ديوان : حسابات هرمز

حسابات هرمز

 مصعب الرمادي     


حسابات هرمز

__________________
 الكتاب :  حسابات هرمز          

 الكاتب : مصعب الرمادي
تاريخ الطبع : سبتمبر 2026م
حقوق الطبع والتأليف محفوظة للمؤلف 

______________________

* إلى : تسنيم مختار 

_____________________________________

كان السيد هرمز يجلس بين جبلين،
لا هو إيراني تماماً ولا هو عُماني تماماً،
وكان البحر يضع رأسه في حضنه مثل طفلٍ ضائع،
ويطلب منه أن يحسب عدد السفن التي ستعبر هذا النهار،
فيخرج الرجل دفتراً قديماً،
ويكتب: ناقلةٌ للنفط، سفينةٌ للخوف، وزورقٌ يبحث عن اسمه.

لم يكن هرمز ملكاً،
لكن الملوك جميعاً مرّوا من أمام نافذته المائية،
ولم يكن قائداً عسكرياً،
لكن الجنود كانوا يرسمون خرائطهم على ظهر البحر،
أما هو فكان يعرف أن الخرائط تكذب أحياناً،
وأن الموجة وحدها لا تعترف بالخطوط التي رسمها البشر.

بين الساحل الإيراني وشبه جزيرة مسندم
ظل جسد آسيا ينحني فوق الماء،
كأن القارة العجوز جاءت لتشرب من خليجها،
ومن بعيد كانت جبال زاغروس ترسل ظلالها،
فيما ترفع جبال مسندم صخورها كأنها ذاكرة أخرى،
وكان هرمز يقول: بين ذاكرتين يمر العالم.

جزيرة هرمز لم تكن جزيرةً في عينيه،
كانت قطعة من كوكبٍ سقط سهواً في البحر،
ترابها الأحمر رسالة قديمة من النار،
وصخورها تحفظ أسماء البحارة الذين لم يعودوا،
وفي الليل كان القمر يمر فوقها ببطء،
كأنه مفتشٌ سماوي يبحث عن آثار حضارة ضائعة.

وعلى قشم كانت الريح تعرف طريقها بين الصخور،
وتدخل القرى والأسواق من دون أن تستأذن أحداً،
وتحمل معها رائحة السمك والملح والديزل،
وكان الأطفال يرسمون سفناً على دفاتر المدرسة،
بينما يرسم الكبار مستقبلاً من العمل والهجرة،
ويقول هرمز: كل جزيرة مدرسةٌ صغيرة للبحر.

لارك كانت في حساباته نقطةً مضيئة،
نقطةً صغيرة لا تراها الخرائط الكبيرة جيداً،
لكن النقاط الصغيرة، كما يعرف البحارة،
قد تغيّر اتجاه السفينة إذا اقتربت منها،
ولهذا كان يضع حولها دائرةً بالقلم الأحمر،
ثم يبتسم لأن البحر يكره الأقلام الحمراء.

وفي بندر عباس كان العالم يدخل ويخرج،
حاوياتٌ ولغاتٌ ووجوهٌ ومحركاتٌ وصفارات،
مدينةٌ تعرف أن الميناء ليس رصيفاً فقط،
بل هو بابٌ تترك فيه القارات أحذيتها،
وكان هرمز يعدّ الوجوه القادمة من كل الجهات،
ثم يعجز عن معرفة أيّها سيكون وجه الغد.

أما ميناب،
فكانت تستيقظ في ذاكرته مثل أمٍ قديمة،
هناك حيث اختلط تاريخ البر بتاريخ الماء،
وحيث انتقلت الأسماء من مدينة إلى مدينة،
ومن ساحل إلى جزيرة ومن جزيرة إلى مضيق،
فأدرك هرمز أن الاسم أحياناً أطول عمراً من أصحابه.

وعلى الضفة الأخرى،
كانت خصب تفتح نافذتها على البحر،
والجبال تقف وراءها كحراسٍ من الحجر،
والصيادون يعرفون أسماء الأسماك أكثر مما يعرفون
أسماء الجنرالات الذين يتجادلون في العواصم،
وكان هرمز يحب هذا الجهل الجميل.

في بخاء كان البحر أقل اهتماماً بالسياسة،
يصعد إلى الصخور ثم يعود،
يصنع في كل يوم الجملة نفسها،
ولا يشعر بالملل من تكرارها منذ آلاف السنين،
وكان السيد هرمز يتعلم منه أن التكرار،
قد يكون في بعض الأحيان شكلاً من أشكال الحكمة.

أما مدحاء،
ذلك الجزء العُماني المحاط بالجغرافيا المعقدة،
فكان يذكره بأن الخرائط ليست سهلة دائماً،
وأن الإنسان يستطيع أن يعيش داخل تعقيد سياسي،
ويذهب صباحاً إلى السوق لشراء الخبز،
ثم يعود إلى بيته من دون أن يفكر في نظريات الجغرافيا.

كان سكان الساحلين أكثر تنوعاً من الروايات السياسية،
عرباً وفرساً وبلوشاً ومهاجرين وبحارة،
وتجاراً جاؤوا في أزمنة مختلفة من الهند وشرق أفريقيا،
واختلطت اللغات في الأسواق مثل اختلاط الأمواج،
فقال هرمز: الهوية ليست جداراً،
إنها ميناء تدخل إليه سفن كثيرة.

كان صيد اللؤلؤ هو الحساب الأول،
قبل أن يصبح النفط رقماً في دفاتر العالم،
يغوص الرجال في الماء بحثاً عن دائرة صغيرة مضيئة،
ويعودون إلى اليابسة حاملين احتمال الثروة،
وكان البحر يعطي لؤلؤةً ويأخذ رجلاً أحياناً،
ولهذا لم يكن الصيادون يثقون في الجمال كثيراً.

كانت اللؤلؤة تخرج من الألم،
وكان النفط يخرج من ظلام الأرض،
فقال هرمز وهو يقلب معادلته القديمة:
الإنسان يحب الأشياء التي تأتي من الأعماق،
لكنه ينسى دائماً أن الأعماق لا تمنح هداياها مجاناً،
وأن لكل ثروة فاتورة لا يقرأها أحد في البداية.

ثم جاء النفط،
وجاءت معه مدنٌ جديدة وطرقاتٌ ومطارات،
وصعدت الرافعات فوق الأفق،
وتحولت قرى الصيد إلى أبواب لعالم مختلف،
لكن الصياد العجوز ظل يعود إلى قاربه،
لأن البحر لم يتعلم حتى الآن كيف يحل محل الإنسان.

كتب السيد هرمز على لوحه:
اللؤلؤة = جسد + نفس طويل،
النفط = أرض + زمن جيولوجي،
الميناء = عمل + انتظار،
والحرب = خطأ واحد مضروباً في آلاف الأجساد،
ثم مسح المعادلة الأخيرة،
لأن الأرقام كانت تخجل أحياناً من نفسها.

كان يعرف أن النفط جعل المضيق أكثر ضيقاً،
ليس في الجغرافيا،
بل في الخيال السياسي للعالم،
فكل سفينة تمر أصبحت تحمل اقتصاداً كاملاً،
وكل تأخير صار خبراً،
وكل خبر صار سبباً لتوتر جديد.

الولايات المتحدة تظهر في دفتره
مثل سفينة بعيدة ذات ظل طويل،
قوةٌ تأتي من وراء المحيطات إلى حسابات الخليج،
وتدخل المعادلات عبر الأساطيل والقواعد والمفاوضات،
فيقول هرمز للبحر:
حتى المياه البعيدة تستطيع أن تلقي بظلها هنا.

لكنه لم يكن يحب لغة الحتميات،
كان يقول إن الحرب ليست قدراً مكتوباً على الماء،
وإن السفينة التي تحمل المدفع
يمكن أن تحمل في رحلة أخرى صندوق مساعدات،
وإن اليد التي تكتب خطة عسكرية
قادرة أيضاً على توقيع اتفاق يمنع الجنازات.

لذلك كان يفتح نافذته كل مساء،
ويرسل إلى طهران رسالة من الملح،
وإلى مسقط رسالة من الضوء،
وإلى واشنطن رسالة لا عنوان لها،
يكتب فيها: لا أحد يربح من بحرٍ يتحول إلى مقبرة،
ثم يترك الموج يختار ساعي البريد.

في طهران كان التاريخ أطول من السياسة اليومية،
حضارات وإمبراطوريات وشعراء وطرق تجارية،
وكان السيد هرمز يعرف أن فارس القديمة
لا يمكن اختزالها في خطاب عسكري واحد،
كما لا يمكن اختزال حاضر إيران في سفينة حربية،
فالأمم أوسع من أصوات مدافعها.

وفي عُمان
كانت ذاكرة الملاحة تمد جذورها عميقاً،
من الموانئ القديمة إلى المحيط الهندي وشرق أفريقيا،
حيث لم يكن البحر فاصلاً،
بل طريقاً إلى الهند والساحل الأفريقي،
وكان هرمز يقول إن عُمان لم تنظر إلى الماء،
بل تعلمت منذ زمن طويل أن تمشي فوق احتمالاته.

وهكذا تنازعت المخيلة على السيد هرمز،
هل هو ابن الحضارة الفارسية؟
أم ابن الثقافة البحرية العُمانية؟
فيضحك الرجل حتى تتساقط المعادلات من جيبه،
ويقول: أنا ابن السفينة التي لا تسأل الموج
عن جنسية الساحل الذي ستصل إليه.

كان الشرق الأوسط الجديد
مشروعاً دائماً لم يكتمل،
كل قوة تريد أن تعيد رسمه،
وكل جيل يرث خريطة مثقوبة،
لكن هرمز كان يعرف أن الخرائط الجديدة
لا تعني بالضرورة قلوباً جديدة.

رسم مصفوفةً على الرمل:
الخوف في العمود الأول،
المصلحة في العمود الثاني،
الذاكرة في الثالث،
والنفط في الرابع،
ثم وضع السلام في الصف الأخير،
فاكتشف أن المعادلة تحتاج إلى بشرٍ شجعان.

كان التصعيد في نظره
يشبه ريحاً تبدأ صغيرة في مكان بعيد،
ثم تجد في البحر مساحاتٍ واسعة للنمو،
ولهذا كان يخاف من الكلمات أكثر من الرصاص أحياناً،
فالرصاصة تقتل جسداً،
أما الكلمة المشتعلة فقد تجد جيشاً كاملاً يحملها.

وكان المستقبل في دفتره مجهولاً،
لا توجد فيه حرب مؤكدة،
ولا سلام مضمون،
بل احتمالات متحركة مثل الموج،
ولهذا علّم الأطفال أن يرسموا الحمامة والسفينة معاً،
حتى يعرفوا أن المستقبل لا يجب أن يكون
اختياراً بين الطيران والغرق.

قال هرمز للقباطنة:
إنكم تحفظون الإحداثيات،
لكنكم لا تحفظون دائماً إحداثيات القلب،
كم ميلاً تفصل الكراهية عن الرصاصة؟
وكم ساعة تحتاج السفينة لتتحول من وسيلة تجارة
إلى شاهد على كارثة؟

ثم وضع الصفر في منتصف دفتره،
وقال: هذه هي أخطر الأرقام،
الصفر هو المسافة بين قرارين،
الصفر هو الثواني الأخيرة قبل الانفجار،
الصفر هو اللحظة التي يستطيع فيها إنسان واحد
أن يقول: توقّفوا.

في ليالي الخليج،
كانت أضواء المدن الحديثة ترتجف على الماء،
أبراج وموانئ ومصانع ومطارات،
طفرة حضارية هائلة صنعت عالماً جديداً،
لكن هرمز كان يرى خلف الزجاج
وجه الصياد القديم يبحث عن قاربه الأول.

لم تكن الحداثة في رأيه نقيض الماضي،
بل امتحاناً له،
كيف تدخل ناطحة السحاب إلى ذاكرة اللؤلؤ؟
وكيف يجلس الذكاء الاصطناعي إلى جانب بحارٍ عجوز؟
وكيف تستطيع مدينة شديدة الحداثة
أن تتذكر صوت المجداف؟

كان يرى العمال والمهاجرين في الموانئ،
قادمين من جهات آسيا المختلفة،
يحمل كل واحدٍ منهم جغرافيا صغيرة في حقيبته،
وكان يقول إن الخليج لم تبنه الأموال وحدها،
بل الأيدي التي حملت الحديد والإسمنت،
والأحلام التي عبرت البحار بحثاً عن فرصة.

وفي القرى الصغيرة
كان التاريخ أقل صخباً من نشرات الأخبار،
امرأة تنتظر عودة ابنها من البحر،
ورجل يصلح شبكة صيد ممزقة،
وطفل يحفظ أسماء الجزر قبل أسماء الدول،
وهناك كان هرمز يشعر أن الحياة
هي الخصم الحقيقي لكل من يحب الحرب.

كان الدبلوماسيون يأتون إلى موائده المتخيلة،
واحد يحمل ملفات،
والآخر يحمل خرائط،
وثالث يحمل لغةً حذرة لا تقول شيئاً،
أما السيد هرمز فكان يقدم لهم الماء،
ويقول: اشربوا أولاً من الشيء الذي تتنازعون حوله.

ثم يبدأ وساطته العجيبة،
لا يطلب من أحد أن يحب خصمه،
فذلك أكبر من قدرة المؤتمرات،
لكنه يطلب منهم أن يحسبوا عدد الأطفال
الذين لا يعرفون لماذا تبدأ الحروب،
وعدد الأمهات اللواتي يدفعن الفاتورة.

كان يضع الولايات المتحدة وإيران
على طرفي طاولة مستديرة من الملح،
ويطلب من عُمان أن تفتح النافذة،
ثم يترك للبحر مهمة الصمت،
فالصمت، كما كان يعتقد،
أفضل مترجم عندما تفشل اللغات السياسية.

لم يكن ساذجاً،
كان يعرف أن المصالح لا تذوب في الماء،
وأن القوة تحسب قوتها،
وأن الردع لغة من لغات العصر،
لكنه كان يعتقد أن الحكمة الاستراتيجية
تبدأ عندما تعترف القوة بحدود قدرتها.

قال: إن الحرب حساب،
لكن الحساب ليس دائماً رياضيات،
هناك متغيرات لا تدخل في برامج الجنرالات:
دمعة أم،
خطأ بحار،
سوء فهم،
أو رسالة تصل متأخرة خمس دقائق.

ولهذا ابتكر «مصفوفة هرمز»،
وجعلها من سبعة احتمالات:
الحوار قبل التهديد،
والتهدئة قبل العقاب،
والتحقق قبل الاتهام،
والإنقاذ قبل الانتقام،
ثم كتب في الاحتمال السابع:
دعوا البحر يعيش.

في الخرائط العسكرية
كان المضيق نقطة اختناق،
أما في خرائط هرمز الشعرية
فكان نقطة اتصال،
وهذا الفرق بين الخريطتين
هو الفرق بين مستقبلين:
واحد يرى السفن أهدافاً،
والآخر يراها رسائل متبادلة بين الشعوب.

في جزيرة هرمز الحمراء
كان التراب يذكّره بالدم،
لكنه كان يرفض أن تكون كل حمرة نبوءة حرب،
فالطبيعة سبقت الجيوش إلى اختراع الألوان،
والأرض الحمراء لا تريد بالضرورة دماً جديداً،
ربما كانت تقول فقط:
تذكروا أن الكوكب حي.

وعلى قشم،
بين الصخور والكهوف والرياح،
كان الزمن يكتب جغرافيته ببطء شديد،
أبطأ من الحكومات وأبطأ من الأزمات،
فتعلّم هرمز أن الجبل لا يرد على الاستفزاز،
وأن بعض أشكال القوة
هي القدرة على البقاء.

كانت مسندم تخرج من البحر
كأنها سؤال حجري عن معنى الحدود،
جبالها الشاهقة وخيرانها العميقة
تجعل الجغرافيا أكثر تعقيداً من الشعارات،
وكان السيد هرمز يرى فيها درساً:
لا تستطيع السياسة تبسيط ما صنعته الأرض.

في خصب،
كان الميناء يستقبل العابرين،
وكانت القوارب الصغيرة تعرف ممرات لا تظهر في الصور،
وهكذا تذكر هرمز أن المعرفة المحلية
جزء من أمن البحر،
وأن صياداً يعرف تبدل الرياح
قد يرى ما لا تراه أقمار كثيرة.

لم يكن سكان الساحل كتلةً واحدة،
كانت بينهم عائلات البحر والتجارة والزراعة،
تتشابك العربية والفارسية والبلوشية
ولهجات الموانئ وأصوات العمال القادمين،
وفي هذا التنوع رأى هرمز حقيقةً قديمة:
البحر يخلط البشر قبل أن تفصلهم السياسة.

عاد إلى اللؤلؤ مرة أخرى،
لأن كل شيء بدأ هناك في ذاكرته،
غواص ينزل إلى القاع من دون أن يعرف
إن كان سيعود إلى الضوء،
فقال: ربما كانت الحضارة الخليجية كلها
تلك الحركة القديمة بين الغرق والعودة.

وعندما اكتشف الإنسان النفط،
نزل هذه المرة إلى باطن الأرض،
واستخرج من الظلام قوةً جديدة،
فتبدلت المدن والملابس والطرق والاقتصادات،
لكن السؤال بقي نفسه:
ماذا سنفعل بكل هذه القوة؟

في البداية
ظن الناس أن الثروة ستنهي الخوف،
ثم اكتشفوا أن الثروة تجلب مخاوفها الخاصة،
خوفاً من النقص،
وخوفاً من الضياع،
وخوفاً من الآخر الذي يريد نصيباً أكبر،
فضحك هرمز وقال: كل كنز يصنع حارسه.

كان النفط معادلةً جيوسياسية،
لكن الإنسان ظل رقماً غير محسوب جيداً،
العامل الذي يبني،
والصياد الذي يتراجع عمله،
والطالب الذي يحلم بمدينة حديثة،
والمرأة التي تعيد تعريف دورها في مجتمع سريع التغير،
كل هؤلاء كانوا أرقاماً حية في دفتر هرمز.

وحين يتحدث العالم عن الطاقة،
كان هو يسمع أصواتاً أخرى تحت الكلمة،
ماءً يحتاج إلى الحماية،
وهواءً يحتاج إلى التنفس،
ومدنًا تحتاج إلى مستقبل بعد النفط،
لذلك كان يسأل ناقلات الخام:
هل تعرفن إلى أين يذهب العالم بعدكن؟

لم تكن حساباته الاقتصادية دقيقة دائماً،
لأنه كان شاعراً يتنكر في هيئة محاسب،
لكنه عرف شيئاً واحداً:
أن السوق يمكن أن يرفع الأسعار،
أما الموت فلا يعرف سوقاً يستطيع إعادة الحياة.

لهذا وقف في منتصف المضيق ذات ليلة،
متخيلاً أنه يرفع يديه بين السفن،
وقال للقوى المتقابلة:
لا تجعلوا الممر امتحاناً دائماً للأعصاب،
فالأعصاب البشرية لا تتحمل
أن تكون حدود العالم كلها مشدودة.

كان يرى حاملات القوة من بعيد،
ويرى في الجهة الأخرى تاريخاً مسلحاً بالشك،
وبينهما سفن تجارية لا تريد أكثر
من أن تصل إلى وجهتها بسلام،
وهنا كتب أعقد معادلاته:
القوة × الخوف = خطر،
الحوار × الزمن = فرصة.

لم تكن الدبلوماسية في رأيه ضعفاً،
بل كانت الحساب الأصعب،
فالضغط على الزناد لا يحتاج إلى عبقرية،
أما التراجع خطوة لإنقاذ ألف خطوة
فيحتاج إلى شجاعة سياسية نادرة،
وكان يتمنى أن يتعلم الجنرالات
لغة البحارة في انتظار العاصفة.

كان يقول للمبعوثين:
لا تطلبوا من التاريخ أن ينسى نفسه،
اطلبوا منه ألا يعيد الجريمة ذاتها،
فالتاريخ ليس سجناً،
بل دفتر أخطاء مفتوح على الطاولة،
ومن يرفض قراءته
سيجد نفسه يكتب الصفحة نفسها بدم جديد.

وفي كل مرة يرتفع فيها التوتر،
كان السيد هرمز يضيف صفراً إلى معادلته،
ثم يتوقف فجأة،
ويمزق الصفحة،
ويقول: لا أريد أن يصبح الموت كبيراً
فقط لأن الحساب أصبح أكبر.

كان الشرق الأوسط في عينيه
ليس رقعة شطرنج،
لأن قطع الشطرنج لا تملك أمهات،
ولا تبكي إذا سقطت،
أما البشر الذين يقفون خلف الخرائط
فلهم أسماء وأغانٍ وبيوت وأحلام.

وكانت آسيا من حوله واسعة،
المحيط الهندي يفتح أبوابه،
والخليج يمد ذراعه نحو اليابسة،
والطرق البحرية تتشابك مثل أعصاب العالم،
فكيف يمكن لممر صغير
أن يحمل كل هذا القدر من المستقبل؟

أجاب نفسه:
لأن الجغرافيا لا تقاس بالمساحة فقط،
بل بما تمرره من حياة،
وقد يكون الباب الصغير أهم من القصر الكبير،
إذا كان الجميع يحتاجون إلى المرور منه.

ثم تخيل هرمز عجوزاً في سنة بعيدة،
يجلس أمام شاشة لا تعرفها أجيال اليوم،
ويراقب سفناً ذاتية القيادة،
وطاقة جديدة تحل محل النفط،
ومدنًا أكثر ذكاءً،
لكنه سمع في الأعماق
صوت غواص لؤلؤ قديم يناديه باسمه.

قال الغواص:
هل انتهت حروبكم؟
فلم يعرف هرمز ماذا يجيب.

قال الغواص:
هل أصبح البحر أكثر حرية؟
فنظر الرجل إلى الشاشات والأقمار الصناعية،
وإلى الحدود التي صارت أكثر دقة،
ثم قال:
ربما أصبحنا نعرف البحر أكثر،
لكننا لم نتعلم بعد كيف نتركه يحلم.

في المستقبل المتخيل،
قد تصبح الطاقة الشمسية والرياح
لغة اقتصادية جديدة للمنطقة،
وقد تتغير قيمة النفط،
لكن قيمة الموقع لن تختفي،
فالجغرافيا لا تذوب بتغير الأسواق،
والبحر يظل بحراً
حتى لو توقفت الناقلات عن حمل النفط.

وهنا بدأت حسابات هرمز الجديدة:
كيف تنتقل المنطقة من اقتصاد المورد
إلى اقتصاد المعرفة؟
كيف تتحول الموانئ من نقاط عبور
إلى مراكز للعلم والصناعة والثقافة؟
وكيف ينجو الإنسان من لعنة الاعتماد على الشيء الواحد؟

كان يعرف أن المدن الخليجية
شهدت تحولات حضارية وعمرانية هائلة،
وأن أفقاً جديداً خرج من الصحراء،
لكنه كان يحذر من مدينة
تنسى قريتها القديمة تماماً،
فالمستقبل الذي يقطع جذوره
قد يسقط عند أول ريح.

في المساء،
كان يسمع أذاناً من ساحل،
وصوتاً فارسياً من الساحل الآخر،
وصرخات بحارة بلغات متعددة،
فتتحول الأصوات في أذنه إلى موسيقى،
ويقول: هذه هي الحقيقة التي لا تظهر
في نشرات الصراع القصيرة.

لا توجد حضارة نقية تماماً،
كان يكرر ذلك حتى ملّ منه الموج،
فالحضارات تتبادل التجارة والعلوم والقصص،
والبحارة ينقلون الكلمات كما ينقلون البضائع،
ولهذا كان هرمز يرى الثقافة الفارسية
والتاريخ البحري العُماني نهرين في بحر واحد.

لكن النهرين لا يفقدان اسميهما،
وهذه أيضاً حكمة السيد هرمز،
أن التعايش لا يعني الذوبان،
وأن احترام الآخر لا يعني محو الذات،
بل أن يعرف كل ساحل قصته جيداً
من دون أن يحرق قصة الساحل المقابل.

في مصفوفتِه الأخيرة
رسم أربعة أركان:
التاريخ،
والجغرافيا،
والاقتصاد،
والإنسان،
ثم وضع في المركز كلمة واحدة:
الكرامة.

وقال إن أي مشروع للسلام
يتجاهل كرامة الناس لن يعيش،
وإن أي قوة تتجاهل الجغرافيا ستدفع الثمن،
وإن أي اقتصاد ينسى الإنسان
سينتج مدناً جميلة وأرواحاً متعبة.

وحين سأله صحفي متخيَّل:
من سينتصر في المواجهة المقبلة؟
نظر السيد هرمز إلى البحر طويلاً،
ثم قال:
السؤال الخطأ هو من ينتصر،
السؤال الصحيح هو:
من سيبقى ليعيش بعد أن تنتهي الحسابات؟

كان يكره كلمة «الحتمية»،
لأن الحتمية تجعل الإنسان كسولاً،
وتعطي الحرب حقاً لا تستحقه،
فالمستقبل لا يسير على سكة واحدة،
وكل تفاوض صادق يمكن أن يغير مساراً،
وكل قرار حكيم يمكن أن ينقذ نهاراً كاملاً.

لذلك كان السيد هرمز دبلوماسياً
من نوع لا تعترف به وزارات الخارجية،
يسافر بين العواصم من دون جواز،
يدخل طهران مع موجة،
ويصل مسقط مع طائر بحري،
ثم يعبر المحيط إلى واشنطن في حلم.

كان يقول للأمريكي:
القوة التي تعبر المحيطات يجب أن تعرف
أن لها حدوداً في قلوب الشعوب.
ويقول للإيراني:
التاريخ العظيم لا يحتاج إلى حرب
لكي يثبت أنه عظيم.
ويقول للعُماني:
الوسيط الذي ينقذ حياة واحدة يستحق أن تتذكره البحار.

ثم يعود إلى المضيق،
لأن الدبلوماسية مهما اتسعت
تحتاج إلى مكان تعود إليه،
وكان مكانه هو ذلك الشريط المائي،
حيث تقف الجبال على جانبي العالم،
ويحاول البحر أن يشرح للبشر معنى المرور.

في حسابه قبل الأخير،
وضع عدد السفن في جهة،
وعدد الأرواح في جهة أخرى،
فاكتشف أن الأرقام لا تتوازن،
فالسفينة يمكن شراؤها،
أما الإنسان فلا يمكن استبداله،
ومنذ ذلك اليوم
توقف عن عدّ السفن وبدأ يعدّ الأمنيات.

كان يتخيل طفلاً في هرمز،
وطفلة في خصب،
وطفلاً آخر في مدينة بعيدة وراء المحيط،
كلهم يرسمون البحر بطريقة مختلفة،
لكنهم يستخدمون اللون الأزرق نفسه،
فلماذا، سأل نفسه،
يكبر الأطفال ثم يتحول الأزرق إلى لون للخرائط العسكرية؟

ربما لأن الكبار
يحتاجون إلى إعادة تعلم الرسم.

وهكذا بقي هرمز واقفاً،
لا بوصفه مالكاً للمضيق،
ولا بوصفه بطلاً قومياً لساحل واحد،
بل بوصفه حارساً متخيلاً للأسئلة،
رجلًا يعرف أن البحر أقدم من النزاعات
وأطول عمراً من خطابات الحرب.

قالت له جزيرة هرمز:
احسب لون تربتي.
وقال له قشم:
احسب عدد كهوفي وأسراري.
وقالت مسندم:
احسب الجبال التي تعكس نفسها في الماء.
فأجابهم جميعاً:
لا أستطيع،
لأن بعض الأشياء خُلقت لتُرى لا لتُختزل في رقم.

لكن النفط أصر على الحساب،
والجيوش أصرت على الحساب،
والأسواق أصرت على الحساب،
ففتح هرمز دفتراً جديداً،
وكتب فوق الصفحة:
«كل حساب لا يضع الإنسان في بدايته
سينتهي إلى خطأ في نهايته».

وعندما اقترب الفجر،
هدأت السفن قليلاً،
وابتعدت الأضواء عن صفحة الماء،
وبقي المضيق مثل جرحٍ مفتوح على القارات،
لكن الجرح لم يكن ينزف،
كان يتنفس.

رفع السيد هرمز رأسه
ورأى الشمس تصعد من مكان لا يملكه أحد،
فابتسم للمرة الأولى منذ بداية المطولة،
ومزق خرائط الحرب التي في جيبه،
ثم ترك قصاصاتها تطير فوق الماء.

لم تتحول القصاصات إلى حمائم،
فالسريالية ليست كذباً جميلاً دائماً،
بعضها سقط في البحر،
وبعضها علق فوق الصخور،
لكن واحدةً منها وصلت إلى يد طفل،
قرأها ثم صنع منها قارباً صغيراً.

وضع الطفل القارب على الماء،
ودفعه في اتجاه مجهول،
فقال السيد هرمز:
هذه هي المعادلة التي كنت أبحث عنها،
يدٌ صغيرة،
ورقةٌ بلا سلاح،
وبحرٌ مفتوح،
واحتمالٌ واحد لأن يصل القارب.

ثم أغلق دفتره الأخير،
وكتب على غلافه الخارجي:
«حسابات هرمز ليست حسابات الحرب،
بل حسابات ما يتبقى منها».

وفي المسافة بين إيران وعُمان،
بين الذاكرة الفارسية والملاحة العُمانية،
بين اللؤلؤ والنفط،
بين القرية والميناء،
بين الحاملة العسكرية وقارب الصيد،
ظل هرمز يراقب العالم وهو يعبر.

وكان يعرف،
بكل وحشية قصيدة النثر،
أن العالم يستطيع أن يحول الماء إلى نار،
لكنه يستطيع أيضاً أن يتعلم من الماء،
أن القوة ليست دائماً في الاصطدام،
وأن الطريق الضيق
قد يكون أحياناً الطريق الوحيد إلى النجاة.

هكذا انتهى الحساب الأول،
لكن البحر لم ينته،
وظلت السفن تأتي من الشرق والغرب،
وظلت الجبال تحرس صمتها القديم،
وظلت المدن تبني أبراجاً جديدة،
وظل الصياد يصلح شبكته تحت شمس الصباح.

أما السيد هرمز،
فلم يمت ولم ينتصر ولم يخسر،
لأنه لم يكن رجلاً بالمعنى الذي تعرفه السجلات،
كان سؤالاً يرتدي هيئة رجل،
وكانت لحيته مصنوعة من زبد البحر،
وعيناه خليجين لا ينامان.

وفي كل مرة يقترب فيها العالم
من خطأ جديد،
كان يظهر على سطح الماء،
يفتح دفتره،
ويرسم صفراً كبيراً،
ثم يقول للقادة والبحارة والشعراء:

ابدأوا من هنا.

من الصفر الذي يسبق الرصاصة،
من الصمت الذي يسبق الانفجار،
من اليد التي تستطيع أن تتراجع،
من السفينة التي تستطيع أن تعود،
من الإنسان الذي يقرر،
ولو في اللحظة الأخيرة،

أن البحر ليس ساحةً للموت،

بل ذاكرةٌ هائلة
لم تتعلم البشرية بعد
كيف تقرأها.


____

سبتمبر  2026م

السفارة العمانية   - الخرطوم 

تعليقات

المشاركات الشائعة