ديوان : حمى التكاسل

 حمى التكاسل 

مصعب الرمادي

حمى التكاسل

__________________
 الكتاب :  حمى التكاسل 

 الكاتب : مصعب الرمادي
تاريخ الطبع : سبتمبر 2026م
حقوق الطبع والتأليف محفوظة للمؤلف 

____________________ 

 1
ألهاكم التكاسل حتى هالكم التكاثر،
وكانت هي تجلس عند طرف السرير
كأنها خرجت للتو من حريقٍ لم يره أحد،
تفرد شعرها على ظهر الكرسي،
وتنفض من أصابعها رماد رجلٍ قديم،
ثم تنظر إلى النافذة كمن ينتظر أن يعود الليل من مكانٍ آخر.

2
لم تكن تبكي.
البكاء، في تلك الساعة، كان ترفًا قديمًا،
أما جرحها فكان أكثر صمتًا من الماء،
يمشي تحت الجلد،
يتوقف عند القلب،
ثم يعود من الطريق نفسه كحيوانٍ يعرف مخبأه.

3
كنت قريبًا منها بما يكفي لأسمع تنفسها،
وبعيدًا عنها بما يكفي كي لا ألمس خوفها،
بيننا نصف متر من الهواء
كان أوسع من صحراء،
وأشد ازدحامًا من مدينة،
وكانت الرغبة تقف فيه حافيةً ولا تعبر.

4
قلت في سري:
لو أنني اعترفت قبل أن يتعب الحب،
لو أنني أمسكت يدها في تلك الليلة،
لو أنني قلت إن جسدي كان يعرف جسدها
قبل أن تعرف الكلمات أسماء الأشياء،
لكن «لو» كانت عجوزًا جدًا،
وكانت تنام في مقبرة الاحتمالات.

5
هي لم تكن المرأة التي أحببتها فقط،
بل المرأة التي صنعتُها من خوفى،
من عطرٍ لم أشمه،
من قبلةٍ لم تحدث،
من صباحٍ تخيلته لنا
وظل واقفًا وحده عند باب المستقبل.

6
وهذا هو الحنين الأخطر:
أن تشتاق إلى امرأةٍ
لم تكن موجودة إلا في رأسك،
إلى بيتٍ لم تسكنه،
إلى خصامٍ لم يقع،
إلى طفلٍ لم يأتِ
وظل مع ذلك يحمل شيئًا من ملامحك.

7
كنت أغار من حياتها السابقة عليّ،
من رجلٍ عرف ضحكتها قبل أن أعرفها،
من شارعٍ حفظ خطواتها،
من فنجانٍ لمس شفتيها ذات صباح،
من مرآةٍ شهدت وجهها عاريًا من الحكايات،
ومن الهواء الذي لم يحتج إلى إذن كي يلامسها.

8
قلت للغيرة: اخرجي.
قالت: أنا لا أغار منها،
أنا أغار من الزمن الذي كان لها قبل أن أصل.
ففهمت أن الغيرة ليست دائمًا رغبةً في الامتلاك،
قد تكون حسرةً على عمرٍ
لن نستطيع سرقته من أحد.

9
في الثالثة صباحًا
أضاء الهاتف وجه الغرفة،
ظهر اسمها،
لم تكن هناك رسالة،
فقط اسمٌ صغير
يشبه بابًا لا ينبغي فتحه.

10
مددت يدي،
ثم تركتها تسقط.
كان في داخلي رجلان:
واحد يريد أن يعرف إن كانت تشتاق،
وآخر يعرف أن السؤال نفسه
قد يكون اقتحامًا لسلامٍ تعبت حتى بلغته.

11
هكذا بدأ الكسل ينقذني،
لا من العمل،
بل من الرغبة في العودة إلى ما انتهى،
فبعض البطء أخلاق،
وبعض الصمت
أكثر رحمة من ألف اعتذار.

12
لكنني كنت أعرف وجهه الآخر:
ذلك الكسل الذي يجعل الرسالة تتعفن،
والاعتذار يشيخ،
والفرصة تغلق عينيها،
ثم يقول صاحبه:
لم تكن الظروف مناسبة.

13
كم من مرةٍ كانت الظروف مجرد اسمٍ مهذب للخوف؟
كم مرةٍ قلنا «لم يحن الوقت»
بينما كان الوقت يطرق الباب
ولا نملك شجاعة فتحه؟

14
كانت هي تعرف ذلك،
لذلك قالت دون أن تتكلم:
لا تجعل فلسفتك غطاءً لجبنك.
فشعرت أن المرآة أمامي
لم تعد تعكس وجهي،
بل تعكس كل الأعذار التي ارتديتها عبر السنوات.

15
في المرآة رأيت رجلًا يشبهني
ويحمل وردةً ذابلة،
قال: أنا الحب الذي تأخر،
قلت: ومن أنت؟
قال: أنت،
حين كنت تستطيع أن تتكلم واخترت النوم.

16
ثم اختفى.
وبقيت الوردة.
وضعتها في كأس ماء،
فانفتح داخلها بابٌ صغير
خرجت منه طفولةٌ بعيدة،
وكانت هي تمشي فيها بثوبٍ أبيض لا أعرفه.

17
لم تكن الصورة فاضحة،
كانت أخطر من ذلك:
كتفٌ مكشوف في ضوء خافت،
شعرٌ مبتل،
يدٌ تمر على الجبين،
وعينان تقولان إن الجسد
ليس شيئًا ينبغي امتلاكه كي يكون محبوبًا.

18
الرغبة كانت هناك،
حارةً مثل شرفةٍ في أغسطس،
لكنها لم تكن تطلب جسدًا،
كانت تطلب اعترافًا،
أن نقول للجسد:
نحن نراك، دون أن نحولك إلى غنيمة.

19
اقتربت،
ثم توقفت.
كان بيننا نفسٌ واحد،
نفسٌ لو عبر
لأعاد كتابة سنواتٍ كاملة،
فتركناه معلقًا في الهواء
كي لا نؤذي ما بقي.

20
في الخارج
كانت السيارات تمر فوق الإسفلت المبتل،
والمدينة لا تعرف
أن رجلًا وامرأة
يختصران تاريخ الرغبة كلها
في نصف خطوة لم يقطعاها.

21
كانت الرغبة أحيانًا
أكثر شرفًا حين تتراجع،
مثل نارٍ تعرف حدود البيت،
مثل نهرٍ يقترب من البحر
ثم يكتفي بأن يرى وجهه فيه.

22
قلت لها: هل سامحتِني؟
فابتسمت ابتسامةً صغيرة
لم أعرف هل كانت غفرانًا أم وداعًا.
ومنذ ذلك اليوم
تعلمت أن بعض الإجابات
تحتاج إلى عمرٍ كامل كي تُفهم.

23
كنت أريدها أن تندم.
ليس كي تعود،
بل كي أعرف أن غيابي
ترك في قلبها حجرًا صغيرًا،
أنني لم أكن عابرًا تمامًا،
أن الطريق الذي مشيناه لم يكن وهمًا.

24
ثم خجلت من رغبتي.
ما الذي أريده من ندم امرأةٍ شُفيت؟
هل أريد انتصارًا؟
هل أريد جرحها كي أشعر أن جرحي كان حقيقيًا؟
وهل يمكن للحب أن يتحول
إلى محكمة سرية بعد الفراق؟

25
مزقت الحكم.
أغلقت المحكمة.
وأعدت إليها حريتها،
ثم اكتشفت أن أصعب أنواع الحب
أن تترك لمن تحب
حق ألا يعود إليك.

26
كانت تلك أول مرة
أفهم فيها معنى البطء:
أن لا تفعل شيئًا
حين يكون الفعل أنانية،
أن تنتظر
حتى تصبح رغبتك أقل من كرامة الآخر.

27
لكن العالم في الخارج
لم يكن يؤمن بالبطء.
المصانع تعمل،
الهواتف تعمل،
الأسواق تعمل،
والناس يركضون وراء أرقامٍ
لا يعرفون لماذا يريدونها.

28
حتى الحب دخل السوق.
صار له موعد،
وسعر،
وصورة،
ومقاس،
وصار القلب يضع سيرته الذاتية
على طاولة التفاوض.

29
قال السوق: تكاثروا.
قلت: لماذا؟
قال: لأن الفراغ خسارة.
فقلت:
ربما الفراغ هو المساحة الوحيدة
التي لا يستطيع أحد شراءها.

30
قال السوق: اعملوا أكثر.
قلت:
وماذا لو كان الجسد
قد بلغ حده؟
قال: الجسد آلة.
فضحكت،
لأن الآلات وحدها لا تحلم.

31
وضعت يدي على صدري،
كان القلب بطيئًا،
لكن بطأه لم يكن كسلًا،
كان يشتغل في الظلام
على أشياء لا تظهر في كشوف الرواتب.

32
الليل نفسه كان عاملًا مجهولًا،
يخيط الذاكرة،
يفك عقدةً،
ويعيد أخرى،
حتى يصبح الصباح
نسخةً أقل ألمًا من الأمس.

33
وكانت هي تفعل الشيء نفسه.
تنزع من جرحها خيطًا،
ثم تخيط به نافذةً،
تفتحها،
تدخل الشمس،
وتغلقها حين يعود الماضي.

34
قلت: ربما الشفاء ليس نسيانًا.
ربما الشفاء
أن تتذكر دون أن تسقط،
أن ترى وجه من آذاك
دون أن يصبح وجهه مرآةً لوجهك.

35
كنت أخاف أن أصير مثله.
الرجل الذي جرحها.
كنت أخاف أن أرتدي طريقته
وأبرر القسوة باسم الحب،
وأخلط الغيرة بالوفاء،
والامتلاك بالحماية.

36
لذلك صرت أتراجع خطوةً
كلما اشتدت الرغبة في الاقتراب،
أسأل نفسي:
هل هذه يدٌ تريد العناق
أم يدٌ تريد الإمساك؟
فالفرق بينهما
قد يكون مستقبل إنسان كامل.

37
في إحدى الليالي
كانت قريبةً مني جدًا،
حتى شعرت بحرارة أنفاسها،
وشممت رائحة المطر في شعرها،
ولم أفعل شيئًا
إلا أنني أغمضت عيني.

38
في الظلام
كان جسدي يتذكر،
لكنني تركت الذاكرة تمر
دون أن أحولها إلى فعل،
لأن بعض الذكريات
تريد أن تُعاش مرةً ثانية،
بينما تحتاج هي أن تُفهم فقط.

39
الجسد لا ينسى بسهولة.
يحتفظ بمكان اليد،
بوزن الرأس على الكتف،
بالمسافة بين نبضين،
برائحة ثوبٍ في خزانة،
وبذلك الارتباك الصغير قبل اللمسة.

40
لكنني تعلمت أن ذاكرة الجسد
ليست إذنًا بالعودة،
وأن الشهوة
ليست عقد ملكية،
وأن الرغبة قد تبقى جميلة
حتى حين لا تتحقق.

41
كنت أراقب حياتها أحيانًا،
صورةً عابرة،
خبرًا صغيرًا،
ضحكةً في مكان بعيد،
ثم أعود إلى يومي،
وأشعر بغيرةٍ لا تريد شيئًا سوى أن تعرف أنها بخير.

42
وهذا النوع من الغيرة
لا يعترف به أحد،
لأن العاشق يريد أن يبدو نبيلًا،
بينما داخله طفلٌ صغير
يسأل:
هل ضحكت اليوم كما كانت تضحك معي؟

43
ثم يأتي السؤال الأكثر قسوة:
هل أصبحت أسعد بدوني؟
وإذا كانت كذلك،
هل ينبغي أن أحزن
لأنني لم أعد جزءًا من سعادتها؟

44
جلست طويلًا أمام السؤال،
حتى صار كرسيًا،
ثم غرفةً،
ثم مدينة،
ثم وجدت نفسي أمشي داخله
كمن يمشي في بيتٍ لا ينتهي.

45
في نهاية الممر
كانت امرأةٌ تشبهها،
لكنها لم تكن هي،
قالت:
أنت لا تشتاق إليّ،
أنت تشتاق إلى الرجل الذي كنتَه حين كنتُ أحبك.

46
توقفت.
كان ذلك أكثر ما أخافني.
ربما لم أفقدها وحدها،
ربما فقدت نسخةً من نفسي
لم تعد قادرةً على العودة.

47
وهنا ظهر السؤال الآخر:
هل أحببتها
أم أحببت أن أكون محبوبًا؟
لم أجد جوابًا،
لكن السؤال بدأ يأكل
كل الصور الجميلة التي علقتها في ذاكرتي.

48
بعض الحب
يكون مرآةً متخفية،
ننظر إلى الآخر
كي نرى أنفسنا أجمل،
ثم نحزن حين يرحل
لأن المرآة أخذت صورتنا معها.

49
لكنها لم تكن مرآةً فقط.
كانت إنسانةً كاملة،
لها خوفها،
وتعبها،
ورغبتها،
وحقها في أن تكون أكثر من دورها
في قصيدتي.

50
لذلك محوت بعض القصيدة.
حذفت جملًا كنت أظنها جميلة،
لأن جمالها كان قائمًا على تحويل ألمها
إلى مادةٍ لشهوتي الشعرية،
والشاعر أيضًا يمكن أن يؤذي
حين يجعل الآخر استعارةً فقط.

51
كان ذلك اكتشافًا مؤلمًا:
أن الكتابة ليست بريئة دائمًا،
وأن القصيدة قد تكون يدًا
تلمس جرحًا باسم الفن.

52
فجلست قرب أصيص الزهر
في الظهيرة،
وغلبني النوم،
رأيت زهرةً تخرج من الأرض
وتقول:
لا تكتب عن جرحها قبل أن تعرف كيف تصمت أمامه.

53
استيقظت مذعورًا،
كانت الشمس قد مالت قليلًا،
والغرفة هادئة،
والهاتف مقلوبًا على الطاولة،
فشعرت أنني نجوت
من رسالةٍ لم أرسلها.

54
في ذلك اليوم
لم أعمل.
لم أكتب.
لم أشرح.
جلست فقط،
وتركت داخلي يعيد ترتيب الأثاث.

55
ربما كان ذلك كسلًا،
وربما كان عملًا عميقًا
لا يراه أحد،
فالإنسان لا يظل منتجًا
حين تكون روحه
تقوم بنقل أثاثها من غرفة إلى أخرى.

56
لكنني أعرف أيضًا
كم كذبت على نفسي باسم الراحة،
كم جعلت السرير وطنًا،
والتأجيل فلسفة،
والخوف حكمة،
والهزيمة اختيارًا حرًا.

57
لذلك لم أعد أثق
في كلمة «لاحقًا» وحدها.
أسألها:
لاحقًا متى؟
وبعد ماذا؟
ومن الذي سيظل حيًا حين تصل؟

58
فالوقت ليس مخزنًا.
ما يؤجل اليوم
قد لا يجد غدًا.
القبلة المؤجلة قد تصير ذكرى،
والاعتذار المؤجل قد يصير حجرًا،
واللقاء المؤجل قد يصبح قبرًا.

59
ومع ذلك
هناك أشياء لا ينبغي استعجالها:
الحب،
الشفاء،
القصيدة،
والثقة.
كلها تحتاج إلى نارٍ هادئة
لا إلى لهبٍ يلتهمها.

60
كنت أرى هذا التناقض
يدور حولنا ككوكبٍ مكسور:
افعل، ولا تتسرع.
تحرك، وانتظر.
اقترب، واحترم المسافة.
أحب، ولا تمتلك.

61
ربما هذه هي فلسفة الكسل
حين تنجو من صورتها السطحية:
ليست عبادةً للسكون،
بل مقاومةً لفكرة
أن كل لحظةٍ لا تنتج شيئًا
هي لحظةٌ ضائعة.

62
فالطفل حين يحدق في المطر
لا ينتج شيئًا،
لكن داخله عالمٌ كامل يتكون،
والشاعر حين يسهر أمام نافذة
قد لا يكتب سطرًا،
لكنه يغير شكل صوته القادم.

63
حتى الحبيبة حين تنام
قد تكون أكثر حركةً من مدينة،
تسافر في جرحها،
تعود إلى طفولتها،
تغسل وجهها من الماضي،
وتضع قلبها في مكانٍ أكثر أمانًا.

64
وفي الصباح
قد تستيقظ مختلفةً
دون أن يعرف أحد
أن معركةً كاملة
دارت في نومها.

65
كنت أحب فيها هذه المعجزة:
أنها تستطيع أن تصمت
دون أن تكون فارغة،
وأن تبتعد
دون أن تكون باردة،
وأن تتوقف
دون أن تكون مهزومة.

66
وكانت تقول بصمتها:
لا تجعلني مشروع إنقاذ.
أنا لا أحتاج بطلًا،
أحتاج مساحةً
أتعلم فيها كيف أنقذ نفسي
من الذين يريدون إنقاذي.

67
فهمت.
وجلست بعيدًا.
كانت المسافة مؤلمة،
لكنها كانت نظيفة،
والحب النظيف
ليس دائمًا الأكثر قربًا.

68
في ليلةٍ ممطرة
فتحنا النافذة،
دخل الهواء باردًا،
وتسلل إلى الغرفة
ذلك النوع من الصمت
الذي يجعل الجسد واعيًا بكل ذرةٍ فيه.

69
نظرت إليها،
وكان الضوء على وجهها
خفيفًا كأنه يخشى الاقتراب،
فشعرت برغبةٍ عميقة
في أن أضع يدي على شعرها،
ثم تركت يدي ساكنةً.

70
لم تكن السكينة غياب الرغبة،
بل تهذيبها،
تحويل النار
من حريقٍ إلى مصباح،
ومن امتلاكٍ إلى معرفة،
ومن شهوانيةٍ عمياء إلى حساسيةٍ ترى الآخر.

71
قال المطر على الزجاج:
كل ما لا تستطيع أخذه
يمكنك أن تتعلم كيف تحبه.
فضحكت،
لأن المطر نفسه
لا يحتفظ بشيء مما يلمسه.

72
ثم تذكرت رغبتها القديمة في الانتقام،
كيف كانت تريد أن يرى الآخر
ما فعله بها،
أن يشعر للحظة
بالثقل الذي حملته وحدها.

73
لم أدنها.
فالجرح أحيانًا
يصنع في صاحبه رغبةً في العدالة
تبدو من الخارج انتقامًا،
لكنها في الداخل
صرخةٌ تقول: لقد حدث هذا لي.

74
وكانت تتعلم الآن
أن الاعتراف بالألم
لا يحتاج إلى إعادة إنتاجه،
وأن النجاة
ليست أن تجعل الجلاد ينزف،
بل أن تتوقف عن حمله داخلك.

75
راقبتها وهي تفعل ذلك ببطء،
وكان شفاؤها
أكثر إثارةً من أي انتصار،
لأنها لم ترفع راية،
لم تعلن شيئًا،
فقط بدأت تتنفس.

76
وهنا شعرت أنني أحبها حقًا،
حين لم أعد أحتاج إلى أن أكون
سبب شفائها،
ولا سبب حزنها،
ولا بطل قصتها،
بل شاهدًا يحترم حقها في أن تكون نفسها.

77
خرجت من الغرفة،
لكنها بقيت في داخلي،
خرجت من الحكاية،
لكن الحكاية لم تخرج مني،
فالغياب ليس فراغًا دائمًا،
أحيانًا يكون طريقةً أخرى للحضور.

78
عاد الهاتف إلى الطاولة،
والسرير إلى مكانه،
والنافذة إلى جدارها،
والزهرة إلى أصيصها،
لكن الأشياء كلها
صارت تحمل معنىً ثانيًا.

79
لم يعد السرير مكانًا للنوم فقط،
بل أرشيفًا للجسد،
ولم تعد النافذة طريقًا للهواء،
بل حدًا بين ما نريد
وما يجب أن نتركه.

80
ولم يعد الهاتف رسولًا،
بل اختبارًا يوميًا للقدرة على عدم السؤال،
ولم تعد المرآة صورةً،
بل محكمةً صغيرة
أسأل فيها نفسي:
هل صرت أفضل ممن آذاني؟

81
وفي كل مرة
كان الجواب ناقصًا،
وهذا النقص جعلني أكثر يقظة،
فالكمال قد يكون
آخر أشكال الغرور.

82
أما هي
فربما كانت في مكانٍ بعيد،
تفتح نافذتها،
تسقي نباتًا،
تضحك مع شخصٍ آخر،
وتعيش حياةً لا تحتاجني كي تكون حقيقية.

83
أحزنني ذلك،
ثم أراحني.
فالحب الذي لا يستطيع احتمال حرية الآخر
ليس حبًا كاملًا،
بل خوفٌ يرتدي ثوب العاطفة.

84
في تلك اللحظة
لم أعد أريد أن أعرف
هل تشتاق إليّ،
هل تذكرني،
هل ندمت،
هل تحدثت عني،
فبعض الأسئلة تموت حين ينضج صاحبها.

85
بقي سؤالٌ واحد:
ماذا سأفعل بحياتي الآن؟
لم يكن السؤال عن الحب،
بل عن الباب الذي ظللت واقفًا عنده
حتى نسيت أن في العالم أبوابًا أخرى.

86
نهضت.
ليس لأن السوق أمرني،
ولا لأن الآخرين صفقوا،
بل لأن جسدي قال: كفى.
كان ذلك نقيض الكسل الحقيقي:
نهضةٌ لا تحتاج إلى شاهد.

87
مشيت قليلًا،
ثم عدت،
فالزمن الحلزوني لا يتقدم كما نتخيل،
هو يكرر المكان
كي يمنحنا فرصةً لرؤية شيءٍ لم نره سابقًا.

88
مررت بالنافذة نفسها،
بالشارع نفسه،
بمصباح الليل نفسه،
لكنني لم أعد الرجل ذاته،
وكانت هذه أبسط معجزة
يمكن أن يمنحها الزمن لإنسان.

89
فهمت أن الشفاء
ليس إغلاق الجرح،
بل أن يصبح الجرح
جزءًا من جلدك دون أن يصبح سيدك.

90
وفهمت أن الكسل
ليس نقيض العمل دائمًا،
كما أن الحركة ليست دليل الحياة دائمًا،
فقد يركض الإنسان
وهو يهرب من نفسه،
وقد يجلس ساكنًا وهو يعيد بناء عالمه.

91
لكنني فهمت أيضًا
أن السكون الذي يطول بلا وعي
يتحول إلى مستنقع،
وأن الانتظار
إذا لم يكن له موعد داخلي
يصير شكلًا آخر من الموت.

92
لذلك لم أعد أقول: سأفعل غدًا.
أقول: سأفعل حين أكون مستعدًا،
ثم أسأل نفسي بصدق:
هل أنا غير مستعد حقًا،
أم أنني خائف من النتيجة؟

93
وكان هذا السؤال
أقسى من أي نصيحة،
لأنه ينتزع الأعذار
من جذورها،
ويترك الإنسان أمام نفسه
دون ستارة.

94
أما الحب
فتركته في مكانه،
لا أقتله،
ولا أحييه بالقوة،
لا أحوله إلى تمثال،
ولا إلى عدو.

95
تركته يمشي في دمي
مثل نهرٍ قديم،
كلما عاد
كان أقل غضبًا،
وأكثر صفاءً،
وأبعد عن الرغبة في امتلاك ضفته.

96
وفي آخر الليل
رأيت حبيبتي مرةً أخرى،
لكنها هذه المرة لم تكن امرأةً،
كانت نافذةً،
ثم مطرًا،
ثم زهرةً،
ثم ذلك الجزء من نفسي الذي تعلم أخيرًا ألا يطالب الآخرين بإنقاذه.

97
استيقظت قبل الفجر،
وضعت قدمي على الأرض،
وشعرت أن البيت كله
كان نائمًا داخل جسدي،
ففتحت النافذة،
دخل الهواء،
ولم أدع الماضي يدخل معه.

98
كان الصباح يتشكل ببطء،
والمدينة تستعد لركضها اليومي،
أما أنا فمشيت دون استعجال،
لا أبحث عن تعويض،
ولا عن امرأةٍ بديلة،
ولا عن انتصار على أحد.

99
كنت أبحث فقط
عن طريقةٍ أعيش بها
دون أن أحول التعب إلى فضيلة،
ولا الكسل إلى عذر،
ولا الحب إلى ملكية،
ولا الجسد إلى سلعة،
ولا الذاكرة إلى سجن.

100
وعندما وصلت الشمس إلى حافة النافذة،
سمعت صوتًا قديمًا يقول:
ألهاكم التكاسل حتى هالكم التكاثر.
فلم أجب.
تركت العبارة تدور حولي
كقمرٍ في زمنٍ لا مركز له،
ثم جلست قرب أصيص الزهر،
وتركت الجرح يتنفس،
وتركت الحب يبتعد دون أن أطارده،
وتركت الرغبة تظل نارًا لا تحرق أحدًا،
وتركت الماضي يحتفظ بأسراره،
ثم نهضت حين أصبح النهوض ضرورةً،
لا حين أمرني الآخرون،
ومشيت،
وفي ظهري امرأةٌ لم تعد لي،
وفي صدري قصيدةٌ لم تنته،
وفي يدي مفتاحٌ لبابٍ لا أعرفه،
وفي رأسي مدينةٌ ما زالت تتكاثر،
وفي قلبي مساحةٌ واحدة
لم أسمح لأحد أن يبيعها،
وكان الزمن أمامي
لا خطًا،
ولا دائرةً،
بل حلزونًا مفتوحًا
يصعد بي إلى المكان نفسه
كلما ظننت أنني ابتعدت،
كي أرى أخيرًا
أن ما كنت أسميه كسلًا
كان أحيانًا خوفًا،
وأحيانًا شفاءً،
وأحيانًا مقاومةً،
وأحيانًا عجزًا،
وأحيانًا بذرةً،
وأن الإنسان لا يُقاس
بعدد المرات التي تحرك فيها،
بل بما عرفه
حين جلس طويلًا
مع نفسه
دون أن يهرب.

______

سبتمبر 2026م

حي الموظفين  -  القضارف

تعليقات

المشاركات الشائعة