ديوان : شهوة الأقحوان
شهوة الأقحوان

مصعب الرمادي
شهوة الأقحوان
__________________
الكتاب : شهوة الأقحوان
الكاتب : مصعب الرمادي
تاريخ الطبع : سبتمبر 2026م
حقوق الطبع والتأليف محفوظة للمؤلف
_____________________
1
لم يكن الأقحوانُ زهرةً يومئذٍ،
كانَ ترجمان للعالمِ الذي نسيَ الكلام،
حين كانت البتلاتُ أبواباً بيضاءَ تفتحُ بعضها في بعض،
وفي المركزِ أصفرُ صغيرٌ يشبهُ شمساً مذعورةً من نفسها،
وقفَ العاشقُ أمامها طويلاً،
حتى ظنَّ أنَّ قلبهُ هو الذي ينبتُ في الحديقة.
2
كانَ عاشقاً ممحوناً،
لا يعرفُ إن كانَ يشتهي الزهرةَ أم صورتَهُ فيها،
يميلُ عليها بعينيهِ ثم يرتدُّ كمن رأى سراً ممنوعاً،
وكانت الريحُ تضحكُ في أوراقِ الصفصاف،
ويطيرُ فوقَهُ هدهدٌ لا يعرفُ شيئاً عن الحب،
لكنهُ يعرفُ الطريقَ إلى البساتين.
3
في صباحٍ لا تاريخَ له،
اكتشفَ العاشقُ أنَّ للأقحوانِ سُرّةً،
وأنَّ حولها أسديةً دقيقةً كأصابعِ موسيقيٍّ مجهول،
وأنَّ المتوكَ تخبئُ ذهباً لا يصلحُ للعملات،
فمدَّ بصرَهُ لا يده،
وقال: أيُّ جسدٍ هذا الذي يزهرُ دون أن يطلبَ شيئاً؟
4
لم تجبهِ الزهرة،
لكنَّ طائراً أزرقَ خرجَ من شجرةِ السرو،
وتركَ في الهواءِ ريشةً تشبهُ فاصلةً من قصيدة،
فقرأَ العاشقُ فيها اسماً ظنَّهُ نيتشه،
ثم محاهُ لأنَّ نيتشهَ لم يكن هنا،
بل كانَ هنا فقط سؤالُ الرغبةِ حين تصيرُ فلسفةً.
5
اقتربَ أكثر،
فشمَّ شيئاً بينَ العسلِ والترابِ والمطر،
فارتعشتْ أنفاسُهُ كما ترتعشُ ورقةُ الحورِ في ريحٍ مفاجئة،
وصارَ العطرُ يتسللُ إلى ذاكرتهِ من غير استئذان،
حتى نسيَ اسمَهُ،
وتذكّرَ أنهُ كانَ عاشقاً قبل أن يكونَ إنساناً.
6
في الليلةِ التالية
رأى الأقحوانةَ تمشي في الحديقة،
لا بجذرها، بل بظلّها،
وكانَ ظلُّها أطولَ من شجرةِ البلوط،
يمرُّ تحتَ الطيورِ وفوقَ الجداول،
ويعودُ قبلَ الفجرِ إلى ساقها.
7
قالَ لهُ العندليب: لا تتبعْ العطر،
فالعطرُ لا يعودُ بصاحبه،
لكنَّ العاشقَ تبعه،
عبرَ الزيزفونِ والكستناءِ والصفصافِ والعرعر،
حتى وصلَ إلى شجرةِ لوزٍ مزهرةٍ في منتصفِ الشتاء،
وكانت تنتظرهُ كما لو أنها تعرفهُ منذ ألفِ عام.
8
هناكَ وجدَ امرأةً بلا وجه،
تضعُ أقحوانةً في شعرها،
وحين سألها: من أنتِ؟
قالت: أنا ما بقيَ من رغبِتكَ بعدَ أن فقدتَ جسدها،
ثم تحولتْ إلى سربِ فراشات،
وصعدتْ إلى شجرةِ المغنوليا.
9
هربَ العاشقُ،
لكنَّ الحديقةَ لم تسمحْ لهُ بالخروج،
كلما وصلَ إلى بوابةٍ وجدَ وراءها بوابةً أخرى،
وكلما فتحَ باباً دخلَ إلى فصلٍ مختلفٍ من الربيع،
حتى رأى رامبرانتَ يرسمُ زهرةً لا توجد،
وكانَ كاندينسكي يضعُ لوناً أزرقَ في قلبِ عطر.
10
قالَ رامبرانتُ من داخلِ اللوحة:
الجمالُ لا يضيءُ الأشياء، بل يكشفُ عتمتها،
وقالَ كاندينسكي:
واللونُ صوتٌ حين يعجزُ الصوت،
أما العاشقُ فلم يقل شيئاً،
لأنَّ الأقحوانةَ كانت قد بدأتْ تنمو داخلَ صدره.
11
في الصباح
استيقظَ وفي جلدهِ رائحةُ أوراق،
وجدَ على ذراعهِ عرقاً أخضرَ رفيعاً،
وعلى كفهِ نقطةً صفراءَ مثلَ غبارِ المتك،
وحين حاولَ غسلها بالماء
سمعَ شجرةَ السرو تقول: لا تغسلْ ما جاءَ بك.
12
صارَ العاشقُ يشمُّ الأشياءَ قبلَ أن يراها،
يشمُّ المطرَ قبلَ الغيمة،
والطائرَ قبلَ جناحه،
والشجرةَ قبلَ ظلها،
والمرأةَ قبلَ حضورها،
والغيابَ قبلَ أن يغادر.
13
أصبحَ ينامُ قربَ الأقحوان،
ويضعُ أذنهُ على التراب،
يسمعُ الجذورَ وهي تتبادلُ الأخبار،
ويسمعُ البذورَ تتحدثُ عن مستقبلٍ لم يولد،
ويسمعُ دودةَ الأرضِ تحفرُ نفقاً نحوَ الماضي،
ثم يسمعُ قلبهُ يجيبُها.
14
كانَ الطائرُ الطنانُ يأتي كلَّ ظهر،
يوقفُ جناحيهِ في الهواء،
كأنهُ معلقٌ بخيطٍ غير مرئي،
ثم يلمسُ الزهرةَ في لحظةٍ خاطفة،
فيغضبُ العاشقُ من تلكَ السرعة،
لأنَّ الشهوةَ عندهُ كانت تحتاجُ إلى إقامةٍ لا إلى عبور.
15
قالَ لهُ الطائر:
أنتَ تريدُ أن تمتلكَ اللحظة،
واللحظةُ لا تُمتلك،
هي مثلُ قطرةِ ندى على بتلة،
تلمعُ لأنَّها على وشكِ السقوط،
فزادَ جنونُ العاشق.
16
منذُ ذلك اليوم
صارَ يراقبُ النحل،
يدرسُ مساراتهُ كجغرافيٍّ مسحور،
ويحسبُ عددَ المراتِ التي يهبطُ فيها على الأقحوان،
حتى كتبَ على جدارِ غرفته:
الحبُّ علمٌ فاشلٌ حين يحاولُ قياسَ الرعشة.
17
ثم ظهرتْ شجرةُ الزيتون،
لا في الحديقة،
بل في حلمهِ،
وكانت أغصانها تحملُ عيوناً بشرية،
كلُّ عينٍ ترى عاشقاً مختلفاً،
وفي آخرِ الغصنِ كانَ هوميروسُ نائماً.
18
قالَ هوميروس:
لقد رأيتُ الحروبَ من أجل النساء،
لكنني لم أرَ حرباً من أجل زهرة،
فقالَ العاشق:
أنا لا أحاربُ من أجلها،
أنا أحاربُ نفسي فيها،
فضحكَ الشاعرُ الأعمى، لأنَّ الجوابَ كانَ أعمى أيضاً.
19
في اليومِ الثالث
بدأَ العاشقُ يسمعُ صوتَ البتلات،
كانت كلُّ بتلةٍ تقولُ كلمةً مختلفة،
الأولى تقول: اقترب،
والثانية: ابتعد،
والثالثة: انظر،
والرابعة: لا تلمس،
والخامسة: لماذا تريدُ أن تلمس؟
20
عندها فهمَ أنَّ الزهرةَ ليستْ جسداً واحداً،
بل جمهوريةٌ من الرغبات،
وأنَّ المركزَ لا يحكمُ البتلات،
بل يفاوضها،
وأنَّ الجمالَ نفسهُ
ليس إلا هدنةً بينَ الاختلافات.
21
صارَ العاشقُ يكتبُ أسماءَ الشعراء على أوراقِ الأشجار،
دانتي على ورقةِ الغار،
رامبو على ورقةِ الحور،
لوركا على ورقةِ الرمان،
إليوت على ورقةِ الدردار،
ثم يمحو الأسماءَ قبلَ أن يراها أحد.
22
قالَ: لماذا يحتاجُ العاشقُ إلى الشعراء؟
فأجابتهُ الأقحوانة:
لأنَّ الرغبةَ حين تعجزُ عن الكلام
تستعيرُ حنجرةَ شاعر،
وحين تعجزُ الحنجرة
تستعيرُ بتلة.
23
كانَ ريلكهُ يمشي في الحديقةِ ليلاً،
كما لو أنَّه خرجَ من قصيدة،
يحملُ في يدهِ وردةً غير الأقحوان،
وقالَ للعاشق:
تعلمْ من الزهرةِ أن تكونَ موجوداً دونَ أن تشرحَ وجودك،
ثم اختفى داخلَ شجرةِ البتولا.
24
تبعهُ العاشق،
فوجدَ نفسهُ في غابةٍ من الكتب،
الأغصانُ صفحات،
والجذورُ هوامش،
والطيورُ علاماتُ ترقيم،
وكانَ كلُّ كتابٍ يفتحُ على حديقة،
وكلُّ حديقةٍ تفتحُ على امرأة.
25
لكنَّ المرأةَ هذه المرة
كانت الأقحوانة،
والأقحوانةُ كانت الشجرة،
والشجرةُ كانت الطائر،
والطائرُ كانَ العاشق،
والعاشقُ كانَ القارئ،
والقارئُ لم يعد يعرفُ من يقرأ من.
26
اشتدَّ العطرُ،
حتى بدأتِ الأشجارُ تدور،
السنطُ حولَ الصنوبر،
والأرزُ حولَ الكستناء،
والصفصافُ حولَ الماء،
والعاشقُ حولَ الأقحوان،
وكانَ العالمُ كلهُ يرقصُ دون موسيقى.
27
في تلكَ الليلة
جاءَ طائرُ الفلامنغو،
وحطَّ في بركةٍ صغيرةٍ لا تتسعُ لجناحه،
فقالَ العاشق: كيف دخلتَ؟
قالَ الطائر: في الواقعيةِ السحرية
لا تسألْ عن حجمِ الباب.
28
ضحكَ العاشقُ لأولِ مرة،
لكنَّ ضحكتهُ تحولتْ إلى بذور،
سقطتْ على الأرض،
فنبتتْ منها أقحواناتٌ سوداء،
وكانت تلكَ أولَ علامةٍ على أنَّ رغبتهُ
بدأتْ تأكلُ عالمَه.
29
هربَ إلى الجبل،
فوجدَ شجرةَ أرزٍ وحيدة،
وكانَ على جذعها مكتوباً:
«ليس أخطرَ من الرغبةِ إلا اعتقادُك أنكَ تفهمها.»
تذكرَ سبينوزا،
وتذكرَ أنَّ الإنسانَ قد يكونُ عبداً لشهوتهِ وهو يظنُّ نفسهُ حراً.
30
جلسَ تحتَ الأرز،
وأخذَ يراقبُ النسرَ
وهو يرسمُ دوائرَ هائلةً فوقَ القمة،
فقال: حتى الطيرانُ دائرة،
حتى الرغبةُ دائرة،
حتى الهروبُ دائرة،
فلماذا أظنُّ أنني أستطيعُ الخروج؟
31
عادَ إلى الحديقة،
لكنَّ الأقحوانةَ كانت قد كبرت،
صارَ قطرُها بحجمِ نافذة،
وصارَ مركزُها مرآة،
نظرَ فيها فرأى طفلاً يركضُ خلفَ فراشة،
ثم رأى شيخاً يدفنُ زهرةً.
32
قالَ الطفلُ في المرآة:
كنتَ تريدُ كلَّ شيء،
وقالَ الشيخ:
ثم عرفتَ أنَّ كلَّ شيءٍ يزول،
وقالَ العاشق:
وأينَ الأقحوان؟
فقالا معاً: أنتَ الآنَ داخلُه.
33
في اليومِ الأربعين
صارَ للعاشقِ ظلٌّ نباتي،
رأسُهُ رأسُ رجل،
وجسدهُ ساق،
وأصابعهُ أوراق،
وفي منتصفِ صدرهِ
زهرةٌ بيضاءُ لا تنام.
34
لم يعدْ يخاف،
صارَ يمشي بينَ الأشجارِ كواحدٍ منها،
تقتربُ منهُ الطيورُ بلا حذر،
ويحطُّ الدوريُّ على كتفه،
ويضعُ الحسونُ منقارهُ قربَ أذنه،
ويهمسُ لهُ بأخبارِ الربيع.
35
لكنَّ الشهوةَ لم تختف،
تحولتْ فقط،
من شهوةِ الجسدِ إلى شهوةِ العطر،
ومن شهوةِ العطرِ إلى شهوةِ المعرفة،
ومن شهوةِ المعرفةِ إلى شهوةِ البقاء،
وكانت تلكَ أخطرَ مراحلِه.
36
قالَ لهُ نيتشهُ في حلمٍ ثانٍ:
حتى إرادةُ القوةِ قد تكونُ قناعاً للخوف،
وقالَ كافكا من خلفِ بابٍ مغلق:
احذرْ أن تتحولَ إلى ما تطارده،
فنظرَ العاشقُ إلى ساقيه،
فوجدَ الجذورَ قد بدأتْ تظهر.
37
حاولَ أن يقطعَ الجذر،
فصرختِ الحديقة،
لا صرخةَ إنسان،
بل اهتزَّتْ كلُّ الأشجارِ دفعةً واحدة،
وطارتْ الطيورُ من أعشاشها،
وسقطَ المطرُ في منتصفِ الصيف.
38
تراجعَ،
وفهمَ أنَّ الجذرَ ليس قيداً،
بل ذاكرة،
وأنَّ الإنسانَ حين يقطعُ ذاكرته
لا يصبحُ حراً،
بل يصبحُ زهرةً بلا أرض.
39
ظهرتْ فراشةٌ بنفسجية،
دارت حولَ رأسه،
ثم استقرتْ على عينه،
فأبصرَ العالمَ من خلالِ جناحها،
ورأى أنَّ المدنَ حدائق،
والحروبَ أعشاباً ضارة،
والقصائدَ طيوراً تبحثُ عن غصن.
40
قالَ لها: ماذا تريدين؟
قالتْ بلا صوت:
أريدُ أن أرى ما تراهُ حين تشتهي،
فأجابَ: أرى العالمَ ناقصاً،
قالت: لهذا تشتهي،
فالرغبةُ حفرةٌ في صورةِ الكمال.
41
منذُ ذلكَ اليوم
بدأَ العاشقُ يفقدُ أسماءَ الأشياء،
لم يعدْ يقولُ «شجرة»،
بل «شيءٌ يصعدُ من الأرض»،
ولم يعدْ يقولُ «طائر»،
بل «شيءٌ يسافرُ دونَ طريق»،
ولم يعدْ يقولُ «زهرة»،
بل «شيءٌ يفتحُ جرحاً من الضوء».
42
كانت اللغةُ تتشظى في فمه،
والجملُ تتكاثرُ كالأغصان،
والصورُ تصطدمُ مثلَ أسرابِ حمام،
والزمنُ يتقدمُ إلى الخلف،
فصارَ المستقبلُ أمس،
وصارَ الأمسُ بذرةً تنتظرُ الغد.
43
في منتصفِ الليل
جاءَ طائرُ البجع،
يحملُ في منقارهِ رسالة،
فتحها العاشقُ فوجدَها بيضاءَ تماماً،
قالَ الطائر: هذه رسالةُ الحب،
فقالَ: أينَ الكلام؟
قالَ: حين يكونُ الحبُّ عميقاً يصبحُ الصمتُ أكثرَ كتابة.
44
تذكرَ لوركا،
ذلكَ القمرُ الذي لا يتركُ الشعراءَ وحدهم،
وتذكرَ رامبو،
الذي أرادَ أن يجعلَ الحواسَّ كلها شعراً،
فقالَ: ربما أنا لا أشتهي الأقحوان،
ربما أشتهي أن تصبحَ حواسي قصيدة.
45
وهنا انقلبَ العاشقُ على نفسه،
صارَ يشتهي اللونَ قبلَ الجسد،
والصوتَ قبلَ الصورة،
والرائحةَ قبلَ الاسم،
والظلَّ قبلَ صاحبه،
حتى أصبحتْ الشهوةُ عندهُ فناً من فنونِ الغياب.
46
في حديقةِ ليلية
ظهرَ بيكاسو يحملُ زهرةً هندسية،
قطعَ البتلاتِ إلى مثلثات،
ثم أعادَ تركيبَها في وجهِ امرأة،
قالَ: لا توجدُ زهرةٌ واحدة،
هناكَ ملايينُ الزهورِ بحسبِ العين،
فصفقَ العاشقُ، وسقطتْ من يدهِ ورقة.
47
على الورقةِ كانَ مكتوباً:
«لا تجعلْ الجمالَ مرآةً لنرجسيتك.»
توقفَ العاشق،
لأنَّه تذكرُ كم مرةٍ أحبَّ الأقحوانةَ
كي يرى نفسهُ جميلاً،
لا كي يراها هي.
48
لأول مرة
جلسَ بعيداً عنها،
عشرةَ أمتار،
ثم عشرين،
ثم عندَ حافةِ الغابة،
واكتشفَ أنَّ الزهرةَ لا تصغرُ بالمسافة،
بل تكبر.
49
قالَ: إذن القربُ ليس دائماً حباً،
والبعدُ ليس دائماً غياباً،
واليدُ ليست دائماً دليلاً على العشق،
والعينُ قد تكونُ أكثرَ حناناً من اليد،
فسمعتْهُ الأقحوانة،
ولم تقل شيئاً.
50
كانَ هذا منتصفَ التحول،
نصفُ العاشقِ بقيَ في الحديقة،
ونصفُهُ الآخرُ صارَ طائراً،
أما قلبهُ فظلَّ في مركزِ الأقحوان،
يدورُ حولَ نفسه،
ككوكبٍ نسيَ اسمَ شمسه.
51
عادَ الطائرُ الطنان،
لكنهُ هذه المرة لم يهبط،
ظلَّ يحومُ بعيداً،
ففهمَ العاشقُ أنَّ حتى الطائرَ
يمكنُ أن يتعلمَ احترامَ المسافة،
وأنَّ الرغبةَ لا تُثبتُ قوتها بالاقتحام.
52
في اليومِ التالي
بدأتِ الأقحوانةُ تذبل،
بتلةٌ سقطت،
ثم أخرى،
ثم ثلاثٌ كأنَّ السماءَ تفقدُ نجومها،
وكانَ العاشقُ يراقبُ ولا يستطيعُ إنقاذَ شيء.
53
بكى،
فلم ينزلْ من عينيهِ ماء،
نزلتْ بذورٌ صغيرة،
وحين سقطتْ في التراب
سمعَ صوتَ الربيعِ المقبل،
يقول: لا تبكِ على زهرةٍ تعرفُ طريقَ عودتها.
54
قالَ العاشق: لكنني أريدُها الآن،
قالَ الجذر:
وهذه هي شهوتُك الأخيرة،
أن تريدَ الزمنَ مطيعاً لرغبتك،
أن تجعلَ الربيعَ عبداً للحظة،
أن تمنعَ الفناءَ من أداءِ عمله.
55
تذكرَ هيراقليطس،
النهرَ الذي لا يعودُ نفسه،
فنظرَ إلى الأقحوان،
ورأى النهرَ في البتلات،
ورأى البتلاتِ في النهر،
وفهمَ أنَّ الذبولَ ليس عدوَّ التفتح.
56
في تلكَ اللحظة
توقفَ عن وصفِ نفسهِ بالعاشق،
قال: أنا عابر،
أنا عينٌ مرَّتْ بالزهرة،
أنا عطرٌ استعارَ جسداً،
أنا طائرٌ نسيَ عشه،
أنا شهوةٌ تتعلمُ كيفَ لا تمتلك.
57
كانت شجرةُ الجوزِ تراقبه،
وشجرةُ التينِ تحفظُ صمته،
وشجرةُ الكرزِ تنثرُ زهرها،
وشجرةُ السروِ تحرسُ الطريق،
والأقحوانةُ في الوسط
تستعيدُ شكلَها الأول.
58
لكنَّ العاشقَ لم يعدْ كما كان،
صارَ أكثرَ خفة،
تسقطُ من شعره أوراق،
ويخرجُ من صوتهِ زقزقة،
ويظهرُ على كتفهِ ريشٌ خفيف،
حتى بدأَ الطائرُ نفسهُ يشكُّ فيه.
59
قالَ لهُ العندليب:
أنتَ الآنَ بينَ نوعين،
لا رجلٌ تماماً،
ولا طائرٌ تماماً،
ولا نباتٌ تماماً،
وهذا أفضلُ مكانٍ للشعر.
60
ضحكَ العاشق،
وقال: وهل الشعرُ مكان؟
قالَ العندليب:
الشعرُ مكانٌ لمن لا يجدُ مكاناً،
وحديقةٌ لمن أضاعَ الحديقة،
وذاكرةٌ لمن لم يعدْ يثقُ بالزمن.
61
حلَّ الشتاء،
ولم يبقَ من الأقحوانِ إلا ساقٌ عارية،
لكنَّ العاشقَ كانَ يجلسُ قربها كلَّ يوم،
يتحدثُ إليها عن رامبرانت،
عن لوركا،
عن ريلكه، وعن البحرِ الذي لم يره.
62
وفي إحدى الليالي
خرجَ من الساقِ صوتٌ خافت:
لماذا تحبُّني الآن أكثر؟
قال: لأنني لم أعدْ أستطيعُ امتلاكَك،
فقالت:
إذن كنتَ تحبُّ نفسك فيَّ أكثرَ مما تحبُّني.
63
كانت الجملةُ أقسى من الشتاء،
فجلسَ العاشقُ على الأرض،
ووضعَ وجهَهُ بينَ يديه،
وحين رفعَهُ
كانَ قد صارَ أقلَّ غروراً،
وأكثرَ قدرةً على الحب.
64
جاءَ الثلجُ،
غطى الحديقةَ كلها،
لكنَّ الطيورَ بقيتْ تغني،
الدجّال؟ لا،
بل الشحرورُ والحسونُ والكركيُّ والبجع،
كلُّ واحدٍ منها يحملُ فصلاً مختلفاً من الأغنية.
65
قالَ الكركي:
الطريقُ طويل،
قالَ الشحرور:
والظلُّ قصير،
قالَ الحسون:
واللونُ عابر،
قالَ البجع:
والحبُّ لا يملكُ إلا لحظته،
فأغمضَ العاشقُ عينيه.
66
رأى في الظلامِ غابةً كاملة،
أشجارُها من شعر،
ثمارُها من موسيقى،
جذورها من فلسفة،
وفي مركزها أقحوانةٌ ضخمة
تتفتحُ كلما فكرَ فيها.
67
ظهرَ بورخيسُ عندَ بابِ الغابة،
وفي يدهِ متاهةٌ صغيرة،
قالَ: كلُّ حديقةٍ متاهة،
وكلُّ متاهةٍ ذاكرة،
وكلُّ ذاكرةٍ حديقةٌ لم تُزرع بعد،
فدخلَ العاشقُ دون أن يسأل.
68
كانَ داخلَ المتاهةِ سبعةُ طيور،
كلُّ طائرٍ يحملُ اسماً،
واحدٌ اسمهُ الرغبة،
والثاني الندم،
والثالثُ الجمال،
والرابعُ الفناء،
والخامسُ الحب،
والسادسُ الحرية، والسابعُ لا اسمَ له.
69
اختارَ العاشقُ الطائرَ السابع،
فسأله: من أنت؟
قال: أنا ما يبقى
حين تسقطُ جميعُ الأسماء،
ثم طارَ إلى أعلى شجرةٍ في الغابة،
فتبعهُ العاشقُ دونَ أن يعرفَ لماذا.
70
في أعلى الشجرة
وجدَ الأقحوانةَ من جديد،
لكنها لم تكن زهرة،
كانت امرأةً،
وكانت المرأةُ شجرة،
وكانت الشجرةُ طائراً،
وكانَ الطائرُ قصيدة.
71
قالت له:
لقد بحثتَ عني في كلِّ مكان،
مع أنني كنتُ في عينك منذُ البداية،
قالَ: ولماذا أخفيتِ نفسك؟
قالت:
لم أخفِ نفسي، أنتَ الذي كنتَ مشغولاً برغبتك عن رؤيتي.
72
سقطَ العاشقُ من الشجرة،
لكنَّه لم يصلْ إلى الأرض،
تحولَ إلى رائحة،
الرائحةُ إلى ريح،
والريحُ إلى طائر،
والطائرُ إلى مطر،
والمطرُ إلى جذر.
73
وهناكَ في الجذر
رأى حياتهُ كلها،
طفلاً، وشاباً، وعاشقاً، ومجنوناً،
رأى الأقحوانةَ الأولى،
ورأى الأقحوانةَ الأخيرة،
واكتشفَ أنهما الزهرةُ نفسها.
74
عادَ الزمنُ إلى الوراء،
ثم تقدمَ إلى الأمام،
ثم توقفَ لحظةً،
ثم فتحَ باباً في منتصفِ نفسه،
خرجتْ منهُ فراشة،
وقالت: هذه هي الواقعيةُ السحرية، لا تبحثْ عن المنطقِ في جناحي.
75
ابتسمَ العاشق،
وصارَ أخيراً قادراً على الضحكِ من جنونه،
قال: كنتُ أظنُّ أنَّ الشهوةَ نار،
فإذا بها سؤال،
وكنتُ أظنُّ أنَّ الحبَّ امتلاك،
فإذا بهِ تحرير.
76
في الربيع
عادتِ الأشجارُ إلى الكلام،
أخرجَ اللوزُ زهره،
والكرزُ وردَه،
والزيزفونُ عطره،
والسروُ ظلَّه،
وعادت الأقحوانةُ إلى بياضها الأول.
77
لكنَّ العاشقَ لم يقترب،
وقفَ عندَ حافةِ الحديقة،
وتركَ للطائرِ حقَّ الهبوط،
وللنحلةِ حقَّ الطيران،
وللزهرةِ حقَّ التفتح،
ولقلبهِ حقَّ أن يحبَّ دونَ أن يأخذ.
78
كانَ هذا أكثرَ أشكالِ الشهوةِ نضجاً:
أن ترى الجمالَ ولا تفسده،
أن تشتهي ولا تستولي،
أن تقتربَ ولا تكسر،
أن تنظرَ طويلاً،
ثم تتركَ للزهرةِ أن تكونَ زهرة.
79
قالَ لهُ رامبو من بعيد:
اجعلْ الحواسَّ أبواباً،
لا أقفاصاً،
فالعطرُ ينبغي أن يسافر،
واللونُ ينبغي أن يتغير،
والحبُّ ينبغي أن يظلَّ حراً.
80
وقالَ إليوت:
كلُّ حديقةٍ تحملُ خرابها في داخلها،
فنظرَ العاشقُ إلى الأقحوان،
ورأى الذبولَ تحتَ التفتح،
ورأى الفناءَ تحتَ الجمال،
فازدادَ حباً لا خوفاً.
81
كانت شجرةُ الباوبابِ في حلمه،
بعيدةً عن كلِّ حديقةٍ عرفها،
جذعها واسعٌ كذاكرةِ قارة،
وفي أغصانها طيورٌ لا يعرفُ أسماءها،
فقالت له:
العالمُ أكبرُ من قاموسك.
82
فخرجَ يبحثُ عن أسماءٍ جديدة:
القبرة، الكوكاتو، طائرُ الجنة،
النورس، البلشون، الكروان،
البفن، النسر، السنونو، الكركي،
حتى صارَ معجمُ الطيورِ عندهُ
خريطةً أخرى للرغبة.
83
ثم ذهبَ إلى الأشجار:
الأرز، السيكويا، البلوط،
الزان، الجنكو، المانغروف،
الصفصاف، السرو، الزيتون، الكستناء،
فوجدَ أنَّ لكلِّ شجرةٍ
طريقةً مختلفةً في الصمت.
84
ثم عادَ إلى الزهور:
التويج، الكأس، السبلة، السداة، المتك،
الميسم، القلم، المبيض، البذرة،
السويقة، العنق، البرعم، الرحيق،
فشعرَ أنَّ اللغةَ نفسها
قد صارتْ حديقةً تشتهيه.
85
لم يعدْ يقولُ «أشتهي الأقحوان»،
بل يقول:
أشتهي التفتحَ حين يتردد،
وأشتهي العطرَ حين يغادر مصدره،
وأشتهي الرعشةَ التي تسبقُ اللمسة،
وأشتهي المسافةَ التي تحمي الجمال.
86
في المساء
جاءتْ امرأةٌ حقيقيةٌ إلى الحديقة،
لم تكن شبحاً، ولا زهرة، ولا حلماً،
وقفتْ قربَهُ وقالت:
أنتَ تنظرُ إلى الأقحوانِ كأنكَ تنظرُ إلى امرأة،
فأجاب: الآن تعلمتُ أن أنظرَ إلى المرأةِ كأنها عالم.
87
ابتسمت،
وتركتْ بينهما مسافةً صغيرة،
لا تكفي للمصافحة،
ولا تمنعُ الكلام،
وكانَ العاشقُ للمرةِ الأولى
سعيداً بهذه المسافة.
88
مرتْ فراشةٌ بينهما،
ثم طائرٌ،
ثم نسمةٌ من الزيزفون،
ثم سقطتْ بتلةٌ بيضاء،
فقالت المرأة:
أحياناً يحتاجُ الحبُّ إلى شهودٍ لا يتدخلون.
89
في تلكَ اللحظة
لم يعدْ العاشقُ ممحوناً كما كان،
بل صارَ ممحوناً بالمعنى،
تشتهي روحهُ أن تفهمَ العالم،
أن تلامسَ جمالهُ دون أن تجرحه،
أن تكونَ جزءاً منه لا سيداً عليه.
90
عادَتْ الأقحوانةُ إلى مركزِ الحديقة،
وأصبحَ مركزُها أكثرَ هدوءاً،
لم تعدْ شمساً مذعورة،
بل شمساً عرفتْ مدارها،
وكانَ العاشقُ يعرفُ الآن
أنَّ الحبَّ لا يطلبُ من الشمسِ أن تتوقف.
91
قالَ سبينوزا في حلمٍ أخير:
الحبُّ فرحٌ يرافقهُ فهم،
وقالَ نيتشه:
لكن لا تجعلْ الفهمَ يقتلُ الرقص،
وقالَ ريلكه:
اتركْ للزهرةِ سرَّها،
فليس كلُّ جمالٍ يحتاجُ إلى تفسير.
92
استيقظَ العاشقُ،
وكانَ الطائرُ على النافذة،
والشجرةُ وراءه،
والأقحوانُ في الحديقة،
والمرأةُ تمشي بعيداً،
والعالمُ كلهُ يفتحُ بتلاته.
93
لم يركضْ خلفها،
لم يركضْ خلفَ الزهرة،
لم يركضْ خلفَ الطائر،
جلسَ فقط،
ووضعَ يدهُ على صدره،
فسمعَ داخلهِ خفقَ جناح.
94
كانَ الجناحُ يقول:
كلُّ ما تحبهُ عابر،
وكانَ القلبُ يقول:
لهذا هو ثمين،
وكانَ العقلُ يقول:
لهذا هو خطير،
وكانَ الشعرُ يقول: لهذا هو جميل.
95
ثم هبَّتِ الريح،
فارتفعتْ البتلاتُ كأسرابِ حمام،
ودارتْ فوقَ الأشجار،
وصعدتْ نحوَ الغيوم،
حتى بدا أنَّ الربيعَ نفسهُ
قد قررَ أن يهاجر.
96
لكنَّ بتلةً واحدةً
سقطتْ على ركبةِ العاشق،
حملها برفق،
ثم وضعها في التراب،
ولم يحتفظْ بها،
لأنهُ أخيراً عرفَ الفرقَ بينَ الحبِّ والاقتناء.
97
في اليومِ التالي
خرجَ من الترابِ برعمٌ صغير،
كانَ أخضرَ مثلَ وعدٍ بعيد،
ثم انشقَّ شيئاً فشيئاً،
وظهرتْ أولُ بتلة،
فابتسمَ العاشقُ ولم يقلْ شيئاً.
98
توالتِ البتلات،
وانفتحَ المركزُ الأصفر،
وعادَ النحلُ،
وعادَ الطائرُ الطنان،
وعادتِ الفراشةُ البنفسجية،
وعادتْ الحديقةُ إلى دائرتها الأولى.
99
أما العاشقُ
فلم يعدْ يعرفُ إن كانَ هو الذي أحبَّ الأقحوان،
أم أنَّ الأقحوانَ هو الذي علّمهُ الحب،
أم أنَّ الطيورَ سرقتْ منهُ جنونه،
أم أنَّ الأشجارَ أعادتهُ إلى جذوره،
أم أنَّ القصيدةَ اخترعتْ الجميع،
كي تجدَ لنفسها جسداً.
100
وهكذا بقيتْ شهوةُ الأقحوانِ مفتوحةً،
لا تنتهي عندَ الجسد، ولا تبدأُ منه،
تدخلُ من البتلةِ إلى الرحيق، ومن الرحيقِ إلى الطائر،
ومن الطائرِ إلى الشجرة، ومن الشجرةِ إلى الإنسان،
ومن الإنسانِ إلى القصيدة،
ثم تعودُ — في دائرةٍ لا تنام — إلى زهرةٍ بيضاءَ تفتحُ قلبَها للعالم.
____
سبتمبر 2026م
- القضارف

تعليقات
إرسال تعليق