ديوان : من مارسيليا حيث يذهب البحر إلى آخر الكلام ونعود إلى البيت
من مارسيليا حيث يذهب البحر إلى آخر الكلام و نعود إلى البيت

مصعب الرمادي
من مارسيليا حيث يذهب البحر إلى آخر الكلام و نعود إلى البيت
__________________
الكتاب : من مارسيليا حيث يذهب البحر آلى آخر الكلام و نعود إلى البيت
الكاتب : مصعب الرمادي
تاريخ الطبع : أغسطس 2026م
حقوق الطبع والتأليف محفوظة للمؤلف
_____________________
* إلى الشاعر الفرنسي : أنطونين أرتو
___________________________________
كَانَ الصَّبَاحُ فِي مَارْسِيلْيَا يَخْرُجُ مِنَ الْمَاءِ حَافِيَ الْقَدَمَيْنِ،
وَكَانَ الْخُبْزُ السَّاخِنُ يَعْبُرُ الْأَرْصِفَةَ قَبْلَ أَنْ تَسْتَيْقِظَ الْمَدِينَةُ،
وَكَانَ رَجُلٌ فِي الْمِينَاءِ يَفْتَحُ بَابَ دُكَّانِهِ كَمَنْ يَفْتَحُ جُرْحاً قَدِيماً،
وَتَصْعَدُ مِنَ الْمَقَاهِي رَائِحَةُ الْقَهْوَةِ، كَأَنَّهَا ذَاكِرَةٌ فَرَنْسِيَّةٌ تَتَنَفَّسُ بَيْنَ الطَّاوِلَاتِ،
وَأَنَا أَمْشِي وَرَاءَ بَحْرٍ لَا أَعْرِفُ إِنْ كَانَ يَقُودُنِي أَمْ يَتْبَعُنِي،
وَفِي جَيْبِي كَلِمَةٌ صَغِيرَةٌ تَرْتَجِفُ: «الْبَيْتُ»؛ فَمَنْ يَعْرِفُ الطَّرِيقَ إِلَيْهِ؟
فِي مَارْسِيلْيَا، لَا يَكُونُ الْبَحْرُ مَنْظَراً؛ إِنَّهُ جَارٌ يَطْرُقُ النَّافِذَةَ كُلَّ لَيْلَةٍ،
وَلَا يَكُونُ الْمِينَاءُ مَكَاناً لِلسُّفُنِ، بَلْ ذَاكِرَةً تَتَعَلَّمُ الْمَشْيَ بِأَقْدَامِ الْغُرَبَاءِ،
تَجْلِسُ النَّوَارِسُ فَوْقَ الْحِبَالِ، وَتَنْظُرُ إِلَى الْمَدِينَةِ كَأَنَّهَا تَقْرَأُ كِتَاباً قَدِيماً،
وَيَمُرُّ الْعُمَّالُ بِوُجُوهٍ تَحْمِلُ لَيْلَ الْمَصَانِعِ وَصَبَاحَ الْأُجْرَةِ،
وَيَشْتَرِي الْفَقِيرُ قَهْوَتَهُ، وَيَشْتَرِي الْغَنِيُّ قَهْوَتَهُ، وَيَظَلُّ الْبَحْرُ وَاحِداً،
كَأَنَّ الْمَاءَ آخِرُ دِيمُقْرَاطِيَّةٍ لَمْ تَسْتَطِعِ الْمَدِينَةُ أَنْ تُفْسِدَهَا.
فِي الْمَتْرُو، تَجْلِسُ فَرَنْسَا قُرْبَ فَرَنْسَا، وَيَجْلِسُ الْعَرَبِيُّ قُرْبَ ظِلِّهِ الْقَدِيمِ،
وَتَسْكُتُ الْوُجُوهُ؛ فَالْمَتْرُو لَا يَسْأَلُ أَحَداً مِنْ أَيْنَ جَاءَ،
يَدْخُلُهُ شَاعِرٌ مِنَ الْجَنُوبِ، وَيَخْرُجُ مِنْهُ كَأَنَّهُ عَادَ مِنْ قَارَّةٍ تَحْتَ الْأَرْضِ،
وَتَقْرَأُ امْرَأَةٌ كِتَاباً، فَيَسْقُطُ مِنْ بَيْنَ صَفَحَاتِهِ بَلَدٌ بَعِيدٌ،
وَيَحْمِلُ شَابٌّ هَاتِفَهُ كَأَنَّهُ يَحْمِلُ وَطَناً صَغِيراً لَا يُرَى،
وَأَفْهَمُ أَنَّ الْمَدِينَةَ الْحَدِيثَةَ لَيْسَتْ إِلَّا جُغْرَافِيَا لِلْعُبُورِ وَسَكَنًا مُؤَقَّتاً لِلذَّاكِرَةِ.
كَانَ أَرْتُو يَعْرِفُ أَنَّ الْجَسَدَ لَيْسَ قِشْراً لِلرُّوحِ،
وَأَنَّ الْيَدَ قَدْ تَقُولُ مَا تَعْجِزُ الْفِكْرَةُ عَنْ قَوْلِهِ،
وَأَنَّ الْفَمَ قَدْ يَكُونُ مَسْرَحاً قَبْلَ أَنْ يَكُونَ أَدَاةً لِلنُّطْقِ،
وَأَنَّ الْعَظْمَ، إِذَا تَذَكَّرَ خَوْفَهُ، صَارَ لُغَةً،
وَأَنَّ الْجِلْدَ لَيْسَ حَدّاً بَيْنَ الْإِنْسَانِ وَالْعَالَمِ، بَلْ بَابٌ يَدْخُلُ مِنْهُ الْعَالَمُ إِلَيْنَا،
فَكَيْفَ نَكْتُبُ الْجَسَدَ، إِذَا كَانَ هُوَ الَّذِي يَكْتُبُنَا؟
فِي مَارْسِيلْيَا، أَمْشِي بِجَسَدِي كَأَنِّي أَمْشِي بِمَخْطُوطَةٍ مَبْلُولَةٍ،
كُلُّ خُطْوَةٍ تَمْحُو سَطْراً، وَكُلُّ مَوْجَةٍ تُعِيدُ كِتَابَتَهُ،
وَالرُّكْبَةُ تَعْرِفُ أَشْيَاءَ لَا تَعْرِفُهَا الْجُمْلَةُ،
وَالظَّهْرُ يَحْفَظُ أَثْقَالَ الْمَنَافِي، وَالْكَفُّ تَحْفَظُ أَسْمَاءَ الْغَائِبِينَ،
وَالْعَيْنُ لَا تَرَى الْبَحْرَ فَقَطْ؛ إِنَّهَا تَرَى مَا تَرَكَهُ الْبَحْرُ فِي الْبَشَرِ،
وَلِذَلِكَ كَانَ الْمَشْيُ أَحْيَاناً قَصِيدَةً، وَكَانَ السُّكُوتُ أَحْيَاناً نَحْواً آخَرَ.
فِي الْمَقْهَى الْقَرِيبِ مِنَ الْمِينَاءِ، يَجْلِسُ كَاتِبٌ عَرَبِيٌّ وَأَمَامَهُ قَهْوَةٌ وَجَرِيدَةٌ،
يَقْرَأُ خَبَراً عَنْ بَلَدِهِ، ثُمَّ يَنْظُرُ إِلَى الْبَحْرِ كَأَنَّهُ يَطْلُبُ مِنْهُ تَرْجَمَةَ الْحُزْنِ،
وَيَكْتُبُ جُمْلَةً بِالْعَرَبِيَّةِ، ثُمَّ يَتَرَدَّدُ: أَيُّ لُغَةٍ تَسَعُ هَذَا الْبُعْدَ؟
يَمْرُّ النَّادِلُ، وَيَقُولُ: «قَهْوَةٌ أُخْرَى؟»، فَيَهُزُّ رَأْسَهُ،
وَتَصِيرُ الْقَهْوَةُ حَدّاً بَيْنَ وَطَنَيْنِ، وَتَصِيرُ الطَّاوِلَةُ جُزْءاً مِنْ سِيرَةِ الْمَنْفَى،
وَيَفْهَمُ أَنَّ الْمُثَقَّفَ أَحْيَاناً يَكْتُبُ كَيْ لَا يَضِيعَ بَيْنَ فِنْجَانَيْنِ.
فِي شَقَّةٍ فِي بَارِيسَ، يَفْتَحُ شَاعِرٌ عَرَبِيٌّ النَّافِذَةَ عَلَى صَبَاحٍ فَرَنْسِيٍّ بَارِدٍ،
فَيَسْمَعُ سَيَّارَةَ الْإِسْعَافِ، وَصَوْتَ الْخُطُوَاتِ، وَصَفِيرَ الْقِطَارِ،
وَيَسْمَعُ فِي الْهَاتِفِ أُمّاً بَعِيدَةً تَسْأَلُهُ: «هَلْ أَكَلْتَ؟»،
فَيَنْكَسِرُ التَّارِيخُ الْأُورُوبِّيُّ كُلُّهُ أَمَامَ هَذَا السُّؤَالِ الصَّغِيرِ،
وَيَكْتَشِفُ أَنَّ الْمَنْفَى لَيْسَ أَنْ تَكُونَ بَعِيداً عَنِ الْبَلَدِ فَقَطْ،
بَلْ أَنْ تَكُونَ قَرِيباً مِنْهُ فِي صَوْتٍ لَا تَسْتَطِيعُ أَنْ تَلْمَسَهُ.
فِي مَكْتَبَةٍ بَارِيسِيَّةٍ، يَنَامُ كِتَابٌ عَرَبِيٌّ إِلَى جَانِبِ كِتَابٍ فَرَنْسِيٍّ،
وَيَبْدُو الْمُجَلَّدَانِ كَأَخَوَيْنِ لَمْ يَتَعَلَّمَا اللُّغَةَ نَفْسَهَا،
وَيَمُدُّ الْمُتَرْجِمُ يَدَهُ بَيْنَهُمَا، فَتَرْتَجِفُ الْجُمْلَةُ كَطِفْلٍ يَعْبُرُ حَدّاً،
وَيَقُولُ: «لَيْسَتِ التَّرْجَمَةُ نَقْلاً»، فَيُجِيبُهُ الْكِتَابُ: «إِنَّهَا هِجْرَةٌ»،
فَيَصِيرُ النَّصُّ سَفِينَةً، وَالْمُتَرْجِمُ مِينَاءً، وَاللُّغَةُ بَحْراً بِلَا جِهَةٍ نِهَائِيَّةٍ،
وَيَبْقَى السُّؤَالُ مُعَلَّقاً: مَنْ يَكْتُبُ مَنْ، حِينَ تَعْبُرُ الْكَلِمَاتُ الْحُدُودَ؟
كَانَ الشِّعْرُ الْفَرَنْسِيُّ الْحَدِيثُ يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ أَنْقَاضِ الْيَقِينِ،
فَجَاءَتِ السُّرْيَالِيَّةُ لِتَفْتَحَ نَافِذَةً فِي جِدَارِ الْعَقْلِ،
وَجَاءَتْ قَصِيدَةُ النَّثْرِ لِتَقُولَ: لَا تَحْتَاجُ الْقَصِيدَةُ إِلَى قَيْدٍ كَيْ تَكُونَ مُوسِيقَى،
وَجَاءَتْ الْحَدَاثَةُ بِشَكٍّ جَدِيدٍ فِي الْمَعْنَى وَفِي الْمُتَكَلِّمِ وَفِي الْعَالَمِ،
وَصَارَتِ اللُّغَةُ لَا تَصِفُ الْأَشْيَاءَ فَقَطْ، بَلْ تَشُكُّ فِي وُجُودِهَا،
وَمِنْ هَذَا الْشَّكِّ وُلِدَتْ أَصْوَاتٌ تَرَى الْقَصِيدَةَ جَسَداً يَتَنَفَّسُ، لَا مَجْمُوعَةَ كَلِمَاتٍ فَقَطْ.
فِي مَارْسِيلْيَا، كَانَتِ السُّرْيَالِيَّةُ تَمْشِي فِي الشَّارِعِ دُونَ أَنْ تَحْمِلَ اسْمَهَا،
فَقِطٌّ يَقْفِزُ مِنْ نَافِذَةٍ، فَيَصِيرُ مَلِكاً لِسَاعَةٍ،
وَسَفِينَةٌ تُطْفِئُ أَنْوَارَهَا، فَتَصِيرُ لَيْلاً يَسِيرُ فَوْقَ الْمَاءِ،
وَامْرَأَةٌ تَحْمِلُ كِيسَ الْخُبْزِ، فَتَصِيرُ إِلْهَةَ الْبُيُوتِ الْمُتْعَبَةِ،
وَرَجُلٌ يَضْحَكُ فِي الْمَقْهَى، فَيَخْرُجُ مِنْ ضَحِكَتِهِ طَيْرٌ أَسْوَدُ،
وَأَنَا أَمْشِي، وَأَقُولُ: لَعَلَّ الْعَالَمَ أَكْثَرُ حَقِيقِيَّةً حِينَ يَكُفُّ عَنِ التَّظَاهُرِ بِالْمَنْطِقِ.
كَانَتْ مَارْسِيلْيَا تَحْمِلُ فِي أَحْشَائِهَا قُرُوناً مِنَ الْمُهَاجِرِينَ،
فِي أَزِقَّتِهَا ظِلُّ الْمُتَوَسِّطِ، وَفِي مَطَابِخِهَا رَوَائِحُ الْجَنُوبِ،
وَفِي أَصْوَاتِهَا الْعَرَبِيَّةُ وَالْفَرَنْسِيَّةُ وَالْإِيطَالِيَّةُ وَالْإِفْرِيقِيَّةُ تَتَدَاخَلُ،
وَكَأَنَّ الْمَدِينَةَ لَيْسَتْ لُغَةً وَاحِدَةً، بَلْ جُمْلَةً طَوِيلَةً تَرْفُضُ النِّهَايَةَ،
يَسْكُنُ فِيهَا مَنْ جَاءَ مِنْ بَعِيدٍ، وَمَنْ وُلِدَ فِي الْمَكَانِ، وَمَنْ لَمْ يَعُدْ يَعْرِفُ أَيْنَ وُلِدَ،
وَيَصِيرُ الْبَحْرُ وَحْدَهُ جِنْسِيَّةً قَدِيمَةً لَا يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ أَنْ يُصَادِرَهَا.
فِي شَتَاءِ بَارِيسَ، تَتَعَلَّمُ النَّافِذَةُ أَنْ تَكُونَ سَطْراً شِعْرِيّاً،
يَنْزِلُ الْمَطَرُ عَلَيْهَا كَأَنَّهُ يَضَعُ نُقَطاً عَلَى جُمْلَةٍ لَمْ تَكْتَمِلْ،
وَيَجْلِسُ الْمُثَقَّفُ الْعَرَبِيُّ إِلَى مَكْتَبِهِ، وَحَوْلَهُ كُتُبٌ مِنْ عَالَمَيْنِ،
فَيَقْرَأُ فَرَانْزَ فَانُونَ، وَيَسْمَعُ فِي الْهَامِشِ صَوْتَ الْمَدِينَةِ الْعَرَبِيَّةِ،
وَيَقْرَأُ بَارْتَ وَبْلَانْشُو وَرِيمْبُو، فَتَتَحَرَّكُ فِي دَاخِلِهِ أَشْبَاحُ الْقَصِيدَةِ الْعَرَبِيَّةِ،
وَيَفْهَمُ أَنَّ الْكِتَابَ لَيْسَ جِدَاراً، بَلْ نَافِذَةٌ تَتَّسِعُ كُلَّمَا قَرَأْنَا.
فِي الْمَرْسَمِ، يَقِفُ فَنَّانٌ عَرَبِيٌّ أَمَامَ لَوْحَةٍ بَيْضَاءَ،
يَرْسُمُ بَيْتاً، فَيَخْرُجُ مِنَ الْبَيْتِ بَابٌ لَا يُفْضِي إِلَى مَكَانٍ،
يَرْسُمُ نَهْراً، فَيَصِيرُ النَّهْرُ سِكَةَ قِطَارٍ،
يَرْسُمُ وَجْهاً، فَتَخْرُجُ مِنْ عَيْنَيْهِ شَجَرَةُ زَيْتُونٍ،
وَيَقُولُ: «أَنَا لَا أَرْسُمُ ذَاكِرَتِي؛ ذَاكِرَتِي هِيَ الَّتِي تَرْسُمُنِي»،
فَيَسْكُتُ الْمَرْسَمُ، وَيَصِيرُ الصَّمْتُ لَوْنًا آخَرَ.
فِي الْمَسْرَحِ الْفَرَنْسِيِّ، يَنْطَفِئُ الْمِصْبَاحُ، وَيَبْقَى الْجَسَدُ،
مُمَثِّلٌ يَرْفَعُ يَدَهُ، فَتَسْقُطُ مِنْهَا جُمْلَةٌ لَمْ تَقُلْهَا الْكَلِمَاتُ،
وَجَسَدٌ يَنْحَنِي، فَيَنْفَتِحُ فِي الْهَوَاءِ مَعْنًى غَامِضٌ،
وَصَوْتٌ يَخْرُجُ مِنْ قَاعِ الْحَنْجَرَةِ كَأَنَّهُ حَجَرٌ يُرِيدُ أَنْ يَتَكَلَّمَ،
وَيَتَذَكَّرُ الْمَسْرَحُ أَنَّ الْكَلَامَ لَيْسَ سَيِّدَهُ الْوَحِيدَ،
فَرُبَّ حَرَكَةٍ تَقُولُ: «أَنَا حَقِيقَةٌ»، وَرُبَّ جُمْلَةٍ تَظَلُّ كَذِبَةً جَمِيلَةً.
فِي الْجَامِعَةِ، يَدْخُلُ أُسْتَاذٌ قَاعَةَ الدَّرْسِ حَامِلاً كُتُبَهُ،
وَيَسْأَلُ الطُّلَّابَ عَنِ الْحَدَاثَةِ، فَيَرْفَعُ أَحَدُهُمْ يَدَهُ وَيَقُولُ: «هِيَ أَنْ نَشُكَّ»،
فَيَسْأَلُهُ: «فِي مَاذَا؟»، فَيَقُولُ: «فِي السُّؤَالِ نَفْسِهِ!»،
فَتَضْحَكُ الْقَاعَةُ، وَيَدْخُلُ مِنَ النَّافِذَةِ طَائِرٌ أَزْرَقُ،
وَيَجْلِسُ الطَّائِرُ عَلَى حَافَّةِ الْمِنْضَدَةِ كَأَنَّهُ أُسْتَاذٌ قَدِيمٌ لِلشِّعْرِ،
وَيَكْتُبُ عَلَى السَّبُّورَةِ بِجَنَاحِهِ: «لَا تَثِقُوا بِالنِّهَايَاتِ».
فِي دَارِ النَّشْرِ، تَتَجَمَّعُ الْمَخْطُوطَاتُ كَالْمُهَاجِرِينَ فِي مَحَطَّةٍ لَا تُعْلِنُ عَنْ قِطَارٍ،
رِوَايَةٌ مِنَ الْعَرَبِيَّةِ، وَقَصِيدَةٌ مِنَ الْفَرَنْسِيَّةِ، وَمَسْرَحِيَّةٌ تَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ لُغَتَيْنِ،
وَمُحَرِّرٌ يَضَعُ قَلَماً أَحْمَرَ فَوْقَ جُمْلَةٍ، فَتَنْزِفُ الْجُمْلَةُ،
وَشَاعِرٌ يَقُولُ: «لَا تَحْذِفْ هَذِهِ الْكَلِمَةَ؛ إِنَّهَا جُرْحِي»،
فَيَسْكُتُ الْمُحَرِّرُ، وَيُعِيدُ الْقَلَمَ إِلَى جَيْبِهِ،
وَتَنْجُو الْكَلِمَةُ مِنَ الْمَقْصَلَةِ، وَتَخْرُجُ إِلَى الشَّارِعِ حُرَّةً.
كَانَتِ الْمَدِينَةُ تَضَعُ أَخْبَارَهَا عَلَى الطَّاوِلَةِ كَأَطْبَاقٍ بَارِدَةٍ،
حَرْبٌ فِي بَلَدٍ بَعِيدٍ، وَمَظَاهَرَةٌ فِي شَارِعٍ قَرِيبٍ، وَطِفْلٌ فَقَدَ أَبَاهُ،
وَإِعْلَانٌ عَنِ شَقَّةٍ لِلْإِيجَارِ، وَخَبَرٌ عَنِ مَعْرِضٍ فَنِّيٍّ،
وَكَأَنَّ الْمَوْتَ وَالسُّكْنَى وَالْفَنَّ وَالطَّعَامَ يَجْلِسُونَ عَلَى الْمَائِدَةِ نَفْسِهَا،
وَيَكْتُبُ الصَّحَفِيُّ عُنْوَانَهُ، ثُمَّ يَعُودُ إِلَى بَيْتِهِ لِيَطْبُخَ الْعَشَاءَ،
وَتَكْتَشِفُ الْحَدَاثَةُ أَنَّ أَعْظَمَ الْمَآسِي تَحْدُثُ أَحْيَاناً بَيْنَ قَدْرٍ وَهَاتِفٍ وَنَافِذَةٍ.
فِي مَارْسِيلْيَا، يَتَحَدَّثُ الْبَحْرُ بِأَلْفِ لَهْجَةٍ،
وَيَضْحَكُ الصَّيَّادُونَ، وَيَتَشَاجَرُ الْبَاعَةُ، وَتَرْكُضُ الْأَطْفَالُ،
وَيَسْأَلُ السَّائِحُ عَنْ أَقْرَبِ مَكَانٍ لِرُؤْيَةِ غُرُوبِ الشَّمْسِ،
بَيْنَمَا يَعْرِفُ رَجُلٌ فَقِيرٌ أَنَّ الْغُرُوبَ لَا يُطْعِمُ الْأَبْنَاءَ،
وَيَعْرِفُ شَاعِرٌ أَنَّ الْغُرُوبَ قَدْ يَكُونُ جُمْلَةً عَنْ الْفَنَاءِ،
وَيَعْرِفُ الْبَحْرُ أَنَّهُ يَحْمِلُ هَذِهِ الْمَعَارِفَ جَمِيعاً دُونَ أَنْ يَكْتُبَ كِتَاباً.
فِي شَارِعٍ ضَيِّقٍ، تَفْتَحُ امْرَأَةٌ نَافِذَتَهَا،
تَنْشُرُ الْغَسِيلَ، فَتَتَدَلَّى الْقُمُصَانُ كَأَعْلَامِ دُوَلٍ لَا يَعْرِفُهَا أَحَدٌ،
وَتَضَعُ نَبَاتَةً صَغِيرَةً عَلَى حَافَّةِ الشُّرْفَةِ، فَتَصِيرُ الشُّرْفَةُ غَابَةً،
وَيَمُرُّ شَاعِرٌ عَرَبِيٌّ تَحْتَهَا، فَيَظُنُّ أَنَّ النَّبَاتَةَ تُلَوِّحُ لَهُ،
فَيَرْفَعُ يَدَهُ وَيَقُولُ: «سَلَاماً لِمَنْ بَقِيَ»،
وَتُغْلَقُ النَّافِذَةُ، وَيَبْقَى السَّلَامُ مُعَلَّقاً فِي الْهَوَاءِ.
فِي بَارِيسَ، يَمْشِي رَجُلٌ عَرَبِيٌّ عَلَى ضِفَّةِ السِّينِ،
يَحْمِلُ كِتَاباً، وَيَحْمِلُ فِي رَأْسِهِ مَدِينَةً أُخْرَى،
يَنْظُرُ إِلَى الْمَاءِ، فَيَرَى دِجْلَةَ وَالنِّيلَ وَبَرَدَى وَالْأُرْدُنَّ فِي لَحْظَةٍ وَاحِدَةٍ،
وَيَقُولُ: «لِمَاذَا تَتَشَابَهُ الْأَنْهَارُ حِينَ نَكُونُ بَعِيدِينَ عَنْهَا؟»،
فَيُجِيبُهُ السِّينُ: «لِأَنَّ الْغِيَابَ يَصْنَعُ جُغْرَافْيَاهُ الْخَاصَّةَ»،
فَيَكْتُبُ الْجُمْلَةَ، وَيَضَعُهَا فِي جَيْبِهِ كَحَجَرٍ دَافِئٍ.
فِي اللَّيْلِ، تَصِيرُ مَارْسِيلْيَا أَقْرَبَ إِلَى حُلْمٍ شَعْبِيٍّ،
الْمَقَاهِي تَضْحَكُ، وَالسُّفُنُ تُطْفِئُ أَنْوَارَهَا، وَالنَّوَارِسُ تَصْمُتُ،
وَيَخْرُجُ مِنْ زُقَاقٍ عَازِفٌ يَعْزِفُ لَحْناً لَا يَعْرِفُ مِنْ أَيِّ بَلَدٍ جَاءَ،
فَتَتَبِعُهُ قَطَّةٌ، وَيَتْبَعُهَا طِفْلٌ، وَيَتْبَعُهُمَا ظِلٌّ لَا صَاحِبَ لَهُ،
وَتَصِيرُ الْمَدِينَةُ مَسْرَحاً لِمُمَثِّلِينَ لَا يَعْرِفُونَ أَنَّهُمْ يَلْعَبُونَ،
وَيَصِيرُ الْحُلْمُ أَقْرَبَ إِلَى الْحَقِيقَةِ مِنْ كُلِّ مَا نُسَمِّيهِ حَقِيقَةً.
أَيُّهَا الْبَحْرُ، مَنْ أَعْطَاكَ حَقَّ الْعَوْدَةِ كُلَّ يَوْمٍ؟
مَنْ عَلَّمَكَ أَنْ تَرْجِعَ إِلَى الرَّصِيفِ وَأَنْتَ لَمْ تَغَادِرْهُ أَصْلاً؟
وَمَنْ قَالَ لَكَ إِنَّ الْمَوْجَةَ جُمْلَةٌ، وَإِنَّ الْجَزْرَ فِعْلٌ مَاضٍ، وَإِنَّ الْمَدَّ مُسْتَقْبَلٌ؟
إِنِّي أَرَاكَ تَكْتُبُ عَلَى الْحَجَرِ، ثُمَّ تَمْحُو مَا كَتَبْتَ، ثُمَّ تَكْتُبُهُ مِنْ جَدِيدٍ!
أَفَهَذِهِ قَصِيدَةٌ أَمْ عُقُوبَةٌ؟ أَمْ أَنَّ الشِّعْرَ كُلَّهُ عَوْدَةٌ إِلَى الْجُرْحِ؟
فَيَضْرِبُ الْمَوْجُ الرَّصِيفَ، وَيَسْكُتُ، كَأَنَّهُ فَهِمَ السُّؤَالَ.
فِي الْمَسَاءِ، يَعُودُ الْعَامِلُ إِلَى بَيْتِهِ،
يَخْلَعُ حِذَاءَهُ، وَيَغْسِلُ يَدَيْهِ، وَيُقَبِّلُ طِفْلَهُ،
وَيَضَعُ الْهَاتِفَ عَلَى الطَّاوِلَةِ، فَتَخْرُجُ مِنْهُ أَخْبَارُ الْعَالَمِ كَأَشْبَاحٍ صَغِيرَةٍ،
فَيُغْلِقُهُ، وَيَسْأَلُ زَوْجَتَهُ: «هَلْ نَأْكُلُ الآنَ؟»،
وَتَضْحَكُ الْمَرْأَةُ، وَتَضَعُ الطَّعَامَ، وَتَجْلِسُ الْعَائِلَةُ،
وَيَفْهَمُ الشَّاعِرُ أَنَّ الْعَالَمَ كُلَّهُ قَدْ يَنْقَذُهُ أَحْيَاناً عَشَاءٌ بَسِيطٌ.
فِي الْمَطْعَمِ الْعَرَبِيِّ، تَصْطَدِمُ رَائِحَةُ الْكُزْبَرَةِ بِهَوَاءِ بَارِيسَ،
وَيَتَحَدَّثُ رَجُلٌ عَنِ الْوَطَنِ كَأَنَّهُ يَتَحَدَّثُ عَنْ شَخْصٍ جَالِسٍ إِلَى جَانِبِهِ،
وَتَقُولُ امْرَأَةٌ: «أَنَا لَا أُرِيدُ أَنْ أَعُودَ»، ثُمَّ تَبْكِي،
فَيَقُولُ آخَرُ: «أَنَا أُرِيدُ أَنْ أَعُودَ، وَلَا أَعْرِفُ إِلَى أَيْنَ»،
وَيَسْكُتُ الْجَمِيعُ، لِأَنَّ الْمَنْفَى لَا يَحْتَاجُ إِلَى شَرْحٍ،
وَيَمْرُّ النَّادِلُ بِأَطْبَاقِهِ، كَأَنَّهُ يَمْرُّ بَيْنَ بِلَادٍ مَكْسُورَةٍ.
كَانَتِ اللُّغَةُ الْعَرَبِيَّةُ تَمْشِي فِي بَارِيسَ بِحَذَرٍ،
تَدْخُلُ الْمَتْرُو، وَتَخْرُجُ مِنَ الْمَكْتَبَةِ، وَتَجْلِسُ فِي الْمَقْهَى،
وَتَرْفَعُ رَأْسَهَا أَمَامَ الْفَرَنْسِيَّةِ كَمَنْ يَقِفُ أَمَامَ أُخْتٍ قَدِيمَةٍ،
لَا عَدَاوَةَ بَيْنَهُمَا، وَلَا صَدَاقَةٌ كَامِلَةٌ، بَلْ تَارِيخٌ طَوِيلٌ مِنَ الْقُرْبِ وَالْجُرُوحِ،
وَتَقُولُ إِحْدَاهُمَا لِلْأُخْرَى: «لِمَاذَا نَخَافُ مِنْ بَعْضِنَا؟»،
فَتُجِيبُهَا الْأُخْرَى: «لِأَنَّنَا نَعْرِفُ مَا يَسْتَطِيعُ الْكَلَامُ أَنْ يَفْعَلَهُ».
فِي الْمُتْحَفِ، تَقِفُ لَوْحَةٌ عَرَبِيَّةٌ أَمَامَ زُوَّارٍ فَرَنْسِيِّينَ،
يَنْظُرُونَ إِلَيْهَا طَوِيلاً، وَهِيَ لَا تَشْرَحُ نَفْسَهَا،
فَالفَنُّ الَّذِي يَحْتَاجُ إِلَى التَّرْجَمَةِ لِيَتَنَفَّسَ يَخَافُ أَحْيَاناً مِنْ نَفْسِهِ،
وَتَقِفُ إِلَى جَانِبِهَا لَوْحَةٌ فَرَنْسِيَّةٌ تَتَكَلَّمُ بِالصَّمْتِ نَفْسِهِ،
فَيَكْتَشِفُ الزَّائِرُ أَنَّ اللَّوْنَ لَا يَحْمِلُ جَوَازَ سَفَرٍ،
وَأَنَّ الْعَيْنَ قَدْ تَكُونُ أَقْدَمَ مِنَ الْحُدُودِ.
فِي مَسْرَحٍ صَغِيرٍ، يَدْخُلُ الْجُمْهُورُ وَيَجْلِسُ،
وَيَنْطَفِئُ النُّورُ، وَيَظْهَرُ جَسَدٌ وَحِيدٌ فِي وَسَطِ الْخَشَبَةِ،
لَا يَقُولُ شَيْئاً، وَلَكِنَّهُ يَرْتَجِفُ،
فَيَشْعُرُ الْجُمْهُورُ أَنَّ الِارْتِجَافَةَ لَهُمْ، لَا لَهُ،
وَيَسْقُطُ صَمْتٌ ثَقِيلٌ عَلَى الْقَاعَةِ، كَأَنَّ السُّقُوطَ لُغَةٌ،
ثُمَّ يَرْفَعُ الْمُمَثِّلُ يَدَهُ، فَتَنْفَتِحُ السَّمَاءُ فِي يَدِهِ.
لَا أُرِيدُ شِعْراً يَصِفُ الْبَحْرَ،
أُرِيدُ شِعْراً يَجْعَلُ الْبَحْرَ يَكْتُبُ بِأَعْصَابِي،
لَا أُرِيدُ قَصِيدَةً تَقُولُ إِنَّ الْمَدِينَةَ جَمِيلَةٌ،
أُرِيدُهَا أَنْ تُرِينِي كَيْفَ يَتَعَبُ الْجَمَالُ وَهُوَ يَحْمِلُ أَسْوَاقَهُ وَبُيُوتَهُ وَمَوْتَاهُ،
أُرِيدُ لِلْكَلِمَةِ أَنْ تَكُونَ حَافِيَةً، مُتَّسِخَةً بِطِينِ الشَّارِعِ،
وَأَنْ تَعْرِفَ أَنَّ الْقَصِيدَةَ تَسْكُنُ أَحْيَاناً فِي يَدٍ تَغْسِلُ الصُّحُونَ.
مِنْ مَارْسِيلْيَا إِلَى بَارِيسَ، يَسَافِرُ شَبَحُ الْمُثَقَّفِ الْعَرَبِيِّ،
يَحْمِلُ دَفْتَراً، وَيَحْمِلُ صُوَرَ أَصْدِقَائِهِ، وَيَحْمِلُ خَوْفَهُ مِنَ النِّسْيَانِ،
فِي الْقِطَارِ يَجْلِسُ إِلَى جَانِبِهِ رَجُلٌ فَرَنْسِيٌّ يَقْرَأُ رِوَايَةً،
وَيَسْأَلُهُ: «هَلْ أَنْتَ كَاتِبٌ؟»، فَيَقُولُ: «أُحَاوِلُ»،
فَيَقُولُ الْآخَرُ: «أَلَا يَكْفِي أَنْ تَكُونَ حَيّاً؟»،
فَيَضْحَكُ الشَّاعِرُ، لِأَنَّهُ يَعْرِفُ أَنَّ الْحَيَاةَ نَفْسَهَا هِيَ الْمَخْطُوطَةُ الْأَصْعَبُ.
فِي لَيْلَةٍ مَطِيرَةٍ، صَارَتِ الْمَدِينَةُ كُلُّهَا مِرْآةً،
وَكَانَتِ الْأَرْصِفَةُ تَحْفَظُ أَحْذِيَةَ الْعَابِرِينَ كَأَنَّهَا أَسْمَاءٌ،
وَكَانَتِ السَّيَّارَاتُ تَمْضِي فَوْقَ الْمَاءِ كَسَمَكٍ مَضْطَرٍ إِلَى الْإِقَامَةِ عَلَى الْيَابِسَةِ،
وَكَانَ رَجُلٌ يَجْرِي وَرَاءَ حَافِلَةٍ قَدْ فَاتَتْهُ،
فَصَارَ جَرْيُهُ فِي عَيْنِي قَصِيدَةً عَنْ الْفَقْدِ،
وَصَارَتِ الْحَافِلَةُ قَدَراً أَسْرَعَ مِنْ أَقْدَامِهِ.
فِي مَارْسِيلْيَا، لَا يَكْفِي أَنْ تَرَى الْبَحْرَ،
يَجِبُ أَنْ تَسْمَعَ مَا يَقُولُهُ لِلْأَرْصِفَةِ،
وَمَا يَقُولُهُ لِلصَّيَّادِينَ، وَمَا يَقُولُهُ لِمَنْ فَقَدُوا بِلَادَهُمْ،
وَمَا يَقُولُهُ لِلْأَطْفَالِ الَّذِينَ يَرْسُمُونَ السُّفُنَ فِي دَفَاتِرِهِمْ،
وَمَا يَقُولُهُ لِلشُّعَرَاءِ الَّذِينَ يَحْسَبُونَ أَنَّ الْبَحْرَ اسْتِعَارَةٌ،
وَهُوَ فِي الْحَقِيقَةِ جَسَدٌ عَظِيمٌ يَتَنَفَّسُ تَحْتَ السَّمَاءِ.
أَسْأَلُ الْمِينَاءَ: مَا الَّذِي تَحْفَظُهُ؟
فَيَقُولُ: أَحْفَظُ مَنْ لَمْ يَجِدُوا مَنْ يَحْفَظُهُمْ،
أَحْفَظُ خُطُوَاتِ الْمُهَاجِرِينَ، وَرَائِحَةَ الْمُسَافِرِينَ، وَدُمُوعَ الَّذِينَ لَمْ يَبْكُوا،
أَحْفَظُ أَسْمَاءَ السُّفُنِ وَأَنْسَى أَسْمَاءَ أَصْحَابِهَا،
فَأَقُولُ: «أَلَا تُؤْلِمُكَ هَذِهِ الْخِيَانَةُ؟»،
فَيَقُولُ: «أَنَا مِينَاءٌ؛ وَظِيفَتِي أَنْ أَحْفَظَ الرَّحِيلَ».
فِي كِتَابِ الْمَدِينَةِ، لَا تُكْتَبُ الْأَحْدَاثُ بِالْحِبْرِ،
بَلْ تُكْتَبُ بِالْخُطُوَاتِ وَالضَّحِكَاتِ وَرَوَائِحِ الْمَطَابِخِ،
وَبِالْمَصَاعِدِ الَّتِي تَتَعَطَّلُ، وَبِالْحَافِلَاتِ الَّتِي تَتَأَخَّرُ،
وَبِالْأَجْسَادِ الَّتِي تَعُودُ مُرْهَقَةً مِنَ الْعَمَلِ،
وَبِالْعُشَّاقِ الَّذِينَ يَتَشَاجَرُونَ ثُمَّ يَتَصَالَحُونَ،
وَبِالْمُثَقَّفِ الَّذِي يَكْتُبُ عَنْ الْعَالَمِ ثُمَّ يَنْسَى أَنْ يَشْتَرِيَ الْحَلِيبَ.
لِذَلِكَ، يَا أَنْطُونِينْ، لَا أَرْسُمُ لَكَ تِمْثَالاً،
فَالتَّمَاثِيلُ تَجْعَلُ الْأَرْوَاحَ أَثْقَلَ مِمَّا يَنْبَغِي،
أَضَعُ لَكَ كُرْسِيّاً قُرْبَ النَّافِذَةِ، وَفِنْجَانَ قَهْوَةٍ، وَدَفْتَراً فَارِغاً،
وَأَقُولُ: انْظُرْ إِلَى مَارْسِيلْيَا، فَهَذِهِ هِيَ الْمَسْرَحِيَّةُ الَّتِي لَمْ تُغْلَقْ سِتَارَتُهَا،
هُنَا يَدْخُلُ الْعَامِلُ، وَتَدْخُلُ الْعَاشِقَةُ، وَيَدْخُلُ الْمُهَاجِرُ، وَيَدْخُلُ الْبَحْرُ،
وَلَا يَخْرُجُ أَحَدٌ كَمَا دَخَلَ؛ أَلَيْسَ ذَلِكَ مَسْرَحاً؟
فِي أَحَدِ الْأَيَّامِ، اسْتَيْقَظَ الْبَحْرُ وَجَدَ نَفْسَهُ شَاعِراً،
فَذَهَبَ إِلَى دَارِ النَّشْرِ، وَقَدَّمَ مَخْطُوطَهُ،
فَقَالَ لَهُ الْمُحَرِّرُ: «مَخْطُوطُكَ لَا يَحْتَوِي عَلَى شَخْصِيَّاتٍ»،
فَقَالَ الْبَحْرُ: «أَلَيْسَتِ السُّفُنُ شَخْصِيَّاتٍ؟»،
قَالَ: «وَلَا نِهَايَةَ لَهُ»، فَقَالَ الْبَحْرُ: «وَهَلْ لِلْحَيَاةِ نِهَايَةٌ؟»،
فَأَغْلَقَ الْمُحَرِّرُ الْمَخْطُوطَ، وَقَالَ: «سَتَكُونُ كَاتِباً صَعْباً».
فِي اللَّيْلِ، ذَهَبَ الْبَحْرُ غَاضِباً،
فَمَرَّ بِشَارِعٍ فَغَرِقَتْ فِيهِ مِصْبَاحٌ وَاحِدٌ،
وَمَرَّ بِمَقْهًى فَشَرِبَ فِنْجَاناً مِنَ الْمَاءِ،
وَمَرَّ بِبَيْتٍ فَسَمِعَ طِفْلاً يَقْرَأُ دَرْسَهُ،
فَهَدَأَ، وَقَالَ: «لَعَلَّ الْكِتَابَةَ لَيْسَتْ أَنْ تَكُونَ مَقْبُولاً، بَلْ أَنْ تَظَلَّ حَيّاً»،
ثُمَّ عَادَ إِلَى مَارْسِيلْيَا، وَنَامَ قُرْبَ الرَّصِيفِ.
وَفِي الصَّبَاحِ، عَادَ كُلُّ شَيْءٍ إِلَى عَادِيَّتِهِ،
الْخُبْزُ، وَالْقَهْوَةُ، وَالْحَافِلَةُ، وَالْمَدْرَسَةُ، وَالسُّفُنُ،
وَلَكِنَّ شَيْئاً وَاحِداً كَانَ قَدْ تَغَيَّرَ: الرَّصِيفُ أَصْبَحَ يَتَكَلَّمُ،
وَكَانَ كُلُّ مَنْ يَمُرُّ بِهِ يَسْمَعُ جُمْلَةً مُخْتَلِفَةً،
فَسَمِعَ الْعَاشِقُ: «لَا تَخَفْ»، وَسَمِعَ الْمُهَاجِرُ: «تَذَكَّرْ»،
وَسَمِعَ الشَّاعِرُ: «اُكْتُبْ، حَتَّى لَوْ لَمْ يَقْرَأْكَ أَحَدٌ».
كَانَتْ تِلْكَ أَوَّلَ قَاعِدَةٍ فِي دَسْتُورِ الْمَدِينَةِ،
أَنْ لَا تُجْبِرَ الْكَلِمَةَ عَلَى أَنْ تَكُونَ أَجْمَلَ مِمَّا هِيَ،
وَأَنْ لَا تُجْبِرَ الْحَيَاةَ عَلَى أَنْ تَكُونَ أَشْعَرَ مِمَّا هِيَ،
فَالْخُبْزُ خُبْزٌ، وَالْمَوْتُ مَوْتٌ، وَالْحُبُّ خَوْفٌ جَمِيلٌ،
وَالْمَدِينَةُ مَجْمُوعَةُ أَجْسَادٍ تَتَعَثَّرُ فِي الْمَعْنَى،
وَالشِّعْرُ هُوَ مَنْ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَرَى الْمَعْنَى وَهُوَ يَتَعَثَّرُ.
فِي الْجَامِعَةِ، كَانَ الطُّلَّابُ يَقْرَؤُونَ الشِّعْرَ الْفَرَنْسِيَّ الْحَدِيثَ،
وَيَتَعَلَّمُونَ أَنَّ الْقَصِيدَةَ قَدْ تَكُونُ صُورَةً، أَوْ حُلْماً، أَوْ انْقِطَاعاً،
وَأَنَّ الشَّاعِرَ لَيْسَ دَائِماً ذَلِكَ الَّذِي يَمْلِكُ الْمَعْنَى،
بَلْ ذَلِكَ الَّذِي يَضَعُ الْمَعْنَى فِي مَكَانٍ لَا يَعْرِفُ كَيْفَ يَسْكُنُ فِيهِ،
وَيَخْرُجُ أَحَدُهُمْ مِنَ الْقَاعَةِ وَهُوَ يَحْمِلُ سُؤَالاً،
فَيَقُولُ لَهُ أُسْتَاذُهُ: «إِذَنْ، بَدَأْتَ تَفْهَمُ الشِّعْرَ».
وَفِي الْمَقْهَى، كَانَ شَاعِرٌ آخَرُ يَكْتُبُ قَصِيدَةَ نَثْرٍ،
لَا وَزْنَ لَهَا إِلَّا نَبْضُهُ، وَلَا قَافِيَةَ إِلَّا عَوْدَةُ الصُّورَةِ،
يَكْتُبُ عَنْ مِلْعَقَةٍ، فَتَصِيرُ الْمِلْعَقَةُ قَمَراً،
وَيَكْتُبُ عَنْ قَمِيصٍ، فَيَصِيرُ الْقَمِيصُ خَرِيطَةَ مَنْفًى،
وَيَكْتُبُ عَنْ الْبَحْرِ، فَيَخْرُجُ مِنْهُ بَيْتٌ،
ثُمَّ يَتَوَقَّفُ، وَيَقُولُ: «لِمَاذَا تَأْتِي الْأَشْيَاءُ إِلَيَّ حِينَ أُحَاوِلُ أَنْ أَكْتُبَهَا؟».
فِي زَاوِيَةِ الْغُرْفَةِ، كَانَ جَسَدُهُ يَنْتَظِرُ،
يَنْتَظِرُ مِنَ الْقَلَمِ أَنْ يَقُولَ مَا لَمْ تَقُلْهُ الشَّفَتَانِ،
وَمِنَ الْيَدِ أَنْ تَتَذَكَّرَ مَا نَسِيَهُ الرَّأْسُ،
وَمِنَ الْعَيْنِ أَنْ تَقْرَأَ الْجُدْرَانَ كَأَنَّهَا كِتَابٌ قَدِيمٌ،
وَمِنَ الْجِلْدِ أَنْ يَكُونَ سَطْراً، وَمِنَ الْعَظْمِ أَنْ يَكُونَ نَقْطَةً،
وَمِنَ الصَّمْتِ أَنْ يَكُونَ فِعْلاً لَا اسْماً.
قُلْتُ لِجَسَدِي: لَا تَخَفْ مِنَ اللُّغَةِ،
فَقَالَ: أَنَا الَّذِي أَخَافُ مِنْ أَنْ تَكُونَ اللُّغَةُ أَقْوَى مِنِّي،
قُلْتُ: سَأَجْعَلُهَا خَادِمَتَكَ،
فَقَالَ: لَا؛ اجْعَلْهَا رَفِيقَتِي،
فَالْخَادِمُ يَنْحَنِي، أَمَّا الرَّفِيقُ فَيَمْشِي إِلَى جَانِبِي،
فَمَشَيْنَا مَعاً، أَنَا وَجَسَدِي وَالْكَلِمَةُ، وَكَانَ الْبَحْرُ أَمَامَنَا.
وَعِنْدَ آخِرِ النَّهَارِ، تَصِيرُ مَارْسِيلْيَا ذَهَباً مُتَعَباً،
تَضْرِبُ الشَّمْسُ الْبَنَايَاتِ، وَتُطْفِئُ نَفْسَهَا فِي زُجَاجِ النَّوَافِذِ،
وَيَعُودُ النَّاسُ إِلَى بُيُوتِهِمْ، وَتَعُودُ الْمَقَاهِي إِلَى صَمْتِهَا،
وَيَجْلِسُ رَجُلٌ عَلَى الرَّصِيفِ، يَأْكُلُ سَنْدَوِيتْشاً رَخِيصاً،
فَيَرَاهُ الشَّاعِرُ كَأَنَّهُ إِلْهٌ صَغِيرٌ يَأْكُلُ عَشَاءَهُ فَوْقَ حَافَّةِ الْكَوْنِ،
وَيَعْرِفُ أَنَّ الْأُسْطُورَةَ لَمْ تَمُتْ؛ إِنَّهَا تَغَيَّرَتْ فَقَطْ.
فِي زَمَنٍ قَدِيمٍ، كَانَتِ الْآلِهَةُ تَسْكُنُ الْجِبَالَ،
أَمَّا الْيَوْمَ فَإِنَّهَا تَسْكُنُ الْمَتْرُو وَالْمَصَانِعَ وَالْمَقَاهِي وَالْمَطَابِخَ،
تَسْكُنُ فِي الْعَامِلِ الَّذِي يَسْتَيْقِظُ قَبْلَ الْفَجْرِ،
وَفِي الْأُمِّ الَّتِي تُعِدُّ طَعَامَ أَطْفَالِهَا،
وَفِي الْمُهَاجِرِ الَّذِي يَحْمِلُ مِفْتَاحَ بَيْتٍ لَا يَعْرِفُ إِنْ كَانَ سَيَرَاهُ مَرَّةً أُخْرَى،
وَفِي الشَّاعِرِ الَّذِي يَخْشَى أَنْ يَكُونَ قَلَمُهُ أَصْغَرَ مِنْ أَلَمِهِ.
فِي لَيْلِ مَارْسِيلْيَا، تَخْرُجُ الْمَدِينَةُ مِنْ جِلْدِهَا،
تُطْفِئُ أَضْوَاءَ الْمَكَاتِبِ، وَتَتْرُكُ لِلْمَقَاهِي وَالْبَحْرِ مَسَاحَةَ الْكَلَامِ،
يَجْلِسُ الْعُشَّاقُ قُرْبَ الْمَاءِ، وَيَضَعُ كُلٌّ مِنْهُمْ يَدَهُ فِي يَدِ الْآخَرِ،
فَتُصْبِحُ الْيَدَانِ جُمْلَةً أَقْدَمَ مِنْ أَيِّ قَامُوسٍ،
وَيَقْتَرِبُ الْبَحْرُ، وَيُصْغِي، وَيَتَرَاجَعُ،
كَأَنَّهُ يَعْرِفُ أَنَّ الْحُبَّ أَيْضاً نَوْعٌ مِنَ الْعَوْدَةِ إِلَى الْبَيْتِ.
وَلَمَّا جَاءَتْ سَاعَةُ الْمَغَادَرَةِ، لَمْ أَقُلْ لِلْمَدِينَةِ وَدَاعاً،
لِأَنَّ الْوَدَاعَ كَلِمَةٌ ضَخْمَةٌ، وَالْمَدِينَةُ لَا تَحْتَاجُ إِلَى كَلِمَاتٍ ضَخْمَةٍ،
اشْتَرَيْتُ رَغِيفاً، وَحَمَلْتُ مِعْطَفِي، وَنَظَرْتُ إِلَى الْمِينَاءِ،
كَانَتِ السُّفُنُ تَسْتَعِدُّ لِلرَّحِيلِ، وَكَانَتِ النَّوَارِسُ تَصْرُخُ فِي الْهَوَاءِ،
فَقُلْتُ لِلْبَحْرِ: «سَأَعُودُ»،
فَقَالَ: «أَنَا لَا أَنْتَظِرُ أَحَداً؛ أَنَا أَحْفَظُ مَنْ يَعُودُ».
رَكِبْتُ الْقِطَارَ، وَجَلَسْتُ قُرْبَ النَّافِذَةِ،
كَانَتْ مَارْسِيلْيَا تَتَرَاجَعُ بَطِيئاً، وَكَأَنَّهَا تَدْخُلُ عَيْنِي،
وَتَصْغُرُ الْبُيُوتُ، وَتَصْغُرُ السُّفُنُ، وَلَا يَصْغُرُ الْبَحْرُ،
فَفَهِمْتُ أَنَّ الْأَمْكِنَةَ الْحَقِيقِيَّةَ لَا تَصْغُرُ حِينَ نَبْتَعِدُ عَنْهَا،
إِنَّهَا تَنْتَقِلُ إِلَى دَاخِلِنَا، وَتَكْبُرُ هُنَاكَ،
حَتَّى يُصْبِحَ الْإِنْسَانُ خَرِيطَةً لِلْأَمَاكِنِ الَّتِي فَقَدَهَا.
فِي الطَّرِيقِ إِلَى بَارِيسَ، نَامَ الْقِطَارُ وَاسْتَيْقَظَ،
وَنَامَ الرَّاكِبُونَ وَاسْتَيْقَظُوا، وَظَلَّتِ الْقُرَى تَمُرُّ كَأَحْلَامٍ قَصِيرَةٍ،
وَفِي زُجَاجِ النَّافِذَةِ رَأَيْتُ وَجْهِي، فَلَمْ أَعْرِفْهُ،
كَانَ وَجْهَ رَجُلٍ عَاشَ فِي مَكَانَيْنِ، فَلَمْ يَعُدْ يَعْرِفُ أَيَّهُمَا يَحْتَاجُهُ،
فَقُلْتُ: «أَيُّهَا الْوَجْهُ، مَنْ أَنْتَ؟»،
فَقَالَ: «أَنَا الْمَكَانُ الَّذِي تَحْمِلُهُ حِينَ لَا تَسْتَطِيعُ أَنْ تَحْمِلَ نَفْسَكَ».
وَفِي بَارِيسَ، كَانَ اللَّيْلُ أَكْثَرَ بُرُودَةً،
وَلَكِنَّ الْمَقَاهِي كَانَتْ دَافِئَةً، وَالْكُتُبُ كَانَتْ تَحْتَضِنُ أَيْدِيَ الْقُرَّاءِ،
وَكَانَ الْمُثَقَّفُونَ الْعَرَبُ يَجْلِسُونَ مَعاً، يَتَحَدَّثُونَ عَنِ الْأَدَبِ وَالْحَرْبِ وَالْحُبِّ،
وَكُلَّمَا ذَكَرَ أَحَدُهُمْ بَلَداً، ظَهَرَ عَلَى الطَّاوِلَةِ بُرْتُقَالٌ مِنْهُ،
وَكُلَّمَا ذَكَرَ أَحَدُهُمْ بَحْراً، ظَهَرَ فِي الْفِنْجَانِ مَوْجٌ صَغِيرٌ،
وَكَأَنَّ الْجُلُوسَ مَعاً كَانَ طَقْساً سِحْرِيّاً لِإِعَادَةِ الْأَوْطَانِ.
فِي تِلْكَ الْأَمْسِيَةِ، تَحَدَّثَ رِوَائِيٌّ عَنِ الْمَنْفَى،
وَقَالَ شَاعِرٌ إِنَّ الْمَنْفَى قَدْ يَكُونُ مَكَاناً لِحُرِّيَّةٍ لَمْ نَجِدْهَا فِي الْوَطَنِ،
وَقَالَ فَنَّانٌ إِنَّ الْمَنْفَى لَوْحَةٌ لَا نَعْرِفُ أَيْنَ نَضَعُ إِطَارَهَا،
وَقَالَ مُتَرْجِمٌ إِنَّ الْمَنْفَى يَبْدَأُ حِينَ نَتَرْجِمُ أَحْلَامَنَا،
وَسَكَتَ آخَرُ، لِأَنَّهُ كَانَ قَدْ تَعِبَ مِنْ تَرْجَمَةِ نَفْسِهِ،
فَكَانَ صَمْتُهُ أَصْدَقَ مَا قِيلَ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ.
فِي الْفَجْرِ، عَادَ كُلٌّ إِلَى بَيْتِهِ،
وَمَشَى الشَّاعِرُ فِي شَارِعٍ فَارِغٍ، فَسَمِعَ خُطُوَاتِهِ كَأَنَّهَا قَافِيَةٌ،
وَتَذَكَّرَ أَنَّ أَوَّلَ شِعْرٍ كَتَبَهُ الْإِنْسَانُ رُبَّمَا كَانَ خُطْوَةً،
خُطْوَةً عَلَى تُرَابٍ، ثُمَّ خُطْوَةً عَلَى حَجَرٍ، ثُمَّ خُطْوَةً فِي الْمَاءِ،
وَأَنَّ الْقَصِيدَةَ لَيْسَتْ إِلَّا ذَاكِرَةَ جَسَدٍ يَمْشِي،
وَأَنَّ الْبَحْرَ لَيْسَ إِلَّا أَكْبَرَ قَصِيدَةٍ لَمْ تَجِدْ قَارِئاً يَنْهِي قِرَاءَتَهَا.
وَعِنْدَ الصَّبَاحِ، عَادَ إِلَى مَكْتَبِهِ،
فَتَحَ النَّافِذَةَ، وَوَضَعَ الْقَلَمَ، وَقَالَ لِلنَّصِّ: «ماذا تُرِيدُ؟»،
فَقَالَ النَّصُّ: «أُرِيدُ أَنْ أَكُونَ حَيّاً، لَا أَنْ أَكُونَ جَمِيلاً فَقَطْ»،
فَقَالَ: «وَمَا الْحَيَاةُ؟»، فَقَالَ: «أَنْ أَخْطَئَ، وَأَرْتَبِكَ، وَأَتَشَظَّى، وَأَعُودَ»،
فَكَتَبَ: الْحَيَاةُ لَا تَسِيرُ فِي خَطٍّ مُسْتَقِيمٍ،
ثُمَّ مَزَّقَ الْوَرَقَةَ، لِأَنَّ الْجُمْلَةَ كَانَتْ مُسْتَقِيمَةً أَكْثَرَ مِمَّا يَنْبَغِي.
كَانَتِ الْقَصِيدَةُ تَحْتَاجُ إِلَى التَّشَظِّي،
إِلَى أَنْ تَتْرُكَ بَعْضَ أَبْوَابِهَا مَفْتُوحَةً عَلَى اللَّاشَيْءِ،
وَأَنْ تَضَعَ الْمَاضِيَ قُرْبَ الْمُسْتَقْبَلِ، وَالطِّفْلَ قُرْبَ الشَّيْخِ،
وَالْمَدِينَةَ قُرْبَ الْقَبْرِ، وَالْبَحْرَ قُرْبَ الْمَطْبَخِ،
فَلَا تَعُودُ الْحَيَاةُ خَطّاً، بَلْ دَائِرَةً مَكْسُورَةً تَتَنَفَّسُ،
وَيَصِيرُ الْغُمُوضُ لَيْسَ غَيْبَةَ الْمَعْنَى، بَلْ كَثْرَةَ الْمَعَانِي.
فِي مَارْسِيلْيَا، كَانَتْ لِلصَّبَاحِ رَائِحَةُ أُمٍّ،
وَلِلْمَسَاءِ رَائِحَةُ رَجُلٍ عَادَ مُتْعَباً مِنَ الْبَحْرِ،
وَلِلَّيْلِ رَائِحَةُ سَفِينَةٍ تَسْتَعِدُّ لِلرَّحِيلِ،
وَلِلْمِينَاءِ رَائِحَةُ الْمُدُنِ الَّتِي تَعَلَّمَتْ أَنْ تَعِيشَ بَيْنَ الْمَاءِ وَالْغِيَابِ،
وَلِلْبَيْتِ رَائِحَةُ الْأَشْيَاءِ الَّتِي لَا تُكْتَبُ فِي الْكُتُبِ،
وَلِلشِّعْرِ رَائِحَةُ كُلِّ ذَلِكَ حِينَ يَجْتَمِعُ فِي جُمْلَةٍ وَاحِدَةٍ.
وَفِي لَيْلَةٍ، حَلُمَتْ مَارْسِيلْيَا أَنَّهَا بَارِيسُ،
وَحَلُمَتْ بَارِيسُ أَنَّهَا الْجَزَائِرُ،
وَحَلُمَتِ الْجَزَائِرُ أَنَّهَا بَيْرُوتُ،
وَحَلُمَتْ بَيْرُوتُ أَنَّهَا دِمَشْقُ، وَحَلُمَتْ دِمَشْقُ أَنَّهَا الْخُرْطُومُ،
وَحَلُمَتِ الْخُرْطُومُ أَنَّهَا مَاءٌ يَجْرِي نَحْوَ الْبَحْرِ،
فَاسْتَيْقَظَتِ الْمُدُنُ جَمِيعاً، وَلَمْ تَعْرِفْ أَيَّ وَطَنٍ كَانَ ذَلِكَ.
قُلْتُ لِلْمَدِينَةِ: لِمَاذَا تُرْهِقِينَنَا بِهَذِهِ الذَّاكِرَةِ؟
قَالَتْ: لِأَنَّ مَنْ لَا يَتَذَكَّرُ يَصِيرُ سَهْلاً عَلَى النِّسْيَانِ،
قُلْتُ: وَلِمَاذَا لَا تَتْرُكِينَ الْمَاضِيَ يَرْحَلُ؟
قَالَتْ: لِأَنَّ الْمَاضِيَ لَا يَرْحَلُ؛ إِنَّهُ يُغَيِّرُ مَقْعَدَهُ فَقَطْ،
قُلْتُ: وَأَيْنَ يَجْلِسُ؟
قَالَتْ: فِي جَسَدِكَ.
فِي الْيَوْمِ التَّالِي، ذَهَبْتُ إِلَى الْبَحْرِ،
وَجَلَسْتُ عَلَى الرَّصِيفِ، وَتَرَكْتُ حِذَائِيَ جَانِباً،
وَغَمَرَتِ الْمَوْجَةُ قَدَمَيَّ، فَشَعَرْتُ أَنَّ الْأَرْضَ تَكْتُبُنِي،
وَسَأَلْتُ: أَيُّهَا الْبَحْرُ، هَلْ أَنَا مَنْفِيٌّ؟
فَقَالَ: «كُلُّ إِنْسَانٍ مَنْفِيٌّ مِنْ شَيْءٍ مَا؛ لَكِنَّ بَعْضَهُمْ لَا يَعْرِفُونَ اسْمَهُ»،
فَبَقِيتُ صَامِتاً، لِأَنَّنِي عَرَفْتُ اسْمِي وَنَسِيتُهُ فِي اللَّحْظَةِ نَفْسِهَا.
كَانَتْ لِلْكَلِمَاتِ أَجْسَادٌ أَيْضاً،
كَلِمَةُ «أُمٍّ» تَمْشِي بِبُطْءٍ، وَكَلِمَةُ «مَوْتٍ» تَجْلِسُ وَحْدَهَا،
كَلِمَةُ «حُبٍّ» تَرْكُضُ حَافِيَةً، وَكَلِمَةُ «وَطَنٍ» تَحْمِلُ حَقِيبَةً ثَقِيلَةً،
كَلِمَةُ «بَحْرٍ» لَا تَمْشِي أَصْلاً؛ إِنَّهَا تَسْحَبُ الْأَرْضَ نَحْوَهَا،
وَكَلِمَةُ «بَيْتٍ» تَفْتَحُ بَاباً حَتَّى لِمَنْ لَا يَمْلِكُ مِفْتَاحاً،
فَكَيْفَ لَا نَكْتُبُ إِذَا كَانَتِ الْكَلِمَاتُ نَفْسُهَا تَحْتَاجُ إِلَى مَنْ يُنْقِذُهَا؟
فِي مَسْرَحِ الْجَسَدِ، لَا يَكُونُ الْمُمَثِّلُ وَحْدَهُ،
فَالْجُمْهُورُ يَحْمِلُ جُرُوحَهُ إِلَى الْقَاعَةِ، وَيَجْلِسُ فِي الظَّلَامِ،
وَكُلُّ ضَحْكَةٍ مِنْهُ تَكْشِفُ خَوْفاً، وَكُلُّ صَمْتٍ يَكْشِفُ حُزْناً،
وَحِينَ يَرْفَعُ الْمُمَثِّلُ يَدَهُ، تَرْتَفِعُ أَيْدِيَ الْجُمْهُورِ دَاخِلَ أَجْسَادِهِمْ،
فَيَصِيرُ الْمَسْرَحُ جَسَداً وَاحِداً لَا نَعْرِفُ أَيْنَ يَبْدَأُ وَأَيْنَ يَنْتَهِي،
وَهُنَا يَصِيرُ الْفَنُّ طَقْساً، وَيَصِيرُ الْفَرَجُ لَحْظَةً بَيْنَ الْأَلَمِ وَالْأَلَمِ.
فِي الشَّارِعِ، كَانَتْ فَرَنْسَا تَكْتُبُ يَوْمِيَّاتِهَا بِالْأَقْدَامِ،
مُوَظَّفٌ يَصِلُ إِلَى عَمَلِهِ، وَطَالِبٌ يَجْرِي، وَعَجُوزٌ يَشْتَرِي الْخُبْزَ،
وَسَائِحٌ يَلْتَقِطُ صُورَةً، وَمُهَاجِرٌ يَحْسِبُ الْمَالَ فِي جَيْبِهِ،
وَشَاعِرٌ يَنْظُرُ إِلَى كُلِّ ذَلِكَ وَيَفْكُرُ: أَيْنَ تَخْتَبِئُ الْقَصِيدَةُ؟
فَتَضْحَكُ امْرَأَةٌ فِي الطَّرِيقِ، فَيَفْهَمُ،
وَيَكْتُبُ فِي دَفْتَرِهِ: «هَا هِيَ؛ كَانَتْ تَمْشِي وَرَاءَ ظِلِّهَا».
وَعِنْدَمَا يَحِلُّ الْمَسَاءُ، تَنْقَسِمُ الْمَدِينَةُ بَيْنَ الْبَيْتِ وَالطَّرِيقِ،
بَعْضُهُمْ يَذْهَبُ إِلَى عَائِلَتِهِ، وَبَعْضُهُمْ يَذْهَبُ إِلَى عُزْلَتِهِ،
بَعْضُهُمْ يَذْهَبُ إِلَى الْمَسْرَحِ، وَبَعْضُهُمْ إِلَى الْمَكْتَبَةِ،
وَبَعْضُهُمْ يَجْلِسُ فِي الْمَقْهَى لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ بَيْتاً يَشْعُرُ فِيهِ بِأَنَّهُ فِي بَيْتِهِ،
وَتَظَلُّ مَارْسِيلْيَا تَفْتَحُ أَضْوَاءَهَا وَتُغْلِقُهَا،
كَأَنَّهَا تَتَنَفَّسُ بِرِئَتَيْنِ: وَاحِدَةٍ مِنَ الْبَحْرِ، وَأُخْرَى مِنَ الْبَشَرِ.
فِي الْمَنْفَى، تَصِيرُ الْهَاتِفُ نَافِذَةً،
وَتَصِيرُ الرِّسَالَةُ قُبْلَةً لَا تَصِلُ،
وَتَصِيرُ الصُّورَةُ بَيْتاً مُصَغَّراً، وَيَصِيرُ الصَّوْتُ يَداً عَلَى الْكَتِفِ،
وَيَصِيرُ الْإِنْتَرْنِتُ بَحْراً جَدِيداً لَا تُرَى أَمْوَاجُهُ،
وَيَجْلِسُ الْمُثَقَّفُ فِي بَارِيسَ، وَقَلْبُهُ فِي مَدِينَةٍ أُخْرَى،
فَيَصِيرُ لَهُ جَسَدٌ فِي فَرَنْسَا، وَظِلٌّ فِي وَطَنٍ لَا يَسْكُنُهُ.
وَمَعَ ذَلِكَ، لَمْ تَكُنْ فَرَنْسَا مَكَانَ الْحُزْنِ فَقَطْ،
كَانَتْ أَيْضاً مَكَانَ الْحُرِّيَّةِ، وَالْقِرَاءَةِ، وَالْصُّدَاقَةِ، وَالْفَنِّ،
كَانَتْ مَدِينَةً يَسْتَطِيعُ فِيهَا الْكِتَابُ أَنْ يَجْلِسَ إِلَى جَانِبِ كِتَابٍ آخَرَ،
وَيَسْتَطِيعُ الْفَنَّانُ أَنْ يَخْتَبِرَ لَوْنَهُ، وَالشَّاعِرُ أَنْ يَخْتَبِرَ صَوْتَهُ،
وَالْمُتَرْجِمُ أَنْ يَفْتَحَ بَاباً بَيْنَ لُغَتَيْنِ،
وَالْإِنْسَانُ أَنْ يَسْأَلَ نَفْسَهُ مَنْ يَكُونُ، دُونَ أَنْ يَحْصُلَ عَلَى إِجَابَةٍ نِهَائِيَّةٍ.
وَهَذِهِ هِيَ الْحَدَاثَةُ الَّتِي أُرِيدُهَا،
لَا حَدَاثَةَ الْمُصْطَلَحِ، بَلْ حَدَاثَةَ الْحَيَاةِ،
أَنْ يَكُونَ الْبَيْتُ قَصِيدَةً، وَالْمَقْهَى مَكْتَبَةً، وَالْمَتْرُوُ مَسْرَحاً،
وَأَنْ يَكُونَ الْمِينَاءُ أَرْشِيفاً، وَالْجَسَدُ خَرِيطَةً، وَالْمَنْفَى زَمَناً،
وَأَنْ تَكُونَ الْكَلِمَةُ قَادِرَةً عَلَى أَنْ تَمْشِيَ فِي الشَّارِعِ بِدُونِ حَرَسٍ،
وَأَنْ تَعُودَ إِلَى الْبَيْتِ وَهِيَ تَحْمِلُ رَائِحَةَ الْعَالَمِ عَلَى ثِيَابِهَا.
فِي آخِرِ اللَّيْلِ، عَادَ الشَّاعِرُ إِلَى غُرْفَتِهِ،
وَوَضَعَ مِفْتَاحَهُ عَلَى الطَّاوِلَةِ، كَأَنَّهُ يَضَعُ نُقْطَةً فِي آخِرِ جُمْلَةٍ،
وَخَلَعَ مِعْطَفَهُ، وَسَمِعَ الْبَحْرَ مِنْ بَعِيدٍ،
فَقَالَ: «لَقَدْ عُدْتُ»، فَأَجَابَهُ الْبَحْرُ: «لَمْ تَصِلْ بَعْدُ»،
فَسَأَلَ: «إِلَى أَيْنَ؟»، فَقَالَ: «إِلَيْكَ»،
فَفَهِمَ أَنَّ أَبْعَدَ مَنْفًى لِلْإِنْسَانِ هُوَ أَنْ يَكُونَ غَرِيباً عَنْ نَفْسِهِ.
وَعِنْدَ الْفَجْرِ، كَانَتْ مَارْسِيلْيَا تَظْهَرُ مِنْ جَدِيدٍ،
وَكَأَنَّ الْمَدِينَةَ لَمْ تَنَمْ، بَلْ غَيَّرَتْ مَلَابِسَهَا فَقَطْ،
وَفَتَحَ الْخَبَّازُ بَابَهُ، وَفَتَحَ الْبَحْرُ عَيْنَيْهِ، وَفَتَحَ الْمَقْهَى نَافِذَتَهُ،
وَخَرَجَ الْعُمَّالُ، وَخَرَجَ الطُّلَّابُ، وَخَرَجَ الشُّعَرَاءُ مِنْ أَحْلَامِهِمْ،
وَكَانَ كُلُّ شَيْءٍ يَقُولُ: «ابْدَأْ مِنْ جَدِيدٍ»،
فَلَا بَدَايَةَ لِمَنْ لَا يَمْشِي، وَلَا عَوْدَةَ لِمَنْ لَا يَتْرُكُ شَيْئاً خَلْفَهُ.
فِي ذَلِكَ الصَّبَاحِ، كَتَبْتُ اسْمَكَ فِي هَامِشِ الدَّفْتَرِ،
ثُمَّ لَمْ أَكْتُبْ عَنْكَ، بَلْ كَتَبْتُ عَنْ يَدٍ تَرْتَجِفُ وَهِيَ تُمْسِكُ الْقَلَمَ،
عَنْ جَسَدٍ يُرِيدُ أَنْ يَصِيرَ لُغَةً، وَعَنْ لُغَةٍ تُرِيدُ أَنْ تَصِيرَ جَسَداً،
عَنْ مَسْرَحٍ يَخْرُجُ مِنْهُ الْمُمَثِّلُ وَهُوَ يَحْمِلُ جُرْحَهُ،
عَنْ بَحْرٍ يَذْهَبُ إِلَى آخِرِ الْكَلَامِ وَلَا يَعُودُ كَمَا ذَهَبَ،
وَعَنْ بَيْتٍ يَنْتَظِرُنَا، لَا لِأَنَّهُ يَعْرِفُنَا، بَلْ لِأَنَّهُ يَسْمَحُ لَنَا أَنْ نَعُودَ.
فَأَيُّهَا الْبَحْرُ، خُذْ مَا بَقِيَ مِنَ الْكَلَامِ،
خُذِ الْمَفَاتِيحَ الْقَدِيمَةَ، وَصُوَرَ الْمُهَاجِرِينَ، وَرَسَائِلَ الْمُدُنِ،
خُذْ مَا تَبَقَّى مِنْ صَوْتِ الْمَقَاهِي، وَخُطُوَاتِ الْمَتْرُو، وَغُبَارِ الْمَكْتَبَاتِ،
خُذْ كُتُبَ الْمُثَقَّفِينَ، وَفُرْشَاةَ الْفَنَّانِ، وَدَفْتَرَ الشَّاعِرِ،
وَلَا تَأْخُذْ مِنَّا الْبَيْتَ؛ فَنَحْنُ نَحْتَاجُ إِلَيْهِ لِنَعْرِفَ أَنَّنَا مَا زِلْنَا أَحْيَاءَ،
وَإِذَا ذَهَبْتَ إِلَى آخِرِ اللُّغَةِ، فَاذْهَبْ وَحْدَكَ؛ سَنَلْحَقُ بِكَ حِينَ نَتَعَلَّمُ كَيْفَ نَعُودُ.
وَفِي آخِرِ الْكَلَامِ، لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ آخِرٌ،
كَانَتْ مَارْسِيلْيَا تَفْتَحُ بَابَ الْبَحْرِ، وَكَانَ الْبَحْرُ يَفْتَحُ بَابَ الْغِيَابِ،
وَكَانَ الْغِيَابُ يَفْتَحُ بَابَ الذَّاكِرَةِ، وَكَانَتِ الذَّاكِرَةُ تَفْتَحُ بَابَ الْجَسَدِ،
وَكَانَ الْجَسَدُ يَفْتَحُ بَابَ اللُّغَةِ، وَكَانَتِ اللُّغَةُ تَفْتَحُ بَابَ الصَّمْتِ،
وَكَانَ الصَّمْتُ يَفْتَحُ بَابَ الْبَيْتِ،
فَدَخَلْنَا؛ أَنَا وَالْكَلِمَةُ وَالْبَحْرُ وَالْمَدِينَةُ، وَكَانَتْ أَوَّلُ جُمْلَةٍ نَقُولُهَا: «لَقَدْ عُدْنَا».
__
أغسطس 2026م
المركز الثقافي الفرنسي - الخرطوم
