مزاليج النواحي

مزاليج النواحي 

مصعب الرمادي     

مزاليج النواحي  

__________________
 الكتاب : مزاليج النواحي         

 الكاتب : مصعب الرمادي
تاريخ الطبع : أغسطس 2026م
حقوق الطبع والتأليف محفوظة للمؤلف 

_____________________


 كَانَ لِكُلِّ نَاحِيَةٍ فِي الْمَدِينَةِ بَابٌ،
وَكَانَ لِكُلِّ بَابٍ مِزْلَاجٌ يَحْرُسُ مَا وَرَاءَهُ،
وَكَانَ لِكُلِّ مِزْلَاجٍ يَدٌ تَرْتَجِفُ قَبْلَ أَنْ تُغْلِقَهُ،
كَأَنَّ الْمَدِينَةَ كُلَّهَا تَتَعَلَّمُ فَنَّ الْوَدَاعِ،
وَكَأَنَّ النَّاسَ يَخْرُجُونَ مِنْ أَبْوَابِهِمْ وَيَتْرُكُونَ ظِلَالَهُمْ خَلْفَهُمْ،
ثُمَّ يَقُولُونَ لِلظِّلَالِ: لَا تَنْتَظِرُونَا؛ فَقَدْ تَعَلَّمْنَا أَنْ نُغْلِقَ الْأَبْوَابَ.

فِي أَوَّلِ الشَّارِعِ كَانَ مِزْلَاجٌ صَدِئٌ،
يَتَنَفَّسُ كَشَيْخٍ نَسِيَ اسْمَهُ،
وَكُلَّمَا أَغْلَقَهُ أَحَدٌ سَمِعَتِ الْأَرْصِفَةُ طَقَّةً،
فَتَتَذَكَّرُ أَنَّ الْأَيَّامَ لَيْسَتْ أَبْوَاباً مُفْتُوحَةً عَلَى الدَّوَامِ،
وَأَنَّ مَنْ يَدْخُلُ حَيَاتَنَا قَدْ يَخْرُجُ مِنْهَا بِلا اسْتِئْذَانٍ،
وَأَنَّ الْقَلْبَ أَحْيَاناً يَضَعُ مِزْلَاجَهُ مِنَ الدَّاخِلِ.

كَانَتِ الْمَرْأَةُ تَمْشِي فِي السُّوقِ،
وَتَحْمِلُ فِي يَدِهَا مِفْتَاحاً لَا يَفْتَحُ شَيْئاً،
وَفِي يَدِهَا الْأُخْرَى صَمْتاً ثَقِيلاً كَأَنَّهُ قِفْلٌ،
وَكَانَ رَجُلٌ مِنْ خَلْفِهَا يَحْكِي قِصَّةَ نَدَمِهِ لِكُلِّ مَنْ يَعْبُرُ،
فَتَضْحَكُ الْخُضَرُ فِي السُّوقِ مِنْ كَثْرَةِ الْحِكَايَاتِ،
وَتَقُولُ الطَّمَاطِمُ: لَا نُرِيدُ مَزِيداً مِنَ الْحَقَائِقِ الْمَعْصُورَةِ.

قَالَ لَهَا: اسْمَعِينِي مَرَّةً أَخِيرَةً،
فَقَالَتْ: لَقَدْ سَمِعْتُكَ حَتَّى شَاخَتْ فِي أُذُنِي الْكَلِمَاتُ،
قَالَ: أَنَا نَادِمٌ،
قَالَتْ: النَّدَمُ الَّذِي يَطْرُقُ الْبَابَ بَعْدَ إِغْلَاقِهِ لَا يُعِيدُ الْبَيْتَ إِلَى مَا كَانَ،
قَالَ: دَعِينِي أَشْرَحْ،
قَالَتْ: لَا أُرِيدُ شَرْحاً؛ أُرِيدُ أَنْ يَهْدَأَ الْمَمَرُّ مِنْ خُطَاكَ.

فِي الْمَقْهَى كَانَتِ الْكُرْسِيُّ الْفَارِغَةُ تَتَكَلَّمُ،
تَقُولُ لِلْمِنْضَدَةِ: لَقَدْ كَانَ يَجْلِسُ هُنَا وَيَشْكُو،
وَتَرُدُّ عَلَيْهَا فِنْجَانَةُ الْقَهْوَةِ: كُلُّ مَنْ يَشْكُو يَظُنُّ أَنَّ الْمَدِينَةَ مُحْكَمَةٌ عَلَيْهِ،
فَيَضْحَكُ النَّادِلُ وَهُوَ يَحْمِلُ صَحْناً مِنَ الصَّمْتِ،
وَيَقُولُ: لَيْسَتِ الْحَيَاةُ مَحْكَمَةً لِكَيْ نَسْمَعَ مَرَافَعَاتِكُمْ،
إِنَّهَا مَقْهًى كَبِيرٌ؛ مَنْ يَشْرَبْ قَهْوَتَهُ يَدْفَعْ ثَمَنَ الْخُرُوجِ.

وَفِي نَافِذَةِ الطَّابِقِ السَّابِعِ،
كَانَتْ رِسَالَةٌ قَدِيمَةٌ تَطْلُبُ مَنْ يَقْرَؤُهَا،
مَرَّتْ بِهَا أَلْفُ عَيْنٍ وَلَمْ تَجِدْ لَهَا صَاحِباً،
كَانَتْ تَقُولُ: أَنَا لَمْ أَكُنْ أُرِيدُ الرُّجُوعَ، بَلْ أُرِيدُ أَنْ أُثْبِتَ أَنَّنِي أَسْتَطِيعُ الرُّجُوعَ،
فَضَحِكَتِ النَّافِذَةُ وَأَغْلَقَتْ زُجَاجَهَا،
لِأَنَّ بَعْضَ الرَّغَبَاتِ لَيْسَتْ حُبّاً؛ بَلْ حَاجَةٌ إِلَى اسْتِعَادَةِ السُّلْطَةِ.

كَانَ الْهَاتِفُ يَرْتَجِفُ فَوْقَ الطَّاوِلَةِ،
وَكُلُّ اهْتِزَازٍ مِنْهُ يَفْتَحُ نَافِذَةً فِي الْمَاضِي،
وَكُلُّ رَنَّةٍ تُحَاوِلُ أَنْ تُقْنِعَ الْقَلْبَ بِأَنَّ شَيْئاً لَمْ يَنْتَهِ،
فَنَظَرَتِ الْمَرْأَةُ إِلَى الشَّاشَةِ كَمَنْ يَنْظُرُ إِلَى قَبْرٍ يَرِيدُ أَنْ يَتَكَلَّمَ،
ثُمَّ أَغْلَقَتْ الْهَاتِفَ،
وَقَالَتْ: لَيْسَ كُلُّ مَنْ يَطْرُقُ بَابَ ذَاكِرَتِي يَحِقُّ لَهُ الدُّخُولُ.

فِي الْحَيِّ كَانَتِ الْحِكَايَاتُ تَمْشِي بِلَا أَجْسَادٍ،
تَدْخُلُ الْبُيُوتَ مِنْ ثُقُوبِ الْمَفَاصِلِ،
وَتَخْرُجُ مِنَ النَّوَافِذِ عَلَى هَيْئَةِ شَائِعَاتٍ،
وَكَانَ كُلُّ شَخْصٍ يَمْلِكُ نُسْخَةً مِنَ الْحَقِيقَةِ،
حَتَّى صَارَتِ الْحَقِيقَةُ مَدِينَةً مِنَ الْمَزَالِيجِ،
كُلُّ بَابٍ فِيهَا يُغْلَقُ عَلَى رِوَايَةٍ مُخْتَلِفَةٍ.

قَالَ الرَّجُلُ لِصَدِيقِهِ: أَنَا الضَّحِيَّةُ،
وَقَالَ صَدِيقُهُ لِصَدِيقٍ آخَرَ: إِنَّهُ يَظُنُّ نَفْسَهُ ضَحِيَّةً،
وَقَالَتِ الْمَدِينَةُ: لَا أَحَدَ ضَحِيَّةً وَحْدَهُ،
فَكُلُّ قَلْبٍ يَحْمِلُ سِكِّينَهُ وَيَنْسَى أَنَّهُ أَمْسَكَ بِهِ،
وَكُلُّ فَمٍ يَرْمِي كَلِمَةً ثُمَّ يَبْحَثُ لَهَا عَنْ مَذْنَبٍ آخَرَ،
وَكُلُّ بَابٍ يَسْمَعُ الْحِكَايَتَيْنِ وَيَغْلِقُ نَفْسَهُ.

فِي الْمَحَطَّةِ قَالَ الْمُذِيعُ: مَنْ رَحَلَ فَقَدْ رَحَلَ،
فَاعْتَرَضَ الْمِيكْرُوفُونُ وَقَالُوا: بَلْ مَا زَالَتْ لَهُ أَغَانٍ فِي الْهَوَاءِ،
فَقَالَ الْمُذِيعُ: الْهَوَاءُ لَيْسَ بَيْتاً لِأَحَدٍ،
وَقَالَ الْقِطَارُ: أَنَا أَعْرِفُ ذَلِكَ؛ فَكُلُّ مَنْ أَرْكَبُهُ يَظُنُّ أَنَّهُ سَيَبْقَى فِي الْمَحَطَّةِ،
ثُمَّ أُغَادِرُهَا بِمَا فِيهَا مِنْ أَسْمَاءٍ،
وَأَتْرُكُ عَلَى الرَّصِيفِ مَنْ لَمْ يَتَعَلَّمْ بَعْدُ أَنَّ الرَّحِيلَ لَهُ مَوَاعِيدُ.

كَانَتْ مَزَالِيجُ النَّوَاحِي تَتَكَلَّمُ لَيْلاً،
يَقُولُ مِزْلَاجٌ: أَنَا لِلنَّوْمِ،
وَيَقُولُ آخَرُ: أَنَا لِلْخَوْفِ،
وَيَقُولُ ثَالِثٌ: أَنَا لِلْحُبِّ الَّذِي لَمْ يَعُدْ يُشْبِهُ نَفْسَهُ،
فَيَقُولُ أَكْبَرُهَا: أَنَا لِمَنْ تَعَلَّمَ أَنْ يَخْتَارَ مَنْ يَدْخُلُ،
وَمَنْ يَبْقَى خَارِجَ الْبَابِ مَعَ كُلِّ اعْتِذَارَاتِهِ.

وَفِي الصَّبَاحِ كَانَتِ الْمَدِينَةُ تَغْسِلُ وَجْهَهَا،
تَفْتَحُ الْمَتَاجِرَ وَالْمَكَاتِبَ وَالْمَدَارِسَ وَالنَّوَافِذَ،
وَتُغْلِقُ فِي الْوَقْتِ نَفْسِهِ أَلْفَ بَابٍ لَا يَرَاهَا أَحَدٌ،
بَابَ الْخَوْفِ، وَبَابَ الْحَاجَةِ، وَبَابَ الْحَسَدِ، وَبَابَ الْحَنِينِ،
وَتُرْسِلُ النَّاسَ إِلَى أَعْمَالِهِمْ بِوُجُوهٍ مُرَتَّبَةٍ،
وَتُبْقِي فِي دَاخِلِ كُلِّ وَجْهٍ مِزْلَاجاً سِرِّيّاً.

فِي الْمَكْتَبِ كَانَ الْمُوَظَّفُ يَضْغَطُ عَلَى زِرٍّ،
فَيَفْتَحُ مَلَفّاً وَيُغْلِقُ مَلَفّاً،
وَيُرْسِلُ رِسَالَةً وَيَحْذِفُ أُخْرَى،
ثُمَّ يَنْظُرُ مِنَ النَّافِذَةِ فَيَرَى قَلْبَهُ مُعَلَّقاً عَلَى شَجَرَةٍ فِي الشَّارِعِ،
فَيَسْأَلُهُ: لِمَاذَا لَا تَعْمَلُ؟
فَيُجِيبُهُ الْقَلْبُ: لِأَنَّنِي لَمْ أَتَعَلَّمْ بَعْدُ أَنْ أُغْلِقَ مِلَفَّكِ الْقَدِيمَ.

وَفِي الْحَافِلَةِ كَانَتْ وُجُوهٌ مُتَجَاوِرَةٌ،
كُلُّ وَجْهٍ يَحْمِلُ مَدِينَةً لَا يَعْرِفُهَا الْجَالِسُ إِلَى جَانِبِهِ،
كَانَ رَجُلٌ يَبْتَسِمُ لِلْهَاتِفِ وَيُخْفِي فَقْداً تَحْتَ قَمِيصِهِ،
وَكَانَتْ امْرَأَةٌ تَنْظُرُ إِلَى الشَّارِعِ وَتُغْلِقُ بَاباً فِي ذَاكِرَتِهَا،
وَكَانَ السَّائِقُ يَقُولُ: الْمَحَطَّةُ الْقَادِمَةُ،
فَكَانَتِ الْقُلُوبُ كُلُّهَا تَسْأَلُ: أَيُّ مَحَطَّةٍ سَتُغْلِقُ عَلَيْنَا الْمَاضِي؟

فِي زُقَاقٍ ضَيِّقٍ وَجَدَتِ الْمَرْأَةُ ظِلَّهَا،
كَانَ الظِّلُّ أَطْوَلَ مِنْهَا وَأَكْثَرَ صَبْراً عَلَى الْحُبِّ،
قَالَ لَهَا: لِمَاذَا تَقْسِينَ؟
قَالَتْ: لَسْتُ قَاسِيَةً؛ أَنَا فَقَطْ أُغْلِقُ الْبَابَ الَّذِي أَتْعَبَنِي،
قَالَ الظِّلُّ: وَإِنْ نَدِمَ؟
قَالَتْ: لِيَنْدَمْ خَارِجَ الْبَابِ؛ فَالْبَيْتُ لَا يَتَّسِعُ لِكُلِّ النَّادِمِينَ.

كَانَ الْمَاضِي يَقْرَعُ الْأَبْوَابَ كَسَاعٍ مُسْتَعْجِلٍ،
يَحْمِلُ فِي جَيْبِهِ صُوَراً وَرَسَائِلَ وَأَعْذَاراً،
وَيَقُولُ: أَلَمْ تَكُونِي سَعِيدَةً يَوْماً؟
فَتَرُدُّ الْمَرْأَةُ: بَلَى، وَلَكِنَّ السَّعَادَةَ الْقَدِيمَةَ لَا تَمْنَحُكَ تَذْكِرَةَ دُخُولٍ جَدِيدَةً،
فَيَجْلِسُ الْمَاضِي عَلَى الْعَتَبَةِ،
وَيَفْهَمُ أَخِيراً أَنَّ الْحَنِينَ لَيْسَ مِفْتَاحاً لِكُلِّ الْأَبْوَابِ.

فِي الْمَطْعَمِ كَانَ رَجُلٌ يَشْكُو لِصَدِيقِهِ،
وَيَقُولُ: أَنَا لَمْ أَفْعَلْ شَيْئاً،
فَقَالَتِ الْمِلْعَقَةُ: كَذِبْتَ،
وَقَالَ الْكُرْسِيُّ: كَذِبْتَ،
وَقَالَتِ الطَّاوِلَةُ: كَذِبْتَ،
فَصَمَتَ الرَّجُلُ؛ لِأَنَّ الْأَشْيَاءَ الَّتِي لَا تَتَكَلَّمُ عَادَةً تَعْرِفُ أَحْيَاناً أَكْثَرَ مِمَّا نَقُولُ.

كَانَتْ سَاعَةُ الْمَدِينَةِ تُقَلِّبُ عَقَارِبَهَا،
وَكُلُّ دَوْرَةٍ مِنْهَا تَمْسَحُ اسْماً مِنْ جِدَارِ الذَّاكِرَةِ،
وَكُلُّ دَقِيقَةٍ تُخْبِرُ الْمُحِبِّينَ أَنَّ الْحُبَّ لَيْسَ وَقْتاً مُعَلَّقاً فِي السَّمَاءِ،
إِنَّهُ عُمْرٌ يَتَقَدَّمُ، وَيَتَغَيَّرُ، وَيَتْرُكُ أَحْذِيَتَهُ عَلَى الْعَتَبَاتِ،
وَحِينَ تَضْرِبُ السَّاعَةُ مُنْتَصَفَ اللَّيْلِ،
يُغْلَقُ بَابٌ فِي مَدِينَةٍ لَا يَعْرِفُ أَحَدٌ مَنْ أَغْلَقَهُ.

وَكَانَتِ الْمَرْأَةُ تَتَعَلَّمُ فَنَّ «لَا»،
تَقُولُهَا لِمَنْ أَتْعَبَهَا،
وَلِمَنْ اسْتَخْدَمَ دَمْعَهُ كَحَبْلٍ لِيَسْحَبَهَا إِلَى الْمَاضِي،
وَلِمَنْ جَعَلَ النَّدَمَ سُلَّماً لِلْعَوْدَةِ،
وَلِمَنْ ظَنَّ أَنَّ الْحُبَّ دَيْنٌ لَا يَسْقُطُ،
ثُمَّ تَضَعُ مِزْلَاجاً هَادِئاً وَتَمْشِي.

كَانَتْ كَلِمَةُ «بَايْ» تَسْقُطُ مِنْ فَمِهَا،
فَتَرْتَدُّ عَنْ جُدْرَانِ الْحَيِّ كَكُرَةٍ صَغِيرَةٍ،
بَايْ لِلْعُذْرِ، بَايْ لِلْعَتَبِ، بَايْ لِلسُّؤَالِ الْمُتَأَخِّرِ،
بَايْ لِلْبَابِ الَّذِي ظَلَّ مَفْتُوحاً أَطْوَلَ مِمَّا يَنْبَغِي،
بَايْ لِلْخَوْفِ مِنْ أَنْ تَبْدَأَ الْحَيَاةُ مِنْ جَدِيدٍ،
وَبَايْ لِمَنْ ظَنَّ أَنَّ الرُّجُوعَ قَدَرٌ لا يُرَدُّ.

وَفِي السَّاحَةِ الْكُبْرَى كَانَتْ مَكَبِّرَاتُ الصَّوْتِ تَصْرُخُ،
تُعْلِنُ عَنْ سِلْعَةٍ جَدِيدَةٍ لِلنِّسْيَانِ،
قِيلَ: اشْتَرِ ذَاكِرَةً جَدِيدَةً وَاحْصُلْ عَلَى مَاضٍ مُجَّانِيٍّ،
فَضَحِكَ النَّاسُ، لِأَنَّ الْمَاضِيَ لَا يُبَاعُ وَلا يُشْتَرَى،
إِنَّهُ يَتَسَلَّلُ مِنْ ثَقْبٍ فِي الْجِدَارِ،
ثُمَّ يَنْتَظِرُ مَنْ يَضَعُ لَهُ الْمِزْلَاجَ.

كَانَ شَخْصٌ يَقِفُ أَمَامَ بَابٍ قَدِيمٍ،
وَيَقُولُ: لَقَدْ تَغَيَّرْتُ،
فَقَالَ الْبَابُ: لَا أَشُكُّ فِي ذَلِكَ،
وَلَكِنَّنِي لَسْتُ مَخْبَراً لِاخْتِبَارِ التَّغَيُّرِ،
فَقَالَ: أَلَا تَفْتَحُ لِي؟
فَقَالَ الْبَابُ: الْفَتْحُ لَيْسَ دَلِيلَ التَّسَامُحِ، كَمَا أَنَّ الْإِغْلَاقَ لَيْسَ دَلِيلَ الْكَرَاهِيَةِ.

فِي آخِرِ الْحَيِّ كَانَ طِفْلٌ يَلْعَبُ بِمِزْلَاجٍ،
يَفْتَحُهُ وَيُغْلِقُهُ دُونَ أَنْ يَعْرِفَ مَعْنَى الْوَدَاعِ،
كَانَ يَضْحَكُ كُلَّمَا سَمِعَ الطَّقَّةَ الْمَعْدِنِيَّةَ،
فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ كَبِيرٌ: سَتَفْهَمُ يَوْماً مَا يَعْنِيهِ هَذَا الصَّوْتُ،
فَقَالَ الطِّفْلُ: لِمَاذَا؟
فَصَمَتَ الرَّجُلُ؛ لِأَنَّهُ تَذَكَّرَ أَنَّ الْحَيَاةَ تُعَلِّمُنَا الْأَبْوَابَ بَعْدَ أَنْ تُرِينَا الْفَقْدَ.

كَانَتِ النَّافِذَةُ تَفْتَحُ عَلَى سَمَاءٍ ضَيِّقَةٍ،
وَالسَّمَاءُ تَفْتَحُ عَلَى سَحَابَةٍ مُتْعَبَةٍ،
وَالسَّحَابَةُ تَفْتَحُ عَلَى مَطَرٍ لَمْ يَجِدْ مَكَاناً لِيَسْقُطَ فِيهِ،
فَسَقَطَ فِي ذَاكِرَةِ امْرَأَةٍ كَانَتْ تُحَاوِلُ النِّسْيَانَ،
فَابْتَلَّتْ صُوَرُ الْمَاضِي،
وَذَابَتْ وُجُوهٌ كَثِيرَةٌ وَبَقِيَتْ نَافِذَةٌ وَاحِدَةٌ مَفْتُوحَةً عَلَى الْمُسْتَقْبَلِ.

قَالَتِ الْمَدِينَةُ: مَنْ رَحَلَ فَلْيَرْحَلْ،
فَقَدْ تَعِبْتُ مِنْ حِمْلِ الْعَائِدِينَ بِأَسْئِلَتِهِمْ،
فَقَالَتِ الْأَرْصِفَةُ: وَنَحْنُ أَيْضاً،
وَقَالَتِ الْمَصَابِيحُ: وَنَحْنُ أَيْضاً،
وَقَالَتِ الْأَبْوَابُ: وَنَحْنُ نُغْلِقُ وَنَفْتَحُ كُلَّ يَوْمٍ،
فَلَا تَجْعَلُوا مِنْ كُلِّ رَحِيلٍ جَنَازَةً لِمَا لَمْ يَمُتْ بَعْدُ.

فِي مَمَرِّ الْمُسْتَشْفَى كَانَتْ خُطًى تَتَقَاطَعُ،
كُلُّ خُطْوَةٍ تَحْمِلُ خَبَراً،
وَكُلُّ بَابٍ يَحْمِلُ خَوْفاً،
وَكُلُّ مِزْلَاجٍ يَحْمِي سِرّاً لا يَجِبُ أَنْ يَعْرِفَهُ أَحَدٌ،
فَقَالَتِ الْمُمَرِّضَةُ: حَتَّى الْحُزْنُ لَهُ حُجُرَاتٌ،
وَبَعْضُهَا يَحْتَاجُ إِلَى أَنْ نُغْلِقَ عَلَيْهِ لِنَسْتَطِيعَ الْعَيْشَ.

فِي الْمَدِينَةِ كُلُّ شَيْءٍ يَطْلُبُ كَلِمَةَ مُرُورٍ،
الْهَاتِفُ، وَالْبَرِيدُ، وَالْحِسَابُ، وَالْبَابُ، وَالْقَلْبُ،
حَتَّى الْوُجُوهُ صَارَتْ تَضَعُ كَلِمَاتِ مُرُورٍ عَلَى ابْتِسَامَاتِهَا،
فَمَنْ لَا يَمْلِكُ الرَّمْزَ لَا يَعْرِفُ مَا وَرَاءَ الْوَجْهِ،
وَمَنْ يَمْلِكُهُ قَدْ يَكْتَشِفُ أَنَّ الْغُرْفَةَ فَارِغَةٌ،
وَأَنَّ الْمَزَالِيجَ كَانَتْ تَحْرُسُ فَرَاغاً أَكْبَرَ مِنَ الْبَيْتِ.

كَانَتْ شَاشَةُ الْهَاتِفِ تَضْحَكُ،
تَقُولُ: لَقَدْ وَصَلَتْ رِسَالَةٌ جَدِيدَةٌ،
فَيَقُولُ الْقَلْبُ: لَا تَفْتَحِيهَا،
فَيَقُولُ الْفُضُولُ: افْتَحِيهَا،
فَيَقُولُ الْعَقْلُ: لَيْسَ كُلُّ مَا يَصِلُ يَسْتَحِقُّ الدُّخُولَ،
فَيَضَعُ الْقَلْبُ يَدَهُ عَلَى الْمِزْلَاجِ وَيَتْرُكُ الرِّسَالَةَ وَحْدَهَا.

وَكَانَتْ رِسَالَةٌ أُخْرَى تَقُولُ: أَنَا نَادِمٌ،
وَكَانَتْ رِسَالَةٌ ثَالِثَةٌ تَقُولُ: لَمْ أَقْصِدْ،
وَرَابِعَةٌ تَقُولُ: أَعْطِينِي فُرْصَةً،
وَخَامِسَةٌ تَقُولُ: أَنَا لَا أَسْتَطِيعُ الْعَيْشَ مِنْ دُونِكِ،
فَتَحَوَّلَتِ الشَّاشَةُ إِلَى سُوقٍ لِلْأَعْذَارِ،
وَأَغْلَقَتِ الْمَرْأَةُ السُّوقَ قَائِلَةً: لَا أُرِيدُ بَضَائِعَ مَرْجُوعَةً.

فِي مَيْدَانٍ مُزْدَحِمٍ كَانَتِ السَّيَّارَاتُ تَتَصَادَمُ بِالْأَصْوَاتِ،
كُلُّ سَائِقٍ يَظُنُّ أَنَّ صَوْتَهُ أَحَقُّ بِالطَّرِيقِ،
وَكَانَتِ الْمَدِينَةُ تَضْحَكُ مِنْ هَذَا التَّنَافُسِ عَلَى الضَّجِيجِ،
فَقَالَتْ: هَكَذَا تَفْعَلُونَ أَيْضاً فِي الْحُبِّ،
تَرْفَعُونَ أَصْوَاتَكُمْ حَتَّى لَا يَسْمَعَ أَحَدٌ الْحَقِيقَةَ،
ثُمَّ تَسْأَلُونَ لِمَاذَا كَانَتِ النِّهَايَةُ مُرْتَفِعَةَ الصَّوْتِ.

وَفِي زَاوِيَةٍ بَعِيدَةٍ كَانَ رَجُلٌ يَتَعَلَّمُ الصَّمْتَ،
كَانَ قَدْ أَتْعَبَ أَصْدِقَاءَهُ بِقِصَّةِ امْرَأَةٍ رَحَلَتْ،
فَكَانُوا يَسْمَعُونَهُ ثُمَّ يَعُودُونَ إِلَى بُيُوتِهِمْ مُرْهَقِينَ،
وَفِي اللَّيْلِ قَالَ لِنَفْسِهِ: رُبَّمَا لَمْ تَكُنْ تَحْتَاجُ إِلَى الْعَوْدَةِ،
رُبَّمَا كُنْتُ أَحْتَاجُ إِلَى أَنْ أَسْمَعَ نَفْسِي،
فَأَغْلَقَ بَابَ الْحِكَايَةِ وَبَدَأَ يَسْمَعُ الصَّمْتَ.

كَانَ الصَّمْتُ أَطْوَلَ مِنْهُ،
وَأَعْمَقَ مِنْ كُلِّ شَرْحٍ قَالَهُ،
قَالَ لَهُ الصَّمْتُ: أَنَا لَا أُدِينُكَ،
قَالَ الرَّجُلُ: فَمَاذَا تَفْعَلُ؟
قَالَ: أَجْعَلُكَ تَرَى مَا كُنْتَ تَخْفِيهِ وَرَاءَ كَثْرَةِ الْكَلَامِ،
فَخَافَ الرَّجُلُ مِنْ مَرْآةٍ لَا تَحْتَاجُ إِلَى زُجَاجٍ.

وَفِي حَدِيقَةٍ صَغِيرَةٍ كَانَتِ الْأَشْجَارُ تَسْقُطُ أَوْرَاقَهَا،
فَقَالَتْ شَجَرَةٌ لِأُخْتِهَا: أَلَمْ تَحْزَنِي؟
قَالَتْ: بَلَى، وَلَكِنَّنِي أَعْرِفُ أَنَّ الْوَرَقَ لَا يَخُونُ الشَّجَرَةَ حِينَ يَرْحَلُ،
إِنَّهُ يَفْتَحُ مَكَاناً لِوَرَقٍ آخَرَ،
فَقَالَتِ الرِّيحُ: لَيْسَ كُلُّ فَقْدٍ هَزِيمَةً،
بَعْضُ الْفَقْدِ هُوَ الطَّرِيقُ الْوَحِيدُ لِكَيْ تَتَنَفَّسَ الشَّجَرَةُ.

كَانَ الْعَابِرُونَ يَتَعَجَّبُونَ مِنْ كَثْرَةِ مَزَالِيجِ الْمَدِينَةِ،
فِي كُلِّ بَيْتٍ مَزْلَاجٌ، وَفِي كُلِّ قَلْبٍ أَكْثَرُ مِنْهُ،
فَقَالَ رَجُلٌ: لِمَاذَا لَا نُزِيلُ الْأَبْوَابَ جَمِيعاً؟
فَقَالَتْ لَهُ الْمَدِينَةُ: لِأَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَسْتَطِيعُ الْعَيْشَ بِلَا حُدُودٍ،
ثُمَّ قَالَتْ: وَلَكِنْ تَعَلَّمْ أَنْ تَفْرِقَ بَيْنَ الْحَدِّ وَالسِّجْنِ،
فَلَيْسَ كُلُّ بَابٍ مُغْلَقٍ سِجْناً، وَلَيْسَ كُلُّ بَابٍ مَفْتُوحٍ حُرِّيَّةً.

وَكَانَتْ شُرْفَةٌ تَطِلُّ عَلَى الشَّارِعِ،
وَفَوْقَهَا مَلَابِسُ تَجِفُّ كَأَنَّهَا أَعْلامُ دُوَلٍ صَغِيرَةٍ،
قَالَ قَمِيصٌ: أَنَا لِمَنْ رَحَلَ،
قَالَ سِرْوَالٌ: وَأَنَا لِمَنْ بَقِيَ،
قَالَتِ الْمَنَاشِفُ: نَحْنُ لِلدُّمُوعِ الَّتِي لَا يَرَاهَا أَحَدٌ،
وَكَانَتِ الرِّيحُ تَضْحَكُ وَتَقُولُ: كُلُّكُمْ عَابِرُونَ؛ فَلِمَاذَا تُقَاتِلُونَ عَلَى الشُّرْفَةِ؟

كَانَتِ الْمَدِينَةُ تَكْبُرُ كُلَّ يَوْمٍ،
وَكُلَّمَا كَبُرَتْ زَادَتْ أَبْوَابُهَا،
وَكُلَّمَا زَادَتْ أَبْوَابُهَا زَادَتْ مَزَالِيجُهَا،
حَتَّى صَارَتْ لِلْخَوْفِ مَزَالِيجُ، وَلِلْحُبِّ مَزَالِيجُ، وَلِلْوَحْدَةِ مَزَالِيجُ،
وَصَارَ لِلْإِنْسَانِ مِزْلَاجٌ فِي صَوْتِهِ وَآخَرُ فِي عَيْنِهِ،
وَلَمْ يَعُدْ أَحَدٌ يَعْرِفُ أَيْنَ يَنْتَهِي الْبَابُ وَأَيْنَ يَبْدَأُ الْقَلْبُ.

وَفِي لَيْلَةٍ مَاطِرَةٍ قَرَعَ الْمَاضِي بَاباً،
قَالَ: أَنَا لَا أُرِيدُ شَيْئاً، أُرِيدُ فَقَطْ أَنْ أَرَاكَ،
فَقَالَ الْبَابُ: أَنْتَ تَرَانِي كُلَّ لَيْلَةٍ،
قَالَ: كَيْفَ؟
قَالَ: فِي ذَاكِرَتِكَ، وَهَذَا كَافٍ،
ثُمَّ أَغْلَقَ الْمِزْلَاجَ وَتَرَكَ الْمَطَرَ يَتَكَلَّمُ مَعَ الْعَتَبَةِ.

وَقَالَ الْمَطَرُ: أَنَا لَا أَحْتَاجُ إِلَى بَابٍ،
فَأَنَا أَدْخُلُ مِنْ كُلِّ شَقٍّ،
فَقَالَتِ الْمَرْأَةُ: لِذَلِكَ أُحِبُّكَ،
فَقَالَ الْمَطَرُ: لَا تُحِبِّي كُلَّ مَا يَدْخُلُ مِنْ شَقٍّ،
فَبَعْضُ الْأَشْيَاءِ يَدْخُلُ كَالْمَاءِ،
ثُمَّ يَكْتَشِفُ الْبَيْتُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَمْلِكُ مِصْرَافاً لِذَاكِرَتِهِ.

فِي الْمَدْرَسَةِ كَانَتْ خَرِيطَةٌ لِلْعَالَمِ،
وَكَانَتْ الْخَرِيطَةُ مَمْلُوءَةً بِأَبْوَابٍ لَا تُرَى،
قَالَ الْمُعَلِّمُ: هَذِهِ حُدُودُ الْبِلَادِ،
فَقَالَ طَالِبٌ: وَأَيْنَ حُدُودُ الْقَلْبِ؟
فَسَكَتَ الْمُعَلِّمُ طَوِيلاً،
ثُمَّ قَالَ: حَيْثُ يَضَعُ الْإِنْسَانُ مِزْلَاجَهُ بِنَفْسِهِ.

كَانَتِ الْأَرْصِفَةُ تَسْمَعُ كُلَّ شَيْءٍ،
تَسْمَعُ عُشَّاقاً يَعِدُونَ، وَمُتَشَاجِرِينَ يَتَّهِمُونَ،
وَتَسْمَعُ أُناساً يَقُولُونَ: سَنَبْدَأُ مِنْ جَدِيدٍ،
ثُمَّ تَرَى أَحْذِيَتَهُمْ تَعُودُ إِلَى الْأَمَاكِنِ نَفْسِهَا،
فَتَقُولُ لِلشَّارِعِ: إِنَّهُمْ لَا يَرْحَلُونَ كَمَا يَظُنُّونَ،
إِنَّهُمْ يَحْمِلُونَ مَزَالِيجَهُمْ مَعَهُمْ إِلَى كُلِّ مَكَانٍ.

وَفِي سَاعَةٍ مُتَأَخِّرَةٍ كَانَ رَجُلٌ يَكْتُبُ اعْتِذَاراً،
يَمْسَحُهُ، ثُمَّ يَكْتُبُهُ، ثُمَّ يَمْسَحُهُ،
حَتَّى قَالَ لَهُ الْقَلَمُ: أَتَعْرِفُ مَا تُرِيدُ؟
قَالَ: أُرِيدُ أَنْ أَشْعُرَ أَنَّنِي لَمْ أَخْسَرْ،
قَالَ الْقَلَمُ: لَيْسَ كُلُّ اعْتِذَارٍ حُبّاً؛ بَعْضُهُ خَوْفٌ مِنَ الْخَسَارَةِ،
فَأَغْلَقَ الرَّجُلُ الدَّفْتَرَ وَتَرَكَ الْجُمْلَةَ نَاقِصَةً.

كَانَتْ جُمْلَةُ «أَنَا نَادِمٌ» تَسِيرُ فِي الشَّوَارِعِ،
تَلْبَسُ مَرَّةً قَمِيصَاً أَبْيَضَ وَمَرَّةً بَدْلَةً سَوْدَاءَ،
وَتَطْرُقُ أَبْوَابَ النَّاسِ بِأَشْكَالٍ مُخْتَلِفَةٍ،
فَقَالَتْ لَهَا الْمَدِينَةُ: كَمْ مَرَّةً سَتَتَغَيَّرِينَ وَأَنْتِ الْجُمْلَةُ نَفْسُهَا؟
فَقَالَتْ: حَتَّى يَفْهَمَ الْبَشَرُ أَنَّ الْكَلِمَةَ لَا تُصْلِحُ مَا أَفْسَدَهُ الْفِعْلُ،
فَأَغْلَقَتِ الْمَدِينَةُ بَابَ الْمَحَاضَرَاتِ وَفَتَحَتْ بَابَ الْأَفْعَالِ.

وَفِي الْمَطَارِ كَانَتْ حَقِيبَةٌ تَبْكِي،
كَانَتْ تَحْمِلُ مَلابِسَ رَجُلٍ لَمْ يَعُدْ يَعْرِفُ إِلَى أَيْنَ يَذْهَبُ،
قَالَتْ لَهُ: لِمَاذَا تُسَافِرُ؟
قَالَ: لِأَنْسَى،
قَالَتْ: النِّسْيَانُ لَا يَحْتَاجُ إِلَى طَائِرَةٍ،
قَالَ: وَمَاذَا يَحْتَاجُ؟
قَالَتْ: إِلَى بَابٍ تَغْلِقُهُ فِي الدَّاخِلِ وَتَرْفُضُ أَنْ تَحْمِلَ مِفْتَاحَهُ مَعَكَ.

كَانَتْ طَائِرَةٌ تَعْبُرُ السَّمَاءَ،
فَقَالَتْ لِلْمَدِينَةِ: أَنَا أَحْمِلُ الرَّاحِلِينَ،
فَقَالَتْ لَهَا: وَأَيْنَ تَضَعِينَ ذَاكِرَاتِهِمْ؟
قَالَتْ: أَتْرُكُهَا فِي الْمَقَاعِدِ،
فَقَالَتِ الْمَدِينَةُ: لِذَلِكَ تَكُونُ الطَّائِرَاتُ أَثْقَلَ مِنْ أَجْنِحَتِهَا،
فَكُلُّ رَاحِلٍ يَتْرُكُ قَلْباً فِي مَقْعَدٍ وَيَأْخُذُ قَلْباً آخَرَ فِي حَقِيبَةٍ.

فِي مَحَطَّةِ الْمِتْرُو كَانَتِ الْأَبْوَابُ تَفْتَحُ وَتُغْلِقُ،
تَفْتَحُ لِثَانِيَةٍ وَتُغْلِقُ لِثَانِيَةٍ،
فَقَالَ رَجُلٌ: لَيْتَ الْحَيَاةَ كَذَلِكَ،
تَفْتَحُ لَنَا فُرْصَةً وَإِنْ أَغْلَقَتْ أُخْرَى،
فَقَالَتْ لَهُ امْرَأَةٌ: إِنَّهَا كَذَلِكَ فِعْلاً،
وَلَكِنَّكَ كُنْتَ تُحَدِّقُ فِي الْبَابِ الْمُغْلَقِ وَلَمْ تَرَ الْبَابَ الَّذِي فُتِحَ.

كَانَ الْبَابُ الْجَدِيدُ فِي آخِرِ الرَّصِيفِ،
لَا يَحْمِلُ اسْماً، وَلَا يَحْمِلُ صُوَراً،
فَقَالَتِ الْمَرْأَةُ: إِلَى أَيْنَ يَذْهَبُ؟
قَالَ الْبَابُ: إِلَى مَا لَمْ تَعْرِفِيهِ بَعْدُ،
قَالَتْ: أَخَافُ،
قَالَ: الْخَوْفُ لَيْسَ سَبَباً لِإِغْلَاقِ كُلِّ الْأَبْوَابِ.

فِي الْمَسَاءِ عَادَ الرَّجُلُ إِلَى حَيِّهِ،
فَوَجَدَ الْبُيُوتَ مُضَاءَةً وَالنَّوَافِذَ مُغْلَقَةً،
فَقَالَ: كُلُّ هَذِهِ الْأَبْوَابِ تُخْفِي حَيَاةً،
فَقَالَ لَهُ شَارِعٌ قَدِيمٌ: وَكُلُّ حَيَاةٍ تُخْفِي بَاباً،
قَالَ: وَأَيْنَ بَابِي؟
قَالَ الشَّارِعُ: ابْحَثْ عَنْهُ فِي الْجِهَةِ الَّتِي لَمْ تَنْظُرْ إِلَيْهَا مُنْذُ رَحَلَ مَنْ كُنْتَ تَنْظُرُ إِلَيْهِ.

وَكَانَتِ الْجِهَةُ الْمَنْسِيَّةُ خَلْفَهُ،
فَلَمْ يَرَهَا لِأَنَّهُ كَانَ يَنْظُرُ إِلَى الْبَابِ الْقَدِيمِ،
وَفِي الْجِهَةِ الْأُخْرَى كَانَتْ شَمْسٌ صَغِيرَةٌ،
تَخْرُجُ مِنْ شَقٍّ فِي الْحَائِطِ وَتَقُولُ: هَلْ سَتَبْقَى هُنَا؟
فَقَالَ: لَا أَعْرِفُ،
فَقَالَتْ: إِذَنْ تَعَالَ؛ فَالْمُسْتَقْبَلُ لَا يَطْلُبُ مِنْكَ أَنْ تَعْرِفَهُ، بَلْ أَنْ تَمْشِيَ إِلَيْهِ.

وَفِي الْمَمَرِّ كَانَتْ خُطَاهُ تَخْتَبِرُ الْأَرْضَ،
كُلُّ خُطْوَةٍ تَسْأَلُ: أَهَذَا حَقّاً طَرِيقٌ؟
وَكُلُّ طَرِيقٍ يَجِيبُ: لَنْ تَعْرِفَ قَبْلَ أَنْ تَخْطُوَ،
فَتَذَكَّرَ أَنَّ «الزَّلَقَ» قَرِيبٌ مِنْ «الزَّلَجِ» فِي أَصْوَاتِ الْكَلِمَةِ،
وَأَنَّ الْإِنْسَانَ قَدْ يَسْقُطُ لِأَنَّهُ أَسْرَعُ مِنْ حَذَرِهِ،
فَأَبْطَأَ قَلِيلاً وَتَعَلَّمَ أَنْ يَخْطُوَ بِقَلْبٍ أَقَلَّ ارْتِبَاكاً.

كَانَتِ الْكَلِمَاتُ تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِ النَّاسِ كَالسِّهَامِ،
وَكَانَ بَعْضُهَا يَعُودُ إِلَى أَصْحَابِهِ بَعْدَ سَنَوَاتٍ،
قَالَ رَجُلٌ: لَيْتَنِي لَمْ أَقُلْ،
فَقَالَتْ لَهُ كَلِمَتُهُ: لَقَدْ خَرَجْتُ وَانْتَهَى الْأَمْرُ،
قَالَ: أَلَا تَرْجِعِينَ؟
قَالَتْ: الْكَلَامُ الَّذِي يَخْرُجُ بِلا بَصِيرَةٍ يَحْتَاجُ إِلَى عُمْرٍ لِيَتَعَلَّمَ كَيْفَ يَعُودُ.

وَفِي مَكْتَبَةٍ قَدِيمَةٍ كَانَتْ كُتُبُ الْحُبِّ تَتَجَادَلُ،
قَالَ كِتَابٌ: الْحُبُّ وَعْدٌ،
قَالَ آخَرُ: الْحُبُّ حُرِّيَّةٌ،
قَالَ ثَالِثٌ: الْحُبُّ خَوْفٌ مِنَ الْفَقْدِ،
فَقَالَ كِتَابٌ مُمْزَّقٌ: الْحُبُّ أَنْ تَعْرِفَ مَتَى تُغْلِقُ الْبَابَ،
فَسَكَتَتِ الْكُتُبُ،
لِأَنَّ الْجُمْلَةَ كَانَتْ أَقْرَبَ إِلَى الْحَيَاةِ مِنْ كُلِّ النَّظَرِيَّاتِ.

وَفِي صَفْحَةٍ بَيْضَاءَ كَانَتْ كَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ،
لَا «أَحِبُّكَ»، وَلَا «أَكْرَهُكَ»،
بَلْ «انْتَهَى»،
وَكَانَتْ هَذِهِ الْكَلِمَةُ أَثْقَلَ مِنْ كُلِّ قَصَائِدِ الْعِشْقِ،
لِأَنَّهَا لَا تَطْلُبُ جَوَاباً،
وَلَا تَتْرُكُ لِلْمَاضِي إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَاضِياً.

فِي الْمَسَاءِ الثَّانِي كَانَتِ الْمَدِينَةُ أَهْدَأَ،
كَأَنَّ شَيْئاً كَبِيراً انْكَسَرَ ثُمَّ تَعِبَ مِنَ الضَّجِيجِ،
كَانَتِ النَّافِذَةُ تُرَاقِبُ السَّمَاءَ،
وَالْمِزْلَاجُ مُسْتَقِرّاً فِي مَكَانِهِ،
فَقَالَتِ النَّافِذَةُ: أَتَظُنُّ أَنَّهُ سَيَعُودُ؟
فَقَالَ الْمِزْلَاجُ: رُبَّمَا، وَلَكِنَّ السُّؤَالَ الْأَهَمَّ: هَلْ سَتَفْتَحِينَ؟

وَفِي اللَّيْلِ لَمْ تَأْتِ أَيُّ رِسَالَةٍ،
وَلَمْ يَرِنَّ الْهَاتِفُ،
وَلَمْ يَقْرَعِ الْبَابَ أَحَدٌ،
فَشَعَرَتِ الْمَرْأَةُ بِخَوْفٍ غَرِيبٍ مِنَ الْهُدُوءِ،
ثُمَّ ابْتَسَمَتْ؛ لِأَنَّهَا اكْتَشَفَتْ أَنَّ السَّكِينَةَ قَدْ تَبْدُو أَوَّلَ الْأَمْرِ كَالْفَرَاغِ،
ثُمَّ تَتَحَوَّلُ بَعْدَ أَيَّامٍ إِلَى بَيْتٍ لَهُ مِزْلَاجٌ مِنْ نُورٍ.

كَانَتْ تُرَتِّبُ أَشْيَاءَهَا فِي الْغُرْفَةِ،
تَرْمِي قَمِيصاً قَدِيماً، وَتَضَعُ صُورَةً فِي دُرْجٍ،
وَتَغْسِلُ كَأْساً ظَلَّ طَوِيلاً عَلَى الرَّفِّ،
وَتَقُولُ لِكُلِّ شَيْءٍ: لَيْسَ لَكُمْ ذَنْبٌ،
إِنَّمَا أَنَا أُعِيدُ تَرْتِيبَ الْمَكَانِ بَعْدَ أَنْ تَغَيَّرَ صَاحِبُهُ،
وَكَانَتِ الْأَشْيَاءُ تَفْهَمُ؛ لِأَنَّ الْأَشْيَاءَ تَتَعَبُ أَيْضاً مِنْ حَمْلِ الذَّاكِرَةِ.

وَفِي الدُّرْجِ وَجَدَتْ مِفْتَاحاً قَدِيماً،
قَلَّبَتْهُ بَيْنَ أَصَابِعِهَا وَقَالَتْ: لِأَيِّ بَابٍ كُنْتَ؟
فَقَالَ الْمِفْتَاحُ: لَا أَتَذَكَّرُ،
قَالَتْ: أَلَمْ تَكُنْ مُهِمّاً؟
قَالَ: كُنْتُ مُهِمّاً حِينَ كَانَ لِي بَابٌ،
ثُمَّ أَصْبَحْتُ مَعْدِناً قَدِيماً، فَأَلْقَتْهُ فِي صُنْدُوقٍ وَأَغْلَقَتْ عَلَيْهِ بِمِزْلَاجٍ آخَرَ.

وَكَانَ الصُّنْدُوقُ يَحْمِلُ أَسْمَاءً كَثِيرَةً،
أَسْمَاءَ أَشْخَاصٍ وَأَمَاكِنَ وَأَيَّامٍ،
وَكَانَ كُلُّ اسْمٍ يَظُنُّ أَنَّهُ لَنْ يُنْسَى،
فَقَالَ الصُّنْدُوقُ: لَا أَحْتَاجُ إِلَى النِّسْيَانِ؛ أَنَا أَحْتَاجُ إِلَى مَكَانٍ لَا يَحْكُمُ الْحَاضِرَ،
فَقَالَتِ الْمَرْأَةُ: وَهَذَا مَا أُرِيدُهُ،
فَأَغْلَقَتِ الصُّنْدُوقَ وَمَشَتْ.

فِي الْخَارِجِ كَانَتِ الْمَدِينَةُ تَضَجُّ،
مَحَالُّ تَفْتَحُ أَبْوَابَهَا، وَمَحَالُّ تُغْلِقُهَا،
سَيَّارَاتٌ تَذْهَبُ، وَأُخْرَى تَعُودُ،
وَأَصْوَاتٌ تَبْدَأُ، وَأَصْوَاتٌ تَنْتَهِي،
فَقَالَتِ الْمَرْأَةُ: كُلُّ هَذَا الْعَالَمِ يَعْرِفُ كَيْفَ يَسْتَمِرُّ،
فَلِمَاذَا كُنْتُ أَظُنُّ أَنَّ رَحِيلَ شَخْصٍ وَاحِدٍ سَيُوقِفُ الْكَوْكَبَ؟

كَانَ الْكَوْكَبُ يَدُورُ فَوْقَهَا،
وَلَمْ يَسْأَلْهَا عَنْ حُزْنِهَا،
وَكَانَ الْقَمَرُ يُغَيِّرُ وَجْهَهُ،
وَكَانَتِ الْبَحَارُ تَصْعَدُ وَتَهْبِطُ،
وَكَانَتِ الْأَشْجَارُ تَنْبُتُ مِنْ جِرَاحِهَا،
فَفَهِمَتْ أَنَّ الْحَيَاةَ لَا تَحْتَاجُ إِلَى إِذْنِ الْفَقْدِ لِكَيْ تَسْتَمِرَّ.

فِي صَبَاحٍ جَدِيدٍ رَأَتْ رَجُلاً آخَرَ،
لَمْ يَكُنْ يَحْمِلُ أَعْذَاراً،
وَلَمْ يَكُنْ يَقْرَعُ الْأَبْوَابَ بِقُوَّةٍ،
كَانَ يَقِفُ بَعِيداً وَيَحْتَرِمُ الْمَسَافَةَ،
فَقَالَتْ لِنَفْسِهَا: رُبَّمَا لَيْسَ الْجَدِيدُ مَنْ يَكْسِرُ الْمَزَالِيجَ،
رُبَّمَا هُوَ مَنْ يَنْتَظِرُ حَتَّى نَفْتَحَ لَهُ بِأَيْدِينَا.

فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ لَمْ تَفْتَحِ الْبَابَ،
لَمْ تَكُنْ جَاهِزَةً،
وَلَمْ يَغْضَبِ الرَّجُلُ،
قَالَ فَقَطْ: سَأَبْقَى فِي الْجِهَةِ الَّتِي لَا تُزْعِجُكِ،
فَقَالَتْ: شُكْراً،
فَكَانَتْ أَوَّلَ مَرَّةٍ تَفْهَمُ فِيهَا أَنَّ احْتِرَامَ الْبَابِ أَجْمَلُ مِنْ كَسْرِهِ.

وَكَانَ الْمِزْلَاجُ يَسْمَعُ ذَلِكَ كُلَّهُ،
فَقَالَ لِلْبَابِ: أَتَرَى؟
فَقَالَ الْبَابُ: مَاذَا؟
قَالَ: لَيْسَ كُلُّ مَنْ يَقِفُ خَارِجَكَ عَدُوّاً،
قَالَ الْبَابُ: وَلَيْسَ كُلُّ مَنْ يَدْخُلُكَ صَدِيقاً،
ثُمَّ أَضَافَ: الْحِكْمَةُ لَيْسَتْ فِي الْفَتْحِ أَوِ الْإِغْلَاقِ،
إِنَّهَا فِي مَعْرِفَةِ مَنْ يَسْتَحِقُّ أَنْ تَفْعَلَ لَهُ أَيّاً مِنْهُمَا.

كَانَتِ الْمَدِينَةُ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ أَشْبَهَ بِجَسَدٍ نَائِمٍ،
أَبْوَابُهَا مُغْلَقَةٌ وَنَوَافِذُهَا تَحْلُمُ،
وَفِي أَحْشَائِهَا مَزَالِيجُ صَغِيرَةٌ تَحْرُسُ أَسْرَارَ النَّاسِ،
مِزْلَاجٌ لِرَجُلٍ يَخَافُ أَنْ يُحَبَّ،
وَمِزْلَاجٌ لِامْرَأَةٍ تَخَافُ أَنْ تُحَبَّ مِنْ جَدِيدٍ،
وَمِزْلَاجٌ لِطِفْلٍ لَا يَعْرِفُ لِمَاذَا يَبْكِي.

وَفِي آخِرِ اللَّيْلِ جَاءَ الْحُلْمُ،
كَانَ يَحْمِلُ مِفْتَاحاً مِنْ ضَوْءٍ،
وَقَالَ: لَا أَفْتَحُ شَيْئاً،
قَالُوا: فَمَا فَائِدَتُكَ؟
قَالَ: أُرِيكُمْ أَنَّ بَعْضَ الْأَبْوَابِ لَا تَحْتَاجُ إِلَى مِفْتَاحٍ،
تَحْتَاجُ فَقَطْ إِلَى أَنْ تَتَوَقَّفُوا عَنْ الْخَوْفِ مِنَ الْجِهَةِ الْأُخْرَى.

فَتَحَتِ الْمَرْأَةُ نَافِذَتَهَا،
فَدَخَلَ صَبَاحٌ لَمْ تَعْرِفْهُ مِنْ قَبْلُ،
كَانَتْ رَائِحَتُهُ شَبِيهَةً بِالطِّينِ بَعْدَ الْمَطَرِ،
وَكَانَ صَوْتُهُ خَفِيفاً كَأَنَّهُ لَا يُرِيدُ إِيقَاظَ الْمَاضِي،
فَقَالَتْ: أَهْلاً،
فَقَالَ الصَّبَاحُ: لَا أَطْلُبُ مِنْكِ شَيْئاً؛ أَنَا فَقَطْ أُعْطِيكِ يَوْماً آخَرَ.

وَفِي ذَلِكَ الْيَوْمِ فَهِمَتِ الْمَرْأَةُ،
أَنَّ الْوَدَاعَ لَيْسَ دَائِماً صَرْخَةً،
قَدْ يَكُونُ يَداً هَادِئَةً تُدْخِلُ الْمِزْلَاجَ فِي مَكَانِهِ،
وَتَقُولُ لِلْمَاضِي: شُكْراً عَلَى مَا كُنْتَ،
وَلَكِنَّنِي لَا أَمْلِكُ بَيْتِي لِكَيْ أَسْكُنَ فِي أَيَّامِكَ،
ثُمَّ تَذْهَبُ إِلَى مَا بَقِيَ مِنْ عُمْرِهَا.

وَقَالَ الْمَاضِي مِنْ خَلْفِ الْبَابِ: أَلَا تَكْرَهِينَنِي؟
قَالَتْ: لَا،
قَالَ: أَلَا تُحِبِّينَنِي؟
قَالَتْ: لَا أَعْرِفُ،
قَالَ: فَمَاذَا تَفْعَلِينَ؟
قَالَتْ: أَتْرُكُكَ فِي مَكَانِكَ، وَأَتْرُكُ نَفْسِي فِي مَكَانِهَا، وَهَذَا أَكْفَى لِنَجَاةِ الطَّرَفَيْنِ.

وَكَانَ ذَلِكَ أَشَدَّ مِنَ الْغَضَبِ،
لِأَنَّ الْغَضَبَ يَحْتَاجُ إِلَى مَنْ يَسْمَعُهُ،
أَمَّا السَّلَامُ فَلَا يَحْتَاجُ إِلَى شَاهِدٍ،
وَكَانَ الرَّجُلُ يَقِفُ خَارِجَ الْبَابِ،
يَنْظُرُ إِلَى الْمِزْلَاجِ وَيَفْهَمُ لِأَوَّلِ مَرَّةٍ أَنَّ «لَا» لَيْسَتْ إِهَانَةً،
بَلْ حَدٌّ يَضَعُهُ إِنْسَانٌ لِيَنْقِذَ مَا بَقِيَ مِنْ نَفْسِهِ.

ثُمَّ مَرَّتْ سَيَّارَةٌ فِي الشَّارِعِ،
وَكَانَ رَادْيُوهَا يَبُثُّ أُغْنِيَةً عَنْ الْفِرَاقِ،
فَضَحِكَتِ الْمَرْأَةُ،
لِأَنَّ الْأَغْنِيَةَ كَانَتْ تَبْكِي فِي الْمَكَانِ الَّذِي تَعَلَّمَتْ فِيهِ هِيَ أَنْ تَضْحَكَ،
وَقَالَتْ لِنَفْسِهَا: لِكُلِّ قَلْبٍ طَرِيقَتُهُ فِي النَّجَاةِ،
وَلِكُلِّ نَاجٍ مِزْلَاجٌ يُغْلِقُ بِهِ مَا لَا يَسْتَطِيعُ حَمْلَهُ.

كَانَتْ «بَايْ بَايْ» تَتَرَدَّدُ فِي الشَّارِعِ،
لَيْسَتْ صَوْتَ امْرَأَةٍ وَحْدَهَا،
بَلْ صَوْتَ كُلِّ مَنْ تَعِبَ مِنْ تَفْسِيرِ نَفْسِهِ،
وَصَوْتَ كُلِّ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ مِنْ مَحْكَمَةِ الْمَاضِي،
وَصَوْتَ كُلِّ مَنْ قَالَ: سَأَبْدَأُ مِنْ هُنَا،
ثُمَّ وَضَعَ يَدَهُ عَلَى مِزْلَاجِ حَيَاتِهِ وَأَغْلَقَهُ.

وَلَكِنَّ «بَايْ بَايْ» لَمْ تَكُنْ مَوْتاً،
كَانَتْ حَرَكَةً فِي اتِّجَاهِ الْحَيَاةِ،
فَالَّذِي يُغْلِقُ بَاباً لَا يَغْلِقُ الْعَالَمَ،
إِنَّهُ يُغْلِقُ فَقَطْ مَمَرّاً لَمْ يَعُدْ يَصِلُ إِلَى مَكَانٍ،
وَيَتْرُكُ لِلشَّمْسِ نَافِذَةً،
وَلِلْغَدِ سُلَّماً، وَلِلقَلْبِ مَقْعَداً خَالِياً لِمَنْ يَأْتِي بِدُونِ ضَجِيجٍ.

وَفِي آخِرِ الشَّارِعِ كَانَتْ لَوْحَةٌ كَبِيرَةٌ،
مَكْتُوباً عَلَيْهَا: «إِلَى هُنَا انْتَهَى الْمَاضِي»،
فَتَوَقَّفَ النَّاسُ وَقَرَؤُوا،
ثُمَّ ضَحِكَ أَحَدُهُمْ وَقَالَ: الْمَاضِي لَا يَقْرَأُ اللَّوْحَاتِ،
فَقَالَتِ الْمَدِينَةُ: لَا يَهُمُّ؛ الْمُهِمُّ أَنْ تَقْرَأَهَا أَنْتَ،
لِأَنَّ الْبَابَ الَّذِي لَا تَعْرِفُ أَنَّهُ مُغْلَقٌ سَتَظَلُّ تَنْتَظِرُ مَنْ يَفْتَحُهُ.

وَكَانَتْ فِي آخِرِ اللَّوْحَةِ كَلِمَةٌ صَغِيرَةٌ،
لَا يَرَاهَا إِلَّا مَنْ اقْتَرَبَ،
مَكْتُوباً: «الطَّرِيقُ مِنْ هُنَا»،
فَقَالَ رَجُلٌ: وَأَيْنَ يَذْهَبُ؟
فَقَالَتِ الْكَلِمَةُ: إِلَى أَيِّ نَاحِيَةٍ تَخْتَارُهَا،
فَقَالَ: وَمَنْ يَضْمَنُ لِي أَنَّهَا الصَّحِيحَةُ؟ فَقَالَتْ: لَا أَحَدَ؛ لَكِنَّ الْوَقُوفَ لَيْسَ طَرِيقاً.

وَتَحَرَّكَتِ الْخُطَى،
وَتَحَرَّكَتِ الْمَدِينَةُ،
وَتَحَرَّكَتِ النَّافِذَةُ، وَالْبَابُ، وَالْمِزْلَاجُ، وَالظِّلُّ،
وَحَتَّى الْحُزْنُ تَعَلَّمَ أَنْ يَمْشِيَ دُونَ أَنْ يَجُرَّ سِلْسِلَتَهُ،
وَكَانَتْ كُلُّ نَاحِيَةٍ تُفْتَحُ عَلَى نَاحِيَةٍ أُخْرَى،
كَأَنَّ الْحَيَاةَ لَيْسَتْ إِلَّا مَدِينَةً مِنْ مَزَالِيجَ تَتَعَلَّمُ كَيْفَ تُغْلَقُ وَكَيْفَ تُفْتَحُ.

وَعِنْدَ الْفَجْرِ عَادَتِ الْأَبْوَابُ إِلَى صَمْتِهَا،
وَعَادَتِ الشَّوَارِعُ إِلَى ضَجِيجِهَا،
وَعَادَ النَّاسُ إِلَى أَسْمَائِهِمْ وَأَعْمَالِهِمْ وَهَوَاتِفِهِمْ،
وَلَمْ يَعْرِفْ أَحَدٌ أَنَّ مَدِينَةً كَامِلَةً قَدْ تَعَلَّمَتْ لَيْلَةً كَيْفَ تُغَادِرُ،
وَلَمْ يَعْرِفْ أَحَدٌ أَنَّ قَلْباً وَاحِداً كَانَ يَتَدَرَّبُ عَلَى الْحُرِّيَّةِ،
وَأَنَّ مِزْلَاجاً صَغِيراً كَانَ يَحْرُسُ أَكْبَرَ بَدَايَةٍ فِي الْعَالَمِ.

وَهُنَاكَ، فِي نَاحِيَةٍ لَا تُرَى عَلَى الْخَرَائِطِ،
كَانَ بَابٌ أَبْيَضُ يَنْتَظِرُ يَداً لَا تَرْتَجِفُ،
وَخَلْفَهُ كَانَتْ حَيَاةٌ لَمْ تُكْتَبْ بَعْدُ،
وَأَمَامَهُ كَانَتْ مَاضِيَاتٌ كَثِيرَةٌ تَنْظُرُ إِلَى الْخَلْفِ،
فَقَالَ الْمِزْلَاجُ: مَنْ أَرَادَ الْمُسْتَقْبَلَ فَلْيَتَعَلَّمْ أَلَّا يَعِيشَ وَجْهَهُ نَحْوَ الْخَلْفِ،
ثُمَّ أَغْلَقَ الْبَابَ بِهُدُوءٍ، وَفَتَحَتِ السَّمَاءُ مِزْلَاجَهَا لِلصَّبَاحِ.

وَكَانَتِ الْمَدِينَةُ تَسْأَلُ فِي نِهَايَةِ كُلِّ يَوْمٍ: مَنْ أَنْتُمْ؟
فَيَقُولُ بَعْضُهُمْ: نَحْنُ الَّذِينَ بَقُوا،
وَيَقُولُ آخَرُونَ: نَحْنُ الَّذِينَ رَحَلُوا،
وَيَقُولُ آخَرُونَ: نَحْنُ الَّذِينَ أَغْلَقْنَا الْأَبْوَابَ وَلَمْ نَعْرِفْ بَعْدُ أَيْنَ نَذْهَبُ،
فَتَقُولُ الْمَدِينَةُ: لَا يَهُمُّ؛ فَالْحَيَاةُ لَا تَطْلُبُ مِنْكُمْ أَنْ تَكُونُوا مُكْتَمِلِينَ،
إِنَّهَا تَطْلُبُ فَقَطْ أَنْ تَعْرِفُوا مَتَى تَضَعُونَ أَيْدِيَكُمْ عَلَى الْمَزَالِيجِ.

وَفِي اللَّحْظَةِ الْأَخِيرَةِ،
لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ رَجُلٌ وَلَا امْرَأَةٌ وَلَا بَابٌ وَلَا شَارِعٌ،
كَانَ هُنَاكَ صَوْتٌ فَقَطْ يَصْعَدُ مِنْ أَعْمَاقِ الْمَدِينَةِ،
يَقُولُ: مَا رَحَلَ لَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَعُودَ،
وَمَا جَاءَ لَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَحْمِلَ أَوْزَارَ مَنْ سَبَقَهُ،
وَمَنْ بَقِيَ فَلْيَفْتَحْ نَافِذَتَهُ؛ فَثَمَّةَ شَمْسٌ لَمْ تَسْأَلْ عَمَّنْ أَغْلَقَ الْبَابَ أَمْسِ.

ثُمَّ سَمِعَتِ النَّوَاحِي كُلُّهَا طَقَّةً وَاحِدَةً،
كَأَنَّ أَلْفَ مِزْلَاجٍ أُغْلِقَ فِي لَحْظَةٍ،
وَلَكِنَّ الطَّقَّةَ لَمْ تَكُنْ صَوْتَ نِهَايَةٍ،
كَانَتْ صَوْتَ مَنْ يَضَعُ حَدّاً لِمَا اسْتَنْزَفَهُ،
ثُمَّ يَلْتَفِتُ إِلَى الطَّرِيقِ الْآخَرِ،
وَيَقُولُ لِمَا خَلْفَهُ، بِصَوْتٍ لَا يَحْتَاجُ إِلَى صَرَاخٍ: بَايْ بَايْ.

وَمَا إِنْ قَالَهَا حَتَّى فُتِحَتْ أَلْفُ نَافِذَةٍ،
وَتَحَرَّكَتْ أَلْفُ سَحَابَةٍ،
وَخَرَجَتْ أَلْفُ خُطْوَةٍ مِنْ أَلْفِ بَيْتٍ،
وَتَفَرَّقَتِ الْحِكَايَاتُ فِي النَّوَاحِي كَالطُّيُورِ،
وَلَمْ يَعُدْ لِلْمَاضِي سُلْطَانٌ إِلَّا عَلَى مَنْ يَدْعُوهُ،
وَأَصْبَحَتْ مَزَالِيجُ النَّوَاحِي لَا تَحْرُسُ الْحُزْنَ، بَلْ تَحْرُسُ حَقَّ الْإِنْسَانِ فِي أَنْ يَبْدَأَ مِنْ جَدِيدٍ.

وَهَكَذَا ظَلَّتِ الْمَدِينَةُ تَكْبُرُ،
تَفْتَحُ أَبْوَاباً لِمَنْ يَجِيءُ، وَتُغْلِقُ أَبْوَاباً لِمَنْ يَذْهَبُ،
وَتُخَبِّئُ فِي كُلِّ نَاحِيَةٍ مِزْلَاجاً لِحِكَايَةٍ لَمْ تَنْتَهِ،
وَفِي كُلِّ حِكَايَةٍ قَلْباً يَتَعَلَّمُ أَنَّ الْحُبَّ لَيْسَ امْتِلَاكاً،
وَأَنَّ الْوَدَاعَ لَيْسَ مَوْتاً، وَأَنَّ السُّخْرِيَةَ قَدْ تَكُونُ آخِرَ قِنْدِيلٍ فِي نَفَقِ الْحُزْنِ،
وَأَنَّ أَجْمَلَ الْأَبْوَابِ هِيَ الَّتِي نَفْتَحُهَا لِلْحَيَاةِ بَعْدَ أَنْ نُغْلِقَ مَا لَمْ يَعُدْ يَصْلُحُ لِلسُّكْنَى.

 

 

 

____

أغسطس 2026م

ديم النور شرق - القضارف 

تعليقات

المشاركات الشائعة