ديوان : كأن حديقة التماثيل العارية لم تستدرج جنية الملاك الهندي قبل يستيقظ الرخام
كأن حديقة التماثيل العارية لم تستدرج جنية الملاك الهندي قبل أن يستيقظ الرخام
مصعب الرمادي
كأن حديقة التماثيل العارية لم تستدرج جنية الملاك الهندي قبل يستيقظ الرخام
__________________
الكتاب : كأن حديقة التماثيل العارية لم تستدرج جنية الملاك الهندي قبل أن يستيقظ الرخام
الكاتب : مصعب الرمادي
تاريخ الطبع : أغسطس 2026م
حقوق الطبع والتأليف محفوظة للمؤلف
_____________________
كانتِ الحديقةُ تخلعُ ظلَّها، وتتركُ الرخامَ عاريًا أمامَ شهوةِ الضوءِ،وتتشظّى التماثيلُ في المرآةِ: أكتافٌ، منحنياتٌ، وخرائطُ جسدٍ أضاعَتْ أسماءَها،العشبُ ينسجُ من خصرِ الليلِ دوائرَ سرّيةً، كأنَّ الرغبةَ أسطورةٌ بلا آلهةٍ،
مرَّ الملاكُ الهنديُّ من جرحِ المرآةِ، فتكسَّرتْ في الرخامِ خرائطُ عناقٍ لم يقعْ،ثمَّ أخفى الحجرُ يقظتَهُ تحتَ نومِه، كأنَّ الجسدَ نفسهُ كانَ أسطورةَ اليقظةِ الأولى.
لم تكنِ الجِنِّيَّةُ امرأةً تمامًا،
ولا كانَ الملاكُ جناحًا يكفي لتفسيرِ الغيابِ،
بينهما نهرٌ مصنوعٌ من زجاجِ النوافذِ المحطَّمةِ،
وكلُّ سمكةٍ فيهِ تحملُ وجهَ عاشقٍ فقدَ فمَهُ،
فإذا انحنتْ لتشربَ من الماءِ،
رأتْ في القاعِ مدينةً تُقبِّلُ خرائبَها كي لا تستيقظَ.
كانَ الصباحُ يبيعُ أزرارَهُ للعابرينَ،
والشمسُ تُجرِّبُ ثوبًا من صدأِ الأجراسِ،
بينما الحديقةُ تُخبِّئُ تفاحةً سوداءَ في صدرِ نافورةٍ،
ويقولُ البستانيُّ إنَّها قلبُ امرأةٍ من زمنِ الطوفانِ،
لكنَّ المرأةَ حينَ سألنا عنها،
خرجَ من فمِها سربُ حمامٍ واتَّجهَ إلى المقبرةِ.
في الجهةِ الأخرى من الرخامِ،
كانَ طفلٌ يرسمُ بابًا على ظهرِ أبيهِ النائمِ،
ويضعُ خلفَ البابِ بلادًا صغيرةً من الحليبِ والبارودِ،
ثمَّ يطلبُ من الموتى أن يخلعوا أحذيتَهم عندَ الدخولِ،
لأنَّ أمَّهُ كانتْ تكرهُ الغبارَ،
ولأنَّ الحربَ لم تتعلَّمْ بعدُ كيفَ تعتذرُ للأمَّهاتِ.
قالتْ الجِنِّيَّةُ: ليسَ لي وطنٌ سوى هذا الجسدِ المتحوِّلِ،
كلَّما دخلتُهُ خرجتُ من نافذةٍ أخرى،
فأجابَها الملاكُ: وأنا ليسَ لي سماءٌ،
لأنَّ الطيورَ سرقتْ سُلَّمَها ليلةَ احتفالِ الغيومِ،
ثمَّ جلسا تحتَ شجرةٍ لا ظلَّ لها،
يتبادلانِ صمتًا قديمًا كأنَّهُ خاتمُ زواجٍ مكسورٍ.
كانتْ التماثيلُ تعرفُ أكثرَ ممَّا تقولُ،
تُبقي أسرارَها في تجاويفِ العيونِ البيضاءِ،
وتبتسمُ كلَّما مرَّ إنسانٌ يظنُّ أنَّهُ حيٌّ،
إذ لا شيء يُضحكُ الحجرَ مثلُ يقينِ اللحمِ،
وفي منتصفِ الليلِ كانتْ أقدامُها تنزلُ عن القواعدِ،
لتبحثَ في الترابِ عن أصابعِ النحّاتِ الأوَّلِ.
رأيتُ حصانًا من الرخامِ يأكلُ صفحةً من كتابِ القيامةِ،
وكانَ فمُهُ مليئًا بالنجومِ الصغيرةِ،
كلَّما مضغَ كلمةً سقطَ في السماءِ كوكبٌ،
وكلَّما ابتلعَ فاصلةً وُلِدَ نبيٌّ بلا أتباعٍ،
فقلتُ للحصانِ: إلى أينَ تذهبُ هذه اللغةُ؟
فأدارَ رأسَهُ وقالَ: إلى حيثُ لا يستطيعُ المعنى أن ينامَ.
كانَ الملاكُ الهنديُّ يحملُ في كفِّه غابةً مصغَّرةً،
تتجوَّلُ فيها الفيلةُ بينَ خطوطِ القدرِ،
وفي كفِّه الأخرى امرأةٌ تضحكُ بلا وجهٍ،
تقولُ إنَّها آخرُ من نجا من مرايا العائلةِ،
وحينَ سألناها عن اسمِها،
أشارتْ إلى جرحٍ في الهواءِ وقالتْ: هذا يكفي.
لم تستدرجْهُ الحديقةُ، هكذا قالتْ الأشجارُ،
لكنَّ عطرَها كانَ يمشي وراءهُ في الأزقّةِ،
وكانتِ الورودُ تضعُ فخاخًا صغيرةً في اللغةِ،
كي يقعَ فيها القلبُ حينَ ينسى حذرَهُ،
وكانَ كلُّ بابٍ يفتحُ على امرأةٍ تشبهُ الغيابَ،
ثمَّ يُغلقُ على رجلٍ يحملُ مفتاحًا لا يعرفُ بابَهُ.
في البركةِ نامَ قمرٌ مكسورٌ إلى نصفينِ،
النصفُ الأوَّلُ يتذكَّرُ وجهَ البحرِ،
والنصفُ الثاني يبحثُ عن أمٍّ تضعُ الملحَ في الحليبِ،
وكانتِ الأسماكُ تمرُّ بينهما مثلَ رسائلَ لم تُقرأ،
فانحنى الرخامُ على الماءِ لحظةً،
ورأى صورتَهُ تتقدَّمُ في العمرِ أسرعَ منهُ.
أمَّا البستانيُّ فقد اختفى في ظهيرةٍ من دخانٍ،
ولم نعثرْ سوى على قفّازِه بينَ أسنانِ الوردةِ،
وكانَ القفّازُ لا يزالُ يحتفظُ بحرارةِ يدٍ مجهولةٍ،
فقلنا: لعلَّهُ عادَ إلى الترابِ الذي جاءَ منهُ،
فقالَ الترابُ: لا أعرفُ هذا الرجلَ،
ثمَّ أدارَ ظهرَهُ لنا وأنبتَ قبرًا جديدًا.
كانتِ الجِنِّيَّةُ تُسرِّحُ شعرَها بمشطٍ من عظامِ الموسيقى،
وكلُّ خصلةٍ تسقطُ منها تتحوَّلُ إلى طريقٍ،
يسيرُ فيهِ العشّاقُ نحوَ خطأٍ أجملَ من الحقيقةِ،
وكانَ الملاكُ يعدُّ خطواتِها كأنَّهُ يعدُّ قرونًا من المطرِ،
لكنَّ الوقتَ عضَّهُ من كتفِه فجأةً،
فتناثرَ التاريخُ فوقَ العشبِ مثلَ زجاجٍ أخضرَ.
في تلكَ الليلةِ نامتِ الهندُ في عينِ فراشةٍ،
ونامتِ الفراشةُ في زرقةِ حجرٍ كريمٍ،
ونامَ الحجرُ في صدرِ امرأةٍ تنتظرُ قطارًا من القرنِ المقبلِ،
وحينَ وصلَ القطارُ لم ينزلْ منهُ أحدٌ،
غيرَ رجلٍ يحملُ رأسَهُ تحتَ ذراعِه،
ويسألُ عن أقربِ محطةٍ تؤدّي إلى طفولتِه.
كانتِ الحديقةُ أكبرَ من حدودِها،
كلَّما حاولنا رسمَ سورِها تمدَّدتْ داخلَ الخرائطِ،
حتى ابتلعتْ المدنَ والأنهارَ وأسماءَ الملوكِ،
ثمَّ جلستْ في منتصفِ العالمِ كامرأةٍ تنتظرُ رسالةً،
وفي جيبِها مفاتيحُ جميعِ الأبوابِ،
إلّا البابَ الذي خرجَ منهُ العالمُ ذاتَ صباحٍ.
استيقظَ تمثالُ امرأةٍ عندَ الثالثةِ إلا وردةً،
فتَّشَ عن ثوبِه فلم يجدْ سوى قرنٍ من الضبابِ،
فارتدى الضبابَ ومشى إلى النافورةِ،
وهناكَ رأى جسدَهُ القديمَ يشربُ من ظلِّه،
فقالَ: أيُّنا الحجرُ وأيُّنا الحلمُ؟
فأجابتْ قطرةُ ماءٍ: كلاكما خطأُ النحّاتِ.
كانَ العشبُ يتكلَّمُ بلغةِ الموتى،
لكنَّنا لم نفهمْ سوى ارتجافِه حينَ يمرُّ القطارُ،
وكانتِ الديدانُ تحفظُ تاريخَ الممالكِ في أجسادِها،
وتنسى أسماءَ الملوكِ لأنَّ الأرضَ لا تحبُّ التكرارَ،
أمَّا الجِنِّيَّةُ فوضعتْ أذنَها على الترابِ،
وسمعتْ المستقبلَ يحفرُ قبرَهُ بيديهِ.
قالَ الملاكُ: رأيتُ اللهَ يمرُّ في حلمِ طفلٍ،
يحملُ كيسًا من البذورِ ولا يعرفُ أينَ يزرعُها،
وكانَ الطفلُ يضحكُ لأنَّ السماءَ قصيرةٌ جدًّا،
حتى إنَّ أبيهُ يستطيعُ لمسَها من فوقِ السلّمِ،
ثمَّ استيقظَ الطفلُ فوجدَ في يدِه ريشةً،
ومنذُ ذلكَ اليومِ صارَ يرسمُ أبوابًا للغائبينَ.
لم يكنِ الحبُّ بينهما واضحًا،
كانَ حيوانًا زجاجيًّا ينامُ بينَ لغتينِ،
إذا نادتهُ الجِنِّيَّةُ جاءَ بنصفِ قلبٍ،
وإذا صفَّرَ لهُ الملاكُ اختفى في الجناحِ الآخرِ من الحلمِ،
لذلكَ تركاهُ حرًّا في الحديقةِ،
كي تتعلَّمَ الوحوشُ أيضًا كيفَ تفشلُ في العناقِ.
وكانتْ امرأةٌ من زمنٍ لا ساعةَ فيهِ،
تجلسُ قربَ التمثالِ وتخيطُ الليلَ بإبرةٍ ذهبيةٍ،
كلَّما انقطعَ خيطُهُ ولدتْ مجرَّةٌ جديدةٌ،
وكلَّما جرحتْ إصبعَها صارَ النجمُ أكثرَ احمرارًا،
قالتْ إنَّها أمُّ الفجرِ التي طردَها أولادُها،
لأنَّها أنجبتْ لهمُ صباحًا يشبهُ المقصلةَ.
في الممرِّ الحجريِّ سمعنا صوتَ أقدامٍ،
لكنَّ الممرَّ كانَ فارغًا إلّا من رائحةِ المطرِ،
فتبعنا الرائحةَ حتى وصلنا إلى تمثالٍ بلا رأسٍ،
وكانَ الرأسُ بعيدًا في شجرةٍ يغنّي مع الغربانِ،
سألناهُ: لماذا تركتَ جسدَك؟
فقالَ: لأنَّ الأفكارَ تحتاجُ أحيانًا إلى مسافةٍ من أصحابِها.
نامَ الرخامُ على كتفِ النهرِ سنواتٍ طويلةً،
وحينَ استيقظَ وجدَ الماءَ قد صارَ شيخًا،
لحيتهُ من طحالبَ وذاكرتُهُ مثقوبةٌ بالقواربِ،
فقالَ لهُ: أينَ الذينَ عبروا؟
فأجابَ النهرُ وهو يضحكُ بلا أسنانٍ:
كلُّهم عبروا، لكنَّ أحدًا لم يصلْ.
كانتْ الجِنِّيَّةُ تخافُ من المرايا،
لأنَّ صورتَها لا تثبتُ فيها أكثرَ من قبلةٍ،
تدخلُ وجهًا وتخرجُ منهُ قارةٌ غارقةٌ،
تدخلُ عينًا فتخرجُ مدينةٌ مغطّاةٌ بالرمادِ،
ولذلكَ كسرتْ آخرَ مرآةٍ في الحديقةِ،
فرأى الجميعُ وجوهَهم لأوَّلِ مرّةٍ في الشظايا.
مرَّ غرابٌ فوقَ الرخامِ وقالَ إنَّهُ رسولُ النسيانِ،
يحملُ رسائلَ من الذينَ لم يعودوا يتذكّرونَ أسماءَهم،
وفي منقارِه مفتاحُ بيتٍ هُدمَ قبلَ أربعينَ عامًا،
وحينَ وضعَهُ أمامَ الجِنِّيَّةِ بكتْ قليلًا،
لا لأنَّها عرفتِ البيتَ،
بل لأنَّ المفتاحَ ظلَّ ينتظرُ بابًا أكثرَ وفاءً من البشرِ.
في المساءِ أصبحتِ الحديقةُ سفينةً،
أشرعتْ أشجارَها وأبحرتْ فوقَ الشوارعِ،
وكانتِ البيوتُ تفتحُ نوافذَها لتودِّعَها،
بينما التماثيلُ واقفةٌ على السطحِ كبحّارةٍ منسيّينَ،
وفي البعيدِ كانتِ الجِنِّيَّةُ تلوّحُ بمنديلٍ من نارٍ،
والملاكُ يعدُّ الغرقى قبلَ أن يسقطوا في البحرِ.
لم نسألْ لماذا كانَ البحرُ في الداخلِ،
ولا لماذا كانتِ السفينةُ تمشي على اليابسةِ،
فالعقلُ يومئذٍ كانَ مشغولًا بإصلاحِ ساعةٍ ميتةٍ،
وكانَ المنطقُ ينامُ تحتَ طاولةِ المقهى،
بينما العالمُ يبدّلُ رأسَهُ برأسِ حصانٍ،
ويذهبُ إلى عملِه متأخّرًا خمسَةَ قرونٍ.
قالَتْ وردةٌ للتمثالِ: أنا أكثرُ حياةً منك،
فقالَ التمثالُ: وأنا أطولُ عمرًا من رائحتِكِ،
فضحكَ المطرُ لأنَّهُ لا يعرفُ الفرقَ بينَهما،
ثمَّ جمعَ بتلاتِها في قبعةٍ من طينٍ،
ووضعَها على رأسِ الحجرِ،
فصارَ الموتُ جميلًا للحظةٍ لا يستطيعُ أحدٌ قياسَها.
في حجرةِ الحارسِ ساعةٌ بلا عقاربَ،
تدقُّ كلَّما ماتَ احتمالٌ جديدٌ،
والحارسُ لا ينامُ لأنَّ نومَهُ يحتاجُ إلى إذنٍ من الماضي،
يكتبُ أسماءَ الزائرينَ في دفترٍ من الجلدِ،
ثمَّ يكتشفُ كلَّ صباحٍ أنَّ اسمهُ بينهم،
فيشطبُهُ ببطءٍ ويعودُ إلى عدمِه.
كانتِ الجِنِّيَّةُ تحبُّ أن تُطعِمَ الحمامَ،
لكنَّ الحمامَ في حديقتِها كانَ يأكلُ المفاتيحَ،
ثمَّ يطيرُ إلى السطوحِ ويضعُ البيضَ في المداخنِ،
فتخرجُ من البيوتِ أفراخٌ من دخانٍ أبيضَ،
وكلُّ دخانٍ يحملُ ذاكرةَ عائلةٍ مفقودةٍ،
تبحثُ عن مطبخٍ قديمٍ ورائحةِ قهوةٍ لا تموتُ.
رأيتُ الملاكَ ينزعُ جناحَيهِ ويعلّقُهما على شجرةٍ،
ثمَّ يمشي حافيًا كأيِّ عاملٍ عائدٍ من منجمهِ،
وكانَ ظهرُهُ مثقوبًا بآثارِ السماءِ،
فقلتُ: ألا تخافُ السقوطَ؟
قالَ: الخوفُ اختراعُ الذينَ يظنّونَ أنَّ الأرضَ ثابتةٌ،
ثمَّ ابتسمَ ومشى فوقَ حفرةٍ مليئةٍ بالنجومِ.
عندَ بوابةِ الحديقةِ امرأةٌ تبيعُ العيونَ المستعملةَ،
تقولُ إنَّ كلَّ عينٍ شاهدتْ شيئًا لا تريدُ الاحتفاظَ بهِ،
وهناكَ عينٌ رأتْ مذبحةً فصارتْ زرقاءَ من الصمتِ،
وعينٌ رأتْ قبلةً فامتلأتْ بالطيورِ،
وعينٌ لم ترَ شيئًا قطُّ،
لكنَّها كانتْ تبكي كأنَّ العالمَ كلَّهُ يسكنُها.
كانَ الرخامُ يتذكّرُ الجبلَ أحيانًا،
فتأتيهُ نوبةٌ من الحنينِ ويهتزُّ على قاعدتِه،
يتذكّرُ الضربةَ الأولى، والشرخَ الأوَّلَ،
واليدَ التي اختارتْ من جسدِه إنسانًا،
ثمَّ يلعنُ الفنَّ سرًّا لأنَّهُ منحهُ شكلًا،
وحرمَهُ من العودةِ إلى فوضاهُ الأولى.
في الحديقةِ شجرةٌ لا تُثمرُ سوى الساعاتِ،
تتدلّى من أغصانِها أزمنةٌ مختلفةٌ،
قطفتِ الجِنِّيَّةُ ساعةً من طفولتِها وأكلتْها،
فعادتْ إلى أمِّها دقيقةً واحدةً فقط،
لكنَّ الأمَّ لم تتعرّفْ إليها،
لأنَّ الماضي أيضًا يتغيّرُ حينَ نزورهُ.
كانَ هناكَ رجلٌ يجرُّ خلفَهُ بابًا ثقيلًا،
يقولُ إنَّهُ بابُ بيتِه الذي سُرقَ منهُ،
وحينَ سألناهُ عن البيتِ أشارَ إلى صدرِه،
ففتحهُ فخرجتْ منهُ حديقةٌ أخرى،
وفي الحديقةِ الأخرى تماثيلُ أكثرُ عُريًا،
وحارسٌ يشبهُهُ تمامًا وينتظرُ منذُ الولادةِ.
لم يستيقظِ الرخامُ دفعةً واحدةً،
استيقظَ أولًا في أصابعِ القدمينِ،
ثمَّ صعدَ الحلمُ ببطءٍ نحوَ الركبتينِ،
وعندما وصلَ إلى القلبِ سمعَ التمثالُ دقَّاتٍ،
لم يعرفْ إن كانتْ لهُ أم لزائرٍ يقفُ أمامَه،
فقررَ أن يبقى ساكنًا احترامًا للحيرةِ.
كانتِ السماءُ مساءً تمشطُ شعرَها فوقَ البركةِ،
وتسقطُ منها نجومٌ صغيرةٌ بينَ أوراقِ اللوتسِ،
يجمعُها الأطفالُ ويضعونَها في جيوبِهم،
ثمَّ يعودونَ إلى البيوتِ مضيئينَ أكثرَ من اللازمِ،
فتخافُ الأمهاتُ من هذا النورِ،
ويطفئنَ أولادَهنَّ بقبلةٍ طويلةٍ على الجبينِ.
قالَ البستانُ للملاكِ: لا تدخلْ،
فهذه الأشجارُ تحفظُ وجوهَ من انتحبوا تحتَها،
وهذا العشبُ ينمو من أسرارٍ دُفنتْ حيّةً،
وهذه التماثيلُ لا تنامُ إلّا بعينٍ واحدةٍ،
لكنَّ الملاكَ دخلَ،
لأنَّ كلَّ تحذيرٍ كانَ يشبهُ دعوةً مكتوبةً بالخفاءِ.
في آخرِ الممرِّ نافذةٌ تطلُّ على اللاشيءِ،
ورغمَ ذلكَ يقفُ الناسُ أمامَها كلَّ صباحٍ،
يتجادلونَ حولَ لونِ العدمِ واتجاهِ الريحِ فيهِ،
ثمَّ يلتقطونَ صورًا تذكاريةً لفراغٍ متقنٍ،
وكانتِ الجِنِّيَّةُ تمرُّ بينهم،
وتبيعُهم خرائطَ تؤدّي إلى المكانِ نفسِه.
كانَ الحبُّ قديمًا إلى درجةِ أنَّهُ نسيَ نفسَهُ،
يجلسُ تحتَ شجرةِ الرمانِ كمتسوّلٍ نبيلٍ،
وعلى كتفِه طائرٌ يحفظُ أسماءَ النساءِ اللواتي غادرنَ،
كلُّما نادى واحدةً منهنَّ تساقطتْ رمانةٌ،
وكلُّما بكى نبتَتْ نافذةٌ في الجدارِ،
تطلُّ على قلبٍ لا يسكنُهُ أحدٌ.
رأتِ الجِنِّيَّةُ جسدَها يسبقُها في الطريقِ،
فنادتهُ فلم يلتفتْ،
كانَ يحملُ حقيبةً صغيرةً من الجلدِ،
وفيها طفولةٌ مطويّةٌ ورسالةٌ لم تُكتبْ،
أسرعتْ خلفَهُ حتى وصلَ إلى تمثالٍ أعمى،
وهناكَ دخلا معًا في عينِه الحجريةِ واختفيا.
لم يكنِ الملاكُ يعرفُ ماذا يريدُ،
وهذه كانتْ فضيلتَهُ الوحيدةُ في عالمٍ يزدحمُ بالرغباتِ،
كانَ يتركُ الأشياءَ تأتيهُ بأسمائِها الخاطئةِ،
ويُصدِّقُها لأنَّ الحقيقةَ تتعبُ من كثرةِ الشرحِ،
وحينَ سألتهُ الجِنِّيَّةُ: إلى أينَ؟
أجابَ: إلى حيثُ يتوقّفُ السؤالُ عن ارتداءِ قناعِه.
في منتصفِ الحديقةِ حفرةٌ صغيرةٌ،
يقولونَ إنَّ العالمَ سقطَ فيها مرّةً،
لكنَّ أحدًا لم يسمعْ صوتَ ارتطامِه،
لأنَّ الجميعَ كانوا مشغولينَ بالتصفيقِ للكارثةِ،
اقتربتْ الجِنِّيَّةُ ونظرتْ إلى الداخلِ،
فرأتْ عينَها تنظرُ إليها من عمقٍ أقدمَ من الضوءِ.
كانتِ التماثيلُ تتبادلُ الأحلامَ بعدَ منتصفِ الليلِ،
يعطي تمثالُ الملكِ رأسَهُ لتمثالِ الفتاةِ،
وتمنحهُ الفتاةُ ذراعًا كانتْ تشتاقُ إلى حضنٍ،
أمَّا الحصانُ فيحلمُ بأن يصيرَ شجرةً،
والشجرةُ تحلمُ بأن تصيرَ امرأةً،
والمرأةُ تحلمُ بأن تعودَ حجرًا كي ترتاحَ.
مرَّتْ سحابةٌ تشبهُ جثّةَ موسيقيٍّ،
وكانتِ السماءُ تعزفُ عليها كمانًا باردًا،
فانفتحتِ النوافذُ في المدينةِ دفعةً واحدةً،
وخرجَ منها الذينَ لم يجدوا موتًا مناسبًا،
يحملونَ مقاعدَهم وأكوابَهم القديمةَ،
ويجلسونَ في الحديقةِ لمشاهدةِ القيامةِ كعرضٍ مسرحيٍّ.
قالَ الرخامُ: إنَّني أتعبُ من الصلابةِ،
إنَّها وظيفةٌ طويلةٌ لا إجازةَ فيها،
كلُّ يدٍ تلمسُني تريدُ أن تعرفَ سرّي،
ولا أحدٌ يسألُني إن كنتُ أريدُ أن أكونَ سرًّا،
لذلكَ حينَ نامَ الجميعُ،
بكى التمثالُ حتى صارتْ دموعُهُ تماثيلَ أصغرَ منهُ.
في شقٍّ من القاعدةِ نبتَتْ زهرةٌ صفراءُ،
ظلَّتْ تسألُ الحجرَ عن الشمسِ،
والحجرُ لا يعرفُ سوى ما يراهُ من مكانِه،
فكانَ يخترعُ لها نهاراتٍ كثيرةً كي لا تحزنَ،
يقولُ: الشمسُ امرأةٌ كبيرةٌ من نارٍ،
تأتي كلَّ صباحٍ لتتأكدَ أنَّنا لم نهربْ.
الجِنِّيَّةُ التي لم تستدرجْها الحديقةُ،
كانتْ تعرفُ الطريقَ إليها قبلَ أن تُخلقَ الطرقُ،
تقولُ إنَّها رأتْ أشجارَها في حلمِ جدَّتها،
ورأتْ الرخامَ جنينًا أبيضَ في بطنِ الجبلِ،
ورأتِ الملاكَ بلا جناحينِ ولا اسمٍ،
يبحثُ في العتمةِ عن كلمةٍ تُشبهُ يدَ أمِّه.
في المدينةِ البعيدةِ كانتِ الحربُ ترتّبُ أحذيتَها،
تلمّعُ الحديدَ وتختارُ أسماءَ ضحاياها عشوائيًّا،
بينما هنا كانَ عصفورٌ يشربُ من النافورةِ،
وتمثالٌ يراقبُهُ بعينينِ لا تغمضانِ،
ففكّرتُ: ما أبشعَ أن يحدثَ الجمالُ،
في الوقتِ نفسِه الذي يتقنُ فيهِ الخرابُ عملَهُ.
دخلَ طفلٌ إلى الحديقةِ يحملُ لعبةً مكسورةً،
قالَ إنَّ أباهُ وعدَهُ بإصلاحِها بعدَ الحربِ،
لكنَّ الأبَ تأخّرَ كثيرًا عن وعدِه،
فأعطى اللعبةَ للتمثالِ كي يصلحَها،
ظلَّ التمثالُ صامتًا لأنَّ يديهِ من حجرٍ،
ومنذُ ذلكَ اليومِ لم يجرؤْ أحدٌ على مدحِ الخلودِ.
كانتْ الجِنِّيَّةُ تضعُ قرطًا من قمرٍ في أذنِها،
والقمرُ يضيءُ كلَّما تذكّرتْ رجلًا نسيَها،
وكانتْ ذاكرتُها مليئةً برجالٍ من دخانٍ،
يعبرونَ جسدَها ولا يتركونَ سوى رائحةِ المطرِ،
فقررتْ أن تنساهمُ جميعًا،
لكنَّ النسيانَ كانَ أكثرَ وفاءً لهم من قلبِها.
قالَ الملاكُ للتمثالِ: أعطني نصيحةً،
فأجابَ الحجرُ بعدَ صمتٍ طويلٍ: لا تثقْ في الحركةِ،
إنَّها طريقةُ الأشياءِ لإخفاءِ ارتباكِها،
ثمَّ أضافَ: ولا تثقْ في السكونِ،
فأنا واقفٌ هنا منذُ قرونٍ،
ولا أزالُ أبحثُ عن موضعٍ مناسبٍ لقدمي.
في البركةِ سمكةٌ ذهبيةٌ تحفظُ شعرَ الموتى،
تردّدهُ حينَ ينامُ الماءُ،
فتأتي الأرواحُ من ثقوبِ الليلِ لتستمعَ،
ولا تصفّقُ لأنَّ الأيديَ لا تعودُ دائمًا مع الموتِ،
لكنَّها تتركُ فوقَ السطحِ دوائرَ متّسعةً،
كأنَّ الغيابَ أيضًا يعرفُ كيفَ يوقّعُ حضورَهُ.
كانَ هناكَ جسرٌ يصلُ الحديقةَ بقلبِ امرأةٍ مجهولةٍ،
لكنَّ الجسرَ لا يظهرُ إلّا لمن فقدَ شيئًا عزيزًا،
مشى عليهِ الملاكُ ذاتَ مساءٍ،
وكانَ كلُّ لوحٍ خشبيٍّ يذكّرهُ بوجهٍ مختلفٍ،
وحينَ وصلَ إلى النهايةِ،
وجدَ المرأةَ هي الجِنِّيَّةَ قبلَ أن تصبحَ جِنِّيَّةً.
قالتْ لهُ: لا تسألْني من كنتُ،
فالأسماءُ قبورٌ صغيرةٌ للذينَ نتغيّرُ منهم،
أنا الآنَ ما تركتْهُ النارُ من أغنيةٍ،
وما نسيَهُ البحرُ على كتفِ صخرةٍ،
وما بقيَ من امرأةٍ أغلقتْ بابَها،
ثمَّ اكتشفتْ أنَّ البيتَ كلَّهُ كانَ في الخارجِ.
عندَ الفجرِ هبطتْ طيورٌ سوداءُ كثيرةٌ،
غطّتْ التماثيلَ كأنَّها أفكارٌ مفاجئةٌ،
ولم يعدْ أحدٌ يرى الوجوهَ الحجريةَ،
فقالَ الحارسُ إنَّ الحديقةَ اختفتْ،
لكنَّ امرأةً عجوزًا أشارتْ إلى الطيورِ،
وقالتْ: لا، إنَّها أخيرًا تعلّمتْ كيفَ تطيرُ.
استيقظَ الرخامُ عندئذٍ في مكانٍ آخرَ،
لا يدري إن كانَ ما زالَ تمثالًا أم ذكرى لجبلٍ،
تحسّسَ جسدَهُ فوجدَ العشبَ ينمو في شقوقِه،
ووجدَ طائرًا يبني عشَّهُ في قلبِه،
فلم يطردْهُ هذه المرّةَ،
لأنَّ الحياةَ حينَ تتأخّرُ لا ينبغي أن نسألَها من أينَ جاءتْ.
أما الجِنِّيَّةُ فكانتْ عندَ البوابةِ،
تلبسُ ثوبًا من أوراقِ الرسائلِ المحترقةِ،
تنتظرُ الملاكَ الذي تأخّرَ عن موعدِه ألفَ حكايةٍ،
وكلَّما مرَّ غريبٌ سألتهُ عن جناحينِ من غبارٍ،
فيهزُّ رأسَهُ ويمضي نحوَ حياتِه،
كأنَّ الضياعَ أمرٌ شخصيٌّ لا يستحقُّ المشاركةَ.
وحينَ جاءَ أخيرًا لم يقلْ شيئًا،
كانَ قد تركَ صوتَهُ في مدينةٍ بعيدةٍ،
فجلستْ قربَهُ ووضعتْ يدَها على فمِه،
كأنَّها تُعيدُ إليهِ لغةً سقطتْ منهُ في الطريقِ،
ثمَّ ابتسمَ الرخامُ في الخلفِ،
لأنَّ بعضَ اللقاءاتِ لا تحتاجُ إلى أكثرَ من صمتٍ كاملٍ.
مرَّ الليلُ فوقَهما ببطءٍ شديدٍ،
يسحبُ خلفَهُ عباءةً مليئةً بالوجوهِ،
وجوهِ الذينَ أحبّوا ولم يصلوا،
والذينَ وصلوا فاكتشفوا أنَّ الحبَّ كانَ في مكانٍ آخرَ،
وكانَ القمرُ يمسحُ دموعَهُ بغيومٍ رقيقةٍ،
كي لا يراهُ أحدٌ ضعيفًا أمامَ هذا الجمالِ.
في الصباحِ لم نجدِ الملاكَ،
ولا الجِنِّيَّةَ، ولا الحديقةَ كما كانتْ،
وجدنا فقط تمثالينِ متقابلينِ عندَ بابٍ مفتوحٍ،
أحدُهما يمدُّ يدَهُ نحوَ الآخرِ دونَ أن يلمسَهُ،
وبينَ اليدينِ تنمو زهرةٌ بيضاءُ،
يقولُ الحارسُ إنَّها لم تكنْ هناكَ بالأمسِ.
حاولنا أن نسألَ الرخامَ عمّا حدثَ،
لكنَّهُ عادَ إلى صمتِه القديمِ،
غيرَ أنَّ شقًّا صغيرًا في صدرِه كانَ يتّسعُ،
ويخرجُ منهُ ضوءٌ لا يشبهُ ضوءَ الشمسِ،
ضوءٌ كأنَّهُ ذاكرةُ قبلةٍ أولى،
أو آخرُ شيءٍ يراهُ الحجرُ قبلَ أن يتعلّمَ الحلمَ.
كانتِ الأشجارُ تميلُ نحوهُ بخشوعٍ غريبٍ،
والطيورُ تتركُ أغصانَها لتصغي،
حتى الريحُ وقفتْ عندَ السورِ كمتسوّلةٍ،
تطلبُ أن يسمحَ لها الرخامُ بالدخولِ،
لكنَّ التمثالَ لم يفتحْ فمَهُ،
إذ كانَ يتعلّمُ ببطءٍ كيفَ يحتفظُ بسرِّ المعجزةِ.
قالتْ نافورةٌ قديمةٌ: رأيتُهما يرحلانِ،
كانَ الملاكُ يمشي والجِنِّيَّةُ تطيرُ على ظلِّه،
وكانا يبتعدانِ في طريقٍ لا يظهرُ على الخرائطِ،
خلفَهما تتساقطُ الأسماءُ من الأشياءِ،
أمَّا أمامَهما فكانَ فراغٌ واسعٌ،
يشبهُ الصفحةَ التي لم تجرؤِ الكتابةُ بعدُ على لمسِها.
ومنذُ ذلكَ الصباحِ صارَ الحارسُ يفتحُ البوابةَ،
ولا يدخلُ أحدٌ إلّا وقد نسيَ سببَ مجيئِه،
يتجوّلُ الناسُ بينَ التماثيلِ كأنَّهم يبحثونَ عن أنفسِهم،
ثمَّ يخرجونَ وفي أيديهم وردةٌ أو حجرٌ أو سؤالٌ،
ولا يعرفونَ أيَّ شيءٍ من ذلكَ أخذوهُ معهم،
وأيَّ شيءٍ منهم بقيَ في الحديقةِ إلى الأبدِ.
والحديقةُ التي قيلَ إنَّها عاريةٌ،
كانتْ في الحقيقةِ ترتدي جميعَ من مرّوا بها،
تضعُ وجوهَهم على أوراقِها، وأحلامَهم في البركةِ،
وتخبّئُ أسرارَهم تحتَ أقدامِ التماثيلِ،
ثمَّ تنامُ كلَّ مساءٍ بلا ملابسَ من المعنى،
كي تستيقظَ في اليومِ التالي أكثرَ غموضًا من اسمِها.
ولم تستدرجْ جِنِّيَّةَ الملاكِ الهنديِّ،
ربما لأنَّ الجِنِّيَّةَ كانتْ الحديقةَ منذُ البدايةِ،
وربما لأنَّ الملاكَ لم يكنْ سوى تمثالٍ يتذكّرُ طيرانَهُ،
وربما لأنَّنا نحنُ الذينَ اخترعنا الرخامَ،
كي نمنحَ الصمتَ جسدًا يستطيعُ الوقوفَ أمامَنا،
ثمَّ نهربَ منهُ كلَّما بدأَ ينظرُ إلينا.
كأنَّ كلَّ شيءٍ حدثَ قبلَ أن يحدثَ،
وكأنَّ الرخامَ استيقظَ قبلَ أن يعرفَ النومَ،
وكأنَّ الجِنِّيَّةَ خرجتْ من المرآةِ قبلَ أن تُصنعَ الوجوهُ،
وكانَ الملاكُ الهنديُّ يفتّشُ عن جناحَيهِ في أكمامِ الريحِ،
بينما الحديقةُ تُغلقُ بوابتَها ببطءٍ،
وتتركُ لنا في الخارجِ اسمَها، كأنَّهُ سؤالٌ لا يريدُ جوابًا.
بعدَ ذلكَ صارتِ التماثيلُ أقلَّ يقينًا بأجسادِها،
كلُّ حجرٍ يخافُ أن يستيقظَ فيجدَ نفسَهُ إنسانًا،
وكلُّ إنسانٍ يضعُ يدَهُ على قلبِه،
ليتأكّدَ أنَّهُ لم يتحوّلْ أثناءَ الليلِ إلى قاعدةٍ من رخامٍ،
وكانتِ الجِنِّيَّةُ تضحكُ من مكانٍ لا نراهُ،
فتتشقّقُ السماءُ قليلًا ويخرجُ منها عطرُ حدائقَ مجهولةٍ.
قالَ طفلٌ للحارسِ: هل ماتَ الملاكُ؟
فأجابَ الحارسُ: لا أعرفُ الفرقَ بينَ الموتِ والسفرِ،
فقالَ الطفلُ: وهل عادتِ الجِنِّيَّةُ؟
فأشارَ الحارسُ إلى زهرةٍ نابتةٍ بينَ قدمينِ حجريتينِ،
فانحنى الطفلُ وقبّلَها،
وشعرَ أنَّ أحدًا في مكانٍ بعيدٍ يعيدُ إليهِ القبلةَ.
وفي الليلِ الأخيرِ من عمرِ الحكايةِ،
أضاءتِ الحديقةُ بلا قمرٍ ولا مصابيحَ،
كانَ الضوءُ يخرجُ من داخلِ التماثيلِ نفسها،
ومن الشقوقِ الصغيرةِ في الذاكرةِ،
ومن كلِّ كلمةٍ رفضتْ أن تصبحَ تفسيرًا،
حتى بدا العالمُ كأنَّهُ حلمٌ رآهُ الرخامُ عن الإنسانِ.
ثمَّ بدأَ المطرُ يهطلُ إلى الأعلى،
تعودُ القطراتُ من الأرضِ إلى الغيومِ،
وتعودُ الغيومُ إلى أفواهِ الذينَ بكوا قديمًا،
وتعودُ الدموعُ إلى العيونِ كي لا يقالَ إنَّ أحدًا حزنَ،
وكانَ الملاكُ في مكانٍ ما يفتحُ جناحَيهِ،
بينما الجِنِّيَّةُ تعلّمهُ كيفَ يسقطُ دونَ أن يخسرَ السماءَ.
استيقظَ الرخامُ أخيرًا،
لا ليغادرَ مكانَهُ، بل ليعرفَ لماذا بقيَ،
نظرَ إلى يديهِ فلم يجدْ فيهما سوى غبارِ العابرينَ،
ونظرَ إلى وجهِه فرأى وجوهَهم جميعًا،
فعرفَ أنَّ الخلودَ ليسَ أن تبقى وحدَك،
بل أن تمرَّ فيكَ أرواحٌ كثيرةٌ ولا تستطيعَ طردَها.
وهكذا ظلَّتِ الحديقةُ مفتوحةً في داخلِنا،
حتى بعدَ أن اختفى سورُها وتماثيلُها وبستانيُّها،
نحملُ في جيوبِنا حصًى يشتبهُ في أنَّهُ كانَ قلبًا،
ونحملُ في عيونِنا ضوءًا لا نتذكّرُ مصدرَهُ،
ونمشي كأنَّ أحدًا ينادينا من جهةِ الرخامِ،
ولا نلتفتُ، لأنَّ بعضَ الأصواتِ أجملُ حينَ تبقى مجهولةً.
كأنَّ حديقةَ التماثيلِ العاريةِ لم تستدرجْ جِنِّيَّةَ الملاكِ الهنديِّ،
بل إنَّها انتظرتْها طويلًا تحتَ طبقاتِ الحجرِ والضوءِ،
وكأنَّ الجِنِّيَّةَ لم تأتِ لتدخلَ الحديقةَ، بل لتتذكّرَها،
وكأنَّ الملاكَ لم يهبطْ من السماءِ، بل صعدَ إليها من داخلِنا،
وحينَ استيقظَ الرخامُ لم يقلْ إنَّهُ رأى شيئًا،
لكنَّ العالمَ كلَّهُ شعرَ للحظةٍ بأنَّهُ أقلُّ وحدةً.
ثمَّ أُغلقتِ الحكايةُ دونَ أن تُغلقَ البوابةُ،
وبقيَ البابُ مفتوحًا على جهةٍ لا اسمَ لها،
تمرُّ منهُ الوردةُ إلى النارِ، والنارُ إلى الماءِ،
ويمرُّ الحجرُ إلى الحلمِ، والحلمُ إلى جسدِ من يقرأُ،
وفي آخرِ الممرِّ يقفُ صمتٌ أبيضُ يبتسمُ،
كأنَّهُ يعرفُ أنَّ الرخامَ لن ينامَ بعدَ الآن.
__
أغسطس 2026م
حي المعمورة - الخرطوم


تعليقات
إرسال تعليق