ديوان : محركات الديزل
محركات الديزل

مصعب الرمادي
محركات الديزل
__________________
الكتاب : محركات الديزل
الكاتب : مصعب الرمادي
تاريخ الطبع : سبتمبر 2026م
حقوق الطبع والتأليف محفوظة للمؤلف
____________________
1
في البدء كان الحديدُ نائمًا تحت جلد الأرض،
وكان الإنسان يفتش عن حصانٍ لا يأكل الشعير،
فأخرج من جوف الفحم قلبًا أسطوانيًا،
وضغط الهواء حتى صار للزمن أسنان،
ثم دفع قطرةً سوداء إلى فم النار،
فاستيقظ الوحشُ ومشى.
2
لم يكن المحرك يومها يعرف اسمه،
كان مجرد ارتعاشةٍ في معدنٍ يتعلم النبض،
مكبسٌ يصعد كفكرة، وينزل كندم،
وصمامٌ يفتح نافذةً للهواء،
وغرفةٌ صغيرة تختصر حرب العناصر،
حتى صار الاحتراق لغةً للحركة.
3
قال الحديد للإنسان:
أعطني الوقود أعطك المسافة،
أعطني الطريق أعطك المدينة،
أعطني المدينة أعطك الزحام،
أعطني الزحام أعطك حلمًا جديدًا بالهرب،
ثم عاد الإنسان يبحث عن قريةٍ لم يغادرها بعد.
4
كانت الشاحنة تعبر قبل الفجر،
وخلفها فانوسٌ أصفر يراقب الطريق،
فانوسٌ يعرف الكيروسين ولا يعرف المصانع،
ومحركٌ يعرف الديزل ولا يعرف القصائد،
لكن الليل جمعهما في نافذة واحدة،
كأن قرنين من التاريخ جلسا على مقعد واحد.
5
قال الأسطى:
لا تبحث عن الشعر في الكتب وحدها،
المحرك يكتب أيضًا، لكن بالحركة،
كل مكبسٍ سطرٌ يعلو ثم يهبط،
كل حقنٍ فاصلةٌ سوداء في الجملة،
وكل طقّةٍ اعترافٌ لا يقوله الحديد مرتين.
6
المدينة التي اخترعت السيارة
اخترعت معها الإشارة الحمراء،
ثم اخترعت الزحام،
ثم اخترعت أبواقًا لا تعرف الصمت،
ثم باعت للإنسان ساعةً ليتابع تأخره،
وسمّت ذلك تقدمًا.
7
على الإسفلت العالمي
يمر الحديد بأسماء كثيرة،
شاحنةٌ في الخرطوم، جرارٌ في القضارف،
حافلةٌ في القاهرة، قطارٌ في برلين،
زورقٌ في البحر، طائرةٌ فوق المحيط،
والآلة كلها تبحث عن اختصار المسافة.
8
حين يبدأ الخريف،
يصبح الطين امتحانًا للآلة،
وتصبح الغيمة دفتر الحساب،
ويخرج الجرار من نومه الثقيل،
يضع عجلاته في الوحل،
كأنه يفاوض الأرض على لقمةٍ مؤجلة.
9
القضارف لا تنام في موسم المطر،
الحقل يفتح فمه للجرار،
والجرار يفتح خزانَه للديزل،
والديزل يفتح طريقًا في الطين،
والطريق يفتح فم السوق،
والسوق يسأل الحبة: كم تساوين بعد كل هذا؟
10
المزارع يعرف أن المطر وحده لا يكفي،
فالزمن يحتاج إلى آلة،
والآلة تحتاج إلى وقود،
والوقود يحتاج إلى مال،
والمال يحتاج إلى محصول،
والمحصول يحتاج إلى مطرٍ لا يوقّع عقدًا.
11
في دفتر الموسم
يكتب الفلاح أسماءً لا تظهر في الشعر:
جرار، بذار، حرث، حصاد، نقل،
ثم يضع أمامها رقمًا،
فيتحول الرقم إلى حجرٍ في صدره،
وتتحول الحبة إلى سؤال اقتصادي.
12
محطة الوقود عند المساء
تشبه سوقًا لبيع الوقت،
خزانٌ ينتظر، وشاحنةٌ تنتظر،
ومزارعٌ ينظر إلى العداد،
والعداد يرقص بأرقامٍ باردة،
كأنه يعرف أكثر مما ينبغي عن حياة الناس.
13
يدخل الوقود الخزان،
ويخرج من جيب صاحبه جزءٌ من الغد،
فتتحرك السيارة،
وتتراجع القدرة الشرائية خطوة،
ويظل الطريق مفتوحًا،
كأن الاقتصاد لا يرى من يسير تحته.
14
في الليل تعمل المولدات،
تطن كحشراتٍ معدنية عملاقة،
تدفع الظلام إلى زاوية الحوش،
وتوقظ الثلاجات والمصابيح والمضخات،
ثم تترك وراءها رائحةً ثقيلة،
كأن الضوء نفسه له دخان.
15
الكهرباء تأتي كزائرةٍ متعبة،
تجلس قليلًا ثم تغادر،
فيقوم المولد من مقعده،
يمسح على لحيته المعدنية،
ويقول للبيت: لا تقلق،
أنا أعرف كيف أصنع نهارًا من الليل.
16
لكن المولد لا يعرف الحب،
ولا يعرف السياسة،
ولا يعرف لماذا انطفأت المدينة،
هو يعرف الزيت والفلتر والحاقن،
ويعرف أن الطفل يريد أن يقرأ،
وأن المستشفى لا يستطيع أن ينام.
17
في الورشة
كان الأسطى يضع أذنه على غطاء المحرك،
كأنه يسمع قلب رجلٍ مريض،
ثم يبتسم قبل أن يفك المسمار،
فالآلة تتحدث بلغةٍ لا يسمعها العابرون،
والعطل أحيانًا همسةٌ لا صرخة.
18
قال المتدرب: كيف عرفت؟
قال الأسطى: لأن الصوت تغيّر،
قال: وأين سمعت التغيير؟
قال: في المكان الذي لا تسمعه أنت،
ثم أدار المحرك،
فأجاب الحديد بنفسه.
19
كانت المفاتيح معلقةً على الجدار
كأسنانٍ اصطناعية لعملاق،
والكماشات تنام قرب المفكات،
والزيت يرسم خرائط على الأرض،
والبراغي الصغيرة تتدحرج
كعملاتٍ هربت من جيب العالم.
20
في المنطقة الصناعية
لا أحد يعزف على آلة موسيقية،
ومع ذلك تبدأ السمفونية:
مطرقة، مخرطة، ضاغط، مولد، محرك،
ثم صوت راديو بعيد،
حتى يصبح الضجيج نوعًا آخر من الصمت.
21
الأسطى لا يحمل كتاب فلسفة،
لكن أصابعه تعرف الوجود،
تعرف أن الشيء لا يموت دفعةً واحدة،
وأن العطب يبدأ غالبًا صغيرًا،
من خرطومٍ متعب أو مسمارٍ مرتخٍ،
ثم يكبر حتى يصير مصيرًا.
22
كان يقول للفتى:
لا تبدّل القطعة لمجرد أنك تستطيع،
اسمع أولًا،
فالمحرك ليس صندوقًا من الأشياء،
إنه تاريخٌ متشابك من العلاقات،
وأحيانًا يكفي أن تعيد للقطعة ذاكرتها.
23
وهكذا أصبحت الورشة مدرسة،
لا سبورة فيها إلا غطاء المحرك،
ولا طباشير إلا أثر الشحم،
ولا امتحان إلا لحظة التشغيل،
ولا شهادة إلا أن تخرج السيارة،
وتعود إلى الطريق بلا خوف.
24
السيارة التي تخرج من المصنع
لا تولد مرةً واحدة،
تولد في التصميم،
وفي المعدن،
وفي التجميع،
ثم تولد من جديد تحت يد الميكانيكي،
كلما حاول الزمن أن يستهلكها.
25
في مكان بعيد من أوروبا
كان رجلٌ يختبر عربةً ذات قلبٍ صغير،
والطريق لا يزال مترددًا،
والحصان ينظر إليها باستخفاف،
لكن العجلة تحركت،
وغيّرت معنى المسافة.
26
لم يصنع رجلٌ واحدٌ السيارة وحده،
فالتاريخ ليس ورشةً لها أسطى واحد،
بل آلاف الأيدي والأفكار،
المحرك، العجلة، الوقود، المكابح،
المعدن، الطريق، المصنع،
ثم الإنسان الذي قال: لنجرّب.
27
وجاء المصنع،
وصار الزمن نفسه خط تجميع،
يدخل المعدن من باب،
وتخرج السيارة من باب آخر،
والإنسان يقيس الدقيقة بالقطعة،
كأن الساعة تحولت إلى آلة إنتاج.
28
ومنذ ذلك اليوم
لم تعد السيارة وسيلة نقل فقط،
صارت وظيفةً وإعلانًا ومكانة،
وصارت المرآة الخارجية
تلمع أحيانًا أكثر من وجه صاحبها،
وصار الشعار المعدني بطاقة هوية.
29
أسماءٌ كثيرة تعبر الشوارع،
أسماءٌ ولدت في قارات مختلفة،
ثم اجتمعت في المدينة نفسها،
كأن السوق قصيدةٌ متعددة اللغات،
كل بيت فيها علامة،
وكل عجلة ترجمة.
30
ثم اخترع الإنسان السباق،
لأنه لم يكتفِ بالوصول،
أراد أن يصل قبل الآخر،
أن يجعل الثانية خصمًا،
والمتر بطولة،
والمنعطف امتحانًا للأعصاب.
31
الحلبة مختبرٌ مكشوف،
والسيارة فرضيةٌ تتحرك،
والسائق قلبٌ داخل خوذة،
والميكانيكي حارسٌ للزمن،
والإطار شاعرٌ يلمس الأرض،
والعلم يركض خلف السرعة.
32
في المنعطف
تجتمع قوى كثيرة في لحظة واحدة،
كتلةٌ تريد الاستمرار،
وإطارٌ يريد التماسك،
هواءٌ يريد دفع السيارة،
وسائقٌ يريد النجاة،
وزمنٌ لا يملك الرحمة.
33
الفرامل لا توقف الحركة فقط،
إنها تبتلع جزءًا من طاقة الاندفاع،
تحول السرعة إلى حرارة،
والحرارة إلى معدنٍ متوهج،
فتدور الشمس تحت العجلة،
ويتعلم السائق معنى التباطؤ.
34
كلما زادت السرعة
صار الخطأ أكثر كلفة،
فالقوانين الفيزيائية
لا تعرف اسم السائق،
ولا شعار الفريق،
ولا ثمن السيارة.
35
الإطار هو الكائن الصغير
الذي يحمل كل هذه الحضارة،
بين المطاط والإسفلت
تتحدد لحظةٌ كاملة،
نقطة تماسٍ ضئيلة،
لكنها تحمل وزن العالم.
36
الإسفلت نفسه
ليس أرضًا صامتة،
له خشونته وحرارته وحفره،
له ذاكرة العجلات،
وله قدرةٌ عجيبة
على حفظ آثار السرعة.
37
في الحوادث
تتكلم الهندسة بلغةٍ أكثر جدية،
تنكسر السيارة،
لكن المهندس يسأل: أين امتصت الطاقة؟
أين تحرك الجسد؟
وأين كان ينبغي أن تكون الحماية؟
38
ثم تأتي الخوذة،
والحزام،
والخلية الآمنة،
والحواجز،
ونظم الإنقاذ،
كأن الصناعة تتعلم من هشاشة الإنسان.
39
لا تمجد الآلة الخطأ،
بل تدرسه،
تفتح الحطام مثل كتاب،
تقرأ الحديد المحني،
وتسأل السؤال البارد:
كيف نمنع هذه الصفحة من التكرار؟
40
وهكذا يصبح السباق
أكثر من سرعة،
إنه مختبر للحدود،
كلما اقتربت الآلة من الحافة
ازدادت الحاجة إلى عقلٍ
يعرف أين يتوقف.
41
في السودان
كان النفط يخرج من باطن الأرض،
ثم يدخل الحكاية من باب الأنابيب،
يمضي شمالًا في الظلام،
يحمل معه رائحة الصخور القديمة،
حتى يقترب من البحر.
42
هجيليج ليست مجرد كلمة على الخريطة،
إنها اسمٌ ثقيل في ذاكرة النفط،
حقلٌ تحت الأرض،
وخطٌ فوق الأرض،
وتاريخٌ تتقاطع فيه الجغرافيا والاقتصاد،
ثم يعود كله إلى المضخة.
43
كان الأنبوب قصيدةً مدفونة،
لا يراه المسافر،
ولا يقرأه الفلاح،
لكنه يحمل السائل الأسود
من عمق اليابسة
إلى بوابة البحر.
44
بشائر عند البحر الأحمر
تبدو في الاسم كأنها وعد،
وفي الاقتصاد بوابة،
تصل إليها مسافاتٌ طويلة،
ثم يفتح البحر فمه،
فتخرج قطرة النفط إلى العالم.
45
وفي مكان آخر
تنتظر المصافي دورها،
فالخام لا يبقى خامًا في الحكاية،
يتحول إلى منتجات،
إلى وقود،
إلى حركةٍ تعود مرة أخرى إلى الطرق.
46
لكن الخريطة تغيّرت،
وانفصلت أرضٌ عن أرض،
فتبدلت الحقول والحدود والحسابات،
وصار السودان ينظر إلى النفط
كما ينظر المرء إلى صورةٍ قديمة،
يعرف فيها نفسه ولا يملكها كلها.
47
ومنذ ذلك الوقت
صار الاقتصاد أكثر حساسية للوقود،
فكل ارتفاعٍ في سعره
يمشي في الشاحنة،
ثم في الجرار،
ثم في السوق، ثم في رغيف البيت.
48
عاد الديزل إلى القرية
في بطن جرارٍ قديم،
لم يحمل معه خطابًا سياسيًا،
بل حمل فقط قدرةً على الحرث،
لكن الاقتصاد كان يختبئ خلفه،
مثل ظل طويل لا يراه السائق.
49
في موسم المطر
يصبح الزمن حادًا،
إذا تأخر الجرار تأخر الحقل،
وإذا تأخر الحصاد تأخرت الشاحنة،
وإذا تأخرت الشاحنة تأخر السوق،
حتى تتشابك ساعة السماء بساعة الإنسان.
50
القضارف في الخريف
مدينةٌ تمشي على حافة الوحل،
الحبة فيها ليست حبة فقط،
بل رحلةٌ من البذر إلى الحصاد،
ومن الحقل إلى الشاحنة،
ومن الشاحنة إلى سوقٍ لا ينتظر أحدًا.
51
والسائق يعرف الطريق
كما يعرف خطوط يده،
يعرف الحفرة قبل أن تظهر،
ويعرف الطين من لمعانه،
ويعرف متى يضغط على الوقود،
ومتى يترك العجلة تتنفس.
52
تمر الشاحنة أمام فانوس،
فتصنع في لحظة واحدة
مسرحًا بين قرنين:
ضوءٌ صغير من قرية،
ومحركٌ كبير من صناعة حديثة،
والليل يضحك بينهما.
53
الفانوس لا يشعر بالغيرة،
فهو يعرف مهمته:
أن يمنح العين مساحةً صغيرة للرؤية،
بينما يعرف المحرك مهمته:
أن يمنح الجسد مساحةً أكبر للحركة،
وكلاهما أسير قطرة وقود.
54
الجاز في الفانوس
ليس ديزلًا،
لكن الذاكرة لا تحب الفوارق العلمية،
فتجمع الوقودين في صورة واحدة،
وتجعل الضوء والحركة
أخوين من عائلة النار.
55
تجلس المرأة قرب الفانوس،
فتتحول بقعة الضوء إلى عالم،
يدها تطوي الثوب،
وعينها تراقب الباب،
والليل يترك لها نصف وجه،
كي يكمل الشاعر النصف الآخر.
56
أحمر في النافذة،
أزرق على الجدار،
أصفر فوق المائدة،
أبيض قرب الكتاب،
والليل يبدل أقنعته،
كما يبدل العاشق أسماء حبيبته.
57
الأخضر لا يجعل الليل نهارًا،
بل يمنحه لونًا آخر،
والأزرق لا يكشف الأشياء،
بل يضيف إليها مسافة،
والأحمر يوقظ الستارة،
والأبيض يترك للحقيقة بابًا.
58
سبورة الليل
تنتظر يد الطفل،
فيكتب اسمه،
ثم يمسحه،
ثم يكتبه من جديد،
كأن المعرفة ولادةٌ متكررة.
59
خلف المدرسة
يعمل محرك،
يدخل طنينه إلى الدرس،
فيتعلم الطفل دون أن يدري
أن الحضارة ليست كتابًا فقط،
بل صوتٌ معدني يمر خلف النافذة.
60
ما أغرب الإنسان:
يخترع الكتابة كي يتذكر،
والمحرك كي يتحرك،
والمدينة كي يجتمع،
ثم يشتاق إلى مكانٍ هادئ
لا يسمع فيه إلا المطر.
61
اخترع الكهرباء لطرد الليل،
ثم اخترع المولد لإعادة الضوء،
ثم اخترع الشبكات،
ثم البطاريات،
ثم عاد يبحث عن شمسٍ مجانية،
كأن الحضارة تدور حول السؤال نفسه.
62
العجلة لم تمت،
حتى حين دخلت الشاشة إلى حياتنا،
ظلت تدور تحت الشاحنة،
وتحت الجرار،
وتحت الدراجة،
وتحت أحلام الإنسان بالوصول.
63
الطائرة تفاوض الهواء،
والزورق يفاوض الماء،
والسيارة تفاوض الإسفلت،
والدراجة تفاوض توازن الجسد،
والقطار يفاوض السكة،
والإنسان يفاوض المسافة.
64
في البحر
يصير الماء طريقًا،
وفي السماء يصير الفراغ طريقًا،
وفي الحلبة يصير الإسفلت طريقًا،
وفي العمر تصير السنوات طريقًا،
ولا أحد يعرف أين تنتهي الرحلة.
65
الديزل يقف خلف المسرح،
لا يلمع مثل سيارة السباق،
ولا يظهر في الصورة التذكارية،
لكنه يحمل الشاحنة،
يشغل الجرار،
ويوقظ مولدًا حين ينام التيار.
66
الجمهور يرى السيارة اللامعة،
ولا يرى اليد السوداء بالشحم،
يرى الشاحنة وهي تمضي،
ولا يرى الرجل الذي نام تحتها،
يرى المحرك يعمل،
ولا يرى الأصابع التي أعادته إلى النبض.
67
ذلك هو يوم الميكانيكي:
حديدٌ بارد في الصباح،
حرارةٌ في الظهيرة،
زيتٌ على القميص،
مسمارٌ عنيد،
ثم لحظة تشغيل تجعل التعب صامتًا.
68
إذا اشتغلت السيارة
قال صاحبها: الحمد لله،
وانصرف،
لكن الأسطى يبقى ينظر إلى المحرك،
كأنه يسمع بعد الرحيل
سؤالًا لم ينتهِ.
69
الصناعة لا تنتهي عند المصنع،
بل تبدأ كل صباح،
حين يفتح السائق الباب،
ويضع يده على المفتاح،
ويطلب من الآلة
أن تثق به مرة أخرى.
70
في جياد
تلتقي قطعٌ وأسماءٌ ولغات،
معدنٌ سوداني،
معرفةٌ عابرة للحدود،
تجميعٌ وتركيبٌ وطلاء،
ثم سيارةٌ تحمل كل ذلك إلى الطريق.
71
المصنع لا يصنع سيارة فقط،
إنه يصنع احتمالًا،
احتمال أن يصبح الحديد معرفة،
وأن تصبح المعرفة صناعة،
وأن تدخل الصناعة الاقتصاد،
ثم تدخل الاقتصادَ حياة الناس.
72
لكن السيارة الحديثة
لا تنتمي إلى بلد واحد،
قطعةٌ قد تولد بعيدًا،
وفكرةٌ في قارة أخرى،
وترخيصٌ في مكان ثالث،
ثم تتجمع كلها في جسد واحد.
73
وهكذا يصبح الهيكل
جواز سفرٍ من المعدن،
لا يحمل ختمًا واحدًا،
بل يحمل خرائط متعددة،
وكل مسمار فيه
يحكي عن عالمٍ متصل.
74
وفي مصنع الشاحنات
يتكلم اللحام بلهجة النار،
والطلاء يخفي ندوب المعدن،
والتجميع يعيد ترتيب الأجزاء،
حتى تصبح القطع المتفرقة
جسدًا واحدًا يعرف الطريق.
75
ثم تخرج الشاحنة،
ولا يعرف المارة كم يدًا صنعتها،
كم فكرةً دخلت فيها،
كم ساعةً نامت في المصنع،
كم بلدًا عبر اسمها،
وكم طريقًا ينتظرها.
76
القضارف لا تسأل الشاحنة عن جوازها،
تسألها فقط: هل تصل؟
هل تحمل المحصول؟
هل تستطيع عبور الطين؟
هل يصل الوقود إلى خزانها؟
هل يعود السائق سالمًا؟
77
في موسم المطر
تصبح تكلفة الوقود جزءًا من الحبة،
وجزءًا من النقل،
وجزءًا من الحصاد،
وجزءًا من الخوف،
حتى يبدو الاقتصاد كآلةٍ ضخمة داخل حبة ذرة.
78
الأرقام في الدفاتر باردة،
لكن وراء الرقم يدٌ على المقود،
وامرأة تنتظر المحصول،
وعامل يحمل جركانة،
وسائق يحسب المسافة،
ومزارع يرفع عينيه إلى الغيمة.
79
هنا يصبح الاقتصاد شعرًا خفيًا،
ليس لأنه جميل،
بل لأنه يتسلل إلى كل شيء:
إلى سعر النقل،
إلى سعر الطعام،
إلى ساعة العمل،
وإلى عدد المرات التي يدور فيها المحرك.
80
المطر لا يقرأ جدول الأسعار،
والطين لا يعرف سعر السوق،
والجرار لا يفهم التضخم،
لكن الإنسان يفهم الثلاثة،
ويضعها في رأسه
ثم يقرر أن يخاطر.
81
ذلك هو التناقض:
مدينة تريد السرعة،
وأرض تريد المطر،
ومحرك يريد الوقود،
وسوق يريد الربح،
وإنسان يريد أن يبقى حيًا
بين كل هذه الرغبات.
82
المحرك لا يفهم المطر،
والمطر لا يفهم المحرك،
لكن الفلاح يفهمهما معًا،
يعرف متى يزرع،
ومتى ينتظر،
ومتى يقول للطين: ليس اليوم.
83
وفي المدينة
يستمر الطنين،
حافلةٌ، شاحنةٌ، دراجةٌ، مولد،
مضخةٌ، سيارةٌ، سيارةٌ أخرى،
حتى يصبح الصمت
حادثةً نادرة.
84
الليل الحديث لا ينام،
محطاتٌ مضاءة،
شاحناتٌ عائدة،
مطاعم مفتوحة،
مولداتٌ تحرس الأحياء،
وكأن الحضارة تخشى أن تترك الليل وحده.
85
ثم يسأل الهواء:
من سيدفع ثمن كل هذا الاحتراق؟
يصمت المحرك،
تصمت المدينة،
ويظل الدخان يصعد
كعلامة استفهام سوداء.
86
لا يكون الوقود شريرًا ولا طيبًا،
إنه طاقةٌ في يد الإنسان،
يمكن أن تحرث،
وتنقل،
وتضيء،
ويمكن أن تترك وراءها أثرًا أثقل من الطريق.
87
لهذا بدأت الحضارة
تبحث عن قلبٍ آخر للآلة،
بطاريات،
كهرباء،
هجين،
شمس،
وطاقة تستعيد بعض ما فقدته في الطريق.
88
حتى الفرامل تغيرت،
لم تعد مجرد نهاية للسرعة،
صارت في بعض الأنظمة
تسترد جزءًا من الطاقة،
كأن الآلة تعلمت
أن تستفيد من لحظة تراجعها.
89
ما أغرب هذه الحكمة الميكانيكية:
أن الخسارة يمكن أن تصبح طاقة،
وأن التباطؤ قد يصنع حركة،
وأن الفرملة ليست موتًا دائمًا،
بل أحيانًا طريقة أخرى
للبقاء.
90
في السباق
تتقدم الثانية على الإنسان،
وفي الزراعة يتقدم المطر،
وفي الورشة يتقدم العطل،
وفي السوق يتقدم السعر،
وفي البيت يتقدم الليل،
والإنسان يركض خلف الجميع.
91
طنينٌ في الخرطوم،
طنينٌ في القاهرة،
طنينٌ في طوكيو،
طنينٌ في ميناء،
طنينٌ فوق المحيط،
والعالم كله آلةٌ واحدة بأصوات مختلفة.
92
كل محرك يقول: أنا هنا،
كل مدينة تقول: وأنا أيضًا،
كل طريق يقول: مروا بي،
كل سوق يقول: أسرعوا،
والإنسان في المنتصف
يحاول أن يسمع نفسه.
93
صنع الإنسان الآلة،
ثم أحبها،
ثم خاف منها،
ثم اعتمد عليها،
ثم نسي أن يسأل
من يقود من.
94
صار الهاتف يعرف الطريق،
والسيارة تعرف الطريق،
والخريطة تعرف الطريق،
فجلس الإنسان وسط كل هذه المعرفة
وسأل بصوتٍ خافت:
أين الطريق الذي كنت أعرفه؟
95
ربما كان الطريق
ترابيًا ذات مساء،
ينتهي عند بيت صغير،
وفوق الباب فانوس،
وفي الداخل امرأة
تترك نصف الضوء للانتظار.
96
الأب لم يصل بعد،
والطفل يقرأ،
والأم تطوي ثوبًا،
والفانوس يراقب الباب،
والليل يجلس في العتبة،
كأنه يعرف أن الانتظار أطول من الطريق.
97
ثم يصل المحرك،
تتوقف العجلات،
يسكت الطنين،
تنطفئ حرارة المعدن ببطء،
ويبقى الفانوس وحده
يحرس البيت من العتمة.
98
هنا تفهم الذاكرة
أن الحداثة لا تقتل القديم،
بل تخبئه داخلها:
الفانوس داخل الضوء،
الضوء داخل الكهرباء،
والديزل داخل صوت الطريق،
والطريق داخل ذاكرة الإنسان.
99
إذا سألت المحرك: ماذا صنعت؟
قال: أعطيتكم السرعة.
وإذا سألت المدينة: ماذا صنعتِ؟
قالت: أعطيتكم المسافة.
وإذا سألت الإنسان: ماذا فعلت بكل ذلك؟
أشعل فانوسًا، وسكت.
100
ثم مضى الديزل في الليل،
لا بطلًا ولا شريرًا،
قطرةً سوداء في تاريخ الحركة،
بين يد الفلاح ويد الأسطى،
بين القضارف وبشائر، وبين المصنع والطريق،
وبقي الفانوس يضيء الجزء الذي لم تستطع الآلة أن تضيئه: القلب.
_____
سبتمبر 2026م
المنطقة الصناعية - القضارف

تعليقات
إرسال تعليق