ديوان : عبارة النفري


عبارة النِّفري 

مصعب الرمادي

 عبارة النَّفري

__________________
 الكتاب :  عبارة النِّفري

 الكاتب : مصعب الرمادي
تاريخ الطبع : سبتمبر 2026م
حقوق الطبع والتأليف محفوظة للمؤلف 

____________________ 

 كلما اتسعت الرؤية ضاقت العبارة.
لكن من قال إن العبارة كانت تريد أن تتسع؟
ربما كانت شجرةً صغيرةً في فم أعمى،
وربما كانت نافذةً لا تطل على شيء،
إلا على نافذة أخرى.
في آخر الممر كان رجلٌ يحمل مفتاحًا بلا باب،
وفي جيبه جملةٌ مكسورة:
الرؤية ليست عينًا،
والعبارة ليست لسانًا،
والعالم ليس ما نراه.

دخلتُ إلى المدينة من ثقبٍ في الساعة.
لم يكن هناك شارع،
بل ذاكرةٌ طويلة تمشي على عكاز.
كان الباعة يبيعون خرائط لبلاد لم توجد،
وكان طفلٌ يشتري قارةً كاملة بقطعة نقد صدئة.
سألته:
أين الحقيقة؟
ضحك.
ثم أشار إلى سوقٍ قديم،
وقال:
هناك، لكنهم أغلقوه منذ أن اكتشفوا
أن الحقيقة لا تصلح للتجارة.

كلما اتسعت الرؤية،
ظهر بابٌ جديد في الجدار.
كلما اقتربتُ منه،
تحول إلى سؤال.
وكلما أجبتُ،
تضاعف السؤال.
هكذا بدأت الفلسفة:
ليس في كتاب،
ولا في جامعة،
ولا في معبد،
بل في لحظةٍ صغيرة
يعجز فيها الإنسان عن قبول العالم كما وُضع أمامه.

كنت أظن أن التفكير طريق.
ثم اكتشفت أنه حفرة.
كنت أظن أن السؤال جسر.
ثم رأيته يأكل الجسر.
كنت أظن أن الحكمة تصل،
فوجدتها تعود من منتصف الطريق
بوجهٍ مختلف.
ومنذ ذلك اليوم
صار عقلي مسافرًا بلا جواز.

في غرفةٍ بيضاء
جلستُ أمام مرآة.
لم أرَ وجهي.
رأيت تاريخًا طويلًا من الأسئلة.
رأيت سقراط يخرج من فمي،
ثم يعود إلى فمي.
رأيت ديكارت يمسح الغبار عن طاولةٍ فارغة،
ثم يسأل الكرسي:
هل أنت موجود؟
ضحك الكرسي.
قال:
وجودي مشروط بمن يجلس عليّ.

هناك،
في تلك الغرفة،
فهمت أن الشك ليس هدمًا فقط.
إنه يدٌ تتحسس الجدار
بحثًا عن نافذة.
وأن اليقين،
حين يتحول إلى قفص،
يصير أكثر قسوة من الجهل.

كان الفيلسوف العجوز
يحمل مصباحًا في النهار.
قلت له:
لماذا؟
قال:
لأن النهار نفسه قد يكون ظلامًا
إذا اعتقدنا أننا نعرفه.
ثم انطفأ المصباح.
ولم ينطفئ الضوء.

في الساحة الأخرى
كان الحب يبيع أقنعةً مستعملة.
امرأة اشترت قناعًا يشبه وجه حبيبها.
رجل اشترى مرآةً لا تعكس إلا الغائبين.
طفلة وضعت قلبها في صندوق بريد
وأرسلتْه إلى عنوانٍ غير موجود.
منذ ذلك الحين
صار الحب مشكلةً فلسفية:
هل نحب الآخر،
أم الصورة التي اخترعناها له؟

كلما اتسعت الرؤية ضاقت العبارة.
الحب نفسه يتسع حتى يفقد اسمه.
والاسم يضيق حتى يخنق المحبوب.
ما إن نقول:
هذا حبيبي،
حتى نبدأ في امتلاكه.
وما إن نمتلكه،
حتى نفقده.
كأن اليد التي تريد الإمساك بالماء
تكتشف متأخرة
أن الماء كان حرًا منذ البداية.

في مقهى قديم
جلس الفن إلى جوار الحقيقة.
لم يتعارفا.
الحقيقة قالت:
أنا أريد أن أكون واضحة.
الفن قال:
أنا أخاف من الوضوح.
ثم مرّ طفل بينهما
وحطم الكأس.
نظر الاثنان إلى الشظايا.
قال الفن:
ها هو العالم.
وقالت الحقيقة:
بل ها هو السؤال.

لم يكن الخطأ أن نبني على الباطل.
الخطأ أن ننسى أننا بنينا.
مدينة كاملة قامت على أساسٍ من الوهم،
ثم أصدرت قانونًا يمنع السؤال عن أساسها.
بعد قرون،
صار سكانها يعبدون الجدران.
وكان أول من اكتشف الحقيقة
مجنونًا في نظر المدينة.

ما بني على باطل فهو باطل،
لكن الباطل قد يرتدي ثياب الحقيقة.
وقد يبني مدرسة،
ومعبدًا،
ومتحفًا،
ومكتبةً من الرخام.
وقد يكتب تاريخًا كاملًا
ثم يضع تحته توقيعًا محترمًا.
لهذا لا يكفي أن نسأل:
ما النتيجة؟
علينا أن نسأل:
من أين جاءت الحجارة؟

في الليل
خرجت الفلسفة من الكتب.
كانت حافية.
تمر بين البيوت
وتطرق الأبواب.
في بيتٍ سألوها:
هل لديك جواب؟
قالت:
لديّ سؤال.
أغلقوا الباب.
في بيتٍ آخر
قالوا لها:
نحن نريد الحقيقة.
قالت:
هل تستطيعون العيش معها إذا جاءت؟
أغلقوا الباب أيضًا.

وهكذا بقيت تمشي.
حتى وصلت إلى النهر.
كان النهر يفكر.
كل موجةٍ كانت فرضية.
كل دوامةٍ اعتراضًا.
كل حجرٍ جوابًا مؤقتًا.
قال النهر:
لا أحد يعبرني مرتين.
لكن الرجل الذي كان يقف على الضفة
لم يفهم:
كان هو نفسه يتغير،
وكان النهر نفسه يتغير،
وكان السؤال ثالثهما.

في مدينةٍ بعيدة
كان الزمن يعمل حارسًا على باب المتحف.
كلما جاء الماضي
منعه من الدخول.
كلما جاء المستقبل
سمح له بالدخول دون تذكرة.
أما الحاضر
فكان يجلس في الخارج
يبكي لأنه لم يجد مكانًا
يكون فيه حاضرًا.

قلت للزمن:
أنت خط مستقيم.
فقال:
من أخبرك؟
ثم فتح معطفه.
خرجت منه طفولة،
وحرب،
وحلم،
وامرأة لم أولد بعد،
ورجل مات قبل أن يعرف اسمه.
أغلق معطفه.
وقال:
أنا لست طريقًا.
أنا جرحٌ يعود إلى نفسه.

من هنا بدأت المطوّلة.
لا من أولها،
بل من منتصفها.
فالبداية اختراعٌ متأخر.
كل بداية تحمل خلفها نهايةً قديمة،
وكل نهاية تخفي جنين بداية.
والقصيدة التي تبحث عن خط مستقيم
تشبه مسافرًا يبحث عن وطن
في خريطةٍ ممزقة.

في قرطبة
كان ظلٌّ يقرأ كتابًا بلا حروف.
في بغداد
كان حبرٌ يكتب على الماء.
في قونية
كان بابٌ يدور حول نفسه.
وفي القضارف
كان المطر يطرق سقف بيتٍ طيني
كأنه يعرف سرًا
لا تعرفه الخرائط.

لم تكن الجغرافيا مكانًا.
كانت ذاكرةً لها تضاريس.
الجبل فكرةٌ صلبة.
البحر سؤالٌ لا يجيب.
الصحراء صفحةٌ محاها الهواء.
والمدينة نصٌّ جماعي
يكتبه الموتى
ثم يضيف إليه الأحياء
أخطاءهم الصغيرة.

كلما اتسعت الرؤية
ظهرت مدن أكثر.
وكلما ظهرت المدن
اختفت الحدود.
ثم اكتشفت أن الخريطة
ليست العالم،
بل خوف الإنسان
من أن يضيع.

كان هناك رجل
يقيس العالم بمسطرة.
وكلما وجد شيئًا لا يدخل في القياس
قطعه.
قطع الجبل.
قطع البحر.
قطع الحلم.
قطع الجنون.
وحين انتهى
لم يبقَ أمامه
إلا مسطرة طويلة
وكونٌ قصير.

قلت له:
الفلسفة لا تقيس العالم.
قال:
إذن ماذا تفعل؟
قلت:
تسأل لماذا نريد قياسه.
هرب.

في شارعٍ آخر
كان العقل يركض خلف الجنون.
كان الجنون أبطأ.
لكنه يعرف الطريق.
كلما أمسك به العقل
تحول إلى فكرة.
وكلما تحولت الفكرة إلى نظام
هرب منها الجنون
وترك وراءه
نافذة مفتوحة.

ربما ليست المشكلة
أننا لا نعرف.
ربما المشكلة
أننا نريد أن نعرف بالطريقة الخطأ.
نريد للعالم أن يشبه أدواتنا.
نريد للوجود أن يدخل في تعريف.
نريد للحب أن يصبح قانونًا.
للموت أن يصبح معلومة.
وللجمال أن يصبح معيارًا.
ثم نغضب
حين يرفض الكون التعاون.

في المتحف
كانت لوحةٌ تصرخ.
لم يسمعها أحد.
قال الحارس:
إنها مجرد ألوان.
ضحكت اللوحة.
قالت:
وهل الإنسان
مجرد لحمٍ حين يصمت؟

كان الفن يعرف
أن الحقيقة لا تسكن دائمًا في الجملة.
أحيانًا تسكن في الفراغ
بين جملتين.
في نظرة امرأة
لم تقل شيئًا.
في يد طفل
تبحث عن يدٍ أخرى.
في بابٍ لم يُفتح.
في قصيدةٍ انتهت
قبل أن تقول لماذا بدأت.

لذلك كان الفنان
يقف دائمًا عند حافة المعرفة.
لا لأنه جاهل،
بل لأنه يعرف
أن المعرفة حين تتصلب
تتحول إلى حجر.
والحجر،
مهما كان جميلًا،
لا يستطيع أن يحلم.

في صباحٍ رمادي
وصلتني رسالة من المستقبل.
كان مكتوبًا فيها:
لا تثق بما تعرفه عن نفسك.
مزقتها.
ثم عثرت عليها مساءً
داخل قلبي.
كان المستقبل يعرف
أن الرسائل لا تحتاج إلى ورق.

قلت:
من أنا؟
فأجاب صوتٌ من البئر:
السؤال نفسه.
قلت:
أين أنا؟
قال:
في المسافة بين السؤال وجوابه.
قلت:
ماذا أريد؟
قال:
شيئًا لا تستطيع اللغة أن تملكه.

كلما ضاقت العبارة
اتسع الصمت.
لكن الصمت ليس فراغًا.
الصمت غرفةٌ مزدحمة.
فيها الموتى،
والأحياء،
والآلهة القديمة،
والأطفال الذين لم يولدوا،
والكلمات التي خافت من الخروج.

كان النفّري يقف عند حافة العبارة.
لم يكن يريد أن يشرح الرؤية.
كان يريد أن يتركها تفتح بابًا
ثم بابًا
ثم بابًا.
أما أنا
فوجدت الباب نفسه
قد صار متاهة.

قلت:
كلما اتسعت الرؤية ضاقت العبارة.
فأجابني صدى بعيد:
وكلما ضاقت العبارة
ازدادت حاجتك إلى قصيدة.

لكن القصيدة ليست جوابًا.
إنها طريقة أخرى
لإخفاء السؤال
حتى يصبح أكثر وضوحًا.

في غرفة الحب
كانت امرأة تقول:
أريد أن أعرفك.
قال الرجل:
إذا عرفتني بالكامل
فلن يبقى مني شيء.
قالت:
أريدك.
قال:
إذن اترك لي مساحةً
لا تستطيعين الوصول إليها.
فهمت المرأة
أن الحب ليس اقترابًا دائمًا.
أحيانًا يكون احترامًا للمسافة.

وفي غرفة الفقد
كان الغائب حاضرًا أكثر من الجميع.
كرسيه.
معطفه.
فنجانه.
رائحة صوته.
حتى الصمت
كان يتكلم باسمه.
هنا اكتشفت:
أن الغياب لا يعني عدم الوجود.
ربما يعني وجودًا
لا تستطيع اليد الوصول إليه.

وعندما قلت:
عسى أن تحبوا شيئًا وهو شر لكم،
لم أكن أبحث عن حكمٍ نهائي.
كنت أنظر إلى القلب
وهو يخطئ في قراءة المرآة.
نحن لا نحب الأشياء كما هي دائمًا.
نحب احتمالها.
نحب صورتها القادمة.
نحب ما نتمنى أن تصير إليه.
وقد يكون الشر
مختبئًا في تلك المسافة
بين الموجود والمتخيل.

كان رجل يحب مدينة.
وحين سكنها
اكتشف أنه كان يحب صورتها القديمة.
وكانت امرأة تحب رجلًا.
وحين اقترب منها
اكتشفت أنها كانت تحب وحدتها معه.
وكان شاعر يحب قصيدته.
وحين نشرها
اكتشف أن القراء
أعادوا اختراعها دون إذنه.

هكذا يتشظى الحب.
وهكذا تتشظى الحقيقة.
ليس لأنهما كاذبان،
بل لأنهما أكبر من أسمائهما.

في آخر الليل
جلست الفلسفة على درج بيتٍ قديم.
كان معها طفل.
قال لها:
لماذا نفكر؟
قالت:
لأن العالم لا يكفي.
قال:
ولماذا لا يكفي؟
قالت:
لأن الإنسان لا يكفي نفسه.
قال:
ولماذا؟
سكتت.
كان السؤال قد أصبح أكبر منها.

من تلك اللحظة
عرفت أن السؤال قد يكون أعمق من صاحبه.
وأن الفلسفة ليست امتلاك الحقيقة،
بل القدرة على البقاء
في حضرة ما لم نفهمه
دون أن نختلق له قناعًا.

لكن الإنسان يخاف.
لذلك يبني الأنظمة.
يبني العقائد المغلقة.
يبني الجدران.
يبني اليقين.
ثم ينام داخلها
ويحلم بالحرية.

في الصباح
يستيقظ القفص.
يفتح الإنسان بابه.
ثم يدخل إليه بإرادته.

كلما اتسعت الرؤية
صار القفص مرئيًا.
وهنا تبدأ الحرية:
ليس حين نخرج،
بل حين نعرف
أننا كنا داخل شيءٍ ما.

في مدينةٍ أخرى
كان التاريخ محكمة.
وقف الماضي أمام القاضي.
قال القاضي:
ماذا فعلت؟
قال الماضي:
ما فعلتموه بي.
ضجت القاعة.
صرخ المؤرخون.
لكن طفلًا في الصف الأخير
رفع يده:
هل يمكن أن نكتب التاريخ
من دون أن ننتقم منه؟

لم يجبه أحد.

ربما لأن التاريخ
ليس ما حدث فقط.
إنه أيضًا
ما اختار الناس أن يتذكروه،
وما قرروا أن ينسوه،
وما أخفوه في الأرشيف،
وما أعادوه في الأساطير.

كانت الأسطورة
تضحك في الزاوية.
قالت:
أنتم تسمونني خيالًا
حين تعجزون عن احتمال الحقيقة.

في مرآةٍ مكسورة
رأيت سقراط.
وفي مرآة أخرى
رأيت ديكارت.
وفي ثالثة
رأيت كانط واقفًا أمام حدود العقل.
وفي الرابعة
رأيت رجلًا سودانيًا يحمل مطرقة
ويحاول إصلاح ساعةٍ متوقفة منذ قرن.

لم أعرف أيهم أنا.
وهذا جيد.
فالهويات التي لا تشك في نفسها
تتحول بسرعة إلى تماثيل.

قالت المرآة:
لا تبحث عن وجهك.
ابحث عن الشيء الذي يجعل الوجه ممكنًا.

قلت:
وما هو؟
قالت:
الآخر.

فهمت أن الإنسان
لا يولد كاملًا داخل نفسه.
إنه يتشكل في الاحتكاك.
في الحب.
في اللغة.
في الرفض.
في الذاكرة.
في عينٍ أخرى
تقول له:
أنت لست وحدك.

لكن الآخر أيضًا
مرآةٌ مكسورة.
ولهذا لا يمكن أن نعرف أنفسنا
من خلاله بالكامل.

هكذا يبدأ المتاهة.
ذاتٌ تبحث عن آخر.
وآخرٌ يبحث عن ذات.
والاثنان يمران
في ممرٍ واحد
دون أن يلتقيا.

في منتصف القصيدة
لم أعد أعرف
هل أنا الذي يكتب،
أم أن اللغة هي التي تكتبني.
كانت الكلمات تتقدم أمامي.
تسحبني من يدي.
تضعني في جملة.
ثم تمحو اسمي.

قلت لها:
أعيديني.
قالت:
من؟

سكتُّ.

كان ذلك أول انتصار للعبارة
على صاحبها.

في الكتاب الذي لم أقرأه
وجدت سؤالًا:
هل يمكن للفكر أن يعيش
من غير مشكلة؟
ضحكت.
فالحياة نفسها
مشكلة لا تريد أن تُحل.
الحب مشكلة.
الموت مشكلة.
الحرية مشكلة.
الجمال مشكلة.
الله مشكلة السؤال،
والإنسان مشكلة نفسه.

لكن المشكلة ليست مرضًا دائمًا.
أحيانًا تكون علامة حياة.
فالشيء الذي لا يثير سؤالًا
قد يكون مات قبل أن نراه.

لهذا لا أريد فلسفةً
تغلق الأبواب.
أريدها مثل نافذة.
كلما فتحتها
دخلت ريحٌ جديدة
وحملت معها
غبار العالم.

في تلك الريح
سمعت أصواتًا كثيرة.
صوت المتصوف.
صوت الفيلسوف.
صوت الطفل.
صوت العاشق.
صوت المتمرد.
صوت المؤرخ.
صوت المرأة التي لم تجد اسمًا في التاريخ.
صوت المدينة التي احترقت
ثم عادت في أغنية.

لم يكن أي صوت
هو الحقيقة كلها.
لكن الحقيقة
ربما كانت في التوتر بينها.

وهنا انكسرت العبارة.

لم تعد:
كلما اتسعت الرؤية ضاقت العبارة.

صارت:
كلما اتسعت الرؤية
تكاثرت الشظايا
حتى تصبح العبارة
مرآةً لا تستطيع
أن تعكس إلا كسرها.

في آخر الممر
وجدت بابًا.
قلت:
أخيرًا.
فتحته.
وجدت الممر نفسه.

ضحكت.
فقد فهمت شيئًا عن الزمن:
إنه لا يعيدنا إلى المكان نفسه،
بل يعيد المكان
إلينا بصورة أخرى.

الطفل الذي كنتُه
كان يقف هناك.
قال:
لماذا تأخرت؟
قلت:
كنت أبحث عنك.
قال:
وأنا كنت أبحث عنك أيضًا.
ثم اختفى.

بقيت لعبته.
حصان خشبي صغير.
دار حول نفسه
دون أن يتحرك.

كان الزمن حلزونيًا.
وكانت الذاكرة عربةً
لا تعرف المحطة الأخيرة.

في الحلم التالي
رأيت مدينةً بلا مستقبل.
كل سكانها يعيشون في الماضي.
كانوا يحيون الموتى كل صباح.
يقدمون لهم القهوة.
يسألونهم عن الأخبار.
وحين يأتي المساء
يعيدونهم إلى قبورهم.

قلت:
هذه مدينة الذاكرة.

قال صوت:
لا.
هذه مدينة الخوف
من أن نصبح بلا ذاكرة.

وعرفت أن النسيان
ليس عدوًا بسيطًا.
أحيانًا ينقذ الإنسان
من أن يعيش عمره كله
داخل غرفةٍ محترقة.

في الجانب الآخر
كانت مدينة المستقبل.
كل شيء فيها جديد.
لكن لا أحد يعرف
لماذا.
حتى الأطفال
كانوا يولدون
بذكريات صناعية.

هربت منها.
عدت إلى الخراب.
كان الخراب أكثر صدقًا.

ليس لأن الخراب جميل.
بل لأنه لا يدعي الكمال.

الفلسفة أيضًا
ليست وعدًا بالكمال.
إنها معرفةٌ مؤلمة
بأن العقل نفسه
له حدوده.
وأن الإنسان يستطيع أن يفكر
حتى يصل إلى حافةٍ
لا يستطيع عبورها
إلا بالشعر،
أو الصمت،
أو الإيمان،
أو الفن،
أو الاعتراف بالعجز.

وهنا لا يصبح العجز هزيمة.
يصير معرفةً من نوع آخر.

كلما اتسعت الرؤية
عرفتُ حدود العين.
كلما اتسعت المعرفة
عرفتُ حدود المعرفة.
كلما اتسع الحب
عرفتُ أن الآخر
ليس ملكي.
كلما اتسعت اللغة
عرفتُ أن هناك أشياء
لا تُقال.

وهذا هو الجرح الجميل
في قلب العبارة.

أن تكون قادرًا على الكلام
وتعرف أن الكلام لا يكفي.

في الميناء
كان بحّار عجوز
يربط سفينةً بلا بحر.
سألته:
إلى أين ستذهب؟
قال:
إلى مكانٍ لا تستطيع الخريطة الوصول إليه.
قلت:
هل هو موجود؟
قال:
سأعرف عندما أصل.

هكذا كانت القصيدة.

سفينة بلا بحر.
وخريطة بلا يقين.
ومسافر لا يعرف
هل الرحلة خارج العالم
أم داخل نفسه.

في الفجر
دخل المطر إلى المدينة.
لم ينزل من السماء.
خرج من الجدران.
من الكتب.
من أعين الموتى.
من ذاكرة الشوارع.

غسلت السماء
وجه التاريخ.

لكن التاريخ لم يتطهر.
فقط صار أكثر وضوحًا.

رأينا الدم
تحت الطلاء.
والخوف
تحت النصب.
والألم
تحت الاحتفال.

قلت:
هل يمكن للفن أن ينقذنا؟
قالت لوحةٌ معلقة:
لا.
لكنه يستطيع أن يمنعنا
من الكذب على جراحنا.

وكان ذلك كافيًا.

في مكانٍ بعيد
كانت امرأة تكتب رسالة حب.
كلما كتبت كلمة
محَتها.
حتى بقيت الصفحة بيضاء.
قالت:
هذه أصدق رسالة كتبتها.

لم أفهم.
ثم فهمت:
أحيانًا يكون الامتناع عن التسمية
نوعًا من الأمانة.

وهكذا عادت العبارة
إلى الصمت.

كلما اتسعت الرؤية
ضاقت العبارة.
ليس لأن اللغة ضعيفة.
بل لأن الوجود
أكبر من أن يُختصر.

والشاعر لا يهزم هذا الاتساع.
إنه يعيش داخله.

يكتب.
ثم يمحو.
يكتب.
ثم يشك.
يكتب.
ثم يترك النافذة مفتوحة.

في النافذة
ظهر وجه النفّري.
لم يقل شيئًا.
ظهر بعده وجه طفل.
ثم وجه امرأة.
ثم وجه مدينة.
ثم وجهٌ بلا ملامح.

قلت:
من أنت؟

لم يجب أحد.

فهمت أن السؤال
لم يكن عنهم.
كان عني.

وعندما اتسعت الرؤية أكثر
لم أرَ شيئًا.

كان ذلك هو المشهد الأكثر امتلاءً.

الفراغ لم يعد فراغًا.
صار مجالًا لاحتمالات لا تنتهي.
والصمت لم يعد نهاية الكلام.
صار الكلام
قبل أن يولد.

هنا بدأت العبارة مرة أخرى.

لا من النفّري.
ولا مني.
ولا من الفلسفة.
ولا من الشعر.

بدأت من ذلك الموضع
الذي لا يستطيع أحد
أن يسميه.

في النهاية
لم أجد النهاية.

وجدت بابًا آخر.

وراء الباب
كانت القصيدة تمشي وحدها.

تجر خلفها حقيبةً
مليئة بالمرايا،
والأسئلة،
وأسماء الموتى،
وضوء المدن،
وقليلًا من المطر.

التفتت إليّ.
قالت:
هل ستكتبني؟

قلت:
لا أعرف.

قالت:
إذن اكتب.

مشيت خلفها.

كلما اتسعت الرؤية
ضاقت العبارة.

وكلما ضاقت العبارة
فتح الصمت نافذة.

ومن النافذة
كان العالم،
للمرة الأولى،
لا يشبه نفسه.

__________

سبتمبر 2026م

برج الثقافة - القضارف 

تعليقات

المشاركات الشائعة