ديوان : شىء من هذا القبيل
شىءٌ من هذا القبيل

مصعب الرمادي
شىءٌ من هذا القبيل
__________________
الكتاب : شىء من هذا القبيل
الكاتب : مصعب الرمادي
تاريخ الطبع : سبتمبر 2026م
حقوق الطبع والتأليف محفوظة للمؤلف
_____________________
1
في تلك الليلة لم يحدث شيء،
أو حدث كل شيء دفعةً واحدة،
كانت النافذة مفتوحة على مدينة لا تنام،
وكانت هي تترك شعرها على الوسادة كخريطةٍ للعودة،
أما أنا فكنت أفتش في عينيها عن بداية القصيدة،
فوجدت شيئاً من هذا القبيل.
2
قالت: لا تكتب الآن،
فالليل أكثر شاعرية حين لا نسمّيه،
وكان ضوء المدينة يتسلل من شق النافذة،
كأنه رسام أعمى يبحث عن لونٍ لم يخترعه بعد،
وفي الخارج كانت السيارات تمضي نحو صباحها،
وفي الداخل كان الزمن يخلع ساعته.
3
على الطاولة ثمرة تين،
مشقوقة كقلبٍ تأخر في الاعتراف،
وضعت يدها قربها ولم تلمسها،
فصار التين أكثر حضوراً من جسدين عاشقين،
وصارت النافذة قصيدةً عن المسافة،
وصار الصمت جسداً ثالثاً بيننا.
4
قلت لها: المدينة تشبهك الليلة،
تضيء أكثر مما ينبغي وتخفي أكثر مما تقول،
فضحكت، فاهتزت اللوحة المعلقة فوق السرير،
وكان وجه المرأة فيها يراقبنا دون ملامح،
كأن الفن الحديث اكتشف فجأةً أن له قلباً،
وأن القلب لا يطيع النقاد دائماً.
5
كانت امرأةً أعرفها ولا أعرفها،
كلما اقتربتُ من ذاكرتها ابتعدتْ إلى احتمال آخر،
وكلما قلتُ: هذه هي،
تبدّل الضوء في وجهها،
حتى خلتُ أنني أحب نسخاً متعاقبة من امرأة واحدة،
أو امرأةً واحدة تسكن نسخاً من الزمن.
6
السرير لم يكن سريراً،
كان صفحةً بيضاء أرهقها الحبر،
وكانت الوسادة تحمل انحناءة رأسٍ قديم،
ربما كان رأسي، وربما رأس رجل لم يولد بعد،
أما الغطاء فكان يعرف ما لا أعرفه،
ويصمت مثل شاهدٍ محترف.
7
في الخارج برجٌ أزرق،
وفي الداخل قلبٌ يحاول أن يصبح مدينة،
قالت: لماذا تكتب عن المدن كثيراً؟
قلت: لأن النساء لا يعطين أسرارهن دفعةً واحدة،
فابتسمت كأنها تعرف الجواب قبل السؤال،
ثم أغلقت نصف النافذة وتركت النصف الآخر للريح.
8
كانت الريح تدخل علينا بلا استئذان،
تحرك الستارة، وتعيد ترتيب الظلال،
فمرةً يصبح ظلها أطول من جسدها،
ومرةً يصبح ظلي غريباً عني،
ومرةً لا يبقى على الجدار إلا ظلّ ثالث،
لا نعرف لمن يعود.
9
هنا تبدأ الحكاية،
أو لعلها تنتهي هنا،
فالقصيدة الحرة لا تحب الأبواب المستقيمة،
والحب أيضاً لا يعرف أين يضع فاصلة النهاية،
وكلما ظننت أنني وصلت إلى المعنى،
كان المعنى يفتح نافذة أخرى.
10
قالت: ماذا تريد مني؟
قلت: شيئاً لا أستطيع تسميته،
شيئاً بين الرغبة والذكرى،
بين امرأةٍ أعرفها وحلمٍ يزورني،
بين لوحة معلقة ومدينة تنتظر المطر،
شيئاً من هذا القبيل.
11
بعد منتصف الليل
كانت المدينة تبدو كلوحة تجريدية ضخمة،
نقاط الضوء فيها ليست نوافذ،
بل ذكريات لأشخاص لم نلتق بهم،
والشوارع خطوطاً عصبية لكائنٍ هائل،
يمشي تحتنا ولا نراه.
12
جلستْ عند حافة النافذة،
وكان القمر يضع على كتفها لوناً لا اسم له،
قلت: لو كنت رساماً لرسمتك هكذا،
قالت: ولو كنت شاعرةً لمسحت اللوحة،
لأن المرأة لا تُختصر في إطار،
ولأن الحب أوسع من الجدار.
13
في الصباح وجدنا شجرة التين مكانها،
لكن أحداً لم يتذكر من وضعها هناك،
قالت إنها قد رأتها فيما ترى الممحونة قيامة نائمة ،
قلت وانا كذلك قد رأيتها في حلمي قبل سنوات،
ثم سكتنا، لأن الأشياء أحياناً تسبق أصحابها إلى الذاكرة.
14
كانت المدينة تستيقظ ببطء،
مقاهٍ تفتح أبوابها،
باعة جرائد يوزعون أخبار العالم،
امرأة تعبر الشارع بحقيبة حمراء،
ورجل يحمل لوحة تحت ذراعه،
كأن العالم كله ذاهب إلى معرضٍ لا يعرفه.
15
قلت لها: لستِ امرأةً فقط،
أنتِ مدينةٌ ذات حدود متحركة،
قالت: وأنت لست شاعراً فقط،
أنت رجلٌ يضع أسئلته في جيوب الآخرين،
ثم يبحث عنها حين يغادرون،
فضحكت المدينة من النافذة.
16
في اللوحة امرأة بلا عينين،
ومع ذلك كانت ترى كل شيء،
رجل بلا فم،
ومع ذلك كان يقول شيئاً في صمته،
نافذة بلا بيت،
وبيت بلا سكان.
17
قلت: هذا هو الفن الحديث،
أن نترك الأشياء ناقصة كي تكتمل في عين المتلقي،
قالت: وهذا هو الحب أيضاً،
أن نترك في الآخر مكاناً لا نستطيع دخوله،
قلت: إذن نحن لوحة،
قالت: أو قارئان في لوحة.
18
في المساء عاد المطر،
وانعكست المدينة على الإسفلت،
فصارت السماء تحت أقدامنا،
وصارت الأرض معلقة فوق رؤوسنا،
وكان علينا أن نختار أيهما الحقيقة،
لكننا لم نملك الوقت.
19
مشينا بلا مظلة،
وكان المطر يلمع فوق شعرها،
كل قطرة كأنها كلمة لم تجد جملتها،
وكل شارع يفتح شارعاً آخر،
حتى نسينا الطريق إلى البيت،
وصار الضياع نوعاً من الوفاء.
20
عند زاوية قديمة
توقفت وقالت: لقد كنا هنا من قبل،
قلت: متى؟
قالت: لا أعرف، لكن قلبي يتذكر،
فأدركت أن الذاكرة ليست أرشيفاً،
بل حاسة سادسة للغائبين.
21
في الليل الثاني
لم نعد إلى الغرفة نفسها،
أو ربما عدنا،
فالسرير كان في المكان ذاته،
لكن اللوحة تغيرت،
والمرأة في اللوحة صارت تشبهها أكثر.
22
قلت: هل ترين ما أرى؟
قالت: أرى رجلاً يكتب نفسه،
ثم يمحوها،
ثم يكتبها من جديد،
وفي كل مرة يظن أنه وصل،
يكتشف أن البداية كانت تنتظره في النهاية.
23
كان صوتها يهبط في الغرفة
مثل موسيقى بعيدة من مدينة متوسطية،
لا كلمات لها،
لكنها توقظ في الجسد ذاكرة غامضة،
وتجعل الهواء أكثر كثافة،
والصمت أكثر حميمية.
24
اقتربت من النافذة،
وكانت المدينة تحتها مثل حيوانٍ مضاء،
قلت لها: أخاف أن أفقدك،
قالت: ربما لا يمكن فقدان من لم نمتلكه،
فقلت: وربما لا يمكن امتلاك من أحببناه حقاً،
ثم تركنا السؤال بيننا.
25
الليل لا يشرح نفسه،
والمرأة أيضاً لا تفعل،
هناك أشياء لا تليق بها الإجابات،
مثل ارتعاشة الضوء على الستارة،
مثل يدٍ تتردد قبل أن تلامس يدًا أخرى،
مثل قصيدة تعرف أنها لن تنتهي.
26
كانت رائحة المطر مختلطة برائحة الغرفة،
و شهوة التين لاتني تتعارك على الفراش
او كذلك كانت تبدو و كوكب دري من اللوعة المستبدة ،
أما اللوحة فكانت تزداد غموضاً،
والظل على الجدار يتسع،
كأنه يريد أن يدخل الحكاية.
27
قالت: ربما الظل هو أنت،
قلت: وربما هو أنتِ،
قالت: وربما نحن ظلال بعضنا،
فلم نجد سبباً للاعتراض،
فالإنسان لا يسكن جسده وحده،
بل يسكن كل ما يخشاه ويتمنى.
28
عند الثالثة صباحاً
رن الهاتف ولم يجب أحد،
ظهر اسمٌ لا نعرفه،
ثم اختفى،
وكان الرقم هو تاريخ اللقاء الأول،
أو تاريخ موت شيءٍ لم نسمّه.
29
فتحت النافذة تماماً،
فدخلت المدينة إلى الغرفة،
دخلت أصواتها ومصابيحها ومقاهيها،
دخلت حروبها القديمة وحبها الحديث،
دخلت حتى وجوه الغرباء،
ثم جلست معنا على حافة السرير.
30
قلت للمدينة: ماذا تريدين؟
قالت بصوت المرأة: الذاكرة،
قلت: ولِمَ؟
قالت: لأن الذين لا يتذكرونني يهدمونني مرتين،
فأدركت أن المدن مثل النساء،
لا تموت حين نغادرها، بل حين ننساها.
31
في صباح آخر
كنا في مقهى على بحرٍ بعيد،
مع أن المدينة التي نمنا فيها لم يكن لها بحر،
لكن البحر كان هناك،
وكانت هي ترتدي معطفاً أزرق،
كأنها جاءت من لوحة مائية.
32
على الطاولة صحيفتان،
إحداهما تحمل خبر موت رجل،
والأخرى تحمل خبر ولادة طفل،
قلت: أيهما أهم؟
قالت: كلاهما صفحة في الزمن،
فالزمن لا يميز بين البداية والنهاية.
33
كان النادل يشبه أبي،
أو ربما كان يشبه رجلاً رأيته ذات مرة،
أو ربما أنا الذي كنت أشبهه،
فكلما حاولت تثبيت وجهه تغير،
وهكذا بدأت أشك في الوجوه،
ثم في المرآة.
34
قالت لي: لا تخف من الغموض،
فالقصيدة التي تشرح نفسها تموت سريعاً،
قلت: والنص الذي لا يُفهم؟
قالت: يعيش أطول،
لأنه يسكن في القارئ،
ويغيّر شكله كلما تغير صاحبه.
35
كانت هذه أول مرة
أفهم فيها أن الحب ليس قصة،
بل طريقة لقراءة العالم،
أن تلمح امرأةً في محطة قطار
فتتذكر مدينة بأكملها،
وأن تسمع أغنية فتعود إلى عمر لم تعشه.
36
في المساء
رسمتُ نافذة على دفتر،
ورسمت خلفها امرأة،
ثم مسحت المرأة،
فبقي ظلها،
ثم مسحت الظل، فبقيت النافذة.
37
قلت: هكذا يحدث الفقد،
لا يأخذ الأشخاص دفعة واحدة،
بل يأخذ وجوههم، أصواتهم، روائحهم،
ثم يترك لنا الأشياء الصغيرة،
مفتاحاً، صورةً، فستاناً،
وثمرة مشمش على طاولة.
38
ضحكت وقالت: أنت حزين أكثر مما ينبغي،
قلت: والشعراء؟
قالت: الشعراء يضعون حزنهم في إطار جميل،
ثم يسمونه حداثة،
قلت: والنقاد؟
قالت: يشرحون الإطار وينسون الحزن.
39
في تلك اللحظة
أحببتها أكثر،
ليس لأنها جميلة،
بل لأنها هدمت أمامي
كل التعريفات التي صنعتها عن الجمال،
وتركتني وجهاً بلا قاموس.
40
كان الصمت بيننا
أكثر بلاغة من عشرات الكتب،
وكانت يدها قريبة،
لكن المسافة بين اليدين
بدت كأنها تمتد من الخرطوم إلى باريس،
ومن الأمس إلى غدٍ لم يولد.
41
عاد الرجل إلى المدينة الأولى،
لكن المدينة لم تعرفه،
سأل عن الفندق،
فقال له موظف الاستقبال: لم تكن هنا قط،
ثم أخرج صورة قديمة،
وكان الرجل واقفاً فيها إلى جوار المرأة.
42
قال الموظف: هذه الصورة لكما،
قال الرجل: متى التقطت؟
أجاب: غداً،
فضحك الرجل،
ثم شعر بالخوف.
43
في تلك الليلة
بدأ يفهم قوانين المدينة،
لا أحد يدخلها مرتين بالشخص نفسه،
ولا أحد يخرج منها بالذاكرة نفسها،
والمرأة التي يحبها
قد تكون امرأة الأمس أو الغد.
44
عاد إلى الغرفة،
وجد اللوحة معلقة،
وفيها رجل يقف أمام نافذة،
وخلف الرجل امرأة،
وخلف المرأة مدينة،
وخلف المدينة رجل آخر.
45
أدرك أن اللوحة ليست نافذة على العالم،
بل العالم نافذة على لوحة،
وأن الفن لا يقلد الحياة،
بل يورطها في احتمال آخر،
وأن الرسام الحقيقي
قد يكون الزمن نفسه.
46
في منتصف الليل
خرج الظل من الجدار،
جلس على الكرسي،
وقال: تعبت من اتباعك،
قال الرجل: ومن أنت؟
أجاب: الجزء الذي لم تستطع كتابته.
47
قال الظل:
كل قصيدة تخفي رجلاً آخر،
وكل رجل يخفي امرأة أخرى،
وكل امرأة تخفي مدينة،
وكل مدينة تخفي قبراً،
وكل قبر يحتفظ بحلم لم يكتمل.
48
قال الرجل: وهل أنت الحقيقة؟
ضحك الظل:
الحقيقة كلمة اخترعها الخائفون،
أما نحن فلدينا الاحتمال،
والاحتمال أكثر رحمة،
لأنه لا يغلق الباب.
49
عادت المرأة عند الفجر،
لكنها لم تكن المرأة نفسها،
كان في عينيها شيء من البحر،
وفي مشيتها شيء من إسطنبول،
وفي صوتها غبار طريقٍ إفريقي،
وفي صمتها كل المدن التي لم نزُرها.
50
قالت: هل تذكرني؟
قال: لا.
فابتسمت،
وكان ذلك أول اعتراف بالحب،
لأن بعض الحب يبدأ
حين نتوقف عن الادعاء بأننا نعرف الآخر.
51
جلست إلى جواره،
ولم يسألها أين كانت،
فالأسئلة أحياناً تفسد جمال الغياب،
وكان الضوء ينزلق ببطء على الجدار،
واللوحة تستعيد وجهها القديم،
والظل ينسحب إلى مكانه.
52
قالت: اكتب عن هذه اللحظة،
قلت: أي لحظة؟
قالت: هذه،
قلت: لكنها حدثت من قبل،
قالت: وربما ستحدث مرة أخرى،
فبدأت الكتابة.
53
كان القلم يتحرك،
لكن الكلمات تأتي من مكان آخر،
كأن شخصاً مجهولاً يملي عليه،
كأن القصيدة ليست اختراعاً،
بل استرجاعاً لشيء نسيه العالم،
شيء من هذا القبيل.
54
في الصفحة الأولى
كتب: «كانا عاشقين»،
ثم شطبها،
وكتب: «كانا احتمالين»،
ثم شطبها،
وترك الصفحة بيضاء.
55
فالبياض ليس فراغاً،
بل غرفة أخرى للنص،
فيه يستطيع القارئ أن يرى
ما لم يستطع الكاتب قوله،
وأن يضع حياته مكان حياة الآخرين،
وأن يصبح عاشقاً دون موعد.
56
في الخارج مرت سيارة إسعاف،
ثم عربة خبز،
ثم امرأة تحمل ورداً،
ثم رجل يجر عربة أطفال،
وكان العالم يستمر ببساطته اليومية،
بينما كان الزمن ينهار داخل الغرفة.
57
قالت: هذه هي الحياة،
أن يكون الخراب قريباً من الخبز،
وأن يكون الحب قريباً من الفقد،
وأن يضحك طفل في شارع
بينما يبكي رجل في طابق مرتفع،
ولا يعرف أحدهما شيئاً عن الآخر.
58
قلت: لهذا أحب المدينة،
قالت: أنت لا تحب المدينة،
أنت تحب قدرتها على إخفاء وحدتك،
فقلت: وربما هذا هو معنى الحب،
أن نعثر على وحدة تشبه وحدتنا،
ثم نسميها اقتراباً.
59
عند الغروب
صار البحر بلون المشمش،
وصارت السماء نافذة مفتوحة،
وصارت المرأة لوحة،
وصار الرجل ظلاً،
وصارت المدينة امرأةً ثالثة،
تنتظر أن يختارها أحد.
60
لكن أحداً لم يختر،
لأن الاختيار يعني نهاية الاحتمال،
والقصيدة الحرة تعيش على الاحتمال،
والحب كذلك،
ما دام الباب نصف مفتوح،
وما دام أحدنا لم يقل: انتهى.
61
في اليوم التالي
وجد الرجل رسالة تحت الباب،
كان خطها خط المرأة،
لكن الرسالة تقول: لا تبحث عني،
أنا في المكان الذي كنت فيه قبل أن تعرفني،
فأدرك أن الحب قد يكون جغرافيا مستحيلة.
62
سافر إلى مدينة أخرى،
لم يكن يعرف اسمها،
في محطة القطار
رأى امرأة تشبهها،
تبعها حتى مقهى،
فوجدها تجلس إلى رجل يشبهه.
63
توقف أمام الزجاج،
نظر إليهما،
ثم فهم أن العالم لا يعيد الأحداث،
بل يعيد توزيع الأدوار،
وأن الإنسان قد يكون عاشقاً في مشهد،
ومتفرجاً في مشهد آخر.
64
في تلك الليلة
رأى حلمه من الخارج،
كان واقفاً داخل الحلم،
والمرأة تمشي داخله،
والمدينة تحلم بهما معاً،
واللوحة ترسم الحلم قبل أن يحدث.
65
استيقظ مذعوراً،
فوجد على الوسادة شعرة طويلة،
لم يعرف إن كانت لها،
لكنه احتفظ بها،
مثلما يحتفظ المسافر بتذكرة
إلى مكان لا يريد الوصول إليه.
66
عاد إلى النافذة،
كان الفجر شاحباً،
والمدينة تبدو أقل غموضاً،
لكن هذا لم يطمئنه،
فالوضوح أحياناً علامة على أن شيئاً ما
قد فقد سحره.
67
قال للمدينة: هل تحبينها؟
لم تجب،
لكن أضواءها اشتعلت واحدةً واحدة،
ففهم أن المدن لا تتكلم،
بل تغير إشارات المرور
حين تريد أن تقول شيئاً.
68
المرأة لم تعد،
لكن حضورها ازداد،
في المقهى، في اللوحة، في المصعد،
في رائحة المطر،
في يد امرأة غريبة تمسك كتاباً،
في الأغنية التي جاءت من سيارة بعيدة.
69
قال الرجل: هذا هو الغياب،
أن يتحول شخص واحد
إلى آلاف التفاصيل،
وأن يصبح فقدان الوجه
امتلاكاً مفرطاً لكل ما يشبهه.
70
ثم أضاف في دفتره:
«ربما لا نفتقد الأشخاص،
بل نفتقد النسخة التي كنا عليها ونحن معهم»،
ثم أغلق الدفتر،
كأنه أغلق قلباً،
لكنه لم يكن قد أغلق شيئاً.
71
بعد سنوات
عاد إلى الغرفة نفسها،
كان السرير هناك،
والنافذة هناك،
واللوحة هناك،
والمشمش على الطاولة،
كأن الزمن لم يتحرك خطوة.
72
لكن المرأة كانت في اللوحة،
والرجل كان خارجها،
والظل بينهما،
والمدينة خلف الزجاج،
وفجأة أدرك أن اللوحة كانت تسجل حياته
قبل أن يعيشها.
73
مد يده نحو اللوحة،
فوجد سطحها دافئاً،
سمع صوتها من الداخل:
لا تدخل،
قلت لك إن الفن لا يفتح أبوابه مرتين،
ثم انطفأ الضوء.
74
ظل واقفاً،
لا يعرف إن كان خائفاً أو عاشقاً،
فالخوف والرغبة
يتشابهان حين يقتربان من المجهول،
وكلاهما يجعل القلب
أكثر يقظة من العقل.
75
سمع طرقاً على الباب،
فتح،
فوجد نفسه واقفاً هناك،
نسخة أصغر منه،
تسأله: أين هي؟
فلم يجد جواباً.
76
قال للصبي: لا أعرف،
قال الصبي: بل تعرف،
لقد كتبتها في كل قصائدك،
ثم ركض نحو النافذة،
واختفى في ضوء المدينة.
77
عندها فهم
أن الشاعر لا يكتب ما عاشه فقط،
بل يكتب ما كان يمكن أن يعيشه،
وما خاف أن يعيشه،
وما يتمنى أن يعيده،
وما لا يستطيع إثبات أنه حدث.
78
كانت الساعة تشير إلى الوقت نفسه،
منذ بداية الحكاية،
لكن الرجل لم يعد متأكداً
هل الساعة متوقفة،
أم أن الزمن هو الذي يدور حولها،
مثل عاشق لا يجد باب الخروج.
79
فتح النافذة،
فدخلت رائحة المشمش،
ثم المطر،
ثم البحر،
ثم ضجيج سوقٍ بعيد،
ثم صوت المرأة وهي تقول: تعال.
80
لم يعرف من أين جاء الصوت،
لكنه تبعه،
خرج إلى الشارع،
فوجد المدينة كلها تسير في اتجاه واحد،
نحو نافذة مضاءة،
كأن العالم ذاهب إلى قلب واحد.
81
وصل إلى النافذة،
وجد المرأة هناك،
لكنها كانت تنظر إلى لوحة،
وفي اللوحة رجل ينظر إلى امرأة،
وفي عيني المرأة مدينة،
وفي المدينة نافذة.
82
قالت: هل وصلت؟
قال: إلى أين؟
قالت: إلى اللحظة التي لم تبدأ بعد،
فقال: لكنني عشتها،
قالت: هذا ما تفعله الذاكرة،
تمنحنا الماضي قبل أن يحدث.
83
جلسا معاً،
ولم يكن هناك حديث،
فبعض الحميمية أعمق من اللغة،
وكانت المسافة بينهما
تضيق بالسكوت،
لا بالكلمات.
84
في الخارج
كان الليل يخلع معطفه،
وفي الداخل
كانت النافذة تستعيد ضوءها،
واللوحة تفقد ألوانها،
والظل يعود إلى الجدار.
85
قالت: هل ما زلت تحبني؟
قال: لا أعرف أيكِ أحب،
قالت: تلك هي الإجابة الصحيحة،
ثم أغمضت عينيها،
وكأنها أغلقت مدينةً كاملة،
وتركت أبوابها في الحلم.
86
لم يحدث شيء يمكن تسجيله،
ومع ذلك تغير كل شيء،
فالحميمية ليست دائماً فعلاً،
قد تكون لحظة إنصات،
أو ارتباكاً بين نفسين،
أو خوفاً جميلاً من الاقتراب.
87
وفي الصباح
كانت الغرفة مبتلة بضوء المطر،
لا بالمطر نفسه،
والسرير يحمل آثار ليلة طويلة،
والستارة تتحرك ببطء،
كأنها تتذكر جسدين مرّا من هنا،
أو تتخيلهما.
88
قال الرجل: هل حدث هذا؟
قالت المرأة: ما الذي تسميه «هذا»؟
فصمت،
لأن السؤال نفسه صار جزءاً من الحكاية،
ولأن بعض الأحداث
تفقد حقيقتها حين نطالبها بالدليل.
89
غادرت المرأة،
لكنها لم تغلق الباب،
وظل مفتوحاً نصف فتحة،
مثل قصيدة لم تكتب خاتمتها،
مثل حب لا يعرف هل يودع أم ينتظر،
مثل مدينة تترك قطاراً أخيراً في المحطة.
90
وقف الرجل أمام الباب،
لم يخرج،
ولم يبق،
كان بين المكانين،
بين المرأة والذكرى،
بين الحدث واحتماله.
91
مرت أعوام،
أو دقائق،
أو لم يمر شيء،
وكان الرجل كلما عاد إلى المدينة
وجدها أصغر قليلاً،
والمرأة أبعد قليلاً،
واللوحة أكثر صدقاً.
92
ذات صباح
وجد نفسه في مقهى قديم،
أمامه ثمرة مشمش،
وعلى الكرسي المقابل امرأة تقرأ،
رفع عينيه،
فقالت دون أن تنظر إليه:
أعرف أنك كنت هنا من قبل.
93
قال: متى؟
قالت: في المرة التي ستأتي،
فابتسم،
ولم يسألها كيف،
فالزمن الذي يدور حول نفسه
لا يحتاج إلى شهادات.
94
أخذت المرأة المشمش،
قسمته إلى نصفين،
وضعت نصفاً أمامه،
والنصف الآخر أمامها،
ثم قالت: كل قصة حب
تحتاج إلى شيء صغير لا يُفسَّر.
95
قال: كالمشمش؟
قالت: كالمشمش،
كالنافذة،
كاللوحة،
كالظل الذي لا نعرف صاحبه،
كالقصيدة التي تنجو من شرحها.
96
ثم قامت،
ومشت نحو الباب،
لكنه لم يتبعها هذه المرة،
كان قد فهم أن المطاردة
تفسد بعض الجمال،
وأن الحب أحياناً هو أن تترك للآخر طريقه.
97
لكن الباب حين أغلقته
عاد إلى مكانه الأول،
وعادت الغرفة،
وعادت اللوحة،
وعادت النافذة،
وعاد الرجل إلى بداية القصيدة.
98
وهناك كانت المرأة تنتظره،
أو كان يتذكر أنها تنتظره،
أو كان يحلم بأنه سيلتقيها،
أو ربما كان كل ذلك قد حدث،
لكن في زمن آخر،
في مدينة أخرى، في لوحة أخرى.
99
فتح الدفتر وكتب:
«شيء من هذا القبيل حدث هنا»،
ثم توقف،
فحتى كلمة «هنا» لم تعد مؤكدة،
وكانت المدينة تلمع خلف الزجاج،
كأنها تعرف النهاية ولا تريد قولها.
100
أما هي،
فكانت في مكان ما بين اللوحة والنافذة،
بين المرأة وظلها،
بين الرجل وذاكرته،
بين الرغبة التي لم تُسمَّ والحب الذي لم ينتهِ،
وكانت البداية تفتح الباب للنهاية،
والنهاية تترك الباب موارباً للبداية،
وهكذا ظل الشيء يعود،
كل مرة بصورة أخرى،
دون أن نعرف: هل كان حدثاً،
أم ذكرى،
أم احتمالاً،
أم قصيدةً قررت أن تحلم بنا.
_____
سبتمبر 2026م
حي المعمورة - الخرطوم
1

تعليقات
إرسال تعليق