ديوان : على هذا النحو أو أبعد

 على هذا النحو  أو أبعد                           

مصعب الرمادي 


على هذا النحو أو أبعد

مطولة شعرية في نقد النص و اللغة و الحداثة وإغراء اليقين

__________________
 الكتاب :  على هذا النحو أو أبعد         

 الكاتب : مصعب الرمادي
تاريخ الطبع : سبتمبر 2026م
حقوق الطبع والتأليف محفوظة للمؤلف 

_____________________

1

على هذا النحو
قالت القصيدة: هذا هو الطريق،
وكان الطريق يلمع تحت مطرٍ أوروبيٍّ خفيف،
كأن فان غوخ ترك فرشاته على الرصيف ومضى إلى مقهى لا يعرفه أحد،
وكانت شجرة الجنكة تهتز فوق الرؤوس مثل ذاكرة ذهبية،
فقلت: لا، ليس هذا الطريق وحده،
هناك دائماً مسافة أخرى اسمها: أبعد.

2

على هذا النحو كانت المدينة ترتب نوافذها،
امرأةٌ تشتري الخبز، ورجلٌ يعبر الشارع بحقيبة سوداء،
وقطةٌ رمادية تتسلل بين عجلات السيارات،
وعصفورٌ أوروبي صغير يلتقط فتات الصباح من حافة مقعد،
وكان الحب يمشي في الشارع بملابس عادية جداً،
حتى كاد أحدٌ ألا يراه.

3

أبعد،
ليس هرباً من الحقيقة، بل خروجاً من الغرفة التي حبست الحقيقة،
فالحقيقة حين تُغلق أبوابها تصبح صورةً معلقة فوق مكتب موظف،
والصورة حين ترفض تغيير مكانها تتحول إلى أيديولوجيا،
والأيديولوجيا حين تتعلم الكلام الشعري تصبح أكثر خطراً،
لأنها تبدأ بإقناعنا بأن قفصها هو الوطن.

4

كنت أقرأ هوميروس في قطارٍ يعبر شمالاً،
وكانت امرأةٌ شقراء تضع رأسها على زجاج النافذة،
وخارج النافذة حقول عباد الشمس،
تدور رؤوسها ناحية الضوء كأنها جمهورٌ لا يعرف الخطيب،
فقلت: الشعر القديم لم يمت،
إنه فقط غيّر القطار.

5

وفي محطة المترو،
رأيت لوحة إعلانية لوجه امرأةٍ تبتسم لشيء لا نراه،
وكان خلفها عطرٌ فرنسي وشارعٌ مبلل ومقهى مضاء،
فكرت في بودلير وهو يمشي بين الغرباء،
وفي والتر بنيامين وهو يفتش عن الفلسفة داخل الممرات،
وفي القصيدة حين تصبح المدينة حيواناً كبيراً يتنفس تحت الأرض.

6

على هذا النحو أو أبعد،
تقول اللغة حين تتعب من قاموسها،
فتخرج من المعجم مثل غزالة أفريقية عند الفجر،
تشرب من نهرٍ لا يعرف اسمه النحوي،
ثم تنظر إلى الشاعر بعينين واسعتين،
وتسأله: لماذا تريد أن تجعلني مستقيماً؟

7

ليس الشعر عموداً فقط،
ولا تفعيلةً تمشي في صفوف عسكرية،
ولا نثراً يقطع أنفاسه في أسطر قصيرة،
الشعر كائن يتعلم المشي كلما تغيّر قلبه،
مرةً يمشي على إيقاع المتنبي،
ومرةً يركض حافياً وراء رامبو.

8

في مقهى صغير،
كان رجلٌ يقرأ صحيفةً باللغة الإيطالية،
وكانت امرأةٌ ترسم فنجانها على منديل ورقي،
وكان النادل يضع القهوة أمامهما كأنه يضع فاصلةً في جملة،
قلت: هنا أيضاً قصيدة،
فالشعر ليس ما نكتبه فقط، بل ما يحدث حين ننتبه.

9

كان كلوزوفسكي يمر في الذاكرة،
وكان نيتشه يضحك من شرفةٍ بعيدة،
وكان هايدغر يسأل الطريق عن معنى الكينونة،
لكن امرأةً عجوزاً كانت تعرف الجواب من دون فلسفة،
قالت: الحياة أن تعرف أين تضع الخبز على المائدة،
وأن تترك للآخر مكاناً حين يأتي متأخراً.

10

وهكذا تعلمت أن الجمال ليس قصراً،
بل ملعقةً فضية قرب طبقٍ أبيض،
ويداً ترتب وردةً حمراء في زجاجة،
وظلاً يعبر جداراً عند الغروب،
وخطوة امرأةٍ تمشي وحدها تحت المطر،
ثم تلتفت لحظةً كأن العالم ناداها باسمها.

11

العمود الشعري كان بيتاً،
له صدرٌ وعجزٌ وسقفٌ من القافية،
وكانت القصيدة تعود كل مرة إلى الباب نفسه،
لكن الباب لم يكن سجناً دائماً،
فكم من شاعرٍ صنع من القيد جناحين،
وكم من شاعرٍ كسر القيد ولم يعرف إلى أين يذهب.

12

ثم جاء الشعر الحر،
فصار البيت أقل صرامة،
وصارت التفعيلة تمشي بأعداد مختلفة داخل السطر،
كقطيع خيولٍ لا يحتاج إلى راعٍ واحد،
وبدأ الإيقاع يسمع نبض التجربة،
لا صوت الساعة وحده.

13

جاءت قصيدة النثر،
وأغلقت الباب خلفها على البحر الخليلي،
لكنها لم تغلق باب الموسيقى،
فدخل الإيقاع من النافذة في هيئة تكرار،
وفي رعشة حرف، وفي صمتٍ بين كلمتين،
وفي قلبٍ يضرب ولا يعرف كيف يشرح نفسه.

14

قلت للقصيدة:
إذا نزعتِ الوزن، فماذا ستضعين مكانه؟
قالت: سأضع توتري،
قلت: وإذا نزعتِ القافية؟
قالت: سأترك الصدى يتجول في جسدي،
فلا نهاية للنغمة حين يصبح الصمت جزءاً منها.

15

في متحف الفن الحديث،
وقف بيكاسو أمام امرأةٍ أعاد تركيب وجهها،
عين هنا، وفم هناك، وذاكرة في زاوية ثالثة،
فهمت أن التشظي ليس خراباً،
بل طريقة أخرى لرؤية ما لا يراه الوجه المستقيم،
وأن القصيدة تستطيع أن تكون لوحةً تمشي.

16

كان كاندينسكي يسمع اللون،
وكان بول كلي يرى الموسيقى في الخط،
وكان موندريان يختصر العالم إلى شبكة من العلاقات،
أما الشاعر فكان يريد أن يعرف:
هل يمكن للكلمة أن تصبح لوناً؟
وهل يستطيع اللون أن يقول ما تعجز اللغة عن قوله؟

17

في حديقة عامة،
كانت شجرة قيقب كندية تحترق بأوراقها الحمراء،
وعلى غصنها وقف طائر أبو الحناء،
وكان طفل يركض خلف كرةٍ زرقاء،
قلت: هذه هي الحداثة،
حين يلتقي الفن العالمي بطفل لا يعرف شيئاً عن تاريخ الفن.

18

الحداثة ليست قبعةً سوداء،
ولا مقهى باريسياً،
ولا كلمةً أجنبية معلقة على جدار،
الحداثة أن تشك في القالب الذي ورثته،
ثم تشك أيضاً في القالب الذي صنعته بنفسك،
كي لا يتحول تمردك إلى تقليد جديد.

19

وهنا يأتي إغراء اليقين،
ذلك العسل الذي يضعه الفكر على شفاهه،
فيقول: أنا أعرف،
ثم يضيف: ولا حاجة إلى السؤال،
ثم يبني حول الجملة سوراً،
ثم يطلب من الشعراء أن يسكنوا داخله.

20

لكن الشاعر الذي يسكن داخل يقينٍ كامل،
يفقد شيئاً من الهواء،
فالقصيدة تحتاج إلى نافذة،
والنافذة تحتاج إلى غيمة،
والغيمة تحتاج إلى ريح،
والريح لا توقع عقداً مع أحد.

21

على هذا النحو أو أبعد،
أقول للناقد: لا تقتل القصيدة كي تشرحها،
ضع أذنك قرب صدرها،
واسمع كيف يتغير نبضها عند كل استعارة،
فالنص ليس جثةً على طاولة التشريح،
بل كائنٌ قد ينهض فجأةً ويختلف معك.

22

الناقد الذي يعرف الإجابة قبل القراءة،
يدخل النص بمفتاحٍ واحد،
وكل الأبواب عنده يجب أن تكون متشابهة،
أما النقد الحقيقي فيدخل ومعه مجموعة مفاتيح،
ويترك بعض الأبواب مغلقة،
لأن الغموض أحياناً شكلٌ من أشكال الأمانة.

23

والقارئ أيضاً قد يكون غاوياً،
إذا طلب من الشاعر أن يقوده دائماً،
وإذا أحب القصيدة لأنها قالت ما يريد سماعه،
فالقصيدة ليست مرآةً مطيعة،
إنها أحياناً حجرٌ صغير في الحذاء،
تجعلك تتساءل: لماذا أمشي بهذه الطريقة؟

24

الشاعر والغاوي،
كأنهما شخصان في عربة قطار،
أحدهما يريد الوصول،
والآخر يريد أن يظل الطريق مفتوحاً،
لكن الشعر الحقيقي لا يمنح أحدهما انتصاراً كاملاً،
بل يجعل الاثنين يتعلمان المشي معاً.

25

من هنا تصبح «أبعد»
أكثر هدوءاً من «أزيغ»،
وأوسع منها،
لأنها لا تحمل حكماً نهائياً على الحركة،
إنها مسافة،
والمسافة هي أول شروط الرؤية.

26

أبعد عن الشعار،
لكن ليس بعيداً عن الإنسان،
أبعد عن الأيديولوجيا،
لكن ليس بعيداً عن العدالة،
أبعد عن اليقين المغلق،
لكن ليس بعيداً عن البحث عن الحق.

27

في نافذة فندقٍ في لشبونة،
كان البحر الأطلسي يلمع مثل صفحةٍ لم تكتب بعد،
ووقفت امرأةٌ بشعر أسود أمام الستارة،
وكانت موسيقى فادو تأتي من شارعٍ ضيق،
فقلت: ربما يكون الحب ترجمةً أخرى للمسافة،
نحن نقترب كي نعرف كم نحن بعيدون.

28

الحب هو الأقنوم الرابع،
ليس لأنه وردة في نهاية قصيدة،
بل لأنه يمنع الحق من أن يصير سكيناً،
ويمنع الخير من أن يصير وصاية،
ويمنع الجمال من أن يصير مرآةً نرجسية،
ويعيد الإنسان إلى مكانه في مركز العالم.

29

امرأةٌ تنتظر الحافلة،
ورجلٌ يشتري لها مظلةً حين يبدأ المطر،
لا يعرفان شيئاً عن أفلوطين،
ولا عن كانط، ولا عن تاريخ الجمال،
لكن المشهد كان يحمل فلسفةً كاملة،
لأن الخير أحياناً يحدث قبل أن يجد اسمه.

30

وكانت شجرة الزيزفون تفوح في الليل،
كأن العطر يكتب رسالةً إلى المدينة،
وتحتها مقعدٌ خشبي فارغ،
جلست عليه ذاكرة شخصين لم يعودا معاً،
قلت: الأشياء لا تنسى أصحابها دائماً،
بعض المقاعد تحفظ الحب أكثر من البشر.

31

النص الشعري الحديث،
ليس قصيدةً واحدة،
بل مختبرٌ تتجاور فيه الأشكال،
عمودٌ قديم يطل من نافذة،
وتفعيلةٌ تركض في الممر،
وقصيدة نثر تنام على كرسي وتراقب الجميع.

32

لا أريد حرباً بين القديم والجديد،
فالقديم ليس عدواً لمجرد أنه قديم،
والجديد ليس فضيلةً لمجرد أنه جديد،
كم من قصيدة عمودية أكثر حداثة من نص نثري،
وكم من نص حديث يرتدي ثياب المستقبل،
بينما قلبه يعيش في القرن التاسع عشر.

33

إن الحداثة ليست تاريخاً،
إنها موقفٌ من اللغة،
أن تعرف أن الكلمات التي ورثتها ليست ملكاً لأحد،
وأن تستطيع إعادة ترتيبها دون قتل ذاكرتها،
فالتراث ليس متحفاً،
بل حيوانٌ حي يتنفس في النص الجديد.

34

في الغابة الاستوائية،
كان طائر الكيتزال يلمع بريشه الأخضر والأحمر،
وكانت زهرة الأوركيد تتدلى من جذع شجرة،
وكانت حشرة اليعسوب تعبر الضوء كقطعة زجاج،
فقلت: لماذا يحتاج الشعر إلى قاموس صغير؟
العالم نفسه معجمٌ لا ينتهي.

35

أريد للنبات أن يدخل القصيدة باسمه العالمي،
لأن الاسم يفتح جغرافيا،
فالجنكة ليست مجرد شجرة،
والأوركيد ليست مجرد زهرة،
والباوباب ليس مجرد جذع،
كل كائن يحمل وراء اسمه تاريخاً من الضوء والمناخ والهجرة.

36

وأريد للحيوان أن يعود إلى مكانه،
لا رمزاً جاهزاً دائماً،
بل كائناً له عينان وقلب ومسافة وخوف،
حصانٌ في مرعى الأندلس،
فيلٌ يعبر سافانا شرق أفريقيا،
ثعلبٌ أحمر في غابة أوروبية،
وحوتٌ أزرق يحمل المحيط في ذاكرته.

37

فالرمز لا يولد حين نقرر أن الحيوان رمز،
بل حين ننظر إليه طويلاً،
حتى يخرج من قاموسنا القديم،
ويمتلك شخصيته،
ويبدأ هو نفسه في تأويلنا،
فنحن لا نقرأ العالم وحدنا.

38

في شارعٍ نيويوركي،
كان رجلٌ أسود يعزف الساكسفون،
والسيارات تمر خلفه كأنها موجة معدنية،
وكانت فتاةٌ آسيوية تلتقط صورةً للضوء على الإسفلت،
وكانت القصيدة في مكان ما بين النغمة والصورة،
تتعلم أن العالم لا يحتاج إلى مركز واحد.

39

كان إدوارد هوبر في الغرفة،
مصباحٌ أصفر، امرأةٌ وحيدة، نافذةٌ باردة،
مدينةٌ لا تنام لكنها لا تتكلم،
وفي لوحةٍ واحدة صار الصمت شخصاً،
فهمت أن الرومانسية الحديثة ليست ورداً فقط،
بل وحدة الإنسان أمام اتساع العالم.

40

الرومانسية ليست هروباً من الواقع،
إنها النظر إلى الواقع حتى تظهر طبقته الخفية،
ففنجان القهوة يمكن أن يكون حكاية،
والشارع يمكن أن يكون قصيدة،
والانتظار يمكن أن يكون فلسفة،
واللمسة العابرة قد تكون تاريخاً كاملاً للحب.

41

في قطارٍ ليلي،
كانت امرأة تقرأ رسائل قديمة،
كلما وصلت إلى صفحة ابتسمت،
ثم أعادت الرسالة إلى حقيبتها،
فقلت: الكتابة لا تحفظ الماضي فقط،
إنها تمنحه فرصةً ثانية كي يؤلمنا.

42

وهنا تبدأ ترجمة المؤلف،
ذلك المكان الذي يقول فيه الشاعر: أنا قصدت هذا،
لكن النص لا يطيعه دائماً،
فالقصيدة حين تغادر يد صاحبها،
تكتسب أرواحاً جديدة،
وقد ترى في مرآتها وجهاً لم يعرفه المؤلف.

43

يقول المؤلف: هذه شجرة،
ويقول القارئ: إنها أم،
ويقول الناقد: إنها استعارة للمنفى،
ويقول المترجم: لا توجد في لغتي شجرةٌ تحمل كل هذا،
وتضحك القصيدة،
لأنها تعرف أن المعنى لا يسافر بلا حقائب.

44

وهنا تظهر ترجمة «الخائن»،
ليس خائناً بالمعنى الأخلاقي البسيط،
بل المترجم الذي يخون الحرف لينقذ الروح،
يترك كلمةً وراءه،
ويحمل إيقاعاً آخر،
ثم يعود إلينا بنصٍ يشبه الأصل ولا يشبهه.

45

ربما كانت كل ترجمة خيانةً صغيرة،
لكن بعض الخيانات تنقذ النص من الموت،
فلو حافظ المترجم على كل شيء،
قد يفقد النص حياته،
والترجمة ليست حمل الجثة،
بل محاولة إعادة التنفس إلى لغة أخرى.

46

الخائن الجميل،
هو الذي يعرف أين يخالف،
ولا يخون اعتباطاً،
يخون القافية كي ينقذ النبرة،
ويخون الكلمة كي ينقذ الصورة،
ويخون الصورة أحياناً كي ينقذ الروح.

47

أما المؤلف،
فليس مالكاً مطلقاً للمعنى،
إنه أول قارئ لنصه،
وقد يكون أول من يسيء فهمه،
فالكتابة نفسها ترجمةٌ لما لا نستطيع قوله،
وكل ترجمة تحمل شيئاً من العجز.

48

الشاعر يكتب لأنه لا يستطيع أن يقول كل شيء،
والقارئ يقرأ لأنه يريد أن يرى ما لم يُقل،
والناقد يدخل بينهما،
والمترجم يفتح نافذةً على لغة أخرى،
ثم يأتي الزمن،
ويعيد كتابة الجميع.

49

على هذا النحو أو أبعد،
النص لا ينتهي عند آخر سطر،
هناك حياةٌ ثانية بعد النشر،
وحياة ثالثة بعد الترجمة،
وحياة رابعة بعد النقد،
وحياة خامسة حين يقرأه شخصٌ لم يولد يوم كُتب.

50

في منتصف المطوّلة،
أقف أمام مرآة،
فلا أرى الشاعر وحده،
بل أرى المؤلف والناقد والمترجم والقارئ،
كل واحدٍ يحمل نسخةً مختلفة مني،
فأيهم أنا؟

51

قالت المرآة:
أنت المسافة بين النسخ،
قلت: ومن يملك الحقيقة؟
قالت: ربما لا أحد،
وربما الحقيقة هي ما يبقى بعد سقوط المالكين،
ثم تشققت المرآة.

52

في المتحف،
كانت لوحة لمونيه تذيب الحدود بين الماء والضوء،
لم يعد النهر نهراً،
ولا الزورق زورقاً،
كل شيء صار اهتزازاً ضوئياً،
فقلت: هكذا يجب أن تقرأ القصيدة الحديثة.

53

لا تبحث عن الشيء وحده،
ابحث عن اهتزازه،
لا تبحث عن المرأة فقط،
ابحث عن الضوء الذي تركته في المكان،
لا تبحث عن المدينة فقط،
ابحث عن الوحدة التي تخفيها وراء ملايين النوافذ.

54

وكانت امرأة تمر أمام متجر زهور،
تحمل باقة توليب بنفسجية،
توقفت لحظةً أمام الزجاج،
رأت انعكاسها بين الورود،
ثم مضت،
وتركت للشارع قصيدةً لم تكتبها.

55

هنا تبدأ جمالية اليومي،
لا في الأحداث الكبرى وحدها،
بل في الحركات الصغيرة التي لا تجد صحفاً تكتب عنها،
يدٌ تغلق نافذة،
طفلٌ يربط حذاءه،
عاشقان يقتسمان قطعة حلوى،
وعجوزٌ يسقي نبات الريحان في شرفته.

56

إن الشاعر الفاحص
لا يحتاج دائماً إلى حربٍ كي يكتب عن التاريخ،
يكفيه أن يرى امرأةً تنظر إلى هاتفها طويلاً،
ثم تمسح رسالةً ولا ترسلها،
فيعرف أن هناك حرباً أخرى،
حرباً تقع داخل الإصبع.

57

الهاتف نفسه أصبح شخصيةً شعرية،
نافذةً زرقاء على قارات متباعدة،
يمكن أن يأتي منها حب،
أو خبر موت،
أو صورة شجرة من طوكيو،
أو قصيدة من بوينس آيرس.

58

لكن التقنية أيضاً تريد يقينها،
تقول: أعرف ذوقك،
أعرف ما تريد،
أعرف ما يجب أن تقرأ،
أعرف الصورة التي ستعجبك،
فأقول لها: أبعد، واترك لي حق المفاجأة.

59

المفاجأة آخر ما تحتاجه القصيدة،
فإذا عرف النص كل شيء مسبقاً،
ماتت المغامرة،
وإذا عرف القارئ كل شيء مسبقاً،
ماتت القراءة،
وإذا عرف الناقد كل شيء مسبقاً،
مات النقد.

60

الحداثة إذن ليست في الأدوات،
بل في القدرة على المفاجأة،
أن تجعل اللغة ترى نفسها لأول مرة،
وأن تجعل الشيء اليومي يخرج من عادته،
كأن كوب الماء صار بحيرة،
وكأن المصباح صار قمراً صغيراً في غرفة.

61

أبعد عن مركز العالم،
فلا مركز واحداً للعالم،
هناك مراكز كثيرة،
مدينةٌ أفريقية، وقريةٌ آسيوية، وميناءٌ متوسطي،
طفلٌ في أميركا الجنوبية، وعجوزٌ في أوروبا الشمالية،
والقصيدة تسافر بينهم بلا جواز.

62

كان ماركيز يفتح نافذةً على قرية،
فيخرج منها المطر والذاكرة والأشباح،
وكان بورخيس يبني متاهةً من كتاب،
وكان كافكا يحول المكتب إلى محكمة،
فقلت: الأدب العالمي ليس خريطةً للأماكن،
بل خريطةٌ لتحولات الإنسان.

63

وكان لوركا يمشي في الظل،
والقمر عنده حصانٌ آخر،
وكان أراغون يضع الحب داخل التاريخ،
وكان ريلكه يصغي إلى الأشياء كأن لها أرواحاً،
وكان إليوت يجمع شظايا العالم،
ثم يسأل: هل يمكن للخراب أن يصنع موسيقى؟

64

نعم،
يمكن للخراب أن يصنع موسيقى،
إذا لم يتحول إلى زينة،
ويمكن للمدينة أن تصنع رومانسية،
إذا نظرنا إلى نافذتها الأخيرة،
حيث شخصٌ وحيد يضيء مصباحه قبل النوم.

65

في باريس،
كانت شجرة كستناء تسقط أوراقها على الرصيف،
وكانت فتاة تقرأ رامبو في مقهى،
وكان رجلٌ يكتب رسالةً إلى شخصٍ في أفريقيا،
وكانت المسافة بين القارتين جملةً واحدة،
لكنها تحتاج إلى عمرٍ كامل لترجمتها.

66

الترجمة ليست انتقالاً بين لغتين فقط،
بل انتقالٌ بين زمنين،
بين جسدين،
بين ذاكرتين،
بين حضارتين،
بين قلبين لا يتفقان دائماً على معنى الحب.

67

قد تكون كلمة «بيت»
منزلاً في لغة،
وقصيدةً في لغة أخرى،
وقبراً في ثالثة،
ووطنًا في رابعة،
ومنفى في خامسة،
وهكذا لا تسافر الكلمات وحدها، بل تسافر مصائرها.

68

أيتها اللغة،
لا أريدكِ مطيعةً دائماً،
أريد أن أسمع ارتباكك،
أن أرى انزياحك،
أن ترفضي أحياناً أن تقولي ما طلبته منك،
لأن أجمل الشعر قد يبدأ من عصيان الكلمة.

69

لكن العصيان نفسه يحتاج إلى معرفة،
فمن لا يعرف القاعدة لا يعرف ماذا كسر،
ومن لا يعرف الوزن لا يستطيع دائماً أن يسمع تحوله،
ومن لا يعرف تاريخ اللغة قد يكرر ما ظنه اكتشافاً،
ولهذا تبدأ الحداثة الحقيقية من القراءة،
لا من الصراخ ضد التراث.

70

أبعد،
لكنني أحمل الكتب معي،
المعلقات، والقرآن، وأرسطو، وأفلوطين،
دانتي، وشكسبير، وغوته، ودستويفسكي،
وبودلير ونيتشه وهايدغر،
لا لأعبدهم، بل لأحاورهم.

71

الحوار مع الماضي ليس خضوعاً،
كما أن القطيعة معه ليست حريةً تلقائياً،
النص الجديد يولد من صراع،
من وراثةٍ ثم تمرد،
من حبٍ ثم اختلاف،
من ذاكرةٍ تقول: خذ، ومن شاعرٍ يقول: سأغيّر.

72

هكذا تتطور القصيدة،
لا بالقفز فوق التاريخ،
بل بالعبور خلاله،
تأخذ البحر وتعيد توزيعه،
تأخذ الصورة وتعيد تفجيرها،
تأخذ اللغة وتفتح لها نافذةً على العالم.

73

في حديقة متوسطية،
كانت شجرة زيتون عتيقة تميل فوق حجر،
وكانت ثمارها السوداء تلمع بعد المطر،
قلت: كم من تاريخ مر هنا دون أن يسألها أحد،
فقالت الشجرة في خيالي:
أنا لا أحفظ التاريخ، أنا أعيش بعده.

74

وهذه هي القصيدة،
أن تعيش بعد اللحظة التي كتبت فيها،
أن تتغير حين يقرأها الآخرون،
أن تحمل أثقال زمنها ثم تخف منها،
أن تخرج من يد المؤلف،
ولا تفقد تماماً رائحة يده.

75

على هذا النحو أو أبعد،
تدخل الرومانسية من الباب الخلفي،
لا في هيئة عاشقٍ يعلن خلوده،
بل في كوبين على طاولة،
أحدهما ما زال دافئاً،
والآخر برد قبل أن يصل صاحبه.

76

الحب اليومي أكثر صدقاً من الحب المعلن،
امرأة تحفظ كوب الرجل الذي تحبه،
رجل يعرف أي خبز تفضله،
رسالة تقول: وصلتِ؟
ومظلة تُفتح في الوقت المناسب،
هذه التفاصيل الصغيرة هي أخلاق الحب.

77

والحب لا يلغي الاختلاف،
بل يجعله قابلاً للسكن،
أنا وأنت لسنا نسخةً واحدة،
ولذلك نحتاج إلى مساحة،
إلى غرفة لكل واحد،
وإلى نافذة نطل منها معاً.

78

لهذا لا أريد «أبعد» أن تكون نفيًا،
بل أريدها مساحةً بين شيئين،
بين الرجل والمرأة،
بين الشاعر والقارئ،
بين المؤلف والمترجم،
بين التراث والحداثة.

79

المسافة ليست برودة،
أحياناً هي الشكل الأكثر رهافة للحب،
فمن يقترب أكثر من اللازم قد يحجب الآخر،
ومن يبتعد أكثر من اللازم قد يفقده،
أما المسافة الجميلة،
فتمنح العين مجالاً كي ترى.

80

وهنا يعود النقد،
ليس قاضياً،
ولا شرطياً على أبواب القصيدة،
بل مسافراً يحمل مصباحاً،
يدخل الغرفة،
ويقول: انظروا، هناك باب آخر.

81

الناقد الذي يقول «هذا هو المعنى»
قد يكون قد أغلق النص،
أما الذي يقول «ربما»
فقد فتح فيه نافذة،
لكن «ربما» ليست ضعفاً،
إنها أحياناً أقصى درجات القوة المعرفية.

82

لذلك لا أريد من القارئ أن يتبعني،
أريده أن يمشي بجانبي،
وإذا وجد أنني أخطأت، فليقل،
وإذا رأى ما لم أره، فليكتب،
وإذا اختلف معي، فليحتفظ بحقه في الاختلاف،
فالنص الذي يخاف من القارئ نصٌّ لم يكتمل.

83

والشاعر الذي يخاف من الناقد،
قد يكون قد خلط بين النص وصورته عن النص،
فليكن النص أكثر ذكاءً من صاحبه،
وأكثر حياةً من تفسيره،
وأكثر اتساعاً من نواياه،
وإلا لماذا نكتب؟

84

في مدينة ساحلية،
كان البحر يضرب الحاجز الحجري بلا ملل،
وكانت طيور النورس تصرخ فوق الميناء،
وكان رجلٌ ينتظر سفينةً لا يعرف إن كانت ستصل،
فقلت: هكذا هو الشعر،
انتظارٌ يتعلم كيف يعيش بلا ضمان.

85

البحر لا يقدم يقيناً،
كل موجةٍ تنقض التي قبلها،
ومع ذلك يظل البحر بحراً،
وهكذا يمكن للنص أن يتشظى،
دون أن يفقد هويته،
إذا ظل له نبضٌ خفي.

86

ذلك النبض هو ما أبحث عنه،
لا البحر وحده، ولا التفعيلة وحدها،
بل الإيقاع الذي يتولد من العلاقة،
من عودة صورة،
ومن انقطاع جملة،
ومن كلمة تظهر فجأةً مثل طائر مهاجر.

87

أريد للسطر الشعري أن يتنفس،
أن يطول حين يتسع الحلم،
ويقصر حين يضيق الخوف،
وينكسر حين تنكسر الفكرة،
ويصمت حين تعجز اللغة،
فالصمت أيضاً تفعيلةٌ لا تُكتب.

88

وهكذا يصبح البياض موسيقى،
والهامش مسافةً للتأويل،
والعنوان باباً،
والخاتمة نافذةً لا جداراً،
والمقطع غرفةً مستقلة،
والمئة مقطع مدينةً ذات مئة شارع.

89

في الشارع،
رأيت بائعاً يحمل باقةً من اللافندر،
كانت الرائحة تتبع خطواته،
كأن فرنسا القديمة تمشي معه،
لكن هاتفه كان يرن بموسيقى إلكترونية،
فقلت: ها هو الماضي والمستقبل يتقاسمان جيباً واحداً.

90

ليست الحداثة محو الماضي،
بل قدرة الماضي على أن يدخل المستقبل دون أن يتحول إلى صنم،
وقدرة المستقبل على أن ينظر إلى الماضي دون أن يضحك منه،
والقصيدة مكانٌ مناسب لهذه المصالحة،
لأنها تعرف كيف تجعل الزمنين يتكلمان.

91

لكنني أخاف من الحداثة حين تتصلب،
حين يصبح لها حراس،
ومفردات مسموحة،
وأسماء ممنوعة،
ومقاييس لا تقبل النقاش،
عندها أقول: أبعد.

92

أبعد عن الحداثة حين تتحول إلى عقيدة،
كما أبتعد عن التراث حين يتحول إلى صنم،
وأبتعد عن النقد حين يتحول إلى سلطة،
وأبتعد عن الشاعر حين يتحول إلى زعيم،
وأبتعد عن القارئ حين يتحول إلى تابع،
لأن القصيدة لا تحتاج إلى رعايا.

93

تحتاج القصيدة إلى شركاء،
إلى قارئ يختلف،
ومترجم يخون بذكاء،
وناقد يشك،
وشاعر يراجع نفسه،
ولغة لا تخاف من أن تتلعثم.

94

وفي الليل،
كانت شجرة الباوباب واقفةً في خيال السافانا،
جذعها كأنه ذاكرةٌ ضخمة،
والنجوم حولها تبدو قريبة،
فقلت: ليست الجغرافيا حدوداً،
إنها طريقةٌ أخرى لقراءة الذاكرة.

95

أوروبا شظيةٌ في أفريقيا، وأفريقيا ظلٌّ عالقٌ في آسيا، وآسيا تُسقطُ جزرَها في فمِ المحيط،
المتوسطُ يتكسّرُ بين قارتين، ثم ينسى أيُّهما البحرُ وأيُّهما الضفة،
الأمريكتانِ قطعتانِ من حلمٍ واحد؛ تتدليانِ من حبلِ الأطلسي كفكّينِ للغيب،
أوقيانوسيا... ذرةُ ملحٍ على لسانِ الأرض، والقارةُ القطبيةُ بياضٌ يمحو أسماءَ الجميع،
الحدودُ تتبادلُ الأقنعة: أفريقيا تعبرُ إلى أوروبا في كلمة، وأوروبا تهاجرُ إلى آسيا في صورة،
والقصيدةُ خرائطُ محطمةٌ؛ كلُّ قارةٍ نصفُ جملة، وكلُّ نصفٍ يبحثُ عن قارةٍ أبعد.
96

من هنا يصبح «أبعد»
اتجاهاً نحو العالم،
لا ابتعاداً عن العالم،
أبعد كي أرى أكثر،
أبعد كي أسمع أصواتاً أخرى،
أبعد كي أعود إلى لغتي وهي أكثر اتساعاً.

97

أنا لا أريد قصيدةً محلية في قاموسها،
بل قصيدةً تستطيع أن تسمي زهرة الأوركيد،
والجنكة، واللافندر، والباوباب،
والكيتزال، والنورس، والحوت الأزرق،
ثم تعود إلى حجرٍ صغير في شارعها دون أن تفقد دهشتها.

98

فالعالمية ليست جمع أسماء العالم،
بل القدرة على جعل الاسم الأجنبي يعيش داخل التجربة،
أن تدخل طوكيو إلى القصيدة دون زينة،
وتدخل لشبونة دون بطاقة سياحية،
وتدخل أفريقيا دون فولكلور،
وتدخل باريس دون أسطورة جاهزة.

99

وفي النهاية،
أقف أمام العنوان مرةً أخرى،
«على هذا النحو» ما زالت هناك،
لكنها لم تعد سجناً،
و«أو» ما زالت تفتح الاحتمال،
أما «أبعد» فقد صارت طريقاً لا يملك نهايته أحد.

100

على هذا النحو أو أبعد،
أكتب لا لأثبت أنني أعرف،
بل لأكتشف كم من الأشياء لم أعرفها بعد،
أكتب كي أترجم الصمت، ثم أسمح للمترجم أن يخونني،
وأترك للقارئ أن يعيد كتابة خيانته الخاصة،
وأترك للناقد أن يفتح باباً آخر في الجدار،
ثم أمضي، لا إلى ضلالٍ جديد، ولا إلى يقينٍ جديد،
بل إلى تلك المسافة التي بينهما،
حيث تقف القصيدة وحدها،
عاريةً من يقينها،
ممتلئةً باحتمالاتها،
وتقول للعالم:
على هذا النحو... أو أبعد.

 ____

سبتمبر2026م

برج الثقافة - القضارف 


تعليقات

المشاركات الشائعة