ديوان : الفاطمية
الفاطمية
مصعب الرمادي
الفاطمية
__________________
الكتاب : الفاطمية
الكاتب : مصعب الرمادي
تاريخ الطبع : سبتمبر 2026م
حقوق الطبع والتأليف محفوظة للمؤلف
____________________
الى : رحاب هاشم
______________________________
1
في تلك الليلة التي لم تأتِ بعد
كانت فاطميتي تخلع قميص المساء
وتعلّق الجهات الست على مسمار واحد في المشربية
ثم تميل قليلًا لتسمع خشب النافذة وهو يتنفس
وكان تحتها ماءٌ لا يعرف اسمه
يمضي كأن الطريق ذاكرةٌ لا تحتاج إلى قدمين.
2
اقتربت من الخشب
وضعت أذنها عليه
فسمعت عواءً لا يشبه الريح
ولا يشبه بكاء مدينة بعيدة
كان شيئًا بين الخوف والرغبة
كأن جدارًا قديمًا يحاول أن يتذكر جسدًا مرّ به.
3
كانت ترتدي ثوبًا بلون الغروب
وفي شعرها رائحة سوقٍ أُغلق منذ قرون
وحين رفعت يدها
تساقط من أصابعها غبار أبيض
رأيت فيه قبابًا وأبوابًا ومراكب
ثم رأيت وجهها وحده، واضحًا كأنه الحاضر الوحيد.
4
قالت لي: لا تحدّق كثيرًا.
فالمدينة، حين تنظر إليها امرأة، تصبح أقل صلابة.
قلت: ومن أنا في هذه الحكاية؟
قالت: نافذة أخطأت في تسمية نفسها.
ثم أسندت جبهتها إلى الخشب
فسمعتُ جهة بعيدة تشهق تحت الليل.
5
جاء الرجل من جهة الغرب
لا يحمل مدينة كاملة على كتفه
بل يحمل فكرةً عن مدينة.
في يده مسمار
وفي عينيه خطوط طريق
وعلى ثوبه غبار جندي لم يعرف أن الخرائط ستذكره.
6
قالت فاطميتي: هذا جوهر.
قلت: أهذا هو الذي يبني المدن؟
قالت: لا أحد يبني مدينة وحده.
هناك اليد التي تنحت، والظهر الذي يحمل، والمرأة التي تبيع الماء.
وهناك الذين ينامون قرب الجدار قبل أن يكتمل.
هؤلاء لا تضعهم الكتب في العنوان.
7
كان العمال يصعدون بالحجارة
والشمس تضرب ظهورهم
والملاط يلتصق بأصابعهم
وكانت المدينة تنبت من تعب لا اسم له
من نجارٍ يضبط نافذة
ومن صبيٍّ يحمل جرّة
ومن امرأة تعرف أن الماء أثقل من الذهب في آخر النهار.
8
في المساء مسحت فاطميتي وجهها
فصار الغبار كحلًا حول عينيها
وضعت يدها على خدها
وقالت: هل ترى المدينة؟
قلت: أرى امرأة.
قالت: تلك أول مرة تقترب فيها من الحقيقة.
9
كان الماء يمضي تحت الجسر
لا سريعًا ولا بطيئًا
كأنه يتعمد ألا يصل.
سألته: إلى أين؟
فلم يجب.
وعرفت أن بعض الأشياء تتحرك لكي تبقى في مكانها.
10
في نوم آخر
رأيت بحيرة عظيمة ترفع كتفها للريح
ورأيت هضبة بعيدة تشعل مصباحًا فوق العشب
وبينهما قطرة صغيرة تبحث عن طريقها
حتى وجدت مجرى أقدم من أسماء الممالك
فصارت الرحلة كلها قطرةً تتذكر أصلها.
11
قالت فاطميتي: لا تثق بالخرائط.
قلت: ولماذا؟
قالت: لأنها ترسم الحدود بعد أن تكون الأرض قد نسيت وجودها.
ثم أخذت إصبعي
ورسمت دائرة على زجاج النافذة
وقالت: هنا تبدأ الذاكرة حين تفشل الجغرافيا.
12
من وراء الستارة
وصلت رائحة ملح.
لم يكن البحر قريبًا
لكن الملح كان يعرف الطريق.
دخل مع الهواء
واستقر على شفتيها
فقلت: يبدو أن الساحل سبق الموج إلى هنا.
13
في المشربية ست فتحات
لكنني رأيت السابعة.
لم تكن خشبًا ولا معدنًا
كانت فاطميتي واقفة بين الداخل والخارج
كأن جسدها هو الفراغ الذي نسي البنّاء أن يسميه.
14
مشت أمامي
فاستيقظت الأبواب.
باب يؤدي إلى سوق
وسوق إلى خان
وخان إلى طريق
وطريق إلى أرض لا يظهر اسمها في الكتاب
وكان كل باب يفتح على زمن لا يوافق الزمن الذي قبله.
15
في الجنوب
ظهرت امرأة من حجر الشمس
كانت تضع على جبينها علامةً قديمة
وقالت للقادمة من الشمال:
لا تدخلي أرضي كما يدخل الفاتح
ادخليها كما يدخل الحلم بيتًا لا يعرف صاحبه.
16
وراءها جدار أبيض
وراء الجدار أجراس
وراء الأجراس ماء
وراء الماء ذاكرة مملكة
وراء المملكة شعب لا يطلب من أحد أن يشرح وجوده
فالأرض لا تبدأ عندما يصل إليها الغريب.
17
لمست فاطميتي الحجر
فارتجف قليلًا.
قالت: الحجر أوفى من الدولة.
قلت: لماذا؟
قالت: لأنه لا يطالبك بأن تنتمي إليه
بل يكتفي بأن يتذكر يدك حين تغادر.
18
ظهر شيخ من الخلوة
في يده سبحة من خشب داكن
وكانت حباتها تتحرك دون أن تلمسها أصابعه.
قال: النسب ليس دمًا دائمًا.
قلت: وماذا يكون؟
قال: قد يكون ماءً يعرف ماءً آخر، ثم يسكت.
19
جلس الشيخ تحت شجرة
وكانت الريح تقلب ثوبه
قال: كل شيخ يحمل في صمته جغرافيا.
ضحكت فاطميتي
فقال: وأنتِ تحملين جغرافيا في جسدك.
فأخفضت عينيها كأنها سمعت سرًا قديمًا.
20
قلت لها: هل أنتِ تاريخ؟
قالت: لا.
قلت: إذن ماذا تكونين؟
قالت: التاريخ حين يخلع عباءته الرسمية
ويجلس في السوق
ويشتري خبزًا ويعود إلى البيت قبل العتمة.
21
في الصباح
رأيت قصرًا يبتعد عن صورته
وكانت النوافذ تتنفس
والأقواس تبدل أماكنها
والقبة التي ظننتها ثابتة
كانت في الحقيقة ظلًا طويلًا لامرأة تعبر.
22
قال الرجل القادم من الغرب: كنت أريد مدينة.
قلت: وهل بنيتها؟
قال: بنيت لها موضعًا.
قلت: ومن أكمل الباقي؟
فأشار إلى أيدٍ كثيرة تمشي في الغبار
ثم اختفى قبل أن أتعلم اسمه.
23
أخذتني فاطميتي إلى مكان لا تظهره الخرائط.
هناك لا تكون العاصمة عاصمة
بل حبيبةً تنتظر عند النافذة
ولا يكون الماء حدًا
بل سريرًا طويلًا
تنام عليه الحكايات التي لم تجد مؤرخًا.
24
في الليل
كانت الأصوات تأتي من بعيد.
غناء لا أفهم كلماته
لكنني أفهم حزنه.
كانت فاطميتي تبتسم
كأن الجسد يستطيع أحيانًا أن يترجم لغة لم يتعلمها.
25
في السوق
مر الذهب من يد إلى يد
والملح بجوار العاج
والحرير قرب الحبوب
والبخور يترك خطًا من الرائحة في الهواء
وكانت القافلة تحمل أشياء أكثر مما يستطيع التاجر تسميته.
26
قالت: كل تجارة حكاية حب مؤجلة.
قلت: وكيف؟
قالت: لأن السلعة تخرج من يد
لتصل إلى يد لا تعرفها
وكل طريق طويل يحتاج إلى ثقة تشبه الرغبة.
27
في الميناء
كانت السفن تبدو صغيرة أمام الأفق
والمراكب تحمل قمحًا وتوابل وحجاجًا
وكان الطريق البحري يفتح فمه
لا ليبتلع القادمين
بل ليذكّرهم بأن الشرق لا ينتهي عند شاطئ.
28
كانت الجهات الست تعول
مرة من الشوق
ومرة من الجوع
ومرة من الخوف
ومرة لأن الإنسان يريد أكثر من جهة
وكانت فاطميتي تجمع العويل في شعرها
ثم تفرقه على الهواء كأنه بذور.
29
كلما سرحت شعرها
خرجت قافلة من الظلال.
كلما أغلقت شفتيها
سمعت باب ميناء.
كلما أغمضت عينيها
تبدل التاريخ على الجدار
كأن الزمن ثوب تستطيع امرأة أن تنزعه متى شاءت.
30
قلت لها: أنتِ كثيرة المدن.
قالت: بل المدن كثيرة النساء.
قلت: وما الفرق؟
قالت: المدينة التي لا تعرف جسدها تتحول إلى حجر
والمرأة التي تنسى مدينتها تتحول إلى خريطة.
31
دخلنا دارًا امتلأت بالكتب.
كتاب يجاور كتابًا
وطبيب يقيس نبض نجمة
وفيلسوف يختلف مع فقيه
وشاعر يكتب على هامش الفلك
أن الإنسان ليس مركز الكون، لكنه مركز السؤال.
32
دخلت فاطميتي
فسكتت الأوراق.
قالت: لا أريد جوابًا.
أريد أن أعرف فقط
لماذا تخاف الكتب من امرأة تسألها
من أين جاء السؤال قبل أن تأتي الإجابة.
33
مر الحاكم في الطريق
فتراجعت الجموع.
كان التاريخ يلبس قناع الحقيقة
ويطلب من الناس التصفيق
فضحكت فاطميتي
وقالت: كل سلطة تخاف من مرآة لا تستطيع امتلاكها.
34
قالت: تبدأ الدولة فكرة.
ثم تصبح جهازًا.
ثم تتحول إلى عادة.
ثم تصبح قيدًا.
ثم تبحث عن شاعر
ليضع على قبرها استعارةً فاخرة.
35
كتبت العبارة
فخرج من الورق طائر أسود
حط فوق قبة
ثم طار إلى الجنوب
وفي منقاره مفتاح صغير
لم أعرف لأي باب يصلح.
36
في الخلوة
كان الشيخ نائمًا
لكن السبحة مستيقظة.
حبة للمدينة
وحبة للنهر
وحبة للطريق
وحبة لمن لم يولد بعد
وحبة لمكان لا يحتاج إلى اسم.
37
قلت: ماذا تفعل السبحة؟
قالت: تصل الأشياء التي تفصلها الخرائط.
قلت: وهل يسمح التاريخ؟
قالت: الشعر لا يطلب إذنًا من الجغرافيا
لكنه يعرف أن الجغرافيا تستطيع الانتقام إذا كذب.
38
صار الماء في تلك اللحظة جسدًا طويلًا.
رأيت منابع بعيدة
ومستنقعات خضراء
وصخورًا سوداء
وضفافًا تتبدل فيها اللغات
ثم رأيت المجرى كله كأنه شريان واحد
لا يعرف أين ينتهي الإنسان وأين يبدأ المكان.
39
قالت فاطميتي: اكتب الماء كجسد.
ثم قالت: اكتب الجسد كذاكرة.
ثم قالت: اكتب الذاكرة كخوف.
ثم اقتربت مني
وأضافت: وحين تنتهي، لا تشرح شيئًا.
40
فكتبت.
فصعد المطر إلى السماء.
ونزل النهر من النافذة.
وتراجعت الصحراء خطوة.
وتقدمت المراكب فوق الشوارع
حتى صار البيت نفسه سفينة لا تعرف الميناء.
41
في الصباح
وجدت التاريخ مبتلًا على الطاولة.
قلت له: ماذا حدث؟
قال: لا شيء.
قلت: لكنك مبلل.
قال: لأنك قرأتني في الماء
ولأن الوثيقة حين تلامس الخيال تفقد جفافها.
42
جلس رجل عجوز عند حافة المشهد
وكان يتأمل الدولة وهي تكبر.
قال: لكل عمران شيخوخة.
قالت فاطميتي: نعم
لكن الإنسان يستطيع أن يورث الخراب ذاكرة
وأن يحوّل السقوط إلى سؤال جديد.
43
مر شاعر أعمى
وكان ظله أكثر وضوحًا من وجهه.
قال: لا تثق بالضوء دائمًا.
ثم لمس الخشب
فانفتحت في المشربية عيون كثيرة
ورأيت العالم من ثقوب لا أعرف عددها.
44
قالت فاطميتي: انظر.
هذه جهة تعرفها.
وهذه جهة تظن أنك تعرفها.
وهذه جهة لا تعرفك.
أما السادسة
فهي الجهة التي تظهر عندما تفقد أسماء الأشياء.
45
قلت: وما السابعة؟
قالت: أنت حين لا تعود أنت.
فقدت اسمي للحظة
فسمعت الجهات كلها تتحرك
ثم عادت إلى أماكنها كأن شيئًا لم يحدث.
46
كانت الليلة عارية من النجوم
وفاطميتي تمشي حافية.
كل خطوة تترك أثرًا صغيرًا في الرمل
ثم يتحول الأثر إلى باب
ثم يختفي الباب
كأن الأرض نفسها تتردد في الاحتفاظ بنا.
47
قال البحر: لا تخافي.
قالت: لا أخاف الماء.
أخاف أن يتحول الماء إلى خريطة.
ثم نظرت إليّ
وقالت: حين يصبح المجرى خطًا على الورق
يبدأ الإنسان في نسيان أنه كان حيًا.
48
في السوق
كان رجل يقرأ كتابًا ويقول: هنا بدأت الدولة.
ضحكت امرأة تبيع التمر
وقالت: لا، هنا بدأت الحكاية.
توقف الرجل عن القراءة
وأغلق الكتاب
واشترى منها حفنة تمر.
49
لأن الدولة تحب البداية
والناس يحبون الاستمرار
والشاعر يحب اللحظة
التي لا يستطيع فيها أن يعرف
هل ما يراه نهاية شيء
أم بداية شيء آخر.
50
كانت المدينة الجديدة تظهر من ظل القديمة
لا لتقتلها
بل لتسألها عن ذاكرتها.
راقب الرجل القادم من الغرب المشهد
وقال: هذه ليست المدينة التي تخيلتها.
قالت فاطميتي: لأن المدن تكبر خارج خيال مؤسسيها.
51
أعطته مرآة.
نظر طويلًا
فلم ير القصر.
رأى عاملًا يحمل حجرًا
وامرأة تبيع الماء
وصبيًا يركض
فبكى كمن اكتشف فجأة أن البناء له وجه بشري.
52
كانوا كثيرين
لكن الصفحة احتفظت باسم واحد.
مزقت الصفحة
فخرجت منها أسماء مجهولة
تكاثرت حتى صار الاسم الواحد
ألف يد وألف ظهر وألف يوم عمل.
53
قال الحجر: أنا تعب البنائين.
أنا أثر المطرقة.
أنا عرق الذين لم يدخلوا القصر.
أنا الظهر الذي انحنى كي تستقيم القبة.
أنا المدينة التي كتبها الناس ولم يكتبها المؤرخ.
54
قالت فاطميتي: لا تجعل المدينة صوتًا واحدًا.
فكل نافذة لها حنجرة
وكل سوق له إيقاع
وكل حائط يخفي محادثة
وكل امرأة تعرف عن الحي أكثر مما تعرفه الخرائط.
55
في مكان بعيد
كان قمر فوق كنيسة.
وفي مكان آخر
كان القمر نفسه فوق مسجد.
وفوق سفينة كان يلمع مرة ثالثة
فقلت: لمن ينتمي؟
قالت: للسماء، إذا لم يطالبه أحد بملكية.
56
قالت: العالم هكذا.
شيء يضيء هنا
ويصبح ظلًا هناك.
عقيدة تتحول إلى نافذة
والنافذة تتحول إلى طريق
والطريق يصبح سؤالًا
والسؤال يظل بلا مالك.
57
تبدلت الأرقام على الجدار.
909.
969.
973.
1171.
ثم 2021.
ثم 2026.
ثم سنة لا أعرفها
فأدركت أن الزمن لا يمشي، بل يبدل مواضع المقاعد.
58
قالت: لا تقل إن الماضي انتهى.
الماضي يغير ملابسه فقط.
قد يعود شارعًا
أو اسمًا عائليًا
أو حكاية جدة
أو نافذة تطل على ماء
أو امرأة تضع يدها على خشب قديم.
59
وفي حي الفاطمية بالخرطوم
سمعت صوتًا خلف الجدار.
قال: هل ما زلت تكتب؟
قلت: نعم.
قال: إذن لم ينتهِ شيء.
ثم سكت الصوت، وبقيت النافذة مفتوحة.
60
خرجت إلى الشارع.
كان الغبار يصعد من تحت السيارات
والباعة يفتحون محالهم
والفجر يخلط أسماء الأزقة
فشعرت أن الأزمنة القديمة لا تعود في هيئة ملوك
بل في هيئة تفاصيل صغيرة لا ينتبه إليها أحد.
61
قالت فاطميتي: لا تجعل مدينة نسخة من مدينة.
قلت: كيف؟
قالت: دع لكل مكان رائحته.
دع لهذا التراب صوته
ولهذه النافذة ضوءها
ولهذا الماء طريقه الذي لا يشبه طريقًا آخر.
62
فهمت أن الذاكرة لا تنقل الأمكنة.
إنها تعيد اختراعها.
حين تصل صورة قديمة إلى عين جديدة
لا تبقى الصورة نفسها
بل تولد بينها وبين العين
مساحة ثالثة لا تظهر في أي أطلس.
63
كانت المساحة الثالثة امرأة.
تمشي ببطء
وشعرها يحمل رائحة الماء
وفي يدها مفتاح
وفي جيبها حجر صغير
وعلى شفتيها سؤال لا يريد أن يتحول إلى جواب.
64
قالت: اسمي الجنوب.
ثم قالت: لا.
اسمي الطريق.
ثم قالت: لا.
اسمي الذاكرة.
ثم ضحكت
وقالت: لماذا تريدون دائمًا أن يكون لكل شيء اسم واحد؟
65
قبلت فاطميتي جبينها
كأن امرأتين من زمنين
تعرفتا قبل أن تولدا.
لم يكن بينهما جسر
ولا سفينة
ولا جيش
كان بينهما فقط ذلك النوع الغامض من المعرفة
الذي تسميه الأرواح قرابة.
66
كان الماء سريرًا طويلًا
والمدن أجسادًا نائمة
والتاريخ حبيبًا سيئ الذاكرة
والشاعر وحده مستيقظًا
يراقب اليد التي تتحسس وجه الماضي
ثم تسحبها بسرعة قبل أن يراها أحد.
67
قالت: لا تكتب الحرب.
اكتب ارتعاش اليد قبلها.
لا تكتب السلطان.
اكتب ظلّه على الجدار.
لا تكتب السقوط.
اكتب الصمت الذي صار أثقل من الكلام.
68
فصارت المجاعة
ملعقة فارغة فوق مائدة.
وصار الصراع
بابًا مغلقًا في وجه امرأة.
وصارت أزمة الحكم
مرآة لا تعكس أحدًا.
وصار سقوط القصر مصباحًا ينطفئ داخله ويظل مضيئًا في ذاكرة الخارج.
69
كان آخر العهد
ينظر إلى ما بناه
ولا يعرف أن المدينة ستعيش بعده.
قالت فاطميتي: هكذا يخطئ الملوك.
يظنون أن موت سلطتهم موت المكان
ولا يرون أن الناس يرثون حتى ما يكرهونه.
70
جاء زمن آخر.
دخل رجال جدد
وتغيرت الأختام
وتبدلت الأسماء
لكن الجدران بقيت تحفظ حرارة الأيدي القديمة
كأن الحجر لا يعترف بالتغيير إلا بعد أن ينام الجميع.
71
وفي المسجد القديم
كان الضوء يسقط على الحجر
لا لأنه يعلن انتصار عقيدة
بل لأنه يكشف قدرة المكان على ابتلاع القرون
وتحويلها إلى طبقات
يقرأها القادمون دون أن يعرفوا أسماء أصحابها.
72
قالت فاطميتي: أتعرف لماذا أحب المدن؟
قلت: لأنها لا تموت.
قالت: بل لأنها تموت كل يوم.
ثم تعود في الصباح
بائعًا جديدًا
وطفلًا جديدًا
وصوتًا جديدًا في المقهى.
73
في البحر
كانت سفينة تحمل قمحًا وبخورًا وذهبًا وكتبًا.
وكان على ظهرها رجل يصلي
وامرأة تنظر إلى الأفق
وطفل يظن أن الماء لا ينتهي
ولم يكن أحد يحمل جوازًا إلى المستقبل.
74
قال البحر: مرّ بي كثيرون.
تاجر
وحاج
وجندي
ومنفي
وبحّار
ومغامر
لكنني لا أحتفظ بأسمائهم.
75
قلت: ماذا تحتفظ إذن؟
قال: بما تركوه في الذين نجوا.
كل عابر يترك شيئًا في قلب شخص آخر
ثم يمضي
وهكذا تصنع الرحلات نسبًا لا يظهر في شجر العائلة.
76
كانت فاطميتي تمشي
ولم أعد أعرف هل تتبع الماء أم يتبعها.
وراءها قافلة
وأمامها ضوء
وفوقها طائر
وفي صدرها شيء يشبه الخوف
لكنه كان أقرب إلى الرغبة.
77
توقفت وقالت: لا تكتب النهاية.
قلت: لماذا؟
قالت: لأن النهاية باب مغلق.
وأنا أحب الأبواب التي تترك وراءها احتمالًا
حتى لو لم نعرف من سيفتحها.
78
فتحت بابًا.
كان خلفه عام 909.
فتحت آخر.
كان خلفه عام 969.
ثم بابًا ثالثًا.
كان خلفه 1171.
ثم بابًا بلا رقم، فوجدتني واقفًا أمامها.
79
قلت: أين نحن؟
قالت: في الزمن الذي لم يخترعوه بعد.
قلت: ومن اخترعه؟
قالت: الذين ماتوا قبل أن يولدوا
والذين ولدوا وهم يحملون أحلامًا لا تخص زمنهم.
80
ركض التاريخ في الشارع
لكن ظله بقي قرب النافذة.
مرّ الماء تحت البيت
وارتفعت أصوات السوق
وانفتحت جهة شرقية
ثم أغلقت
فعرفت أن المكان نفسه يستطيع أن يحلم.
81
قالت المشربية: كل هذا حدث.
قلت: متى؟
قالت: عندما صدقته.
قلت: وإذا لم أصدقه؟
قالت: سيحدث بطريقة أخرى.
ثم أغلقت إحدى فتحاتها وتركتني أمام الباقي.
82
فهمت أن القصيدة ليست مرآة للتاريخ.
إنها غرفة سرية
يدخل إليها التاريخ بلا تاج
ويخرج منها بوجه آخر.
لا أجعل الوثيقة أسطورة
ولا أجعل الأسطورة وثيقة
بل أترك النار بينهما تعمل.
83
وكانت النار فاطميتي.
تضحك أحيانًا
وتبكي أحيانًا
وتنام حين يعلو الضجيج
وتفتح عينيها حين يسكت الجميع
ثم تضع رأسها على حافة النافذة كأنها تسمع قلب الأرض.
84
قالت: أنا لست الدولة.
أنا رغبة الدولة في أن تصبح حلمًا.
قلت: وأنا؟
قالت: أنت رغبة الحلم في أن يصبح تاريخًا.
ثم ابتسمت كأنها قالت شيئًا لا يجوز للكاتب أن يكتبه كاملًا.
85
انشق القمر
وخرجت منه مكتبة.
خرج مؤرخ
وفيلسوف
وشاعر
وفنان
وامرأة تحمل مصباحًا
قالت: لا تكتبوا عن الناس من فوق، انزلوا إلى مستوى أيديهم.
86
نزلت.
رأيت السوق.
رأيت يدًا تقطع الخبز.
رأيت امرأة تغسل ثوبًا.
رأيت طفلًا يطارد كرة من قماش.
فقلت: ربما يبدأ التاريخ الحقيقي حين يعود الإنسان إلى بيته.
87
ضحكت فاطميتي.
قالت: الآن فقط بدأت ترى.
التاريخ ليس ما فعله القصر وحده
بل ما فعله الإنسان بعد أن أغلق الباب
ووضع رأسه على الوسادة
وظل يفكر في الغد.
88
كان الغد قديمًا
وكان الأمس شابًا
وكان الحاضر طفلًا
وكان الثلاثة يجلسون في مشربية واحدة
يتشاجرون على نافذة
وكل واحد منهم يزعم أنه يعرف إلى أين يمضي الزمن.
89
قال الأمس: أنا الأصل.
قال الغد: أنا المعنى.
قال الحاضر: أنا الجسد.
فقالت فاطميتي: أنتم ماء واحد.
ثم سكبت الكأس على الأرض
فلم يعرف أحد أين انتهى أحدهم وبدأ الآخر.
90
شربت من الماء
فتغير لون السماء.
عادت البحيرات
وعادت الجبال
وعادت الضفاف
وعادت السفن
وعاد الرجل الذي يحمل الحجارة
لكن أحدًا لم يعد بالصورة نفسها.
91
وهذه هي الحيلة.
كل عودة ليست عودة.
إنها ولادة ثانية للشيء نفسه.
كل ذكرى تغير وجهها حين نستدعيها
وكل مدينة تدخل القصيدة
تخرج منها أقل يقينًا وأكثر حياة.
92
كان جوهر هذه المرة شاعرًا.
يحمل ريشة بدل السيف
وقال: لو عرفت ذلك منذ البداية
لبنيت مدينة من القصائد.
فقالت فاطميتي: كل مدينة قصيدة لم تجد شكلها النهائي بعد.
93
رسم على الرمل بابًا
ثم محاه.
رسم قبة
ثم ترك الريح تمحوها.
رسم طريقًا
ثم وضع فوقه الماء
وقال: الأشياء التي تبقى في الخيال
أقوى أحيانًا من الأشياء التي تبقى في الحجر.
94
قلت: لماذا تمحو؟
قالت: كي لا تتحول الصورة إلى صنم.
فالمدينة حين تثبت في اللوحة
تفقد قدرتها على النمو
والحكاية حين تُغلق
تتحول إلى مقبرة جميلة.
95
لذلك ظلت الأمكنة تتحرك
دون أن تتبادل الأسماء.
كان سوق يلد سوقًا
وطريق يستدعي طريقًا
وبيت يفتح نافذة على بيت آخر
وكان الماء يمر بينها دون أن يطلب شهادة ميلاد.
96
وفي كل مرة تفتح المشربية
كانت الجهات الست تعول.
لكن العويل لم يعد حزنًا
صار لغة غريبة
لا تقول شمالًا ولا جنوبًا
بل تقول شيئًا أبسط: اقترب.
97
اقتربت.
لم أجد فاطميتي.
وجدت عطرها على الخشب
وشعرة عالقة في النافذة
وأثر أصابعها على الزجاج
فأدركت أن غياب المرأة قد يكون أحيانًا أكثر حضورًا من جسدها.
98
ثم فهمت أنها لم تكن امرأة واحدة.
كانت طريقة المدينة في تذكر جسدها
وطريقة الجسد في تذكر الطريق
وكانت المشربية عينًا نصف مغلقة
ترى العالم دون أن تكشف كل أسراره.
99
حين جاء الفجر
لم ينته الليل.
دخل الليل في الفجر
ودخل الماضي في المستقبل
ودخلت الذاكرة في الجسد
ودخلت الحكاية في المكان
وظل الباب مفتوحًا على شيء لم يحدث بعد.
100
وفي
الجهة الأخرى، حيث لا جهة أخرى، كانت فاطميتي واقفة خلف المشربية، ترفع
يدها للضوء، وتقول للنائم الذي ظن أنه استيقظ: لا تصدق أنك وصلت، فالوصول
بداية التيه، والتيه بداية المعرفة، والماء لا ينتهي حين يصل إلى البحر،
والمدينة لا تموت حين يسقط قصرها، والذاكرة لا تعبر الحدود لأنها لا
تعرفها، والمرأة لا تغادر حين تغلق النافذة، والشاعر لا يستيقظ حين يفتح
عينيه، بل حين يرى ما لم تره العين، ثم يضع نقطة في آخر الجملة ويترك
العالم مفتوحًا.
____
سبتمبر 2026م
حي الفاطمية - الخرطوم

تعليقات
إرسال تعليق