكثر مما تعرف نفسها،
والمساء يرشُّ على الزجاج مسحوقًا من نارٍ وغبار.
قال الشاعر: ما هذا؟
قالت القاهرة: أنا الرائحة قبل الصورة، والمدينة قبل الاسم.

كانت القاهرة رائحةً متعددة الأبواب:
بنٌّ محترق، وقود، خبز، بخور، مطر مؤجل، جلد مقاعد، نهر بعيد،
ورائحة بشر يخرجون من ساعات العمل مثل كتبٍ أُغلقت قبل نهايتها.
قال «سمادير الجيزة»: لا تصفني، اشمّني.
فاستنشق الشاعر المدينة كلها،
فوجد تحت رائحة الإسفلت رائحةَ صحراءٍ قديمة لم تتنازل عن نسبها.

أين تبدأ مصر؟
عند بوابة المطار، أم عند أول بائع قهوة؟
عند التذكرة، أم عند أول ارتباكٍ في الطريق؟
عند الحافلة التي تحمل اسمًا رسميًا،
أم عند الرجل الذي يقفز منها قبل المحطة بثوانٍ؟
كتب الشاعر السؤال على زجاج السيارة، فامسحتهُ يدُ الليل.

القاهرة الجديدة كانت تقترب مثل مدينة خرجت من آلة رسمٍ هندسية،
أبراج، شوارع واسعة، واجهات زجاج، أضواءٌ لا تعرف كيف تنام،
ومبانٍ صامتة تحتفظ في أساساتها بغبار الصحراء،
كأن المستقبل بنى قصره فوق تابوتٍ لم يُفتح بعد.
قال توت عنخ آمون: لا تخافوا من الجديد، خافوا من الجديد حين ينسى من أين جاء.

كان الطريق الدائري يلتف حول المدينة مثل ثعبانٍ يتأمل ذيله،
وفي كل التفافٍ تظهر مدينة أخرى،
أحياء مكتظة، أبراج، ورش، مقاهٍ، حافلات، جسور،
وتحت كل طبقةٍ طبقةٌ من الوقت لا تظهر على الخرائط.
قال الشاعر: هذا ليس طريقًا.
قال الطريق: أنا سطرٌ طويل لا يريد أن ينتهي.

في القاهرة الجديدة،
كان المونوريل يمر فوق الشارع بخفةِ حشرةٍ سماوية،
وتحتَهُ بشر يركضون وراء مواقيتهم،
وفوقَهُ شاعر يركض وراء استعارة،
وفي منتصف الزجاج ظهر وجه توت عنخ آمون فجأة.
قال الملك: الحركة لا تصنع المستقبل وحدها، بل تكشف مقدار ما نحمله من الماضي.

صعد الشاعر،
فوجد في العربة موظفًا نائمًا، طالبةً تقرأ، عاملًا يأكل، طفلًا ينظر من النافذة،
ورجلًا يلتقط صورةً للمدينة كأن الصورة تملك حق البقاء أكثر من صاحبها.
قال الشاعر: هؤلاء قصيدة.
قالت العربة: هؤلاء ركاب.
فقال: القصيدة أن يصبح الركاب أكثر من ركاب.

في زجاج العربة،
انعكست القاهرة فوق القاهرة:
مدينة قديمة، مدينة حديثة، مدينة سياحية، مدينة شعبية،
ومدينة لا تظهر إلا في أعين الذين يعيشونها كل يوم.
أمسك الشاعر ديوان «سمادير الجيزة»،
فارتعشت صفحاته، كأن الكتاب يعرف أن قارئه لم يصل بعد إلى القاهرة.

مطار القاهرة صار خلفه،
لكن صالة الوصول ظلت داخل قلبه،
صفوف الجوازات تحولت إلى صفوف أبيات،
الختم تحول إلى فاصلة،
والحقيبة إلى ذاكرة.
قال توت: كل وصولٍ بدايةٌ أخرى للمنفى.
فأجاب الشاعر: وكل مدينةٍ أولُ قصيدةٍ لم نكتبها.

في الدقي،
وجد الأشجار تمسك بأطراف السماء،
وتحتها المقاهي تفتح أبواب الكلام،
ورجلٌ يتجادل مع الجريدة،
وامرأةٌ تعبر الشارع وهي تحمل يومًا كاملًا في يدها،
وسائق يطلق بوقه كأنه يعلن ولادة فكرة.
قال الشاعر: هذه الفوضى إيقاع.
قالت القاهرة: لا، هذه طريقتي في التنفس.

في مقهى ريش،
جلست الأشباح على المقاعد قبل أن يصل الجمهور،
شاعر قديم يعدّل نظارته،
مسرحي يكتب ملاحظة،
وسياسي يطوي جريدة،
والقهوة تصعد مثل دخانٍ من زمنٍ لم يمت.
جلس الشاعر بينها،
وقال: سأقرأ «سمادير الجيزة».
فصفقت الكراسي قبل البشر.

في مقهى نجيب محفوظ،
كانت الحكايات تتبادل أماكنها مع فناجين القهوة،
اسم الحارة يخرج من فمٍ،
ثم يعود إليه باسمٍ آخر،
والشارع يدخل الرواية من دون استئذان.
قال الشاعر: هنا تتعلم الجملة أن تعيش بين الناس.
فقالت الطاولة: هنا تتعلم القصيدة أن تكون أذنًا قبل أن تكون لسانًا.

وفي مقاهي الحسين،
تعلقت الأنوار في الهواء كأنها مسبحاتٌ من برق،
والبائع يرفع صوته،
والحكاية تنزل من المئذنة،
والسائح يقيس الحجارة بعينيه،
والشيخ العابر يخبئ حكمةً في ثنية العباءة.
قال الشاعر: الحكاية هنا لا تمشي، إنها تتوالد.

في شارع عماد الدين،
نهض المسرح من الرصيف،
كأن الخشبة القديمة فقدت جدرانها،
فصار الممثلون والسيارات والباعة وجوهًا في مشهدٍ واحد،
وصار الجمهور عابرًا لا يدري أنه داخل العرض.
قال الشاعر: هذه هي المدينة حين تمثل نفسها.
قال شارع عماد الدين: وأنا لا أمثل، أنا أتذكر.

في شارع محمد علي،
كانت الموسيقى تسيل من الحجر،
آلة وترية قديمة،
وصوت مطرب من مقهى بعيد،
ومطرقة نجار،
ومحرك سيارة،
كلها تدخل في مقامٍ مجهول.
فقال الشاعر: الموسيقى ليست ما نسمعه فقط.
قال الحجر: الموسيقى ما يجعل الصمت قابلًا للعيش.

وفي شارع المعز،
كانت العمارة تتحدث عبر ظلالها،
باب يفتح على باب،
قوسٌ يحمل زمنًا،
مئذنة تشق الهواء،
وسوق يبيع النحاس الذي يضاعف وجه العابر.
قرأ الشاعر سطرًا من «سمادير الجيزة»،
فجاءت نافذة قديمة وأكملت السطر عنه.

دخل مسرحًا من مسارح وسط البلد،
فوجد مقعدًا فارغًا في الصف الأول،
وعلى المقعد تذكرة لا تحمل اسم صاحبها.
جلس توت عنخ آمون فيها،
وقال: كل مقعدٍ شاغر هو مستقبلٌ لم يجد جسده بعد.
فأدرك الشاعر أن المسرح ليس مكان العرض،
بل مكان الاحتمال.

في دار الأوبرا المصرية،
كان الليل يرتدي بدلةً سوداء،
والضوء يصعد إلى السقف مثل نغمة،
والجمهور يصغي كمدينةٍ نسيت لوقتٍ قصير أن تضج.
قرأ الشاعر قصيدة،
فغارت الموسيقى من الكلام،
وقال المايسترو: لا، نحن لا نتنافس؛ نحن نفتح النوافذ نفسها.

في معهد الموسيقى العربية،
جلس مقامٌ شرقي بجوار لحنٍ مجهول،
وكان العود يلمس الذاكرة بإصبع،
والإيقاع يوقظ مدينةً نائمة تحت القاعة.
قال الشاعر:
هذا هو التاريخ حين يجد جسدًا جديدًا.
فرد العود: الماضي لا يعود، بل يغيّر آلته.

دخل أحد المسارح المستقلة،
فلم يجد ستارة،
بل وجد حبل غسيل،
وكرسيًا،
ومصباحًا،
وجسدًا واقفًا على حافة السؤال.
قال الممثل: لا نحتاج إلى ديكور.
قال الشاعر: وأنا لا أحتاج إلى يقين.
فانطفأ الضوء، وبدأ العرض في ظلامٍ أكثر وضوحًا.

في إحدى صالات الفن التشكيلي بالزمالك،
كانت لوحة من الزيت ترسم القاهرة دون أن ترسم وجهًا واحدًا،
والزيت يلمع كأن له ذاكرةً تحت الجلد.
وفي لوحة أخرى،
كان الماء يرسم النيل من دون ضفة.
قال الشاعر: أيُّهما أصدق؟
فقال اللون: الصدق ليس مادةً، بل ارتباك.

في قصر الفنون،
كانت اللوحات تخرج من إطاراتها،
وتقف في الممرات،
وتتفرج على المتفرجين.
امرأةٌ تقترب من تجريد،
طفلٌ يضحك أمام لونٍ غامض،
وناقدٌ يسجل جملةً ثم يشطبها.
قال الشاعر: هذا هو النقد حين يشك في نفسه.
وردت اللوحة: وهذه هي الحرية حين لا تجد عنوانًا.

في مجمع الفنون،
كانت العمارة القديمة تستمع إلى الفن الجديد،
والقاعات تتنفس بين الأعمال،
والأفكار تتصادم دون أن يتحطم جدار.
قال الشاعر:
الفن ليس ترميمًا للذاكرة.
قالت القاعة:
ولا قطيعةً معها.
إنه الطريقة التي نتعلم بها أن نرى القديم بعينٍ لم توجد بعد.

في مركز الإبداع الفني،
دخل الضوء من نافذة جانبية،
وكانت ورشة ما تزال نائمة،
وأوراق كثيرة على الطاولة،
وأصوات لم تولد بعد.
لم يجد الشاعر قصيدته.
وجد فقط قلمًا.
فأمسكه،
فخرجت من رأسه مدينةٌ جديدة لا يعرف أين سكنتها قبل الآن.

في ساقية الصاوي،
كان الصوت أكثر شبابًا من المكان،
غناء،
شعر،
موسيقى،
ضحكات،
وأفكار ترتدي جينزًا ثقافيًا.
قرأ الشاعر مقطعًا من «سمادير الجيزة»،
فأحس أن القصيدة خلعت معطفها الرسمي.
قالت له: لا أريد منصةً عالية؛ أريد أذنًا قريبة.

في بيت السناري،
كانت الجدران تحمل ذاكرةً أكثر هدوءًا،
والنوافذ تفتح على زمنٍ لا يمر مستقيمًا،
وحين بدأ الشاعر القراءة،
تحركت الظلال على الحائط مثل حروفٍ هيروغليفية معاصرة.
قال: هذه ليست استعادةً للماضي.
قال البيت: بل استدعاءٌ له كي يختبر الحاضر.

في بيت الشعر العربي،
تغيرت هيئة القصيدة.
لم تعد صفحة،
ولا ديوانًا،
ولا صوتًا منفردًا.
صارت قاعةً، جمهورًا، ميكروفونًا، ضوءًا، ظلًا، مدينةً.
اعتلى الشاعر المنصة،
ووضع «سمادير الجيزة» أمامه،
فانفتح الكتاب كما تنفتح خريطة.

قال الشاعر:
يا قصيدة الحداثة،
لا أريدك قطيعةً مع التراث،
ولا سجينةً له.
أريدك جسرًا يرفض أن يكون جسرًا ثابتًا،
ويريد أن يتغير مع كل عابر.
ثم قرأ:
أنا لا أكتب مصر،
أنا أترك مصر تكتب أثرها في يدي.

كان الجمهور صامتًا،
لكن الصمت لم يكن فراغًا.
ناقدٌ يكتب،
شابٌّ يصور،
امرأةٌ تميل إلى الأمام،
رجلٌ يغمض عينيه،
طفلٌ يراقب الميكروفون كأنه كائن حي.
قال الشاعر:
هذه القصيدة لا يكتمل معناها إلا بمن يرفض معناها.

في الصف الأخير،
جلس رجل لا يعرفه أحد.
كان يرتدي ثوبًا فرعونيًا خفيفًا،
ويرسم شيئًا على راحة يده.
بعد القراءة سأله الشاعر:
من أنت؟
قال:
قارئٌ من الألفية الرابعة،
جئت لأرى كيف صار الماضي مستقبلًا.
ثم خرج من القاعة دون أن يترك ظلًا.

تحت المنصة،
وضعت امرأة زجاجة ماء.
على الزجاج انعكس الضوء،
فتحول الماء إلى نيلٍ صغير.
شرب الشاعر،
فأحس أنه شرب القاهرة كلها.
قال توت: لا تقل «النيل» كثيرًا.
النهر ليس رمزًا إذا بقي بعيدًا،
اجعله يدخل حنجرتك.

في استراحة القراءة،
خرج الناس إلى الشارع،
فدخل الشارع إلى القصيدة.
بائع ساندويتش،
سائق،
دراجة،
هاتف يرن،
سيارة إسعاف بعيدة.
قال الشاعر:
القصيدة الحديثة لا تحرس القاعة.
فقال الشارع: وأنا لا أحترم أبوابها.

في وسط البلد،
كان ميدان التحرير يتسع للحشود والذاكرة معًا،
والعمارات القديمة تراقب الزمن من شرفاتها،
والمتحف المصري يقف كأنه قلبٌ حجري وسط شرايين حديثة.
قال الشاعر:
هنا يتحول وسط البلد إلى أرشيف.
فقال الميدان: أنا أرشيف لا يوافق على ترتيب الوثائق.

في شارع طلعت حرب،
كانت الواجهات تنام بعينٍ مفتوحة،
واللافتات التجارية تتجاور مع أسماء قديمة،
والعابرون يمرون تحت عمارات تحمل رائحة الخديوي وحداثة الهاتف.
قال الشاعر:
العمارة تكتب ما لا تجرؤ اللغة على قوله.
فأجابته الواجهة: أنا سطرٌ واقفٌ في وجه النسيان.

في شارع قصر النيل،
كانت الخطوات تتكاثر،
والسيارات تقطع الصورة،
وأسود الجسر تحرس ماءً لا يستطيع أحد امتلاكه.
صعد صوت الشاعر من هاتفٍ صغير،
فسمعه النهر.
قال النيل: لا تجعل الجسر نهايةً.
فالجسر الحقيقي هو ما لا ينقطع.

في شارع شامبليون،
كان الاسم نفسه يحمل قصة اصطدامٍ بين لغتين،
حجر مصري، عين أوروبية، حروف، خرائط، رغبة في الفهم،
والشاعر يمشي فوق طبقات من المعرفة المتنازعة.
قال: من يقرأ من؟
الشرق للغرب أم الغرب للشرق؟
فجاء الرد من الرصيف: كلاكما يقرأ الآخر ولا يمتلك الصفحة كاملة.

في شارع عدلي،
وجد الزمن أقل صخبًا،
لكن الجدران كانت تقول أشياء كثيرة،
باب مغلق،
نافذة عالية،
ممر يختبئ خلف بوابة.
قال الشاعر:
هناك أماكن لا تحتاج إلى مهرجان كي تكون ثقافية.
فرد الحائط: يكفيني أن يتوقف عندي شخصٌ واحدٌ وينظر.

في شارع الألفي،
كانت المدينة تمشي بلا بروتوكول،
مقهى يضحك،
شاب يتحدث عن مباراة،
شاعر يرسل رسالة،
طفل يطلب حلوى،
ورجل يقرأ صفحة من كتابٍ أصفر.
فقال الشاعر:
هذا هو الشعب حين يتحول إلى نص.
فقال الرجل: والنص حين يعود إلى الشعب.

في ميدان العتبة،
سمع الشاعر صدى الترام القديم.
لم يره،
لكنه سمع جرسه في الذاكرة.
قال توت: هذه هي المعجزة.
قلتَ إن الماضي مات،
فكيف يرن الآن؟
فأجاب الشاعر:
لأن القاهرة مدينة تحفظ الأشياء بأصواتها أكثر مما تحفظها بالصورة.

الترام يمر في القصيدة دون أن يظهر.
عجلة،
سلك،
جرس،
محطة،
باب.
كلها تتحول إلى علامات ترقيم.
قال الشاعر:
المحطة مقطع،
والرحلة قصيدة،
والخريطة نحو،
والازدحام استعارة.
وضجت المدينة كأنها فهمت البيان.

في الأزبكية،
وجدتُ حديقةً تحتفظ بذاكرةٍ نباتية،
وشارعًا يخبئ أصوات كتب قديمة،
ورائحة ورقٍ مستعملٍ تنتقل بين اليد والعين.
قال بائع قديم:
الكتاب المستعمل لا يعود إلى صاحبه،
بل يعود إلى الزمن.
فاشترا الشاعر كتابًا،
فخرجت منه عصفورة تحمل اسم القاهرة.




في مكتبة قديمة بوسط البلد،
كان القاموس أشد تعبًا من القارئ،
صفحاته صفراء،
لكن الكلمات لا تزال ساخنة.
فتح الشاعر باب «مصر»،
فخرجت مقهى،
ونهر،
وقلعة،
وحافلة،
وابتسامة امرأة.
قال: المعجم أصغر من البلاد.

في أحد أكشاك الكتب القديمة،
وجد الشاعر ديوانًا بلا غلاف،
ومقالةً بلا نهاية،
ورسالة لم تصل.
قال البائع:
كل كتابٍ ناقص يعرف عن الحياة أكثر من كتابٍ مكتمل.
ابتسم الشاعر،
وقال في سره:
لهذا أحب القصيدة التي تنتهي قبل أن تصل.

في سور الأزبكية،
كان الورق نفسه يمشي،
مجلدات،
كراريس،
طبعات قديمة،
هوامش بأقلام موتى،
وكتب لا تعرف أنها ما تزال حيّة.
قال «سمادير الجيزة»:
أنا أيضًا كتابٌ مستعمل،
قرأني أناس كثيرون،
لكنني لم أجد قارئي النهائي بعد.

في دار الكتب والوثائق القومية،
تراكمت الأوراق مثل طبقاتٍ من ماءٍ قديم،
وفي كل وثيقةٍ مدينةٌ لا تتحرك.
قال الشاعر:
كيف نعيد للوثيقة نبضها؟
فأجابه صوت مجهول:
اقرأها لا لتعرف الماضي،
بل لتكتشف ما أخفاه الماضي عن المستقبل.

في مكتبة القاهرة الكبرى،
كانت المعرفة أقل صرامةً من الصمت،
وكل رفٍّ يفتح دربًا إلى قارة.
جلس الشاعر قرب نافذة،
وقرأ صفحة،
فخرج من الصفحة شارع في الدقي،
ثم عاد الشارع إليها،
كأن الكتاب والمدينة يتبادلان الهوية.

في مجلس ثقافي،
جلس الشعر والنقد في مقعدين متجاورين،
لكن النقد كان يحمل ممحاة،
والشعر يحمل مرآة.
قال الناقد:
سأشرحك.
قال الشعر:
لا تفعل.
قال الشاعر:
النقد ليس شرطةً على المعنى.
فالمعنى نفسه متهمٌ بالهروب.

هنا تذكّر البيان التأسيسي.
قصيدة الحداثة العربية ليست قصيدةً ضد القصيدة القديمة،
بل ضد السجن الذي يجعل القصيدة تعرف مسبقًا إلى أين تذهب.
إنها الطريق الذي يترك الطريق.
واللغة التي تمشي قبل أن تجد اسمًا لمشيتها.
والصورة التي تأتي ومعها حيرتها.

قال الشاعر:
أريد قصيدة لا تخجل من التراث،
ولا تتجمد فيه.
قصيدة تستعير من الحجر صلابته،
ومن الماء انفلاته،
ومن النار تمردها،
ومن الترام قانون الحركة،
ومن المدينة فوضاها.
ثم كتب:
الحداثة ليست تاريخًا جديدًا،
بل طريقة جديدة في رؤية التاريخ.

في المساء،
عاد إلى مقهى ريش.
هذه المرة لم يكن هناك جمهور،
فقط طاولات،
دخان،
ملعقة تصطدم بفنجان،
وضوء أصفر.
فتح «سمادير الجيزة»،
فسمع من الصفحة صوت مقهى آخر.
قالت القصيدة:
كل مكان أليف يحمل داخله مكانًا لم نعرفه.

في شارع محمد علي،
كان الليل أكثر موسيقية.
ورشة تغلق،
آلة تصمت،
خطوات،
ضحكة،
وبائع يطوي بضاعته.
قال الشاعر:
الأشياء اليومية ليست حواشي.
قالت المدينة:
هي المتن الذي أهملتموه طويلًا.

في الحسين،
كان المولد قد مرَّ منذ زمن،
لكن بعض الضوء بقي عالقًا في الواجهات.
بائع حلوى يلمع السكر،
امرأة تحمل طفلها،
شاب يشتري هدية،
ورجل يرفع عينيه إلى قبة.
قال الشاعر:
الاحتفال لا ينتهي حين ينفض الناس.
قالت القبة:
يبقى في الجدران أكثر مما يبقى في الصور.

في القاهرة الجديدة،
كان الليل يلمع فوق الطرق الواسعة،
والسيارات تسير كخرزٍ كهربائي على سبحة سوداء.
فجأة رأى الشاعر في المرآة مئذنة المعز،
ثم اختفت.
قال:
الماضي يركب معنا.
فقال السائق:
هو دائمًا معنا، لكننا نراه حين تتعب عيوننا من الحاضر.

على الطريق،
رن الهاتف.
صوت من بيت الشعر العربي قال:
أنت مدعو لقراءةٍ ثانية.
ضحك الشاعر.
قال:
لقد قرأت.
فأجابه الصوت:
في القاهرة لا توجد القراءة الأولى.
كل قراءةٍ بروفة للقراءة التالية.

في قصر ثقافة مصر الجديدة،
وجد أطفالًا يلونون مدنًا لا يعرفها الجغرافيون،
هرم أزرق،
نيل أحمر،
ترام أخضر،
ومرأة تطير فوق شارع.
قال الشاعر:
أين تعلمتم هذا؟
قال طفل:
من المدينة.
فعرف أن الفن يبدأ أحيانًا قبل أن يعرف الطفل اسم الفنان.

في قصر ثقافة روض الفرج،
كان المسرح يحمل رائحة الخشب،
والستارة تتحرك مع الهواء،
والكراسي تعرف صدى الأصوات القديمة.
قرأ الشاعر نصًا،
فوقفت شخصيةٌ من المسرحية وخرجت إلى الشارع.
قالت:
أنا لا أريد العودة إلى الخشبة.
فقال الشاعر:
ابقَ في المدينة، هناك نصك الحقيقي.

في مركز الهناجر للفنون،
كان التجريب يخلع أحذية التقليد،
ويمشي حافيًا على أرض السؤال.
جسد،
ضوء،
صوت،
صمت،
وحركة لا تريد أن تكون حركةً مفهومة.
قال الشاعر:
هذا هو الشعر حين يتعلم من المسرح.
فقال الجسد:
وهذا هو المسرح حين يصغي إلى الصمت.

في المسرح القومي،
تقدمت الحكاية بثوبٍ أقدم،
لكنها حملت في يدها سؤالًا حديثًا.
قال الشاعر:
هل يمكن للتاريخ أن يمثل نفسه؟
أجاب الممثل:
لا، لكنه يستطيع أن يعرض جرحه.
وعندما سقطت الستارة،
بقي الجرح واقفًا.

في مسرح البالون،
تحولت الأجساد إلى دوائر،
والدوائر إلى مسارات،
والمسارات إلى حكاية،
والحكاية إلى سؤال عن السلطة والذاكرة.
قال الشاعر:
كل جسدٍ خريطة.
فردت راقصة:
وكل خريطةٍ محاولةٌ للسيطرة على جسدٍ لا يريد أن يُختزل.

كان الجسد الأنثوي يعبر القاهرة كأنه سؤالٌ يمشي.
امرأة إلى عملها،
أخرى إلى جامعة،
ثالثة تنتظر،
رابعة تفتح نافذة،
وخامسة تمشي وحدها في شارعٍ مزدحم.
قال الشاعر:
لا أريد أن أصفكنَّ.
قلتُنَّ للمدينة: نحن نملك الخطوة.
فاهتز الرصيف تحت أقدامهن.

لم تعد النافذة إطارًا للنظر فقط.
صارت حدًّا بين من يرى ومن يُرى،
بين الجسد الخاص والشارع العام،
بين الرغبة والرقابة،
بين الحركة والانتظار.
فتح الشاعر نافذة،
فرأى امرأةً تنظر إلى المدينة.
قال:
من يملك العين؟
فلم تجبه سوى السماء.

في صالات الزمالك،
رأى لوحات نسائية لا تشرح النساء،
بل تفتح لهن فضاءً من اللون.
امرأة من ماء،
أخرى من نار،
ثالثة بلا وجه،
ورابعة تحمل مدينةً على كتفها.
قال الشاعر:
الفن لا ينقذ الجسد من الواقع.
قالت اللوحة:
لكنه يمنحه لغةً أخرى لمقاومته.

جاءت أصوات القاهرة دفعةً واحدة.
بائع جرائد،
بوق سيارة،
ميكروباص،
جرس متخيل للترام،
أذان،
مولد،
مسرح،
متحف،
صفارة مرور.
قال الشاعر:
هذه سمفونية بلا قائد.
قالت القاهرة:
بل قائدها كل من لا يعرف أنه يعزف.

ثم ارتفعت أصوات المنبهات.
بوق،
جرس،
صفارة،
إنذار،
هاتف،
جرس مدرسة.
حتى القلب أطلق صفارته.
قال الشاعر:
هل يمكن أن تكون التحذيرات موسيقى؟
فردت المدينة:
حين تكثر المخاطر يصبح التحذير إيقاعًا يوميًا للحياة.

في مطعم شعبي،
جلس الفول مع التاريخ،
والطعمية مع الهجرة،
والكشري مع اختلاط الأزمنة،
والخبز مع اليد التي تصنعه.
أكل الشاعر لقمة.
قال توت:
الحضارة لا تسكن المتحف وحده.
إنها تدخل الفم، ثم تتحول إلى ذاكرة جسدية.

في شارع جانبي،
كانت رائحة البصل والزيت تصل قبل صاحب الدكان،
وفي مقهى قريب قهوة سوداء،
وفي نافذة أخرى أرز وحلوى،
فقال الشاعر:
مصر تؤلف تاريخها بالملاعق.
ضحك الطاهي:
والفلسفة تبدأ حين يجوع الفيلسوف.

مر بجوار طفل يحمل كيس حلوى،
فأعطاه الملك توت تمثالًا صغيرًا.
قال الطفل:
أين أضعه؟
قال توت:
في جيبك.
قال الشاعر:
لماذا؟
قال الملك:
لأن المتحف الحقيقي يبدأ حين يخرج الأثر من الفاترينة.

توت عنخ آمون لم يعد في قناع الذهب.
صار في صورةٍ على هاتف،
وفي قبعة سائح،
وفي كتاب،
وفي ملصق،
وفي لعبة.
قال الشاعر:
الصورة تحرره.
قال الملك:
والصورة تسجنني.
فالتقت الجملتان مثل سكينين في ضوء واحد.

في المتحف المصري،
كان الصمت منظمًا،
والخطوات هادئة،
والأثر تحت الضوء.
قال الشاعر:
ماذا يحدث حين تتحول الحضارة إلى عرض؟
فردت قطعة زجاج:
يبدأ السؤال حين يختلط الإعجاب بالامتلاك.
ويصبح السائح ناقدًا لنفسه دون أن يدري.

في منطقة الأهرامات،
كانت الكاميرات تسبق العيون،
والهرم يقف أمام ملايين النسخ من نفسه.
قال الشاعر:
هل أصبح الأثر صورةً عن صورته؟
فأجاب أبو الهول:
حين يكثر التصوير،
قد يصبح الأصل هو الغائب.

أمام أبي الهول،
وقف الشاعر وحده.
قال:
يا حارس السر،
هل يمكن أن يكون الصمت نظرية؟
قال أبو الهول:
الصمت هو النظرية التي لم تتحول إلى خطاب.
قال الشاعر:
وهل للقصيدة الحق في الصمت؟
قال:
إذا كانت قد قالت أكثر مما ينبغي، نعم.

كان الهرم خلفه،
والمدينة أمامه،
والطريق بينهما يشبه فاصلةً ضخمة.
أدرك أن الحجر ليس ماضيًا خالصًا،
وأن المدينة ليست حاضرًا خالصًا.
كل واحدٍ منهما يعيش من الآخر.
فكتب في ديوانه:
الزمن حجرٌ يمشي.

ثم رأى الهرم في مرآة سيارة،
صغيرًا ومقلوبًا.
ضحك.
قال:
حتى الخلود يحتاج إلى زاوية.
فردت المرآة:
والحقيقة كذلك.
كل ما تراه هو نتيجة المكان الذي تقف فيه.

في الجيزة،
كان الحي الشعبي يتنفس خلف الصورة السياحية.
مخبز،
مقهى،
مدرسة،
دراجة،
عربة خضار،
وصوت امرأة تنادي طفلها.
قال الشاعر:
هذه هي الجيزة حين تنزع عن نفسها الزينة.
فقالت الجيزة:
المدينة لا تتزين للسائح؛ السائح هو الذي يتعلم كيف يراها.

دخل الدقي،
ثم العجوزة،
ثم الوراق،
ثم بولاق الدكرور،
ثم العمرانية،
ثم الهرم،
ثم عاد إلى شمال الجيزة وجنوبها،
كأنه يطوف داخل قصيدة لا تعرف أين مركزها.
قال:
لا مركز للقاهرة.
فردت الأحياء:
كل هامشٍ هنا يملك قلبًا.

في إمبابة،
سمع الحملة الفرنسية تعود،
لا بخيول هذه المرة،
بل في شاشة هاتفٍ تعرض صورةً تاريخية.
المدفع تحول إلى بكسل،
والحصان إلى أثر رقمي،
لكن السؤال بقي.
قال الشاعر:
المعرفة قد تتغير أدواتها،
أما صراعها مع السلطة فلا يختفي بسهولة.

رأى معركة الأهرام في زجاج مقهى،
الجنود في انعكاس،
والباعة في المقدمة،
والنيل في الخلف.
لم يعد يعرف من يقاتل من.
قال توت:
هكذا يعمل التاريخ حين يدخل الشعر.
لا يعود جيشًا،
بل يصبح توترًا بين الذاكرة وما نريد أن نتذكره.

قال الشاعر:
لا أريد من الحملة الفرنسية أن تكون حكاية عسكرية فقط.
أريد أن أراها نافذةً دخل منها العلم،
ومطبعة،
وخرائط،
وسؤال عن الآخر،
وصدمة حضارية،
وتوتر سياسي.
ثم أرى ما فعله المصريون بهذه الصدمة بعد ذلك.
فالتاريخ ليس حجرًا، بل تفاعل.

من الطباعة إلى الصحافة،
من الترجمة إلى المدرسة،
من البعثة إلى المدينة،
من المجلة إلى المسرح،
من الرواية إلى قصيدة النثر،
كانت الحداثة العربية تنسج أسلاكها على مهل.
قال الشاعر:
ليس لها أب واحد.
قال توت:
ولا ذاكرة واحدة.
فكل نهضة تعددٌ داخل جرح.

في دار الأوبرا مرةً أخرى،
كان الجمهور أكثر شبابًا.
وفي مهرجان قلعةٍ متخيل،
كانت الموسيقى تخرج إلى الليل،
وفي الجهة الأخرى كان شارعٌ يغني وحده.
قال الشاعر:
الثقافة لا تسكن مبنى.
قالت القاهرة:
هي التي تجعل المبنى شارعًا ثانيًا.

في مهرجان الموسيقى العربية،
سمع الشاعر المقام يعود من بعيد،
لكن جهازًا إلكترونيًا كان يرافقه،
فسأل:
هل الحداثة تخون التراث؟
فأجاب الصوت:
لا،
إنها تختبر قدرته على تغيير جلده.
فابتسم توت عنخ آمون،
كأن حليّه القديم عرفت سر التحول.

وفي مهرجان الجاز،
كان الارتجال سيد اللحظة.
ضربت آلة نغمةً،
فردت عليها أخرى بنغمة لم تكن في الخطة.
قال الشاعر:
هذا ما أريده من القصيدة.
لا تكرر الطريق.
فقال الجاز:
حتى الخطأ يمكن أن يصبح موسيقى إذا امتلك شجاعة الاستمرار.

في مهرجان القاهرة السينمائي،
رأى المدينة على شاشة كبيرة،
ثم رأى الشاشة تصير نافذة،
ثم رأى النافذة تصير شارعًا،
ثم رأى الشارع يدخل الشاشة من الجهة الأخرى.
قال:
المونتاج هو الزمن حين يفقد احترامه للترتيب.
فقال الفيلم:
وهذا هو السبب في أنك تحبني.

في مهرجان المسرح التجريبي،
انفصلت الشخصية عن اسمها،
واختلط الضوء بالصوت،
وتحرك الجمهور في فضاء العرض.
قال الشاعر:
هكذا تتخلص القصيدة من سلاسلها.
ليس بأن تكسرها،
بل بأن تجعل السلاسل نفسها مادةً للرقص.

وفي المهرجان القومي للمسرح المصري،
جلس الماضي والراهن في الصف نفسه،
نصوص قديمة،
أجساد جديدة،
ذاكرة،
لغة،
جمهور.
قال الشاعر:
هذا هو الحوار الحقيقي بين الأجيال.
فردت الخشبة:
كل جيلٍ يفسر الآخر وهو يسيء فهمه.

في معرض القاهرة الدولي للكتاب،
كانت القاهرة آلاف الكتب في وقت واحد،
عناوين تتزاحم،
أصابع تقلب،
ناشرون يتحدثون،
أطفال،
باحثون،
شعراء.
رفع الشاعر «سمادير الجيزة».
فقال الكتاب:
لا تقرأني في جناح.
اقرأني في الشارع.

خرج الكتاب إلى الطريق.
صار مقعدًا في الأتوبيس،
صفحة في مقهى،
هاتفًا في يد شاب،
قصيدةً على جدار،
وملاحظةً في دفتر مدرسة.
قال الشاعر:
الكتاب لا يُنشر حين يُطبع.
فقالت القاهرة:
يُنشر حين يجد جسدًا يحمل فكرته إلى العالم.

في شارع محمد محمود،
تذكرت الجدران أنها يمكن أن تكون ذاكرةً جماعية،
ألوان،
وجوه،
كتابات،
أثر يد،
ظل شعار.
توقف الشاعر طويلًا،
وقال:
الجدارية كتابٌ يخاف المحو.
فقال الجدار:
وأنا مدينة تكتب نفسها تحت التهديد.

في إحدى الواجهات،
رأى ملصقًا ثقافيًا فوق إعلان تجاري.
قصيدة تحت بنك،
فيلم فوق شركة،
موسيقى بجوار عقار فاخر.
قال الشاعر:
الإعلان يريد امتلاك الجدار.
فرد الفن:
والجدار يريد أن يبقى عامًا.
هنا يبدأ الصراع على ذاكرة العين.

في المطار مرةً أخرى،
بعد جولةٍ طويلة،
عاد كل شيء إلى نقطة الوصول.
الحزام الدائري يدور،
الحقائب تدور،
الوجوه تدور،
والشاعر يدور حول السؤال نفسه.
قال توت:
هل وصلت؟
قال الشاعر:
إلى مكانٍ أعرفه ولا أعرفه.
قال الملك:
إذن وصلت إلى القاهرة.

لكنه لم يعد الشاعر نفسه.
كان قد مر بمقاهٍ،
ومكتبات،
ومسارح،
وصالات،
ودور شعر،
ومهرجانات،
وأحياء،
وجسور،
وأنفاق،
ومواصلات.
كل معلمٍ ترك في صوته طبقة.
حتى صمته صار له عنوان.

في حقيبته،
لم يكن هناك كثير من الملابس.
كان فيها ديوان «سمادير الجيزة»،
تذكرة قديمة،
ورقة توت،
تذكرة عرض،
ملصق مهرجان،
حبة أرز،
قطعة طباشير،
وحجر صغير من رصيفٍ لا يتذكر اسمه.
قال:
هذه هي أثواب الرحلة.

في الطائرة،
فتح الشاعر الكتاب مرة أخيرة.
كان السطر الأول قد تغير.
والعنوان يتحرك.
والقصيدة تستبدل أماكنها.
والصفحات تنبعث منها رائحة القاهرة.
قال:
هل أنا من كتبك؟
فقالت «سمادير الجيزة»:
أنت فقط كنت الطريق.

من نافذة الطائرة،
كانت القاهرة تصغر،
لكنها لم تختف.
الطرق أصبحت أعصابًا،
النيل خيطًا،
الأهرام ثلاث علامات،
القاهرة الجديدة بقعة ضوء،
والأحياء شبكةً واحدة.
قال الشاعر:
المكان لا يصغر من الأعلى.
العين هي التي تتغير.

في تلك اللحظة،
فهم أن «توت عنخ آمون في متاهة الترام» ليست حكاية ملك،
ولا سيرة مدينة،
ولا دليلًا سياحيًا،
ولا دفتر مشاهد.
إنها سؤالٌ عن الإنسان حين يصير مدينته،
وعن المدينة حين تتحول إلى ذاكرته،
وعن القصيدة حين تنقل كل ذلك دون أن تصل إلى خاتمة.

ثم عاد صوت القاهرة من بعيد:
تحرك الترام،
تحركت السيارات،
تحرك المونوريل،
تحرك المترو،
تحرك الناس،
تحرك النيل،
تحركت الإعلانات،
تحركت اللغة،
تحركت الذاكرة،
حتى الحجر بدأ يبدل مكانه في العين.

سأل الشاعر:
أين تبدأ مصر؟
في المطار؟
في المعبد؟
في المقهى؟
في القاعة؟
في المهرجان؟
في الجسد العابر للشارع؟
في الكتاب؟
في الهرم؟
فأجابه صوتٌ لا يعرف صاحبه:
تبدأ حين تكف عن البحث عن بدايتها، وتبدأ في الإصغاء إلى ما يتحرك.

وعند الفجر،
اعتلى الشاعر منصة «بيت الشعر العربي» مرةً أخرى،
لكن القاعة كانت خالية،
والميكروفون مشتعلًا،
و«سمادير الجيزة» مفتوحًا على الصفحة الأخيرة التي لم تُكتب،
ومن بعيد جاء صوت الترام كأنه نداءٌ من عصرٍ لم يولد بعد،
وقال توت عنخ آمون: لا تُنه القصيدة، حررها من النهاية،
فسقطت ورقة التوت فوق الخريطة،
وانفتحت القاهرة في الاتجاهات كلها،
وصار الشاعر ضميرًا عابرًا للقارة،
وصارت القصيدة مطارًا،
وصار المطار محطة،
وصارت المحطة مقطعًا،
وصارت الرحلة بيانًا تأسيسيًا لحداثةٍ لا تعرف أين تبدأ،
ولا أين تنتهي،
ولا من الذي يكتب من:
الشاعر المدينة،
أم المدينة الشاعر،
أم أن مصر نفسها كانت تقرأ «سمادير الجيزة» للمرة الأولى.

_____

سبتمبر 2026م

حي الدقي - القاهرة 

تعليقات

المشاركات الشائعة