ديوان : قاصرة
قاصرة
مصعب الرمادي
قاصرة
__________________
الكتاب : قاصرة
الكاتب : مصعب الرمادي
تاريخ الطبع : سبتمبر 2026م
حقوق الطبع والتأليف محفوظة للمؤلف
____________________
كان وجهها معلقًا على مسمارٍ في آخر الغرفة،
وجهٌ يشبهها حين تراه من بعيد،
ويخونها حين تقترب منه،
كلما مدت يدها إليه ارتجف الجلد المعلق
وسألها عن اسمها الذي نسيته في المرآة،
فقالت: أنا، ولم تعرف من الذي قالها.
في الصباح وجدت ظلها قد سبقها إلى الشارع،
كان يمشي بخفة من يعرف الطريق،
يدخل الأزقة قبل أن تدخلها،
ويحدق في الواجهات التي لم ترها بعد،
حتى ظنت أن حياتها تحدث في مكان آخر،
وأنها ليست سوى أثرٍ متأخر لشيءٍ سبق أن حدث.
على السقف كانت ساعة لم تولد بعد،
عقاربها تشير إلى غدٍ بعيد،
وكانت تنظر إليها كما ينظر الجائع إلى نافذة مطعم،
تريد أن تصل إلى المستقبل قبل أن يصير حاضرًا،
تريد جوابًا قبل السؤال،
ووعدًا قبل اللقاء، ونهايةً قبل البداية.
في آخر الممر كان كرسي الغائب ينتظر،
كرسيًّا فارغًا إلا من دفءٍ لا يعرف مصدره،
عليه كتاب مفتوح وكوب ماء ناقص،
والستارة تتحرك أمامه دون ريح،
فكلما قالت إنه غائب
تحرك الكرسي قليلًا كأنه يحتج على تعريفها.
كانت تسمع اسمه في الأشياء الصغيرة،
في ارتطام الملعقة بالكوب،
في مصعد يتوقف بين طابقين،
في سيارة تمر بطيئة تحت النافذة،
حتى خرج اسمه من فمها كحشرة مضيئة
وطار حول رأسها ولم يجد طريقًا إلى الخارج.
كانت الكلمة «حسنًا» تخيفها،
لماذا قالها هكذا؟
ولماذا لم يقل «حسنًا جدًا»؟
ولماذا وضع النقطة بعد الجملة؟
صارت النقطة حجرًا،
وصارت الكلمة بابًا، وصار الباب احتمالًا لا نهاية له.
في حديقة الاحتمالات
كانت الزهور لا تنبت من التراب،
بل من جمل لم يقلها أحد،
زهرة تقول: سيعود،
وأخرى تقول: لم يذهب،
وثالثة تهمس بأن الذي تحبه
ليس الرجل نفسه، بل الرواية التي صنعتها له.
كانت تسقي شجرةً كل مساء
بالمواعيد التي لم تقع،
فتكبر أغصانها من الانتظار،
وتثمر وجوهًا لم ترها،
وتسقط على الأرض رسائل لم تُكتب،
وكانت تجمعها في صدرها كأنها ذكريات حقيقية.
في الغرفة المجاورة
كان قلبها مصنوعًا من ورق الرسائل،
كلما فتحت رسالة انشق جزء منه،
وكلما أعادت قراءتها عاد الجرح إلى مكانه،
حتى صار القلب أرشيفًا للأشياء الصغيرة،
نبرةً، فاصلةً، تأخرًا، كلمةً،
وكل ما لا يستحق أن يصبح قدرًا.
كانت تملك مقياسًا غريبًا للحرارة،
لا يقيس الجسد بل يقيس الصمت،
إذا طال الصمت ارتفعت حرارته،
وإذا جاءت كلمة ناقصة اشتعل الزجاج،
وإذا تأخر الرد دقائق قليلة
أعلن الجهاز أن العالم يحترق.
لم تكن تعرف أن الآخر قد يكون متعبًا،
أو مشغولًا، أو صامتًا لسبب لا يتعلق بها،
كانت كل الأشياء تمر عبر مركز واحد،
مركز صغير في قلبها
يجعل العالم كله رسالة شخصية،
حتى المطر كان يبدو أحيانًا كأنه عاتبها.
في المدينة كانت النوافذ كثيرة،
لكن نافذتها الوحيدة تطل إلى الداخل،
كلما فتحتها رأت غرفة أخرى،
وفي الغرفة نافذة،
وخلف النافذة طفلة تنظر إليها،
والطفلة لا تعرف من أين جاءت.
اقتربت منها ذات مساء،
قالت لها: من أنت؟
فأجابت الطفلة: أنت قبل أن تعرفي أنك أنت،
ثم اختفت داخل مرآة صغيرة،
وبقيت قاصرة أمام الجواب
مثل شخصٍ وصل إلى اسمه ولم يجد جسده.
في المصعد كانت الطوابق تحمل أسماء غريبة:
طابق الإعجاب،
طابق التعلق،
طابق الخوف،
طابق الغيرة،
طابق ما كان يمكن أن يحدث،
أما الطابق الأخير فكان مكتوبًا عليه: قبل أن تعرف نفسها.
صعدت إليه مرات كثيرة،
وفي كل مرة ظنت أنها بلغت القمة،
وجدت المصعد يعود بها إلى الأسفل،
إلى النظرة الأولى،
إلى الرسالة الأولى،
إلى اللحظة التي صنعت فيها من إنسان عابر
عالمًا كاملًا لا يسعه قلبها.
في مقبرة الأشياء التي لم تحدث
كانت القبور بلا أسماء،
قبر لقاء لم يقع،
وقبر سفر لم يبدأ،
وقبر اعتذار لم يصل،
وقبر بيت تخيلته طويلًا
حتى صار في ذاكرتها أقدم من بيتها الحقيقي.
كانت تقف هناك كل ليلة
وتبكي على مستقبل لم يوجد،
ثم تعود إلى غرفتها
فتشعر أنها فقدت شيئًا عاش في خيالها،
ولم يكن لها أن تعرف
هل كان الحزن على شخصٍ غاب
أم على حياةٍ اخترعتها ثم صدقتها.
في الساحة كانت المدينة تصفق لها،
كلما غيرت صورتها صفقت،
كلما كتبت جملة صفقت،
كلما ظهرت أمام الآخرين صفقت،
حتى صار التصفيق ضرورةً مثل الهواء،
وصارت تخاف من اليوم الذي لا يسمع فيه أحد اسمها.
كانت البوصلة في يدها لا تشير إلى الشمال،
كانت تشير إلى الشخص الآخر،
كلما تحرك تحركت الإبرة،
كلما ابتعد فقدت الاتجاه،
وحين اختفى للحظة
وقفت البوصلة حائرة كأن الأرض نفسها فقدت معناها.
قالت لها امرأة عجوز في الحلم:
«لا تجعلي قلبك جهاز ملاحة».
فضحكت لأنها لم تفهم،
ثم استيقظت،
فوجدت البوصلة تحت وسادتها،
وكانت تشير إلى الباب الذي خرج منه الغائب.
في المختبر السري كانت الذكريات تُصنع،
امرأة ترتدي معطفًا أبيض
تخلط ضوءًا قديمًا برائحة عطر،
ثم تضيف صوتًا لم تسمعه،
وتضع الخليط في زجاجة صغيرة،
وتعطيها ذكرى لقاءٍ لم يحدث.
شربت الذكرى،
فتذكرت يده على الباب،
وصوته في الممر،
وضوء المساء على كتفه،
ثم ارتعبت لأنها أدركت
أنها لا تعرف هل عاش ذلك أم حلمت به.
في اليوم التالي
كان الآخر ذو الألف وجه ينتظرها،
وجهٌ هادئ،
وجهٌ غاضب،
وجهٌ بعيد،
وجهٌ لا يشبه الصورة التي رسمتها له،
وحين حاولت اختيار وجه واحد
تبدلت الوجوه كلها.
قال لها الصمت:
«المشكلة ليست أن له وجوهًا كثيرة،
المشكلة أنك تريدين له وجهًا واحدًا
كي تتمكني من حبه دون خوف».
فلم تعرف هل كان الصمت يتحدث
أم أن صوتها الداخلي بدأ يتعلم الكلام.
في الليل ظهرت المرآة العمياء،
لم تعكس وجهها،
بل أظهرت الأشياء التي لم تعرفها عن نفسها:
غيرةً صغيرة تخفيها،
حاجةً إلى التصفيق،
خوفًا من الوحدة،
رغبةً في أن تكون محبوبة أكثر مما تكون حرة،
ثم أغلقت عينيها كي لا ترى.
لكن المرآة لم تكن خلف عينيها،
كانت في الداخل،
وكانت كلما أغمضت عينيها
أصبحت الصورة أوضح،
حتى فهمت أن بعض المرايا
لا تحتاج إلى ضوء كي تفضح العتمة.
في الطريق قابلت امرأة تحمل شهادة نضج،
كانت الشهادة مختومة بأختام كثيرة،
لكن صاحبتها كانت تبكي لأن شخصًا لم يرد عليها،
سألتها عن سر البكاء،
فقالت: «أنا كبيرة بما يكفي لأعرف كل شيء،
وصغيرة بما يكفي لأن كلمة واحدة تهدمني».
كان الطريق يضحك،
وكانت الأشجار تضحك معه،
لكن الضحك لم يكن سخرية،
كان أشبه بضحكة الزمن
حين يرى الإنسان يكرر خطأه
ثم يسمي التكرار تجربة.
عند المنعطف
وجدت بابًا بلا جهة،
لا داخل له ولا خارج،
فتحته فدخلت إلى المكان الذي هربت منه،
أغلقته فوجدته أمامها،
فجلست على العتبة
وفهمت للمرة الأولى أن بعض الأبواب داخل الرأس.
كان اسمها مكتوبًا على الباب،
لكن الحروف كانت ناقصة،
قاصـ...
ثم انطفأ المصباح،
فأكملت الكلمة في الظلام:
قاصرة.
وحين قالتها
لم تعرف هل كانت تلعن نفسها
أم تسمي المرحلة التي تعيشها.
في اليوم الذي بعده
اكتشفت قاموس الكلمات الثقيلة،
كان «نعم» حجرًا أسود،
و«ربما» طائرًا لا يستقر،
و«لا» مدينةً مغلقة،
و«لاحقًا» نهرًا طويلًا،
و«أحبك» قارةً لا تستطيع الوصول إليها.
قلبت الصفحات حتى وصلت إلى كلمة «أنا»،
فوجدتها خفيفةً جدًا،
كأن أحدًا نسي أن يضع فيها الوزن،
فحملتها بين أصابعها
وطارت من النافذة.
ركضت خلفها،
لكن «أنا» لم تكن تهرب منها،
كانت تبحث عن مكانٍ آخر،
عن جسد لا يحتاج إلى شهادة من أحد،
وعن قلب لا يقيس قيمته بسرعة الرد.
في الحديقة بدأت الأشجار تتشاجر،
شجرة المستقبل تريد أن تسبق شجرة الحاضر،
وشجرة الماضي تريد العودة إلى البذرة،
وشجرة الغياب تريد أن تصبح حاضرًا،
أما شجرة الذات
فكانت صامتةً تحت الأرض.
حفرت بيديها حتى وجدتها،
لم تكن شجرة،
كانت بذرة صغيرة ترتجف،
فقالت لها: لماذا لم تنمُ؟
فأجابت البذرة:
«لأنكم كنتم تريدون مني أن أصبح شيئًا قبل أن أعرف ماذا أريد أن أكون».
تراجعت خطوة.
كان السؤال أكبر من الحديقة.
في المساء
عاد كرسي الغائب إلى الغرفة،
لكن هذه المرة لم تجلس أمامه،
وضعت الكوب على الطاولة،
وتركت الكتاب مفتوحًا،
ثم خرجت.
تحرك الكرسي قليلًا،
كأنه يريد أن يناديها،
لكنها لم تلتفت،
وللمرة الأولى لم يكن الغياب قادرًا على إعادتها إلى مكانها.
لم يختفِ الغائب،
بل اتسعت المسافة بينه وبين الأشياء،
فلم يعد في الملعقة،
ولا في الستارة،
ولا في صوت السيارة،
ولا في المطر،
صار غائبًا فحسب،
وهذا كان شكلًا جديدًا من أشكال الحضور.
في الطريق عادت الساعة التي لم تولد بعد،
لكن عقاربها كانت هذه المرة متوقفة،
قالت لها: لماذا لا تتحركين؟
فأجابتها الساعة:
«لأن المستقبل ليس مكانًا تذهبين إليه،
إنه شيء يحدث عندما تتوقفين عن مطاردته».
لم تفهم الجملة كاملة،
لكنها لم تسخر منها،
وهذه كانت أول علامة.
في الليل
لم تعد حديقة الاحتمالات مزدحمة،
سقطت بعض الزهور،
ذبلت وعود كثيرة،
اختفت شجرة «سيعود»،
وانطفأت زهرة «ربما يحبني»،
لكن نبتت في الوسط زهرة لا اسم لها.
اقتربت منها.
لم تقل شيئًا.
وهذا أعجبها.
كانت أول زهرة لا تطلب منها تفسيرًا.
ثم جاءت المرآة العمياء مرة أخرى،
فرأت وجهها دون أن يحيط به وجه آخر،
لم يكن جميلًا ولا قبيحًا،
لم يكن منتصرًا ولا مكسورًا،
كان وجهًا يتعلم ببطء
أن يكون وجهه.
لكن خلف الوجه
كان هناك شيء لم يتغير:
الخوف من أن يراها الآخر مختلفة،
من أن يكتشف أنها ليست الصورة التي أحبها،
من أن تخرج من الدور الذي صنعته لنفسها،
فتفقد التصفيق وتبقى وحدها.
هنا ظهر الآخر ذو الألف وجه،
لكنه لم يطلب منها شيئًا،
لم يقل: كوني كذا،
ولم يقل: لا تكوني كذا،
فقط وقف بعيدًا،
وكان اختلافه قائمًا مثل جبل.
لأول مرة
لم تحاول تحويل الجبل إلى صورة تشبهها.
جلست أمامه.
كان ذلك كافيًا.
في الصباح
لم تعد البوصلة تشير إلى شخص،
استدارت دورة كاملة،
ثم توقفت نحو مكان لا تعرفه،
نحو نقطة بين الداخل والخارج،
بين الخوف والفضول،
بين ما كانت عليه وما لم تصبحه بعد.
قالت: هل هذا هو الشمال؟
فأجابتها البوصلة:
«ليس هناك شمال واحد لمن لم ينتهِ من رسم خريطته».
ومضت.
لكن الطريق لم يصبح مستقيمًا،
بل أخذ شكل حلزون،
كل دورة تعيدها إلى المشهد نفسه،
إلى الوجه،
إلى الغياب،
إلى الكلمة،
إلى الساعة،
إلى الآخر،
إلى نفسها.
غير أن شيئًا صغيرًا كان يتغير في كل مرة:
لم تعد تسأل السؤال نفسه بالطريقة نفسها.
في الدورة الأولى قالت:
لماذا لا يحبني؟
وفي الثانية قالت:
لماذا أحتاج إلى حبه؟
وفي الثالثة قالت:
ماذا أسمي هذا الشعور؟
وفي الرابعة قالت:
هل أعرفه أصلًا؟
وفي الخامسة
سكتت.
كان الصمت هنا أوسع من الإجابة.
وفي مقبرة الأشياء التي لم تحدث
وجدت القبور مفتوحة،
ليس لأن الموتى عادوا،
بل لأن بعض الأشياء لم تمت أصلًا؛
كانت مجرد احتمالات،
وقد آن لها أن تعود إلى حجمها الحقيقي.
أغلقت قبر البيت المتخيل،
وأغلقت قبر اللقاء،
وأغلقت قبر المستقبل الذي كتبته مسبقًا،
ثم تركت قبرًا واحدًا مفتوحًا:
قبر الحياة التي لم تعرف بعد كيف تعيشها.
لم تضع عليه وردًا.
وضعت سؤالًا.
وفي آخر المدينة
كانت البذرة لا تزال تحت الأرض،
لا تكبر بسرعة،
ولا تموت،
ولا تستجيب للأوامر،
وكانت الأرض حولها تدور في حلقات بطيئة،
والسماء تغير لونها،
والسنوات تمر،
والبذرة تحتفظ بسرها.
قالت لها المدينة:
«لماذا لا تصبحين شجرة؟»
فأجابتها البذرة:
«ومن قال إن الشجرة هي الغاية؟»
عندها بدأ القصر كله يرتجف.
ليس لأنه انهار،
بل لأن الجدران اكتشفت أن السؤال الذي سجنته طويلًا
لم يكن:
لماذا هي قاصرة؟
بل:
قاصرة عن ماذا؟
وظل السؤال معلقًا فوق الباب،
لا يجيب،
ولا يغلق الطريق،
ولا يمنحها شهادة اكتمال،
بل يفتح غرفة أخرى
في البيت الذي لم تعرف بعد
أنها هي التي تبنيه.
وكانت تمشي نحو الغرفة،
والوجه المستعار يسقط من كتفها،
والظل يعود إلى مكانه،
والساعة التي لم تولد بعد
تبدأ في صنع أول دقيقة،
وكرسي الغائب يفقد دفأه،
وحشرة الاسم تنام في جدار اللغة،
وحديقة الاحتمالات تترك زهرة واحدة.
أما البذرة
فلم تصبح شجرة.
لم تصبح شيئًا يمكن تسميته.
بقيت مفتوحة.
وهناك، في اللحظة التي ظنت فيها القصيدة أنها ستصل،
انفتح الزمن من جديد،
وعادت إلى المرآة الأولى،
لكن الوجه الذي رأته هذه المرة
لم يكن وجه قاصرة تعرف أنها ناقصة،
ولا وجه امرأة تدعي اكتمالها،
بل وجه كائن يقف بين الاثنين،
يحمل نقصه كنافذة،
ويحمل خوفه كسؤال،
ويحمل مستقبله دون أن يسبقه.
وعندما سألت المرآة:
«هل القصور نقص؟»
لم تجب.
وعندما سألتها:
«أم أنه اكتمال لم يصل بعد؟»
لم تجب أيضًا.
فقط فتحت المرآة بابًا.
وكان وراء الباب
طريقٌ حلزوني آخر.
____
سبتمبر 2026م
ديم بكر - القضارف

تعليقات
إرسال تعليق