ديوان : عقدة المنشار

عقدة المنشار 

مصعب الرمادي

 عُقدة المنشار

__________________
 الكتاب :  عقدة المنشار          

 الكاتب : مصعب الرمادي
تاريخ الطبع : سبتمبر 2026م
حقوق الطبع والتأليف محفوظة للمؤلف 

_____________________

1


وضعتُ قلبي على طاولة النجار،
وقلتُ له: لا أريد إصلاحه،
أريد فقط أن أعرف
لماذا ينحشر اسمها
كلما حاولتُ أن أنشر الليل
إلى نصفين متساويين.

2

قالت لي صباحاً: كيف حالك؟
فأجبتها بجملة قصيرة،
لكنني قضيت بقية النهار
أفتش في حروفها عن بيتٍ سري،
وأضع أذني على كلمة «كيف»
لأسمع الغابة التي جاءت منها.

3

لم أكن أحبها تماماً،
كنت أحب النسخة التي صنعتها عنها
داخل رأسي،
وكان عليَّ أن أتعلم ببطء
أن الإنسان الذي نحبه
ليس دائماً الإنسان الذي نختلقه.

4

الحب يبدأ أحياناً
حين تتوقف المرآة عن العمل،
حين لا يعود وجه الآخر
انعكاساً مناسباً لوجهك،
وحين تكتشف أن أمامك
غابةً لا تعرف أسماء أشجارها.

5

قال المنشار للخشبة:
لماذا تقاومين؟
قالت: لأنني لست طريقاً مستقيماً
إلى أثاث بيتك،
هناك غصن قديم في داخلي،
وهناك طائر لم يغادر بعد.

6

كنتُ أقول لها: أحبك،
وأقصد، في بعض الليالي: أنقذيني،
وأقصد في ليالٍ أخرى: ابقي هنا،
وفي أكثر الليالي ظلمةً:
لا تتركيني وحدي
مع الرجل الذي أكونه عندما تغيبين.

7

هذه أول عقدة في الحب:
أن يطلب المرء من الآخر
أن يحل محل العالم كله،
ثم يغضب منه
حين يعجز جسد واحد
عن حمل هذا الكون.

8

في المقهى
كانت تحرك الملعقة في فنجانها،
وأنا أراقب الدائرة الصغيرة
تتسع داخل القهوة،
وأفكر: كم حرباً يمكن أن تبدأ
من حركة يدٍ لا تقصد شيئاً؟

9

قالت: أنت صامت اليوم.
ولم تعرف
أنني كنت أتكلم معها
في ألف غرفة داخل رأسي،
وأن الكلمات التي لم أقلها
كانت أكثر ضجيجاً من المدينة.

10

العاشق رجلٌ
يستطيع أن يحول تأخر رسالة
إلى نظرية في نهاية العالم،
ويستطيع أن يرى في نقطةٍ زرقاء
تحت اسم امرأة
مؤامرةً كونية.

11

وضعتُ الهاتف على الطاولة،
وضعتُ قلبي إلى جواره،
وكان كلاهما ينتظر اهتزازاً،
لكن الهاتف كان أصدق مني،
فهو لا يدّعي أنه يستطيع العيش
من دون بطارية.

12

قلت: لماذا لم تتصلي؟
قالت: كنت مشغولة.
وكان بين الجملتين
غابة من الأسئلة،
ومائة منشار صغير
يبحث كل واحد منها عن عقدة.

13

لم تكن الغيرة حباً،
كانت خوفاً يرتدي معطف الحب،
وكلما اقتربت منها
رأيت وجهي القديم
مختبئاً في جيوب المعطف
ويمسك مفاتيح الأبواب.

14

أردتُ أن أعرف أين كانت،
لا لأن المكان يهمني،
بل لأنني كنت أخاف
أن يكون العالم قد اكتشف
أنه يستطيع الاستمرار
من دون وجودي.

15

الحب ليس أن تقول للآخر: أنت لي.
هذه جملة تقولها الخزائن للأشياء،
والسجون للمساجين،
والحدود للخرائط.
أما الحب، ربما،
فهو أن تقول: أنت موجود، وأنا أراك.

16

رأيتها تعبر الشارع،
وللمرة الأولى
لم أرغب في إيقاف الزمن،
أردتها أن تصل إلى الجهة الأخرى،
حتى لو كانت الجهة الأخرى
لا تحتاجني.

17

ذلك درسٌ صعب:
أن تحب نجاة شخص
يمكن أن يبتعد عنك،
وأن تكتشف أن قلبك
لا يصبح أقل حباً
حين يتعلم فتح يده.

18

كانت أمي تقول:
لا تثق بمن يحب كثيراً.
ثم تسكت قليلاً
كأنها تذكرت شخصاً،
وتضع السكر في الشاي
بحذر امرأة تخاف من الحلاوة.

19

كبرتُ وأنا أظن الحب
حادثةً تقع بين رجل وامرأة،
ثم رأيت أبي
يعدل وسادة أمي وهي نائمة،
فعرفت أن الحب أحياناً
هو هذه الحركة التي لا يراها أحد.

20

المنشار لا يقطع دفعة واحدة،
والقلب أيضاً،
إنه يذهب ويعود
إلى الموضع نفسه،
حتى يصبح الألم
عادةً لها صوت.

21

كنت أعود إلى رسائلنا القديمة،
كما يعود النجار
إلى خشبة رفضت الانقسام،
أمرر أصابعي على الكلمات،
وأتوقف عند الجملة
التي لم أعرف يومها
أنها كانت بداية النهاية.

22

الذاكرة ليست متحفاً،
إنها ورشة نجارة مفتوحة،
كل زيارة تعيد ترتيب الأشياء،
وكل ذكرى تمر عليها
تخرج بشكل آخر
وتقسم أنها كانت الحقيقة.

23

قالت: هل تتذكر يوم لقائنا؟
قلت: نعم.
لكننا كنا نتذكر يومين مختلفين،
وكان ذلك مخيفاً بما يكفي
لأفهم أن الحب
لا يعيشه اثنان بالطريقة نفسها.

24

كنت أحب الماضي معها
لأنه لا يستطيع أن يتركني،
أما الحاضر
فكان يفتح الباب كل صباح
ويخرج من الغرفة
من دون أن يلتفت.

25

العقدة ليست دائماً في الخشب،
أحياناً تكون في السؤال:
هل تحبني حقاً؟
سؤالٌ صغير
إذا وضعته في طريق القلب
أوقف الغابة كلها.

26

قالت: ما الحب بالنسبة إليك؟
نظرتُ إلى النافذة،
ثم إلى يدي،
ثم إلى الفراغ بيننا،
وقلت: مشكلة
تحاول اللغة أن تبدو فيها ذكية.

27

فالحب لا يدخل القاموس سليماً،
كل تعريف يقطع منه غصناً،
وكل شاعر يعيده إلى الشجرة،
وكل فيلسوف
يضعه على طاولة التشريح
فيهرب القلب من النافذة.

28

الرغبة تقول: اقترب.
الخوف يقول: ابقَ.
الامتلاك يقول: لا تذهب.
أما الحب، بعد أعوام طويلة،
فقد يتعلم أخيراً
أن يقول: كن ما تستطيع أن تكون.

29

هذه الجملة أخافتني،
لأنني كنت أريدها لي،
وليس لنفسها،
وكان عليَّ أن أدفن
رغبتي القديمة في امتلاك الضوء
كي أتعلم النظر إليه.

30

في المساء سألتها:
هل تحتاجينني؟
فأجابت بعد صمت طويل:
أحب وجودك.
ومنذ ذلك اليوم
بدأت أتعلم الفرق بين الحاجة والاختيار.

31

الحاجة قفصٌ جميل أحياناً،
نزينه بالورود،
ونسمي قضبانه وفاءً،
ثم نبكي عندما يكتشف العصفور
أن السماء ليست اسماً رومانسياً للقفص.

32

أحببتها لأنني كنت وحيداً،
ثم عرفت أن هذا ليس سبباً كافياً،
فالوحدة تستطيع أن تجعل
أي نافذة تبدو وطناً،
وأي صوت في الممر
يبدو قدرنا الأخير.

33

كان عليَّ أن أتعلم
كيف أبقى وحيداً دون أن أنهار،
كي لا أطلب منها
أن تحمل على كتفيها
الخراب الذي بنيته
قبل أن أعرف اسمها.

34

الحب لا يبدأ حين نجد الآخر،
ربما يبدأ حين نكف
عن استخدامه دواءً،
وحين يصبح حضوره هدية،
لا جهازاً طبياً
نبقي به قلوبنا حية.

35

قالت: أنت معقد.
فضحكت.
لم تكن تعرف
أنني أعيش منذ سنوات
داخل عقدة شجرة،
وأن كل منشار في العالم
حاول عبثاً الوصول إليّ.

36

وضعتُ شروطاً كثيرة للصلح،
أن تعتذر أولاً،
أن تعترف، أن تفسر،
أن تعود إلى الساعة ذاتها،
ثم أدركت أنني فعلت
ما يفعله الخوف حين يريد إفشال الحب.

37

وضعتُ العقدة في المنشار
ثم جلست أبكي
لأن المنشار توقف.
كانت تلك مهارتي القديمة:
أن أصنع المستحيل بيدي
ثم أتهم الحياة بالقسوة.

38

في كل شجار
كنت أبحث عن الحقيقة،
لكن الحقيقة كانت تختبئ
خلف الكلمات التي نرفعها
مثل السكاكين
كي لا يرى أحد خوفنا.

39

قالت: أنت لا تسمعني.
وكانت على حق.
كنت أسمع فقط
الصوت الذي أحتاجه منها،
أما صوتها الحقيقي
فكان يعبر الغرفة وحيداً.

40

الإصغاء شكل نادر من الحب،
أن تسمع الإنسان
حتى عندما لا يقول ما يريحك،
أن تترك في قلبك
مقعداً لرأيه المختلف،
دون أن تطلب منه النزول.

41

لم تكن تشبهني،
ولهذا أحببتها،
ثم حاولت تغييرها
كي تشبهني،
وحين بدأت تفقد اختلافها
بدأت أبحث عن المرأة القديمة.

42

كم هو مضحك هذا القلب:
يحب الغابة لأنها غابة،
ثم يقطع أشجارها
كي يستطيع السير بسهولة،
وبعد سنوات
يبكي لأنه لم يعد يسمع العصافير.

43

قلت لها: تغيرتِ.
فقالت: نعم.
وكان جوابها عادلاً
إلى درجة القسوة،
فلماذا كنت أريد منها
أن تتوقف عن الزمن كي أنام مطمئناً؟

44

الحب ليس صورة تُعلّق،
إنه كائن يتحرك،
وإذا حاولت تثبيته
في إطار تاريخ محدد
سيتحول تدريجياً
إلى صورة لشخص مات واقفاً.

45

في الحب
نريد أن نبقى الطفل نفسه،
لكننا نطلب من الآخر
أن يحبنا أكثر كلما تغيرنا،
ونغضب لأن الزمن
لا يحترم الاتفاقات العاطفية.

46

رأيتُ رجلاً في الحافلة
يقرأ رسالة حب قديمة،
وكانت زوجته تجلس بجواره،
فأدركت أن القلب
ليس بيتاً له غرفة واحدة،
وأن الذاكرة لا تطلب الإذن دائماً.

47

لا يعني الوفاء
أن نقتل كل ما سبق،
بل أن نعرف
كيف نترك الأشباح في أماكنها،
وألا نسمح للموتى
بإدارة البيت الجديد.

48

الحب مسؤولية أيضاً،
ليس لأن أحداً فرض علينا ذلك،
بل لأن رؤية الآخر
تغير شكل العالم،
ومن يرى جرحاً يحبه
لا يستطيع دائماً
أن يعود إلى براءته القديمة.

49

قالت: أنا متعبة.
وكان يمكنني أن أقول: وأنا أيضاً.
لكنني للمرة الأولى
وضعت تعبي جانباً،
وجلست قرب تعبها
كما يجلس المرء قرب نافذة في الشتاء.

50

ربما يكون الحب
أن تؤجل قصتك قليلاً
كي تستمع إلى قصة أخرى،
أن تسمح للأنا
أن تخفض صوتها،
دون أن تموت.

51

فالحب ليس انتحاراً،
ولا ذوباناً كاملاً في الآخر،
إنه جسر بين جزيرتين،
لا ابتلاع جزيرة للأخرى،
ولا هدم البحر
كي نتجنب المسافة.

52

كنت أريد أن أعرف كل شيء عنها،
ثم فهمت أن المعرفة الكاملة
شكل آخر من السيطرة،
وأن الإنسان الذي تحبه
يحتاج دائماً إلى غرفة
لا تدخلها حتى لو امتلكت المفتاح.

53

للآخر سره الخاص،
والحب الذي لا يحترم الأسرار
يتحول إلى تفتيش،
ثم إلى مراقبة،
ثم إلى سجن
له اسم أكثر رقة.

54

في الهاتف
كان بإمكاني أن أعرف موقعها،
آخر ظهورها،
الأغاني التي تسمعها،
لكنني لم أكن أعرف
بماذا كانت تحلم.

55

كل التقنية في العالم
لم تستطع اختراع نافذة
تطل مباشرة على قلب إنسان،
ولعل ذلك
آخر ما تبقى لنا
من برية حقيقية
لم تستعمرها الخرائط.

56

حين غابت
امتلأ البيت بها،
فالأشياء لا تعرف
أن أصحابها رحلوا،
الكوب ينتظر يدها،
والكرسي يحفظ انحناءة جسدها.

57

الغياب نجار ماهر،
يعيد تشكيل العالم
وفق مقاس شخص واحد،
حتى يصبح الباب أكبر من اللازم،
والسرير غابة
لا تجد فيها طريقاً إلى النوم.

58

لم تكن هنا،
لكنها كانت في كل مكان،
في المصعد، في المخبز،
في أغنية لا أحبها،
وفي امرأة مجهولة
تحرك شعرها بالطريقة نفسها.

59

قال لي صديقي: انسها.
فضحكت،
كأن النسيان زر كهربائي
يمكن الضغط عليه،
بينما الذاكرة
شجرة تنمو حتى داخل الخرسانة.

60

حاولت أن أنساها،
فحفظت تفاصيلها أكثر،
وكأن العقل
حين نأمره بالهدم
يرسل مهندساً
ليحمي المبنى.

61

الحب الغائب
ليس أقل وجوداً،
إنه فقط يغير مادته،
يتحول من جسد
إلى سؤال،
ومن قبلة إلى ميتافيزيقا.

62

هناك أناس
نحبهم بعد رحيلهم
بطريقة لم نعرفها في حضورهم،
كأن المسافة الطويلة
تزيل ضجيج الحياة اليومية
وتترك القلب أمام جوهره.

63

لكن الحزن ليس دليلاً كافياً على الحب،
كما أن الألم
ليس دائماً برهاناً على العمق،
فبعض الجراح تستمر
لأننا نستمر في لمسها
كي نتأكد أننا ما زلنا أحياء.

64

العاشق أحياناً
مدمن على حزنه،
يخاف الشفاء
لأن الألم آخر شيء
يربطه بالذي رحل،
فيحرس جرحه كأنه رسالة.

65

قلت: لا أريد أن أنساك.
ثم فكرت:
ربما لا أريد أن أتعافى أيضاً.
كانت هذه أكثر اعترافاتي صدقاً،
أن الإنسان يستطيع
أن يتعاون مع سجنه.

66

العقدة النفسية
ليست في أننا نعود إلى الماضي،
بل في أننا نعيد بناءه
كلما احتجنا إلى تفسير جديد
لخوف قديم
لم نجرؤ على تسميته.

67

بحثت في طفولتي
عن سبب حبي لها،
فوجدت طفلاً
ينتظر شخصاً يعود إلى البيت،
ويحسب أن الانتظار
هو الاسم الأول للحب.

68

كبر الطفل،
لكن الساعة بقيت معلقة في قلبه،
وكل امرأة تتأخر
تحرك عقاربها،
فيعود الطفل من جديد
ويقف عند الباب.

69

ليس كل ما نشعر به الآن
مولوداً الآن،
بعض مشاعرنا
أحفاد جروح بعيدة،
تغير أسماءها وملابسها
وتدخل علاقاتنا الجديدة.

70

لهذا لا يكفي أن نسأل:
ماذا فعلت بي؟
علينا أحياناً أن نسأل:
من الذي كان يتكلم في داخلي
حين غضبت؟
وأي طفل أمسك بالمنشار؟

71

الحب مرآة خطيرة،
لا لأنها ترينا الآخر،
بل لأنها ترينا أنفسنا
حين نحاول أن نعيش
في عيني شخص آخر
ولا نجد هناك بيتاً.

72

كنت أطلب منها أن تؤكد قيمتي،
وكلما قالت كلمة طيبة
عشت يوماً آخر،
لكن الكلمات انتهت يوماً،
فاكتشفت أن البيت
الذي بنيته كان خارج جسدي.

73

من يحب نفسه وحدها
لا يحب،
ومن يكره نفسه تماماً
قد يعجز أيضاً عن الحب،
فاليد التي لا تعرف
كيف تمسك بنفسها
تخاف من لمس الآخر.

74

ربما يبدأ الحب الناضج
عندما تتصالح مع وحدتك،
لا لكي تعود إلى نفسك،
بل لكي تخرج منها
من دون أن تحمل إليها
مطالب الإفلاس كلها.

75

في الشارع
رأيت زوجين مسنين،
لم يكونا يتبادلان الكلمات،
لكن الرجل أبطأ خطوته
كي تمشي المرأة كما تستطيع،
وكان ذلك كتاباً كاملاً.

76

ليس الحب دائماً
قبلةً تحت المطر،
قد يكون انتظاراً في المستشفى،
أو طبق طعام دافئ،
أو اتصالاً في ساعة متأخرة
يقول: هل وصلت؟

77

كلما تقدم الحب في العمر
قلت ضوضاؤه،
ربما لأنه لا يعود محتاجاً
إلى إثبات وجوده،
كالشجرة القديمة
التي لا تصرخ لكي تكون شجرة.

78

لكن العالم الحديث
يحب الحب الصاخب،
صورة، منشور، إعلان،
قلوب إلكترونية تتساقط،
بينما يجلس الحب الحقيقي
في المطبخ ويغسل الأطباق.

79

نحن نعرف كيف نعلن الحب،
لكننا لا نعرف دائماً
كيف نعيش معه بعد الإعلان،
فالكلمات افتتاحات جميلة،
أما الحياة
فهي الاختبار الطويل.

80

قلت لها في لحظة غضب:
لم تعودي كما كنتِ.
ثم عدت إلى البيت
وفهمت أن الجملة ذاتها
كان يمكن أن يقولها الزمن لي
وهو يضحك.

81

الحب لا يوقف الموت،
لكنه يجعل الموت
سؤالاً شخصياً،
فمنذ أن أحببتُ
لم أعد أخاف أن أموت وحدي فقط،
بل أن يختفي من أحب.

82

ومن هنا
ينفتح الحب على ما وراء الجسد،
على السؤال الذي لا تجيب عنه القبلة:
ماذا يبقى
حين يغيب الجسد،
ويبقى المعنى؟

83

ربما نحب
لأننا كائنات تعرف أنها ستفقد،
فنضع أسماءنا في قلوب الآخرين
كمن يضع رسالة
داخل زجاجة ويرميها في البحر.

84

كل حب محاولة صغيرة
لمقاومة الفناء،
ليس بإلغاء الموت،
بل بترك أثر،
ذاكرة تتحرك في إنسان آخر
بعد أن نغادر.

85

لكن لا أحد ينجو تماماً،
حتى الذكرى تتغير،
والصور تصفر،
والأصوات تختلط،
ويأتي يوم
نحتاج فيه إلى اسم كي نتذكر الوجه.

86

لهذا كان الحب هشاً،
ولهذا كان عظيماً،
فما نعرف أنه قابل للضياع
نحمله بحذر أكبر،
أما الأشياء الخالدة
فلا تحتاج إلى عناق.

87

قالت لي: ماذا تريد مني؟
كان السؤال بسيطاً،
لكنني لم أعرف الإجابة،
لأن قائمة رغباتي
كانت أطول من عمر إنسان،
وأقصر من كلمة واحدة: ابقي.

88

ثم أدركت أن «ابقِ»
ليست دائماً كلمة حب،
قد تكون كلمة خوف،
وأن أجمل ما يمكن أن يقوله العاشق
ليس: لا تذهبي،
بل: أتمنى أن تكوني بخير أينما ذهبتِ.

89

وصلت إلى هذه الجملة متأخراً،
بعد أن قطعت أشياء كثيرة،
وبعد أن وضعت عقداً كثيرة
في طريق المنشار،
وبعد أن اتهمت الحب
بكل الجرائم التي ارتكبتها أنا.

90

في تلك الليلة
أغلقت الهاتف،
ولم أنتظر رسالة،
جلست أمام النافذة
وشاهدت الناس يعبرون الشارع،
وشعرت للمرة الأولى أن العالم ليس مطالباً بي.

91

كان هذا مؤلماً في البداية،
ثم أصبح نوعاً غريباً من الحرية،
أن تعرف أنك لست مركز الكون،
ومع ذلك تستطيع
أن تحب شجرة في الطريق
لأنها موجودة.

92

الحب ربما
هو هذه اللامركزية الصغيرة،
أن يتراجع العرش داخل صدرك،
وأن يجد الآخر مكاناً
ليس باعتباره تابعاً،
بل باعتباره عالماً كاملاً.

93

عدت إلى الشجرة الأولى،
تلك التي بدأ منها المنشار،
وضعت يدي على عقدتها،
ولم أحاول قطعها،
فسألتني الشجرة:
أخيراً تعلمت؟

94

قلت لها: لا.
لكنني تعلمت أن أسأل
قبل أن أبدأ القطع،
ما الذي مات هنا؟
وأي غصن ترك هذا الأثر
داخل جسدك؟

95

العقدة ليست عدواً دائماً،
إنها تاريخٌ متجمد،
والإنسان الذي يريد
حباً بلا عقد،
يريد شجرةً بلا أغصان
وقلباً بلا ماضٍ.

96

وضعت المنشار جانباً،
وجلست قربها،
ولم نحل المشكلة،
لكن للمرة الأولى
لم نصنع مشكلة جديدة
كي نؤجل الحل.

97

قالت: هل تحبني الآن؟
نظرت إليها طويلاً،
وقلت: أحاول أن أتعلم
كيف أحبك أنتِ،
لا الصورة التي صنعتها
من احتياجاتي عنك.

98

ابتسمت،
وكانت ابتسامتها مختلفة
عن كل النظريات التي قرأتها،
فعرفت أن الحب
يستطيع أن يهزم الفلسفة أحياناً
بعضلة صغيرة في الوجه.

99

وحين افترقنا
لم يسقط العالم،
وهذا ما أدهشني،
استمرت السيارات،
واستمر الخبز في النضج،
وظلت الأشجار واقفة في مكانها.

100

أما أنا
فحملتُ قلبي من ورشة النجار،
وكانت فيه ندوب كثيرة
وعقدة واحدة لم تُحل،
لكنني لم أعد أخاف المنشار،
ولا الشجرة، ولا الغياب،
وعرفت أخيراً أن الحب ليس امتلاك الطريق،
بل القدرة على السير فيه
دون أن نحول الآخر
إلى خشبةٍ في أيدينا.

_______

سبتمبر 2026م

حي سلامة البيه - القضارف




تعليقات

المشاركات الشائعة