ديوان : الدستور

  الدستور 

مصعب الرمادي

الدستور

__________________
 الكتاب : الدستور          

 الكاتب : مصعب الرمادي
تاريخ الطبع : أغسطس 2026م
حقوق الطبع والتأليف محفوظة للمؤلف 

_____________________

 * إلى : ع أ

___________________________________

قبل أن نعرف أن للحب قانوناً
كانت يدك تبحث عن يدي في عتمة الغرفة،
وكان كوب الماء على المنضدة يعرف أكثر منا عن العطش،
وكان الصباح يدخل من شق الستارة حافياً، كأنه لا يريد أن يوقظ أحداً،
فتصبح الأشياء الصغيرة، التي لا يلتفت إليها أحد، شهوداً على قيام دولة لا خريطة لها،
دولة من نبضة في المعصم، ومن عينين تتعلمان للمرة الأولى معنى أن يكون للآخر مكان في العالم.

لم يكن بيننا ختم ولا شاهد ولا باب من أبواب المحاكم،
كانت امرأة تضع الخبز في كيس ورقي، ورجل يعبر الشارع وفي جيبه مفتاح البيت،
وكانت يدان تتلامسان مصادفة عند بائع الفاكهة ثم تتظاهران بأن شيئاً لم يحدث،
لكن السماء، في تلك اللحظة، أضافت إلى غيمتها حرفاً سرياً،
وانحنى عصفور فوق سلك الكهرباء كأنه يقرأ وثيقة لا يستطيع البشر رؤيتها،
وكان الحب، قبل أن نسميه، قد بدأ يكتب نفسه في الأشياء التي لا تتكلم.

أحبك لأنك لست أنا،
ولأن المسافة الصغيرة بين كتفك وكتفي كانت أوسع من جميع الخرائط،
ولأنك حين تنظرين إليّ لا تعيدين إليّ صورتي، بل تكشفين لي وجهاً لم أعرف أنه يسكنني،
كنت أظن أن الإنسان يولد مكتمل الاسم، ثم جئتِ مثل سؤال طويل،
فوجدت أن اسمي ناقص من دون صوتك، وأن وحدتي كانت غرفة مغلقة ظننتها وطناً،
وأن الآخر ليس سجناً للذات، بل النافذة التي تكتشف الذات من خلالها أنها كانت سجينة.

لا أريدك ملكاً لي،
فالشيء الذي نملكه يموت قليلاً كلما أغلقنا عليه الباب،
وأنت لست مفتاحاً أعلقه في جيبي، ولا صورة أضعها في إطار كي أطمئن إلى بقائك،
أريدك حرة حتى من حاجتي إليك،
حرة بما يكفي كي تختاري البقاء، لا لأن الخوف من الرحيل يمنعك،
فالحب الذي يحتاج إلى قفص كي يحرس جناحيه لم يتعلم بعد اسم الحب.

في المساء، حين تعودين من السوق،
تضعين البرتقال على الطاولة، وتخلعين حذاءك قرب الباب،
ويظل شيء من الشارع عالقاً في طرف ثوبك: غبار، رائحة مطر، صوت بائع ينادي على بضاعته،
أراقبك وأفكر أن الفلسفة كلها ربما كانت تبحث عن هذه اللحظة،
عن إنسان يدخل من الشارع حاملاً يومه العادي، ثم يجعل من المطبخ مركزاً للكون،
ومن ملعقة صغيرة في فنجان الشاي برهاناً على أن الوجود يمكن أن يكون حنوناً.

حين تغضبين مني، لا ينتهي الحب،
بل يخرج من صورته الجميلة ويجلس معنا على حافة السرير،
يخلع قناعه، ويقول لنا إن المحبة ليست أن نتشابه،
وإن اليد التي تمسح دمعة الآخر يجب أن تعرف أيضاً كيف تصغي إلى غضبه،
وإن الإنسان الذي نحبّه ليس نسخةً محسنة من رغباتنا،
بل كائن له ماضٍ لا نملكه، وخوف لا نفهمه كله، وحلم قد يقوده يوماً إلى جهة لا نعرفها.

كنت أظن الغرام ناراً،
ثم عرفت أنه أحياناً كوب حليب تضعه يد على الطاولة قبل أن يطلبه الآخر،
وأن أعمق العشاق ليس من يقول الكلام الأكثر لمعاناً،
بل من يعرف أن حبيبته نامت متعبة فيترك الضوء خافتاً،
وأنها تخاف صوت الريح فيغلق النافذة دون سؤال،
وأن الحب قد يكون معرفة دقيقة بالأشياء التي لا تصلح أن تُقال أمام أحد.

في الليل، حين ينام العالم،
تصير المدينة جسداً ضخماً يتنفس وراء الجدران،
سيارة بعيدة تمر كأنها ذكرى، كلب ينبح في شارع لا نراه، ومصباح وحيد يرتجف فوق باب مغلق،
وأنا إلى جوارك أتعلم أن الحضور ليس امتلاء المكان،
بل أن أشعر بأنك هنا حتى عندما لا تقولين شيئاً،
وأن الصمت بين عاشقين قد يكون أحياناً أكثر امتلاءً من مكتبة كاملة.

ما الذي يحدث للإنسان حين يحب؟
يصبح العالم أقل حياداً،
فالكرسي الذي جلستِ عليه لا يعود خشباً، والشارع الذي مشينا فيه لا يعود شارعاً،
والأغنية التي جاءت مصادفة من نافذة الجيران تصبح فجأة جزءاً من سيرتنا،
حتى المطر لا يعود ماءً يسقط من السماء،
بل يصبح رسالةً لم تصل في موعدها ثم وصلت متأخرة إلى القلب.

الحب لا ينقذنا من الموت،
وهذه واحدة من أسراره القاسية،
إنه يجعلنا أكثر وعياً بأن كل ما نحبه قابل للفقد،
ولهذا تصبح القبلة قصيرة كأنها تريد أن تختصر فيها أعماراً كاملة،
ويصبح العناق نوعاً من الصلاة التي لا تحتاج إلى سقف،
ويصبح الفراق احتمالاً يعلّم اليدين كيف تتمسكان ببعضهما دون أن تتحولا إلى سلاسل.

أنت لا تسكنين البيت،
أنت تجعلين البيت قابلاً للسكن،
فالبيت قبل الحب جدران تتقابل، وبعد الحب يصبح ذاكرةً لها رائحة الخبز،
وكرسيّاً يعرف صاحبته، وستارةً تحفظ لون المساء،
وملعقةً صغيرة تقف في درج المطبخ كأنها تنتظر عودتنا،
حتى المفتاح نفسه لم يعد قطعة معدن، بل وعداً بأن هناك مكاناً يمكن أن نعود إليه.

أحياناً أسألك: لماذا تحبينني؟
فتضحكين، كأن السؤال جاء من بلد لا تعرفين لغته،
وأفهم أن بعض الحقائق تفسد حين نضعها داخل تعريف،
فالحب ليس معادلة كي نبحث عن مجهولها،
ولا عقداً يمكن أن نقرأ شروطه ثم نوقع في أسفل الصفحة،
إنه ذلك الشيء الذي يجعل السؤال نفسه أكثر جمالاً من الجواب.

في المرآة، لا أرى وجهي وحده،
أرى وجوهاً كثيرة عبرت حياتي ثم اختفت،
أرى الطفل الذي كان يركض خلف عربة الخبز، والشاب الذي كان يعتقد أن قلبه لا يحتاج أحداً،
وأرى الرجل الذي عرف متأخراً أن القوة ليست في ألا تحتاج،
بل في أن تستطيع أن تقول: أنا أحتاجك، من غير أن أجعلك مسؤولة عن إنقاذي،
ومن غير أن أحوّل حبك إلى وظيفة يومية لإصلاح كسوري.

لهذا لا أريد من الحب أن يمحو وحدتي،
أريد منه أن يجعل وحدتي قابلة للفهم،
أن أجلس وحدي في الغرفة ولا أشعر أن العالم قد أغلق بابه،
وأن أجلس إلى جوارك ولا أخاف أن أفقد نفسي فيك،
فأنت لست بديلاً عن وجودي، وأنا لست بديلاً عن وجودك،
نحن فقط نضيء في بعضنا تلك المنطقة التي كانت معتمة دون أن نطلب من الضوء أن يمتلكها.

هناك حب يريد الجسد قبل أن يعرف الاسم،
وهناك حب يريد الاسم لأنه يخاف الجسد،
وهناك حب يمر بين الاثنين مثل نهر يعرف أن الماء لا يمكن أن يكون ملكاً لضفتيه،
فالغرام ليس إلغاءً للرغبة، ولا سجناً لها،
إنه محاولة أن تتصالح حرارة الجسد مع كرامة الروح،
وأن يصبح القرب لغة لا تُهين من نقترب منه.

حين تمسكين يدي في الطريق،
لا يحدث شيء يستحق أن تكتبه الصحف،
لكن العالم يتغير قليلاً،
الرجل الذي يحمل أكياس الخضار لا يعرف أنه مر بجوار معجزة،
والبائع الذي ينادي على الطماطم لا يعرف أن صوته دخل قصتنا،
والحافلة التي تأخرت عشر دقائق منحتنا عشر دقائق إضافية من الصمت،
وهكذا تصنع الحياة أعظم أسرارها في الأماكن التي لا يضع فيها المؤرخون علامات.

الحب ليس وعداً بأننا لن نتألم،
بل وعداً بأن الألم لن يكون بلا شاهد،
حين تمرضين، أجلس قرب سريرك وأشعر أن جسدي نفسه أصبح غرفة انتظار،
وحين أتعب، تضعين يدك على جبيني فلا يختفي المرض،
لكن الخوف يفقد جزءاً من سلطته،
وكأن يدك لا تشفي الجسد بقدر ما تقول له: لست وحدك في هذه الليلة.

في الحب، يصبح الآخر مسؤوليةً دون أن يصبح ملكية،
وهذه المفارقة هي الباب الذي يدخل منه النضج،
أن أعرف أن حزنك ليس شيئاً أستعمله لأثبت أهميتي،
وأن فرحك لا يحتاج إلى أن يكون من صنعي كي أفرح به،
وأن نجاحك لا ينتقص مني، وصداقاتك لا تهددني، وأحلامك لا تحتاج إلى إذني،
فالمحبة التي لا تحتمل حرية المحبوب ليست إلا خوفاً يرتدي ثوباً جميلاً.

أحياناً يغيب أحدنا لساعات،
فتكبر الساعة في يد الآخر حتى تصبح مدينة،
ننظر إلى الهاتف، نضعه جانباً، ثم نعود إليه،
تظهر رسالة من البنك أو إعلان عن متجر أو خبر لا يعنينا،
ولا تظهر الكلمة الصغيرة التي ننتظرها،
فنكتشف أن التكنولوجيا اخترعت ألف طريقة للاتصال ولم تستطع أن تخترع طريقة واحدة تمنع القلب من الانتظار.

وفي الانتظار،
يتعلم العاشق أن الزمن ليس عقارب فقط،
إنه مساحة تتسع كلما غاب الحبيب،
دقيقة واحدة قد تصبح دهراً،
ودهر كامل قد يمر في لحظة حين يصل صوت: «أنا بخير»،
ولذلك ربما لم يكن الزمن شيئاً خارجنا كما اعتقد الفلاسفة،
ربما كان مقدار المسافة بين قلبين في لحظة الخوف.

لا أحبك لأنك كاملة،
بل لأنك إنسانة،
لأن لك صباحات لا تريدين فيها الكلام، وأياماً تخطئين فيها، وأحلاماً متناقضة،
ولأنك أحياناً تضعين الملح أكثر مما ينبغي، ثم تضحكين قبل أن أقول شيئاً،
وأحياناً تنسين موعداً، أو تغضبين من تفصيل صغير،
فأكتشف أن الحب لا يبحث عن ملاك، بل عن إنسان يستطيع أن يعبر معه يومه دون أن يخجل من هشاشته.

الحب الذي نريده لا يعيش في القصائد وحدها،
إنه يعرف سعر الخبز، وموعد الطبيب، وفاتورة الكهرباء، وضجيج الجيران،
يعرف أن العاشق قد يكون متعباً ولا يستطيع كتابة رسالة جميلة،
وأن المحبوبة قد تكون منشغلة بالغسيل فلا تستطيع أن تجلس أمام النافذة لتتأمل القمر،
ومع ذلك يبقى القمر في مكانه،
كأنه يعرف أن أجمل العشق هو الذي يستطيع أن يعيش وسط الأعمال الصغيرة دون أن يفقد دهشته.

وفي الصباح،
تفتحين النافذة فيدخل هواء المدينة ومعه رائحة الشارع،
أسمع بائع الفول، وأرى رجلاً يعبر مسرعاً إلى عمله، وامرأة تمسك يد طفلها،
وتبدأ الحياة من جديد دون أن تسألنا إن كنا مستعدين،
فنرتب السرير، ونغسل الأكواب، ونبحث عن المفتاح،
ويكون دستورنا الوحيد في ذلك الصباح أن نمنح بعضنا فسحة كافية لكي يبدأ اليوم دون خوف.

ليس للحب عرش،
ولا يحتاج إلى تاج،
فالعرش يجعل أحدنا أعلى من الآخر، بينما الحب الحقيقي يبحث عن مستوى تستطيع فيه العين أن ترى العين،
لا سيداً ورعية، ولا فاتحاً ومدينة، ولا سجّاناً وأسيراً،
بل شخصين يعرف كل واحد منهما أن كرامة الآخر جزء من كرامته،
وأن القلب الذي يحتاج إلى إذلال حبيبه كي يشعر بقوته قد فقد الطريق إلى نفسه.

وأحياناً، حين نختلف،
تجلس الكلمات بيننا مثل كراسي مقلوبة في غرفة فارغة،
كل كلمة تريد أن تكون الأخيرة،
وكل صمت يختبئ خلفه تاريخ طويل من الخوف،
ثم يحدث شيء صغير: يد تمتد إلى كوب الماء، ويد أخرى تدفعه نحوها،
فنكتشف أن المصالحة ليست خطاباً عظيماً، بل قدرة بشرية على فتح الباب بعد أن أغلقناه.

ربما كان الغفران أحد أسماء الحب السرية،
لا لأنه يمحو الخطأ،
بل لأنه يرفض أن يجعل الإنسان مساوياً لأسوأ لحظة عاشها،
أغفر لك لا كي أبرئ ما حدث،
بل كي لا أتحول أنا أيضاً إلى سجن لما حدث،
وكي لا يصبح الماضي قاضياً يقيم في غرفة نومنا ويصدر أحكامه كل ليلة.

هناك شيء عرفاني في الحب لا تشرحه الكتب،
أن ترى في وجه الآخر شيئاً يتجاوز الوجه،
أن تشعر أن الإنسان الذي أمامك ليس مجرد جسد عابر في هذا الكون،
بل سر صغير من أسرار الوجود،
وأن احترام هذا السر ربما يكون أرقى من امتلاكه،
لأن بعض الأشياء لا تُفهم إلا حين نترك لها حق الغموض.

وحين أقول لك أحبك،
لا أقصد أنني امتلكت الحقيقة،
أقصد أنني أقف أمام جهلك وجهيلاً أمامي،
وأقبل أن نمشي معاً في طريق لا نعرف نهايته،
أن نكبر ونغير آراءنا ونخسر بعض الصور القديمة عن أنفسنا،
وأن يبقى بيننا ذلك العهد الصامت: لا تجعل خوفك قانوناً لحريتي، ولا تجعل حريتي ذريعة لجرح قلبك.

الحب أيضاً ذاكرة،
والذاكرة لا تحفظ الأشياء كما حدثت، بل كما استطاع القلب أن يحتملها،
لذلك نتذكر أول لقاء بطريقة مختلفة كل عام،
يتغير لون السماء، ويتغير صوت الشارع، وننسى بعض التفاصيل،
لكن شيئاً واحداً يبقى: الشعور بأن الحياة فتحت يومها نافذة صغيرة،
وأننا، من دون أن نفهم، دخلنا منها إلى حياة أخرى.

وإذا جاء الغياب،
فلا أريد أن ألعن الطريق،
سأترك لك في البيت ضوءاً صغيراً،
وأضع كوبين على الرف حتى لو لم نشرب معاً،
وأعرف أن الغياب ليس دائماً نهاية، كما أن الحضور ليس دائماً نجاة،
فقد يكون الإنسان بعيداً وهو أقرب إلى القلب من شخص يجلس إلى جوارنا ولا يرانا.

الموت نفسه يدخل قصتنا دون استئذان،
يجلس في آخر الغرفة ولا يتكلم،
فننظر إليه ولا نستطيع طرده،
لكننا لا نتركه يفسد علينا الشاي،
نضحك رغم معرفتنا بالفناء، ونحب رغم معرفتنا بالفقد،
وربما كانت شجاعة الإنسان الكبرى أنه يعرف النهاية ثم يقرر مع ذلك أن يبدأ صباحاً جديداً.

هكذا أفهم دستور الحب:
أن تكون للآخر مساحة لا تطرد منها نفسك،
وأن تكون لنفسك غرفة لا تمنع الآخر من طرق بابها،
أن نختلف دون أن نهدم، ونغضب دون أن نهين، ونشتهي دون أن نمتلك،
أن نعطي دون أن نحول العطاء إلى دين، وأن نعتذر دون أن نطلب من الاعتذار أن يمحو أثر الجرح فوراً،
وأن نعرف أن الحب ليس اتفاقاً على ألا نتغير، بل شجاعة أن نتغير معاً من غير أن نخون جوهر ما جمعنا.

لا مادة هنا تبدأ،
ولا مادة تنتهي،
فالمدينة التي أحببنا فيها بعضنا كتبت سطراً، والبيت كتب سطراً، والسرير كتب سطراً، والشارع كتب سطراً،
والأم التي علمتنا أول معنى للعناق كانت تكتب قبل أن نعرف القراءة،
والطفل الذي ينام في الغرفة المجاورة لا يعرف أن مستقبله ربما يكون أكثر رحمة إذا تعلم أن الحرية جزء من المحبة،
ولهذا تبقى الصفحة مفتوحة، لأن الحياة نفسها لم توقع في أسفلها.

وفي آخر الليل،
حين ينطفئ آخر ضوء في العمارة المقابلة،
تنامين إلى جواري، ويهدأ تنفسك شيئاً فشيئاً،
وأفكر أن أعظم دستور يمكن أن يكتبه قلبان هو ألا يحاولا امتلاك بعضهما،
وأن يتركا للحب حقه في أن يكون مجهولاً، حراً، متغيراً، ومضيئاً،
ثم أغمض عينيّ، كأنني للمرة الأولى أفهم أن الإنسان لا يجد معنى حياته حين يجد من يحبه فقط، بل حين يتعلم كيف يحب من وجده.


كان عطر الأقحوانة يصل قبلها إلى الغرفة،
يمر من تحت الباب مثل رسول صغير لا يحمل ختم الدولة،
فيوقظ في الهواء شيئاً نام طويلاً تحت الغبار،
وكانت تضع الزهرة في كأس الماء ثم تنسى أن تسألها من أين جاءت،
كأن الزهور تعرف أن بعض الأسئلة تفسد المعجزة،
وأن القلب حين يشم رائحةً قديمة يستطيع أن يعثر على بيت لم يسكنه قط.

الأقحوانة لم تكن زهرة،
كانت امرأةً بيضاء تمشي حافية في ممرات الذاكرة،
كلما مررنا بجانبها فتحت نافذة في الجدار،
ورأينا خلفها حقولاً لم يزرعها أحد،
وكان العطر يصعد مثل صلاة بلا قبلة،
ثم يستقر بين كتفينا كأنه يعرف المكان الذي أخفته الأيام.

في المساء،
كانت تقترب مني لا لكي تقول شيئاً،
بل لكي يصير الصمت أقل وحدة،
وكانت يدها تضع على حافة الطاولة، فتبدو أصابعها كأنها خمسة أسئلة من نور،
فأفهم أن الحميمية ليست دائماً اقتراب الجسد من الجسد،
بل أن تسمح لروح أخرى أن تقترب من خوفك دون أن تطردها.

حين كنا نخلع عن يومنا ثيابه،
لم يكن العري جسداً مكشوفاً أمام المرآة،
كان سقوط الأقنعة التي ارتديناها في الشارع،
كان أن يرى أحدنا تعب الآخر من غير أن يطلب منه أن يكون جميلاً،
وأن يلمح هشاشته من غير أن يستعملها سلاحاً في ساعة الغضب،
فأعمق عري بين عاشقين هو أن يقفا بلا دفاع أمام الحقيقة.

كان القميص الملقى على الكرسي
يعرف عن الحب أكثر مما تعرفه الكتب،
والحذاء المتعب عند الباب كان يروي رحلة يوم كامل،
والشعر المنفلت على الوسادة كان يقول إن الجسد، حين يطمئن،
يتوقف عن تمثيل البطولة،
ويصبح مجرد بيت صغير يريد أن ينام.

لم نكن نبحث عن الشهوة كغابة مغلقة،
كانت تأتي مثل ريح دافئة من نافذة مفتوحة،
تقترب ثم تتراجع، تضحك، تربك الكلام،
وكان الجسد يتذكر فجأة أنه ليس سجناً للروح،
بل إحدى لغاتها القديمة،
وأن الرغبة حين تحترم الآخر يمكن أن تكون شكلاً من أشكال الإصغاء.

أما الطيش،
فكان طفل الحب الذي يركض في الممر دون أن يرتب شعره،
يضحك في غير وقته، يشتري زهرتين ولا يعرف لماذا،
يرسل رسالة في منتصف الليل ثم يندم صباحاً،
ويقرر أن يمشي تحت المطر بلا مظلة،
كأن الحكمة كلها لم تستطع أن تمنع القلب من ارتكاب حماقته الجميلة.

والجنون كان جارنا القديم،
يطرق الباب أحياناً فيجدنا نضحك،
وأحياناً يدخل دون استئذان حين نختلف على شيء تافه،
ثم يضع على الطاولة تفاحة مقسومة إلى نصفين،
ويقول لنا إن الإنسان لا يصبح عاقلاً لأنه توقف عن الجنون،
بل لأنه عرف متى يترك للحياة نافذة صغيرة كي تتنفس.

في الصباح،
كانت آثار الليل باقية في الأشياء لا في الجسد وحده،
كوب لم يُغسل، كتاب مفتوح على صفحة لم نقرأها،
وسادة تحركت قليلاً، وستارة لم نعدها إلى مكانها،
وكان الضوء يتسلل بخجل فوق الأرض،
كأنه يعرف أن بعض الأسرار لا تحتاج إلى شهود.

الحب وجنة التأويل،
لأن كل شيء فيه قابل لأن يكون أكثر من نفسه،
نظرة قد تعني خوفاً، أو دعوة، أو اعتذاراً، أو مجرد تعب،
والصمت قد يكون حباً وقد يكون جرحاً،
والباب المغلق قد يعني الخصام وقد يعني أن الآخر يحتاج إلى دقيقة مع نفسه،
ولهذا لا يجوز للعاشق أن يجعل ظنه قانوناً، فالتأويل إذا فقد الرحمة صار محكمة.

تعلمت منها أن لا أفسر كل حركة،
وأن أترك بعض الغموض حياً بيننا،
فليس من الحب أن أفتش في عينيها عن اعتراف بالقوة نفسها التي يفتش بها السجان في زنزانة،
ولا أن أحول الهاتف إلى نافذة مراقبة،
ولا أن أطلب من القلب تقريراً يومياً عن تحركاته،
فالطمأنينة التي تحتاج إلى تفتيش دائم ليست طمأنينة، بل خوف مؤجل.

كانت زهرة البشنين تطفو على الماء،
بيضاء كأنها قطعة قمر نسيت السماء أن تستردها،
ننظر إليها طويلاً ولا نعرف لماذا تمنحنا كل هذا الهدوء،
ربما لأن جذورها مخفية في الطين بينما وجهها يعيش فوق الماء،
مثل الحب تماماً: جذوره في أعماق لا نراها،
وعطره يصل إلينا قبل أن نعرف أين يبدأ.

في الحديقة،
كانت البشنينة تفتح قلبها للليل دون أن تسأل القمر عن نسبه،
وكانت الحشرات الصغيرة تأتيها من العتمة،
فأفكر أن الجمال لا يحتاج إلى إعلان كي يكون جميلاً،
وأن الحب الحقيقي يشبه زهرة الماء:
يولد من الطين ولا يخجل من أصله،
ثم يمنح العالم رائحة لا يستطيع الطين أن يمنعها.

لم يكن بيننا وعد بأن نبقى كما نحن،
بل كان بيننا شيء أكثر صعوبة:
أن نسمح لبعضنا بأن يتغير،
أن تتبدل آراؤنا وأجسادنا وأحلامنا،
وأن نعرف أن الوفاء ليس تجميد الإنسان عند أول صورة أحببناها،
بل أن نتعلم كيف نحب النسخة الجديدة التي يأتي بها الزمن.

كانت تقول إن الغرام ليس امتلاكاً،
وكنت أقول إن الحب إذا لم يمنح الحرية صار اسمه الآخر خوفاً،
ثم نصمت لأن الحقيقة حين تكون قريبة جداً تصبح ثقيلة على اللسان،
فنفتح النافذة،
يدخل صوت بائع الخبز،
وتدخل معه الحياة لتقول لنا إن الفلسفة يمكن أن تجلس بجوار إبريق الشاي.

في أحد الأيام،
تشاجرنا بسبب شيء لم يعد أحد منا يتذكره،
خرجت هي إلى الشرفة، وبقيت أنا في المطبخ،
كان الماء يغلي فوق النار كأنه يغلي بدلاً منا،
والملعقة تسقط من يدي، ثم ألتقطها،
وفجأة بدا لي أن كل تاريخ الحب الإنساني قد اختصر نفسه في تلك الملعقة،
شيء يسقط، وشيء ينحني ليرفعه، ولا أحد ينتصر.

بعد ساعة،
عدنا إلى الغرفة دون إعلان مصالحة،
جلست على طرف السرير، وجلست هي على الطرف الآخر،
وبيننا مسافة صغيرة كان يمكن لخصام كامل أن يسكن فيها،
ثم وضعت يدها قرب يدي دون أن تلمسها،
وكان ذلك كافياً لكي تعرف أصابعنا أن الحرب انتهت قبل أن تصل إليها الكلمات.

هكذا يصبح الجسد في الحب
ليس موضوعاً للنظر فقط،
بل ذاكرةً تمشي، وتعباً ينام، وحرارةً تبحث عن الأمان،
والعاشق لا يرى جسد محبوبته كحدود يريد عبورها،
بل كأرض لها حرمتها وحقها في الرفض والاقتراب والابتعاد،
فتصبح الرغبة نفسها أكثر إنسانية حين تتعلم الإصغاء.

وفي المرآة،
رأيت جسدين لا يشبهان تماثيل الأساطير،
فيهما ندوب صغيرة، تعب، أعوام مرت على الجلد،
شعر أبيض بدأ يظهر في مكان لم ننتبه إليه،
فضحكنا،
وكانت ضحكتنا أجمل من أي صورة مثالية اخترعها الرسامون للعاشقين.

لأن الحب لا يحب الرخام،
الحب يحب الكائن الذي يتغير،
الوجه الذي يستيقظ متعباً، واليد التي ترتجف قليلاً،
والعين التي تحتاج إلى نظارة كي تقرأ الرسالة،
والبطن الذي يحتفظ بآثار السنين،
والقلب الذي لا يزال يخطئ رغم كل ما تعلمه.

كان الغرام أحياناً يشبه أسطورة إيروس،
لكن إيروس عندنا لم يكن طفلاً يحمل سهماً،
كان سائق حافلة يتأخر خمس دقائق،
فتجلس إلى جواري في المقعد الأخير،
وتضحكين لأن المطر بلل طرف حقيبتك،
فأفهم أن الآلهة القديمة ربما تخلت عن قصورها منذ زمن،
وصارت تختبئ في الحافلات والأسواق والمطابخ.

وأفروديت لم تعد تخرج من البحر،
كانت امرأةً عادية تشتري السمك في آخر النهار،
تساوم البائع على السعر، وتحمل كيسها بيد،
وبالأخرى ترفع طرف ثوبها عن ماء الشارع،
لكن البحر كان يمشي خلفها في صمت،
لأن الجمال الحقيقي لا يحتاج إلى أن يتوج نفسه كي يعرف أنه موجود.

وفي ليالي الصيف،
كان القمر يضع نصفه على سطح البيت،
ونجلس تحت الضوء الفضي كأننا شخصان خرجا من كتاب أسطوري،
لكن أحدنا كان يسأل عن موعد دفع الفاتورة،
والآخر يتذكر أن غداً يوم عمل،
فنضحك من الآلهة التي جعلت العشق قصراً من ذهب،
بينما نحن نعرف أن الحب يستطيع أن يعيش في غرفة صغيرة إذا وجد فيها قلبان يتسعان لبعضهما.

دستور المحببين ليس كتاباً محفوظاً،
إنه ما يحدث عندما ينهض أحدهما قبل الآخر،
ويترك الماء دافئاً،
أو يغطي كتفه بالبطانية حين يبرد،
أو يتذكر دواءً، أو موعداً، أو كلمةً قيلت قبل سنوات،
إنه تلك التفاصيل التي لا تبدو شعرية حتى نكتشف متأخرين أنها كانت الشعر كله.

ليس دستور المحببين أن يقول العاشق: أنت لي،
بل أن يقول في سره: أنا مسؤول عن ألا أؤذي حريتك،
ليس أن يخاف من كل شخص يقترب من محبوبته،
بل أن يثق بأن الحب الذي اختارته لنفسها لا يحتاج إلى حراسة،
وليس أن يطلب منها أن تكون مرآته،
بل أن يتركها ترى في نفسها ما لا يستطيع هو أن يراه.

وفي الليل،
حين تصبح المدينة هادئة،
تضع رأسها على كتفي،
وأسمع أنفاسها كأنها ساعة لا تقيس الزمن بل الطمأنينة،
ولا أريد أن أعرف إلى أين يأخذنا الغد،
يكفيني أن أعرف أن هذا الحضور ليس ملكاً لي،
وأن أجمل ما يمكن أن أفعله تجاه المعجزة هو ألا أحاول امتلاكها.

ثم تأتي الأقحوانة من جديد،
تجلس بيننا على الطاولة،
وتفتح بتلاتها واحدة بعد أخرى،
كأنها تشرح لنا أن الحب لا يكتمل دفعة واحدة،
وأن القلب نفسه زهرة تتعلم ببطء كيف تفتح أبوابها دون أن تفقد جذورها،
وأن العري الأخير ليس عري الجسد، بل عري الروح حين تكف عن الكذب.

وفي آخر الحكاية،
لم نجد الجنة التي وعدتنا بها الأساطير،
وجدنا صباحاً عادياً،
رائحة قهوة، خبزاً ساخناً، وشمساً صغيرة فوق حافة النافذة،
وجدنا أن الغرام لا يحتاج إلى معبد كي يكون مقدساً،
وأن الحياة اليومية، حين يحبها اثنان بصدق، تستطيع أن تتحول دون ضجيج إلى جنة تأويل لا تنتهي.


__

أغسطس 2026م

المركز الثقافي العراقي - لندن


تعليقات

المشاركات الشائعة