ديوان : ملاطيش الكبابيش

ملاطيش الكبابيش                                          

مصعب الرمادي

 ملاطيش الكبابيش

__________________
 الكتاب :  ملاطيش الكبابيش           

 الكاتب : مصعب الرمادي
تاريخ الطبع : سبتمبر 2026م
حقوق الطبع والتأليف محفوظة للمؤلف 

_____________________

 I

في البدء لم يكن للكباش اسم،
كان لكل واحد منها قرنان يكتبان على الهواء سيرةً لا يقرأها أحد.
خرج أول كبش من حظيرة الليل، ومشى حتى صار نجماً،
ثم التفت إلى الأرض وقال: هنا ستولد قبيلةٌ من الرمل واللبن والذاكرة.

II

في حي الكبابيش بالقضارف
كان الصباح يفتح دكانه بيدٍ، ويغلق جرحه باليد الأخرى.
سلامة البيه تنام على كتف أبايو،
والدنقالة ترسل إلى الحي رائحة خبزٍ تتذكر الخرطوم ولا تتذكر الحرب.

III

قال الجزار:
«أنا أعرف الكبش من قرنيه».
قال الكبش:
«وأنا أعرف الجزار من خوفه حين ينظر إلى السكين».

IV

في الممر المؤدي إلى المتحف القومي السوداني
كانت الكباش الحجرية تمشي بعد إغلاق الأبواب.
كان الحارس يسمع حوافرها في الليل،
ويقول: «هذه آثار»، فتضحك الآثار من تعريف البشر.

V

كبشٌ مرويٌّ خرج من الحجر
ووضع رأسه فوق كتف كبشٍ من بادية الكبابيش.
قال له: «أنت من نسلي».
قال الآخر: «بل نحن من حلم واحد».

VI

في السماء مجرة اسمها الكبش،
وفي الأرض حظيرة اسمها الكباش،
وفي منتصفهما جزارٌ لا يعرف أن السكين التي يسنها
قد تكون مفتاحاً لبابٍ كوني.

VII

كان هلال العيد صغيراً فوق القضارف،
لكنّه بدا للجزار كبيراً كعين أمّ تبحث عن ولدها.
قال طفل: «هذا هلال».
قال الجد: «لا، هذا قرن كبشٍ سماوي».

VIII

لم يعرف أحد متى بدأت المجرة.
قال المؤرخ: قبل الإنسان.
قال الراعي: قبل الجمل.
قال الكبش: قبل أن اخترع الإنسان كلمة «قبل».

IX

في ليلة العيد
كانت الأرض تدور حول الشمس،
والشمس تدور في مجرتها،
والطفل يدور حول أمه باحثاً عن قطعة حلوى.

X

قال الفلكي: «كل شيء يدور».
قال البدوي: «إذن لا يوجد ضياع».
قال الفلكي: «بل يوجد».
فأجاب البدوي: «الضياع هو أن تدور ولا تعرف أنك تعود».

XI

خرج إسماعيل من الحكاية
ولم يحمل معه إلا ظل كبش.
أما الكبش فقد بقي في الحكاية
كي لا يموت الإنسان كلما أراد أن يثبت إيمانه.

XII

كان الكبش الأقرن الأملح
أبيض كغيمة لم تمطر بعد،
قرناه هلالان صغيران،
وعيناه نافذتان تطلان على صباح لا يعرف الذبح.

XIII

قال إبراهيم للحلم:
«ماذا تريد؟»
قال الحلم: «أريد أن أختبر القلب».
فأجاب القلب: «اختبرني دون أن تقتل ابني».

XIV

منذ ذلك اليوم
صار الكبش يحمل سراً أكبر من لحمه.
كل سكين في العيد
كانت تتذكر أن النجاة أحياناً تأتي من خارج الجسد.

XV

في القضارف
جلس جزارٌ عجوز أمام سكينه.
لم يكن يسنها،
كان يمحو عنها أسماء الذين ذبحهم.

XVI

قال الجزار الشاب:
«علمني علم الجزارين».
قال الشيخ:
«أول الدرس أن تعرف الفرق بين السكين واليد،
فالسلاح بريء، والنية هي التي تذبح».

XVII

كانت السكين تعرف أسماء اللحوم،
لكنها لم تعرف اسم الرحمة.
وكان الكبش يعرف اسم الرحمة،
لأنه كان يقف أمامها كل عام ويعود إلى الحكاية.

XVIII

في السوق
تخاصم جزاران حول وزن كبش.
قال الأول: «سبعة عشر كيلو».
قال الثاني: «عشرون».
فصرخ الكبش: «وزنوا أولاً ما بقي في ضمائركم».

XIX

ضحك الناس.
لكن الضحكة سقطت على الأرض
مثل عملة قديمة من دولة لم يعد لها وجود.
رفعها طفل ووضعها في جيبه.

XX

كان الطفل يعتقد أن العملات القديمة
تفتح أبواب المدن القديمة.
ولم يكن يعرف أن بعض الأبواب
تفتحها كلمة طيبة فقط.

XXI

في الخرطوم التي تركتها الحرب وراءها
كانت النوافذ تنظر إلى السماء ولا تجد البيوت.
وفي القضارف
كانت البيوت الجديدة تتعلم كيف تستقبل وجوهاً جاءت من الخوف.

XXII

دخل رجل غريب حي الكبابيش.
سألوه: «من أين أنت؟»
قال: «من مدينة لم تعد موجودة في ذاكرتي».
فقالوا: «إذن أنت منا».

XXIII

كان اللاجئ يحمل مفتاح بيت.
سأله طفل: «أين الباب؟»
قال: «احترق».
قال الطفل: «إذن المفتاح الآن يصلح للذاكرة».

XXIV

في حوشٍ صغير
وضعت امرأة مفتاحاً بجانب جردل الماء.
كانت تسقي أبناءها
وتسقي معهم مدينة بعيدة.

XXV

جاء رجل من سلامة البيه
ومعه خبر لا يعرف إن كان خبراً أم شائعة.
قال: «الخرطوم بخير».
قالت امرأة: «ومن أين عرفت؟»
قال: «سمعتها في هاتف رجل لم يعد موجوداً».

XXVI

في أبايو
كانت الشائعة تمشي أسرع من سيارة الإسعاف.
وفي الدنقالة
كانت الأخبار تصل بعد أن تنتهي صلاحيتها.

XXVII

قال الراوي:
«الحرب لا تقتل الناس فقط،
إنها تقتل ترتيب الزمن».
صار أمس في الهاتف،
وغداً في وجه طفل،
واليوم في طابور الخبز.

XXVIII

كان الجد الكبابيشي
يبحث عن زمنه في عيون حفيده.
كلما وجد فيه المستقبل
اكتشف أن الماضي لم يمت.

XXIX

في البادية
لم يعد المطر موعداً مضموناً.
كان يأتي مثل ضيفٍ خجول،
يشرب الشاي، ثم يختفي قبل أن يحفظ اسمه أحد.

XXX

قال الراعي:
«كان أجدادنا يعرفون المطر من رائحة التراب».
قال حفيده:
«وأنا أعرفه من تطبيق الهاتف».
ضحك الجد:
«إذن الهاتف صار له أنف».

XXXI

كان الجمل ينظر إلى الهاتف
كما ينظر الفيلسوف إلى مرآة لا تعكسه.
ثم قال:
«كل هذه التكنولوجيا، ولا أحد يعرف أين الماء».

XXXII

في الصحراء
كانت البئر مركز الكون.
حولها تدور الإبل،
والنساء، والقصص، والخصومات،
حتى النجوم بدت كأنها تبحث عن دلو.

XXXIII

قال النسّاب الأعمى:
«الكبابيش من جدٍ واحد».
قال المؤرخ:
«التاريخ أكثر تعقيداً».
قال الجمل:
«أنا لا أعرف الجد الأول، لكنني أعرف من أعطاني الماء».

XXXIV

سقطت شجرة النسب.
لم تنكسر أغصانها،
بل تحولت إلى طرق.
كل غصن صار هجرة،
وكل جذر صار سؤالاً.

XXXV

ظهر رجل من الجزيرة العربية
يحمل عصاً وذاكرة بحرية.
قال: «جئت من هناك».
فقالت له أفريقيا: «أهلاً بك، لكنك الآن جزء من هنا».

XXXVI

ثم ظهر رجل من شمال أفريقيا.
قال: «لي في هذه القبيلة دم قديم».
فقالت الصحراء:
«ربما، لكن الدم لا يمشي وحده؛
يمشي معه السوق والزواج والخوف والتحالف».

XXXVII

تداخلت الأسماء
حتى صار الاسم الواحد قبائل،
وصارت القبائل أسماءً متعددة لرجل واحد
ينام تحت سماء لا تعرف سجلات الأحوال المدنية.

XXXVIII

قال المؤرخ الأوروبي:
«أحتاج إلى تصنيفكم».
قالت له عجوز كبابية:
«صنّف الرمال أولاً».
فأخذ حفنة،
فهربت من يده.

XXXIX

قال المستعمر:
«أين حدودكم؟»
قال الراعي: «حيث يصل الماء».
قال: «ومن يملك الماء؟»
قال الراعي: «من يحفره، لا من يرسمه».

XL

هكذا دخلت الدولة إلى الخيمة
بختمٍ ودفتر.
وحين خرجت
كان الدفتر ممتلئاً بالأسماء،
والخيمة ممتلئة بالصمت.

XLI

كان الناظر يحلم بأنه دولة.
رأسه عاصمة،
وكتفاه وزارتان،
وعيناه حدودان،
أما قدماه فكانتا تمشيان خلف قطيع من الإبل.

XLII

قال له الراعي الصغير:
«الدولة تحتاج أرضاً».
قال الناظر: «وأنت؟»
قال: «أنا أحتاج طريقاً».

XLIII

في المساء
اختفت الدولة من الحلم،
وبقي الطريق.

XLIV

جاءت مدينة الأبيض من بعيد
مثل سفينة تمشي على اليابسة.
حملت السوق والمال والضرائب واللغة الجديدة،
ثم أخذت من البادية بعض أبنائها وتركت لهم صور الإبل.

XLV

وفي الخرطوم
كان ابن الكبابيش يتعلم أسماء الشوارع
وينسى أسماء الآبار.
لكنه في المنام
كان يعود إلى بئر لم يرها قط.

XLVI

في الخليج
كان يعمل في برجٍ زجاجي.
ينظر من الطابق الأربعين
فلا يرى إلا الصحراء.

XLVII

رن هاتفه.
كانت أمه من القضارف.
قالت: «هل أنت بخير؟»
قال: «أنا فوق السحاب».
قالت: «إذن لا تنسَ أن الأرض تحتك».

XLVIII

في الليل
تحول المصعد إلى جمل معدني.
صعد به إلى الطابق الأربعين.
قال الجمل: «أين مرعاي؟»
قال الشاب: «هنا».
فضحك الجمل حتى اهتز البرج.

XLIX

كانت ناطحة السحاب
خيمةً رأسها في السماء.
وكانت الخيمة
ناطحة سحابٍ نسيت كيف تنزل إلى الأرض.

L

منتصف المطولة
ولم يكن هناك منتصف.
فكل بداية كانت خاتمة متنكرة،
وكل نهاية كانت باباً يعود إلى أول كبش.

LI

عاد الكبش الحجري إلى المتحف.
لكنه وجد الباب مكسوراً.
فدخل المدينة،
وكانت المدينة مكسورة أيضاً.

LII

وقف الكبش أمام الخرطوم.
قال لها: «هل تعرفينني؟»
قالت: «أعرف حجرك».
قال: «أنا لا أسأل عن الحجر، بل عن الذاكرة».

LIII

في حي الكبابيش بالقضارف
كان الناس يبنون حياةً جديدة من بقايا حياة قديمة.
كرسي مكسور يصبح منضدة،
باب قديم يصبح سريراً،
وحكاية حرب تصبح نكتة كي يستطيع الناس النوم.

LIV

كان أحدهم يقول:
«الحرب انتهت».
فيجيبه الآخر:
«ربما، لكن آثارها ما زالت تسكن معنا بالإيجار».

LV

في السوق
ظهر جزار جديد.
لم يعرفه أحد.
قال: «أنا من أم درمان».
قالوا: «أهلاً بك».
فقال: «لكنني لا أعرف أين أضع ذاكرتي».

LVI

أعطته امرأة مكاناً بجانب الدكان.
قالت: «ضعها هنا».
فجلس.
ومنذ ذلك اليوم صار للذاكرة دكان في حي الكبابيش.

LVII

دخل إليه الموتى ليلاً
يشترون خبزاً لا يأكلونه.
ويدفعون بعملات قديمة.
وكان الجزار يعرفهم جميعاً
ولا يسألهم من أين جاؤوا.

LVIII

قال أحد الموتى:
«هل انتهت الحرب؟»
قال الجزار: «لا أعرف».
قال: «إذن لماذا تبيع اللحم؟»
قال: «لأن الحياة لا تنتظر البيانات الرسمية».

LIX

ضحك الموتى.
ولأول مرة
سمع الحي ضحكةً تأتي من الجهة الأخرى للزمن.

LX

في عيد الأضحى
ازدحم الحي بالكباش.
كل كبش كان يحمل اسماً سرياً.
أحدها اسمه «النجاة»،
والآخر «الذاكرة»،
والثالث «الخرطوم».

LXI

أما الكبش الأملح
فكان اسمه «إسماعيل».
لم يكن هو إسماعيل،
لكنه حمل الاسم كي لا ينسى الناس معنى الفداء.

LXII

قال الطفل للجزار:
«هل يجوز أن نسمي الكبش نجاة؟»
قال الجزار: «يجوز في الشعر».
قال الطفل: «وفي الحياة؟»
قال: «في الحياة نحتاج الشعر أكثر مما نظن».

LXIII

فوق الحي
ظهر الهلال.
كان قرناً فضياً معلقاً في السماء.
قالت امرأة: «عيد».
قال الراعي: «كوكب».
قال الفلكي: «ظاهرة فلكية».
وقال الطفل: «قرن أبيض يحرسنا».

LXIV

في تلك الليلة
دارت الأرض ثلاث مرات في قلب الحكاية،
لكن أحداً لم يشعر.
فالإنسان لا يشعر بحركة الأرض،
لكنه يشعر جيداً بحركة الخوف.

LXV

كانت الشمس
جزاراً كونياً عظيماً،
تذبح الظلام كل صباح،
ثم تترك لنا منه قليلاً
كي نعرف قيمة الضوء.

LXVI

وكان القمر
كبشاً ناقص القرن،
يتناقص كل ليلة،
ثم يعود ممتلئاً
كأن السماء تعيد تربية نفسها.

LXVII

أما درب التبانة
فلم يكن طريقاً للنجوم،
بل طريقاً لقبيلة من الكباش
هربت من الأرض وصعدت إلى السماء.

LXVIII

قال الفلكي:
«هذه مجرة».
قال الراعي:
«لا تفسد الحكاية».
قال الفلكي: «العلم».
قال الراعي: «والخيال أيضاً طريقة أخرى لمعرفة ما لا نراه».

LXIX

في المقهى
جلس العلم بجوار الأسطورة.
طلبا شاياً.
دفع العلم بالنقود،
ودفعت الأسطورة بحكاية عن جد لم يره أحد.

LXX

جاء التاريخ.
قال: «أين وثائقكم؟»
قالت الحكاية: «أنا الوثيقة».
قال: «أين التاريخ؟»
قالت: «في الأشياء التي لم تستطع الوثائق حفظها».

LXXI

كان النسّاب الأعمى قد وصل إلى الحي.
فتح لفافته.
لم يجد فيها اسماً واحداً.
وجد ماءً،
ورملاً،
ووجوه أطفال.

LXXII

قال: «لقد ضاع النسب».
قال الطفل:
«لا، لقد أصبح أكثر اتساعاً».

LXXIII

كان المؤرخ يكتب عن الكبابيش في أفريقيا.
ثم توقفت يده.
كتب: «في آسيا».
ثم شطبها.
كتب: «في الخليج».
ثم كتب: «في الشرق الأوسط».

LXXIV

ضحك الجمل.
قال:
«أنتم تضعونني على الخرائط
وتنسون أنني كنت أعبرها قبل أن تولد الخرائط».

LXXV

كانت أفريقيا وآسيا
تتنازعان على ظل جمل.
قالت أفريقيا: «هو ابني».
قالت آسيا: «هو خرج من عندي».
فقال الجمل: «أنا ابن الطريق».

LXXVI

في الشرق الأوسط
كان الاسم يتحول إلى سؤال.
وفي الخليج
كان السؤال يتحول إلى عمل.
وفي السودان
كان العمل يتحول إلى ذاكرة،
وفي الذاكرة يعود الجميع إلى الخيمة.

LXXVII

لم يكن للكبابيش بيت واحد.
كان لهم اتجاه.
وحين تغيرت الاتجاهات
أصبح الوطن شيئاً يشبه القلب:
لا تراه، لكنك تموت إذا توقف.

LXXVIII

بعد الحرب
صار الهاتف خيمةً جديدة.
يتجمع الناس حوله.
صوت من الخارج يدخل،
وصوت من الداخل يخرج،
ولا أحد يعرف أين تقع الحدود.

LXXIX

قالت امرأة:
«أريد خبراً طيباً».
قال الهاتف: «لدي صورة قديمة».
فبكت.
لأن الصورة أحياناً تكون أقسى من الخبر.

LXXX

في حي الكبابيش
كان الأطفال يلعبون بالكباش الصغيرة المصنوعة من الطين.
أحدهم بنى متحفاً.
والثاني بنى مجزرة.
والثالث بنى بيتاً.

LXXXI

سألهم المعلم:
«أيكم بنى المستقبل؟»
قال الطفل الثالث: «أنا».
سأله: «لماذا؟»
قال: «لأن البيت يحتاج إلى من يسكنه».

LXXXII

دخلت الحرب إلى الدرس.
جلست في آخر الفصل.
لم ترفع يدها.
لكن الجميع كانوا يعرفون إجابة السؤال.

LXXXIII

قال المعلم:
«ما الوطن؟»
قال الطفل: «مكان لا نخاف فيه».
فكتب المعلم الإجابة على السبورة،
ثم توقف طويلاً.

LXXXIV

خرج المعلم من الفصل
فوجد كبشاً ينتظره.
قال له: «أين الوطن؟»
أشار الكبش إلى الأطفال.

LXXXV

في الليل
عاد الكبش الحجري إلى المتحف.
كان معه جزار، ونسّاب، وراعي، وطفل، ومهاجر.
كلهم دخلوا الممر الأثري
كأنهم يدخلون رحم التاريخ.

LXXXVI

قال الكبش المروي:
«من منكم يعرف البداية؟»
قال الجزار: «العيد».
قال الراعي: «المطر».
قال المؤرخ: «الوثيقة».
قال الطفل: «الحكاية».

LXXXVII

فقال الكبش:
«كلها صحيحة،
وكلها ناقصة».

LXXXVIII

في تلك اللحظة
تحولت الكباش الحجرية إلى نجوم،
وتحولت النجوم إلى حبات قمح،
وتحول القمح إلى خبز،
وعاد الخبز إلى يد امرأة في حي الكبابيش.

LXXXIX

قالت المرأة:
«هذا هو التاريخ».
ولم يفهمها المؤرخ.
فأعطته كسرة خبز
ففهم متأخراً.

XC

كان التاريخ جائعاً.
وكانت الكتب ممتلئة.
لكن أحداً لم يطعمه.

XCI

عاد الجزار إلى دكانه.
علّق السكين على الحائط.
وفي مكانها علق قصيدة.

XCII

سأله الناس:
«لماذا؟»
قال: «لأن السكين تنهي الجسد،
أما القصيدة فتفتح الجرح كي يتنفس».

XCIII

لم يصدقه أحد.
لكن أحداً لم ينزع القصيدة من الحائط.

XCIV

جاء العيد التالي.
كان الهلال أكبر قليلاً.
والحي أقل خوفاً.
والأطفال أكثر جرأة.
أما الحرب فكانت بعيدة،
لكن ظلها ما زال يعرف الطريق.

XCV

ظهر الكبش الأملح من جديد.
نظر إلى السماء.
فرأى مجرة الكبش.
نظر إلى الأرض.
فرأى حظيرة.
نظر إلى الإنسان.
فرأى السؤال نفسه.

XCVI

قال:
«أنا الذي فُديتُ مرة،
فلماذا ما زلتم تفدونني كل عام؟»
قالت السماء:
«كي يتذكر الإنسان
أن الرحمة يمكن أن تقطع طريقاً وسط الموت».

XCVII

لم يعد أحد يعرف
هل الكبش في الأرض أم في السماء.
هل هو حيوان أم رمز.
هل هو أثر مروي أم ذاكرة إسلامية أم قبيلة أم نجمة.

XCVIII

قال الراوي:
«إنه كل ذلك».
ثم اختفى الراوي.
فوجدوا صوته في حنجرة طفل
يسأل أمه عن معنى اسمه.

XCIX

قالت الأم:
«أنت ابن هذه الأرض».
قال الطفل:
«وأين تبدأ الأرض؟»
نظرت إلى القضارف،
ثم إلى الخرطوم،
ثم إلى الصحراء،
ثم إلى الهلال.

C

لم ينتهِ شيء؛ عاد الكبشُ إلى أول السطر، والسطرُ إلى الرمل، والرملُ إلى باديةٍ تطوي الجهاتِ تحت خُفِّ جملٍ هائم، والزمنُ يعضُّ ذيله.
رفعت الكباشُ الحجرية قرونَها، فانشقَّ الهلال، وانسكبت دربُ التبانة في الخيام، وصار كوكبُ الأرض حَبّةَ قمحٍ تدور في كفِّ أمٍّ تسهر على آخر الضوء.
سأل الطفل: «من أين جاء الكبابيش؟» فتشظّى الجواب: من الماء، من الجمل، من النسب، من السكين، من الذاكرة، من تاريخٍ مضغته الحرب وظلَّ يبحث عن فمٍ آخر.
وصعد الكبشُ الأقرنُ الأملح بين النجوم، وترك قرنيه باباً مفتوحاً تتعاقب فيه الخيمةُ والمجرةُ والمتحفُ والجزارُ والناجي كأنهم وجوهُ حلمٍ واحد.
وحين أطبق الصمتُ فمَه، دوّت حوافرُ في الرمل؛ كبشٌ يعود، وطفلٌ يتقدّم، وجزارٌ يتأخر، والزمنُ يطارد ظلَّه ولا يدركه.
وكانت البدايةُ تبتعد وهي تولد، والنهايةُ تقترب وهي تتذكّر؛ فلا وصولَ في البادية، ولا آخرَ للطريق، فالطريقُ نفسه هو الذي يعود إلينا.

___________

سبتمبر 2026م

حي الكبابيش - القضارف 



تعليقات

المشاركات الشائعة