ديوان : مذاهب المذهبي

مذاهب المذهبي   

مصعب الرمادي 


مذاهب المذهبي

__________________
 الكتاب :  مذاهب المذهبي          

 الكاتب : مصعب الرمادي
تاريخ الطبع : سبتمبر 2026م
حقوق الطبع والتأليف محفوظة للمؤلف 

_____________________

 1
الفقهُ ليسَ ما تقوله الكتبُ حين تنامُ على رفوفها،
الفقهُ هو ذلك الرجلُ الذي يخرج من المسجد إلى السوق،     يحملُ في جيبه ميزانًا لا يراه أحد،
ويقيسُ به ظلَّ التفاحةِ قبل أن يبيعها،
ثم يسأل نفسه في الطريق: من أعطاني هذا الميزان؟
ومن قال إن الطريق الذي أمشيه هو الطريق؟
ومن أين جاء للمذهب اسمه، وللخطوة معناها؟.

2
قال المذهب: أنا ذهابٌ،
وقالت اللغة: أنتَ أثرُ فعلٍ لم يكتمل،
قال الطريق: أنا المسافة،
قالت الطريقة: أنا هيئةُ قطع المسافة،
قال المنهاج: أنا عقلُ المسافة حين تصير لها خرائط،
وقال المسلك: أنا القدم التي قد تنحرف سنتيمترًا
فتولد من الانحراف قارةٌ جديدة.

3
كان الرجلُ يقرأ آيةً في مصباح البيت،
وفي الغرفة الأخرى كانت زوجته تبحث عن مفتاح الغاز،
والطفلُ يرسل واجبه عبر الهاتف،
والجدةُ تقول إن زمانهم كان أقلَّ ضجيجًا،
والفقيهُ يفتش في الكتب عن حكمٍ لزمنٍ
لم يعرف الطائرةَ ولا الشاشةَ ولا المصرفَ الإلكتروني،
فأصبح العالمُ كله نازلةً تمشي على قدمين.

4
المذهبُ لا يبدأ حين يقول الإمام: هذا مذهبي،
بل حين يبدأ التلاميذ في جمع الأثر،
حين يصبح القولُ ذاكرةً،
والذاكرةُ كتابًا،
والكتابُ مدرسةً،
والمدرسةُ بيتًا له باب،
ثم يأتي أحدهم فيضع على الباب لافتة: من هنا الحقيقة.

5
لكن الحقيقة لم تكن في اللافتة،
كانت تمرُّ كل صباح من تحتها ولا تنتبه،
الحقيقةُ كانت بائعَ خبزٍ يساوم على الرغيف،
وعجوزًا تنتظر دورها في المستشفى،
وفلاحًا يسأل عن المطر،
وطالبًا يخلط بين «الدليل» و«الدليلية»،
ومذنبًا يريد أن يعرف هل تغلق السماء أبوابها في وجهه.

6
في الكوفة كان السؤال يركض أسرع من الخبر،
وفي المدينة كانت الذاكرة تجلس قرب النبيّ في المخيلة،
وفي بغداد كانت المناظرةُ تفتح نوافذها على الليل،
وفي مصر كان الفقيهُ يحمل مسودته من عصرٍ إلى عصر،
فلم تكن المدارس الأربع جزرًا منفصلة،
بل أنهارًا تتقاطع تحت الأرض،
ولا يظهر اختلافها إلا حين يخرج الماء إلى الضوء.

7
أبو حنيفةُ دخل القصيدةَ من باب السؤال،
ليس بوصفه تمثالًا من رخام،
بل عقلًا يواجه الوقائع قبل أن تجفَّ،
قياسٌ يمشي بين الناس كمسافرٍ مجهول الاسم،
واحتمالٌ يطرق الباب حين لا يكون النصُّ صريحًا،
وفقيهٌ يعرف أن الواقعة الجديدة
لا تعترف بتاريخ ولادتها.

8
ومالكٌ جاء من المدينة،
تحمل معه ذاكرةَ الأزقة والوضوء والقبور،
كأن العمل المتوارث عنده
ليس مجرد عادةٍ تلبس ثوب الشرع،
بل ظلُّ جماعةٍ عاشت المعنى حتى صار في أجسادها،
فالمدينةُ كتابٌ لا تُقرأ صفحاته بالحبر،
بل بأقدام الذين مشوا فيها.

9
والشافعيُّ جاء وفي يده سؤالٌ عن السؤال،
كيف نعرف أن هذا دليل؟
وكيف نعرف أن اللغة لم تخدعنا؟
كيف نردُّ الفرع إلى الأصل دون أن نخنقه؟
فصارت الأصولُ آلةً موسيقيةً لضبط الفوضى،
وصار الفقه يسمع خلف الحكم
صوتَ المنهاج الذي أنجبه.

10
وأحمدُ ظلَّ قريبًا من أثرٍ يخشى أن تضيع ملامحه،
يضع النصَّ أمام العقل كما يضع الحارسُ المفتاح أمام الباب،
لا يريد أن يصنع من الرأي سلطانًا على الرواية،
لكن العقل لا يخرج من المشهد حتى حين يصمت،
فالاختيارُ ترجيح،
والترجيحُ فعلُ عقل،
والعقلُ لا يستطيع أن يختبئ طويلًا خلف النص.

11
هكذا دخل الأربعةُ إلى السوق نفسه،
لكن كل واحدٍ حمل ميزانًا مختلفًا،
واحدٌ سأل عن القياس،
وآخرُ عن الذاكرة الجماعية،
وثالثٌ عن بنية الدليل،
ورابعٌ عن قوة الأثر،
وكان السؤال واحدًا: كيف لا نخون المعنى ونحن نبحث عنه؟

12
ثم جاء المذهبيُّ،
لم يسألهم كيف اختلفتم،
بل سأل: أيكم انتصر؟
فضحكت المذاهب في قبرها،
لأنها لم تولد كي تخوض مباراة،
بل ولدت من قلق الإنسان
حين يصطدم النصُّ بحجم الحياة.

13
المذهبيُّ يريد بطاقةً صغيرة،
حنفي، مالكي، شافعي، حنبلي،
كي يعرف من يجلس إلى جواره في الحافلة،
وكي يختصر ألف سنة من الجدل
في كلمةٍ واحدة معلقة على الصدر،
لكن الحافلةَ لا تسأل عن المذهب حين تتوقف،
والفرامل لا تعرف شيئًا عن الخلاف الفقهي.

14
في المطار يصبح الجميع مسافرين،
في غرفة الطوارئ يصبح المذهب أقلَّ ارتفاعًا من الألم،
في المقبرة يصبح الاسم كله أخف من التراب،
وفي المطر لا تسأل الشوارعُ عن المدرسة التي ينتمي إليها الماء،
فلماذا يتذكر الإنسان حدودَه
كلما ابتعد الألم،
وينسى أن جسده كان أول كتابٍ قرأه؟

15
المذهبُ طريقةٌ في ترتيب الأدلة،
لكن المذهبية قد تصبح طريقةً في ترتيب البشر،
هنا يبدأ الخطر،
فمن اختلافٍ في الحكم
ينبت اختلافٌ في الهوية،
ومن الهوية ينبت «نحن»،
ومن «نحن» يولد «هم».

16
والفرقةُ كلمةٌ لها ظل طويل،
والنحلةُ ليست نحلةَ العسل،
والجماعة ليست الجماعة في الصلاة وحدها،
والحزب ليس المذهب وإن تشابهت بعضُ أسوار الانتماء،
كلُّ جماعةٍ تخترع لنفسها مركزًا،
ومركزُها يخترع هامشًا،
والهامشُ هو المكان الذي يبدأ فيه تاريخ الخصومة.

17
الحزبُ يقول: اتبع البرنامج،
والمذهبُ يقول: افهم المنهج،
والطائفةُ تقول: احفظ الذاكرة،
والتحالفُ يقول: احفظ المصلحة،
والقبيلةُ تقول: احفظ النسب،
والقطيعُ لا يقول شيئًا،
فقط يمشي خلف الصوت الذي يعرف أين يوجد الماء.

18
لكن من قال إن الإنسان الحديث خرج من القطيع؟
ربما غيّر فقط شكل العصا،
صار الراعي يرتدي بدلةً،
وصارت المراعي شاشات،
وصار النباح إشعارًا على الهاتف،
وصار الاصطفاف علامةَ إعجاب،
وصارت الجماعةُ تسير في جيوبنا أينما ذهبنا.

19
كنتَ وحدك في المقهى،
لكن سبعمئة صوتٍ داخل هاتفك
تقول لك ماذا تحب،
ماذا تكره،
من عدوك،
من صديقك،
ومن يجب أن تصدقه اليوم،
فأين تقع الحرية حين يصبح القطيع تطبيقًا؟

20
الأيديولوجيا لا تدخل من الباب وهي تحمل اسمها،
تجلس أولًا في المقعد المجاور،
تضحك معك،
تأكل من طبقك،
ثم تعطيك قائمةً صغيرة:
هذا صواب، هذا خطأ،
هذا منّا، وهذا ينبغي أن يبقى خارج النافذة.

21
المذهبيُّ والأيديولوجيُّ يلتقيان في مكانٍ واحد،
كلاهما يخاف أحيانًا من الفجوة بين اليقين والسؤال،
كلاهما يفضّل الخريطةَ المكتملة
على الطريق الذي لا يزال يرسم نفسه،
وكلاهما قد يرى الشكَّ مرضًا،
بينما الشكُّ في أحسن حالاته
هو جهازُ إنذار العقل.

22
لكن المذهبَ ليس أيديولوجيا بالضرورة،
والحزبَ ليس عقيدةً بالضرورة،
والتشابهُ بينهما يجب أن يبقى في البنية لا في الهوية،
فالمقارنة التي تساوي الأشياء
تفقد قدرتها على المقارنة،
وتصبح المطرقةَ التي تدعي أنها ميزان،
والحقيقة لا تحب الموازين المصنوعة من الحديد.

23
ثم دخل الناتو إلى القصيدة،
دخل كقلعةٍ من أعلام،
دولٌ مختلفة اللغة والتاريخ
تتعاهد حين يصبح الأمن سؤالًا جماعيًا،
لم يكن مذهبًا،
ولم يكن مسجدًا،
لكنه كشف شيئًا قديمًا في الإنسان:
أن الخوف يستطيع أن يصنع اتحادًا.

24
لم يقل الفقهاء إن التحالف العسكري مذهبٌ خامس،
ولا ينبغي للشاعر أن يفعل ذلك،
لكن الشاعر يستطيع أن يسأل:
كيف يصبح المختلفون قادرين على صناعة «نحن»
حين يقترب الخطر؟
وهل كانت المذاهب أيضًا
تبحث عن حمايةٍ من فوضى الاحتمال؟

25
في الحرب العالمية الثانية
تجاورت قوى متباينة لأن الخطر كان أكبر من اختلافاتها،
ثم بعد الحرب أعادت كل دولة بناء صورتها،
كأن التحالفات لا تلغي الاختلاف،
بل تؤجله حين يصبح العدوُّ في منتصف الغرفة،
وهنا تصير السياسة درسًا آخر في المذهبية:
نحن قد نتفق اليوم
لأن شيئًا ما يخيفنا أكثر من اختلافنا.

26
لكن القرية لا تعرف الناتو،
القرية تعرف أن الطريق المؤدي إلى النهر
يمرُّ بين حقلين،
وأن الجار قد يصبح حليفًا في الحريق،
وخصمًا في الماء،
وصديقًا في العرس،
وهذه الحياة اليومية أكثر فلسفةً من كثير من الكتب.

27
المرأة التي تقف في الطابور
لا تسأل الرجل أمامها عن أصول الاستدلال،
تسأله فقط: هل انتهيت؟
الرجل يحمل فاتورة الكهرباء،
والطفل يريد حلوى،
والهاتف يهتز برسالة سياسية،
وفي الخلفية شيخٌ يتحدث عن الفرقة الناجية،
فتبدو المدينة كأنها كتابُ فرقٍ يطبخ العشاء.

28
الفقه هنا لا يعود بابًا في كتاب،
إنه صنبور الماء حين ينقطع،
وخبزٌ يتأخر،
ودواءٌ غالٍ،
وإيجار شقة،
ودينٌ بين جارَين،
وعقدٌ لا يعرف صاحبه كيف يخرج من بنوده.

29
من هنا يصبح الفقيه شاهدًا على عصره،
لا لأن له آلةً سحرية،
بل لأنه يقف في الموضع الذي تصطدم فيه القاعدة بالواقعة،
يشاهد النصَّ حين يخرج من المسجد،
ويدخل المحكمة،
ثم السوق،
ثم البيت.

30
وهناك تبدأ اللغة في تحريك أصابعها،
عامٌّ يطل من النافذة،
خاصٌّ يختبئ وراء الستارة،
مطلقٌ يمشي في الشارع،
مقيدٌ يمسك بيده،
أمرٌ يتقدم،
ونهيٌ يرفع حاجبه،
والحكم ينتظر خلف كلمةٍ واحدة.

31
كم من حربٍ بدأت من معنى كلمة،
وكم من صلحٍ وُلد من إعادة تفسيرها،
فاللغة ليست قاموسًا،
إنها حدودٌ متحركة بين البشر،
ومن يملك معنى الكلمة
يمتلك أحيانًا نصف الخريطة،
أما النصف الآخر فيسكن في تأويل السامع.

32
«المولى» يدخل القصيدة ولا يطلب كرسيًا،
كلمةٌ واحدة تحمل محبةً وولايةً ونصرةً وسؤالَ سلطة،
فتختلف المدارس في اتجاه الريح،
ويصبح التاريخُ قاعةَ محكمة،
والحديثُ شاهدًا،
والسياسةُ محاميًا،
واللغةُ قاضيًا لا يعترف بسهولةٍ بقرار نهائي.

33
ثم يأتي أهل البيت،
لا بوصفهم أسماءً في شجرة نسب،
بل بوصفهم ذاكرةً مضيئةً في وجدان المسلمين،
وعند الشيعة تصبح الذاكرةُ أيضًا نظريةً في الإمامة،
فيتحول الحب من شعور
إلى سؤالٍ عن المرجعية،
ومن المرجعية إلى سؤالٍ عن المعرفة.

34
الإمام هنا ليس كرسيًا في قصر،
إنه عينٌ يُراد لها ألا تخطئ،
وهنا تدخل العصمةُ إلى القصيدة
كمرآةٍ لا تعكس إلا اليقين،
فيتساءل الشاعر:
من يثبت للإنسان أن المرآة لا تعكس الخطأ؟
ومن يثبت للمرآة أنها مرآة أصلًا؟

35
الإمامةُ في التصور الاثني عشري
ليست مجرد خلافةٍ سياسية،
بل امتدادٌ للمرجعية الدينية عبر الأئمة،
ومن هنا يصبح الخلاف أكثر عمقًا من سؤال السلطة،
إنه سؤال: من يملك مفتاح التفسير؟
هل هو النص وحده؟
أم النص ومعه إمامٌ مخصوص؟

36
والزيديُّ يدخل من باب آخر،
يرى الإمامة في أهل البيت ضمن تصورٍ مختلف،
والإسماعيليُّ يحمل خيطًا آخر من السلسلة،
والاثنا عشريُّ يرسم سلسلةً حتى الثاني عشر،
فتصبح الشجرة الواحدة
غابةً من المسارات،
وكل غصن يقول: هنا الامتداد.

37
هكذا لا تكون كلمة «الشيعة» بيتًا واحدًا،
بل مدنًا لها أبوابها،
الزيديةُ شارع،
والإسماعيليةُ نهر،
والاثنا عشريةُ مدينةٌ واسعة،
والجعفريةُ تاريخٌ فقهي له تعقيداته،
وكربلاءُ ذاكرةٌ تعبر فوق الجميع.

38
والطريف أن جعفر الصادق
يمكن أن يقف في القصيدة على جسرٍ بين الذاكرات،
عالمًا تستعيده مدارس مختلفة،
وصوتًا علميًا أكبر من حدود النزاع،
كأن بعض العلماء
كانوا قبل المذاهب وبعدها،
وكأن العلم أقدم من اللافتة التي توضع فوق بابه.

39
ثم تأتي كربلاء،
لا كخيمةٍ من الماضي،
بل كجرحٍ له ساعةٌ في كل يوم،
تجلس في الأخبار،
وتظهر في وجه أمٍّ فقدت ولدها،
وفي مظلومٍ يبحث عن عدالة،
وفي مدينةٍ تعرف أن الدم قد يصبح ذاكرةً لا تهدأ.

40
الحسينُ في القصيدة ليس شعارًا،
بل سؤالٌ مفتوح:
ماذا تفعل العدالة حين تكون القوة في الجانب الآخر؟
ماذا تفعل الشهادة حين يكتب المنتصر سجلَّ الحرب؟
ومتى يصبح الجرحُ لغةً؟
ومتى يتحول الجرح إلى أيديولوجيا؟
ومتى ينبغي للذاكرة أن تتذكر دون أن تقتل؟

41
هنا يأتي النقد،
لا ليهدم المقدس في وجدان الناس،
بل ليفرق بين التاريخ والذاكرة،
بين الرواية والشهادة،
بين العقيدة والقراءة التاريخية،
بين ما يؤمن به الناس
وما نستطيع إثباته بطرائق المؤرخ.

42
فالنصُّ الديني يقول شيئًا داخل إيمانه،
والمؤرخ يسأل كيف وصل النص إلينا،
والفيلسوف يسأل ماذا نعني حين نقول «حقيقة»،
والشاعر يسأل لماذا يؤلمنا المعنى،
والفقيه يسأل ماذا نفعل به،
والناس في المطبخ
يسألون فقط: متى ينضج الطعام؟

43
هذه هي الحياة،
تضع أرسطو في جوار قدر العدس،
وديکارت قرب فاتورة الهاتف،
والشافعي داخل حافلة مزدحمة،
وهيغل ربما ينتظر دوره أمام المخبز،
وكانط ينظر إلى الساعة،
ودينيت يدخل متجرًا للخبز ويشك في وجود «المشتري» أصلًا.

44
ديكارتُ يفتح بابًا في الليل،
يقول للشك: ادخل،
ثم يجلس وحيدًا أمام ذاته المفكرة،
الجسد في كرسي،
والعقل في غرفة أخرى،
وبينهما سؤالٌ كهربائي:
كيف ترفع النيةُ اليدَ إذا كان أحدهما غير الآخر؟

45
ثنائية ديكارت لم تكن مجرد خصومة بين الروح والجسد،
لقد جعلت الوعي مركزًا مهمًا في مسألة العقل،
وجعلت الجسم عالمًا ممتدًا،
والعقل عالمًا للتفكير،
فبدأت مشكلةٌ طويلة العمر:
إذا كانا مختلفين بهذا العمق،
فكيف يلمس أحدهما الآخر؟

46
الأم تقول لابنها: لا تخف،
والكلمة تدخل أذنه،
والخوف ينخفض قليلًا،
ثم يقال لنا إن هناك دماغًا،
وأعصابًا،
وإشاراتٍ كهربائيةً وكيميائية،
لكن أين تقع اليد التي تمسح الخوف من الداخل؟

47
جاءت الأميرة إليزابيث لتسأل ديكارت،
وكأنها طرقت على حائط الفلسفة:
كيف يتفاعل ما هو غير ممتد
بما هو ممتد؟
ظل السؤال مفتوحًا مثل نافذةٍ شتوية،
ومن تلك النافذة دخلت قرونٌ من فلسفة العقل،
وما زال الهواء باردًا.

48
ثم يأتي رايل،
يحمل مكنسةً فلسفية،
ويشير إلى الغرفة التي يسكنها «شبح الآلة»،
يقول إن المشكلة قد تكون في طريقة استعمالنا للمفاهيم،
لا في وجود مخلوقٍ غامض خلف العين،
فالسؤال أحيانًا يخطئ
قبل أن يبدأ في البحث عن الإجابة.

49
رايل لا يريد عقلًا مخفيًا وراء الجسد،
ولا روحًا صغيرةً تجلس في غرفة التحكم،
كأن رجلًا آخر يعيش داخل الرجل،
ويحركه من وراء الستار،
لذلك تصبح القصيدة غرفةَ مسرح،
ونحن نفتش خلف المسرح عن مديرٍ
ولا نجد إلا خشبةً أخرى.

50
لكنني رأيت رجلًا يغضب،
فقلت: الغضب في جسده،
وقال آخر: الغضب في عقله،
وقالت زوجته: الغضب في يومه السيئ،
وقال الطبيب: راقب النوم والهرمونات،
وقال الشاعر: الغضبُ بيتٌ اشتعلت فيه اللغة،
وقال الطفل: أبي غاضب، فقط.

51
هنا لا ينتصر رايل على الجميع،
ولا ينتصر ديكارت عليه،
بل يتسع السؤال،
فربما كانت الفلسفة هي فن
منع الجواب المبكر من إغلاق الباب،
كل مذهبٍ للعقل
يترك خلفه غرفةً لم تُفتح.

52
ثم يأتي توماس نيغل
في عتمةٍ تشبه جناح خفاش،
ويسأل السؤال الذي لا يمكن للكاميرا أن تجيبه:
كيف يبدو العالم من الداخل؟
ليس ماذا تفعل الخلية،
بل ماذا يعني أن تكون تلك الخلية
جزءًا من كائن يعيش شيئًا ما؟

53
الخفاش يطير فوق المدينة،
أجهزةُ الرادار تقيس حركته،
العالم يكتب أرقامه،
لكن ما الذي يعنيه أن يكون خفاشًا؟
هنا تدخل الذات إلى المختبر،
وتطالب بحقها في نافذةٍ من الداخل،
لا يملكها المراقب من الخارج.

54
رجلٌ في المستشفى يقول: أتألم،
الجهاز يرسم خطًا،
الطبيب يقرأ الخط،
لكن الخط لا يتألم،
والشاشة لا تصرخ،
والرقم لا يعرف طعم الليل،
والإنسان وحده يحمل كلمة «آه» داخل جسده.

55
وهنا يصبح الوعي مسألةً لا تستقر،
فهو مألوفٌ لأنه يسكننا،
وغريبٌ لأنه لا يمكننا أن نضعه على الطاولة،
نفتح أعيننا فنراه،
نغلقها فنراه،
ننام فتختفي الخريطة،
ثم نستيقظ ونسأل: أين كنت؟

56
تشالمرز يدخل من الباب الذي تركه نيغل مفتوحًا،
لا يسأل فقط عن وظائف الدماغ،
بل عن السؤال الأعسر:
لماذا توجد تجربة أصلًا؟
لماذا لا تكون المعالجة العصبية
مجرد كهرباء صامتة
بلا لونٍ ولا طعمٍ ولا ألم؟

57
هذا هو «المشكلة الصعبة» في القصيدة،
ليست صعوبة عدّ الخلايا،
بل صعوبة أن نفهم
كيف يصبح الوصف الفيزيائي
تجربةً لها طعم من الداخل،
كيف يصبح الضوءُ «أزرق»،
وكيف يصبح الألمُ شيئًا لا يمكن اختزاله في كلمة «إشارة».

58
ثم يرسل تشالمرز زومبيًا فلسفيًا إلى الشارع،
رجلٌ يشبهنا في كل شيء،
يمشي مثلنا،
يتحدث مثلنا،
يشتري القهوة مثلنا،
لكنه، في التجربة الفكرية، بلا حياةٍ داخلية،
ولا شيء يشبه أن يكون أحدًا.

59
أراه يدخل الحافلة،
يدفع التذكرة،
ينظر إلى المطر،
ويقول: الجو جميل،
لكن السؤال المظلم يظل في المقعد الخلفي:
هل قالها لأنه يشعر بالجمال،
أم لأنه يمتلك البرنامج الكامل للجمال بلا جمال؟

60
الزومبي الفلسفي ليس وحشًا،
إنه مرآةٌ للمشكلة،
اختبارٌ للفارق بين أن تؤدي الوظيفة
وأن تعيش التجربة،
بين أن تقول «أنا»
وأن يكون لهذه الـ«أنا»
ليلٌ داخلي لا يراه أحد.

61
لكن دينيت يفتح بابًا آخر،
ويقول لنا: احذروا المسرح الداخلي،
ربما لا يوجد مكانٌ واحد
يجلس فيه المشاهد الصغير
ويراقب كل شيء،
ربما الوعي سلسلةٌ من مسوداتٍ
تعمل وتتفاعل في أنحاء الدماغ.

62
دينيتُ لا يحب المذبح الكارتيزي،
حيث تجلس الذات على عرشٍ
وتنتظر وصول الصور والأصوات،
فالدماغ ليس سينما،
ولا يوجد موظفٌ داخلي
يمتلك بطاقة الدخول إلى العرض،
بل عملياتٌ كثيرة تشتغل وتؤثر في بعضها.

63
في رأس الرجل عشرات المسودات،
واحدةٌ تقول: انتبه،
وأخرى تقول: لا خطر،
وثالثةٌ تقول: اتصل بفلان،
ورابعةٌ تتذكر وجه الأب،
وخامسةٌ تبحث عن الهاتف،
ثم نطلق على النتيجة اسمًا واحدًا: أنا.

64
وهنا يصبح «أنا» في القصيدة
مثل حكومة ائتلافية داخل دماغ،
أحزابٌ عصبية تتصارع،
ولا رئيسٌ واحد،
ولا قاعةُ برلمان نهائية،
كل فكرةٍ تحاول الوصول إلى الضوء،
وبعض الأفكار تختفي قبل أن تحصل على الميكروفون.

65
دينيت يزعج اليقين،
تشالمرز يزعج الاختزال،
نيغل يزعج الوهم بأن الخارج يكفي،
رايل يزعج شبح الروح المختبئة،
وديكارت يظل واقفًا عند الباب
يسأل:
لكن من الذي يشك الآن؟

66
خمسة فلاسفة،
خمسة مسالك إلى الغرفة نفسها،
واحدٌ يفصل،
واحدٌ يصحح اللغة،
واحدٌ يحرس التجربة الذاتية،
واحدٌ يرفض أن يترك الفجوة بلا سؤال،
وواحدٌ يفكك المسرح ويبعثر المسودات.

67
أيُّهم على حق؟
السؤال نفسه صار فخًا مذهبيًا،
كأن العقل يحتاج إلى إمامٍ خامس
ليقول له: هذا هو الطريق،
فتضحك فلسفة العقل
لأنها جاءت أصلًا لتسأل
لماذا نحتاج إلى طريق واحد؟

68
الإنسانُ المذهبي قد يفعل مع الفلسفة
ما فعله مع الفقه،
يختار فيلسوفه المفضل،
ثم يضعه فوق باب العقل،
ويقول: انتهى النقاش،
ويصبح ديكارتُ حنفية العقل،
ورايــلُ مالكيَّها، ونيغلُ شافعيَّها، ودينيتُ حنبليَّها.

69
لكن الفلاسفة لا يريدون هذا المعبد،
كل واحدٍ منهم ترك وراءه سؤالًا،
والسؤال لا يحب أن يتحول إلى صنم،
فمن أحب ديكارت
عليه أن يسمع اعتراض إليزابيث،
ومن أحب تشالمرز
عليه أن يسمع اعتراض الفيزيائي،
ومن أحب دينيت عليه أن يسأل أين اختفت الخبرة الذاتية.

70
وهكذا تتحول فلسفة العقل
إلى مذهبٍ ضد المذهبية،
لا لأنها ترفض المدارس،
بل لأنها ترفض أن يكون اسم المدرسة
بديلًا عن البرهان،
فالعقل الذي يقول «هذا هو الجواب»
ينبغي أن يسمع فورًا سؤالًا آخر: لماذا؟

71
في الحافلة رجلٌ يقرأ كتابًا دينيًا،
وبجواره شابٌ يقرأ في علم الأعصاب،
وفي آخر الصف امرأةٌ تقرأ رواية،
وعاملٌ ينظر من النافذة،
وخارج الحافلة كلبٌ يطارد ظله،
كلهم يعيشون العالم،
ولا أحد يملك النسخة الوحيدة منه.

72
المجتمع الحديث يقول للفرد: كن حرًا،
ثم يضع حوله ألف إعلان،
ويقول له: اختر،
ثم يقترح عليه عشرة آلاف خيار،
ويقول له: كن مختلفًا،
ثم يبيع له الاختلاف في علبة،
فتصبح الحرية سلعةً تحمل ملصق الحرية.

73
الأيديولوجيا القديمة رفعت رايةً في الشارع،
الأيديولوجيا الجديدة تدخل من الإشعار،
قد لا تحملك إلى الحرب،
لكنها تحدد من تتابع،
وماذا تشتري،
ومتى تغضب،
ومتى تعتقد أنك اخترت وحدك.

74
هل القطيع الآن حيوانٌ؟
لا،
ربما هو جهازٌ في جيب الإنسان،
يخبره بأن سبعين ألف شخص
يحبون الشيء نفسه،
فيشعر بالأمان،
ثم يكتشف أنه صار واحدًا من السبعين ألفًا
الذين نسوا أن يسألوا لماذا.

75
البداءة ليست وراءنا دائمًا،
قد تجلس في قلب المدينة،
وقد ترتدي ربطة عنق،
وقد تقود دبابة،
وقد تملك بنكًا،
وقد تتكلم بلغة العلم،
فالهمجية ليست غياب التكنولوجيا؛
أحيانًا تكون التكنولوجيا نفسها أكثر أدواتها تهذيبًا.

76
السور الحجري القديم كان يقول: لا تدخل،
الحدود الحديثة تقول: جواز سفر،
الحزب يقول: عضوية،
المذهب يقول: اصطلاح،
المنصة الرقمية تقول: شروط الاستخدام،
والقطيع يقول في صمت:
لا تبتعد كثيرًا عن الطريق.

77
من هنا تبدو الحرية
ليست أن تهرب من الجماعة،
بل أن تستطيع الدخول والخروج منها
دون أن تفقد اسمك،
أن تحب الموروث دون أن تؤلّهه،
وأن تنقد الحزب دون أن تكره أفراده،
وأن تختلف في الفقه دون أن تحول الاختلاف إلى حرب أهلية.

78
الفقيه الحر لا يهدم المذهب،
بل يفتح نوافذه،
والناقد الحر لا يهدم الدين،
بل يميز بين الإيمان والتاريخ،
والشاعر الحر لا يسخر من المقدس،
بل يسأل ماذا يحدث حين يتحول المقدس
إلى أداةٍ لإلغاء الإنسان.

79
هنا يدخل الذكاء الاصطناعي،
آلةٌ لا تملك عمامة،
ولا نسبًا،
ولا قبيلةً،
ولا مسجدًا،
ولا حزبًا،
لكنها تستطيع أن تقرأ آلاف المذاهب في لحظة.

80
هل تصبح الآلة فقيهًا؟
السؤال يضحك من داخل الشاشة،
فهي تستطيع تركيب الجملة،
واستدعاء الأقوال،
ومقارنة الحجج،
لكن هل تملك «نيةً» حين تقول الحكم؟
وهل تفهم الألم حين تفسر حديثًا عن الألم؟

81
الآلة يمكنها أن تقول: «هذا رأي الحنفية»،
و«هذا رأي المالكية»،
و«هذه حجة الشافعية»،
و«هذا اعتراض الحنابلة»،
لكنها تقف عند عتبة السؤال:
هل معرفة الخريطة
هي نفسها السير في الأرض؟

82
وربما هنا يصبح الذكاء الاصطناعي
أكثر صورةٍ صفاءً للمذهبي،
ذاكرةٌ هائلة،
خرائط بلا عطش،
أدلة بلا نوم،
لكن الإنسان يبقى في الطرف الآخر
يسأل:
هل يمكن للذاكرة وحدها أن تنتج حكمة؟

83
الحكمة ليست عدد النصوص،
ولا سرعة البحث،
ولا كثافة الإحالات،
الحكمة أن تعرف متى تتوقف،
ومتى تقول لا أعلم،
ومتى ترى إنسانًا أمامك
قبل أن ترى مسألةً فقهية.

84
المذهب الذي لا يرى الإنسان
يصبح آلةَ تصنيف،
والحزب الذي لا يرى الإنسان
يصبح آلةَ تعبئة،
والتحالف الذي لا يرى الإنسان
يصبح آلةَ حرب،
والدين الذي لا يرى الإنسان
يفقد في الطريق قلبَ رسالته الأخلاقية.

85
لكن الإنسان نفسه ليس بريئًا،
إنه يحب التصنيف،
يحب الأدراج،
يحب أن يعرف من معه،
ويميل إلى تحويل المجهول إلى عدو،
ولهذا يحتاج العقل إلى تربيةٍ مستمرة
كي يحتمل أن يعيش بين علامتين استفهام.

86
المذهبيُّ يريد أن ينتهي،
والفيلسوف يريد أن يبدأ،
الشاعر يريد أن يفتح النافذة،
والعالم يريد أن يقيس،
والفقيه يريد أن يحكم،
والإنسان اليوم يريد أن يذهب إلى عمله في الثامنة،
فتلتقي كل هذه الطرق عند إشارة مرور.

87
إشارةٌ حمراء،
تقف السيارات،
فيلسوفٌ في سيارة،
فقيهٌ في سيارة،
شاعرٌ في سيارة،
رجلُ دينٍ في سيارة،
ومستخدمُ تطبيقٍ يعرف الجميع في أقل من ثانية.

88
أيُّ مذهبٍ يحكم الإشارة؟
القانون،
وأيُّ قانون؟
الدولة،
ومن أين جاءت الدولة؟
من تاريخ طويل من الاتفاق والنزاع،
ثم يمضي الجميع حين يصبح الضوء أخضر،
كأن البشرية اتفقت فجأةً على معنى اللون.

89
هذه هي المذهبية اليومية،
ليست فقط في المسجد،
بل في الطابور،
في المكتب،
في الجامعة،
في الحي،
في الأسرة،
حين يقال: نحن نفعلها هكذا دائمًا.

90
«دائمًا» كلمةٌ خطرة،
لأنها تستطيع أن تحول العادة إلى شريعة،
والذاكرة إلى قانون،
والخوف إلى حكمة،
والتكرار إلى برهان،
والغالب إلى صحيح،
ثم تنسى الجماعة أن أول مرة فعلت فيها الشيء نفسه كانت يومًا ما استثناءً.

91
المذاهب الكبرى لم تكن خاليةً من التاريخ،
والتاريخ لم يكن خاليًا من السلطة،
والسلطة لم تكن خاليةً من المصالح،
والمصالح لم تكن خاليةً من البشر،
لهذا يجب أن نقرأ الفقه داخل الكتب
وخارجها،
في المحكمة والسوق والبيت والدولة.

92
ولا يجوز أن يتحول النقد
إلى محكمةٍ ضد قرون المسلمين،
كما لا يجوز أن يتحول التراث
إلى محكمةٍ ضد الحاضر،
التراث مادةٌ للتفكير،
والحاضر مادةٌ للاختبار،
والعقل هو المسافر بينهما.

93
هناك فرقٌ بين نقد العقيدة
والإساءة إلى المؤمن،
وفرقٌ بين نقد المذهب
وإهانة أهله،
وفرقٌ بين نقد السلطة الدينية
وإلغاء الدين،
والفرقُ نفسه هو أخلاقُ النقد.

94
ومن أخلاق النقد ألا ننسب إلى الشيعة ما يقوله كل شيعي،
ولا إلى السنة ما يقوله كل سني،
ولا إلى المذهب ما صنعه أتباعه في كل عصر،
ولا إلى الإمام كل روايةٍ جاءت باسمه،
ولا إلى التاريخ روايةً واحدة،
فالتاريخ نفسه مذهبٌ متعدد الروايات.

95
ومن أخلاق الشعر ألا يحول الإنسان إلى نموذج،
فليس «الشيعي» تمثالًا،
ولا «السني» تمثالًا،
ولا «المذهبي» شخصًا بلا وجه،
إنهم بشرٌ يأكلون ويحبون ويخافون ويدفنون موتاهم،
ويختلفون ثم يعودون إلى بيوتهم.

96
هنا تتسع المطوّلة،
من مسجدٍ إلى مقهى،
من كتاب فقه إلى مختبر أعصاب،
من كربلاء إلى الكوفة،
من بغداد إلى باريس،
من ديكارت إلى تشالمرز،
ومن سؤال الإمام إلى سؤال الخلية.

97
الدائرةُ تضيق،
كل الطرق التي خرجت من المذهب
تعود إليه،
الحزب،
القبيلة،
الأيديولوجيا،
التحالف،
القطيع،
العقل،
كلها تحاول أن تجيب عن سؤالٍ واحد: كيف نحيا مع اختلافنا؟

98
وفي آخر الليل
يعود المذهبيُّ إلى بيته،
ينزع عمامته، أو سترته، أو شعاره،
يضع هاتفه على الطاولة،
ينظر إلى وجهه في الزجاج،
فلا يرى حنفيةً ولا مالكيةً ولا شافعيةً ولا حنبليةً،
ولا حزبًا ولا تحالفًا، بل إنسانًا يخاف من أن يكون وحده.

99
عندها يفهم شيئًا صغيرًا
كان يهرب منه طوال حياته:
أنه لم يبحث عن المذهب فقط،
بل بحث عن مأوى لقلقه،
وعن جماعةٍ تقول له إن العالم مفهوم،
وعن صوتٍ يرد عليه حين يسأل: من أنا؟
لكن المرآة لا تجيب.

100

 المذهبُ اجتهادٌ بشريٌّ ينظّم فهمَ النص، أمّا التعصّبُ المذهبيُّ فهو حين يتحول الاجتهادُ إلى هويةٍ مغلقةٍ تدّعي احتكارَ الصواب؛
المذهبُ طريقٌ إلى المعنى، والتعصّبُ تحويلُ الطريقِ إلى جدارٍ يحجبُ المعاني الأخرى؛
في المذهبِ يتسعُ السؤالُ للاختلاف، وفي التعصّبِ يُدفنُ السؤالُ قبل أن يولد؛
المذهبُ يحفظُ خبرةَ التاريخ، والتعصّبُ يحوّل التاريخَ إلى سجنٍ للحاضر؛
لذلك لا يكون الخطرُ في تعدد المذاهب، بل في لحظةٍ ينسى فيها المذهبيُّ أن طريقَه اجتهادٌ، لا سماءٌ مملوكة، وأن مخالفَه إنسانٌ لا عدوٌّ للعقيدة.

________

سبتمبر 2026م

مجمع إبراهيم مالك للفقه الإسلامي  - الخرطوم

تعليقات

المشاركات الشائعة