ديوان : صقيع الوَّراق
صقيع الوَّراق

مصعب الرمادي
صقيع الوَّراق
__________________
الكتاب : صقيع الوراق
الكاتب : مصعب الرمادي
تاريخ الطبع : أغسطس 2026م
حقوق الطبع والتأليف محفوظة للمؤلف
_____________________
كان الورّاقُ الأولُ يجلسُ في آخرِ العالمِ،
يُدفّئ أصابعَهُ بحبرٍ لم يكن يعرفُ أنهُ سيصيرُ تاريخاً،
وكانت الورقةُ ترتجفُ تحتَ يدهِ كطائرٍ خرجَ لتوّهِ من الغابة،
فإذا كتبَ اسماً صارَ للاسمِ ظلٌّ، وإذا محا اسماً ماتَ رجلٌ في مكانٍ ما،
وكانت المطبعةُ بعيدةً، مثلَ مدينةٍ لا يعرفُها أحد،
وكان الصمتُ أولَ كتابٍ نسخهُ الورّاقُ ولم يبعْ منهُ نسخةً واحدة.
في المدنِ التي يهاجرُ إليها المثقفونَ العربُ،
تظلُّ اللغةُ حقيبةً زائدةً عن وزنِ الطائرة،
ويظلُّ المنفى مكتباً بلا نافذةٍ،
تُعلَّقُ على جدرانهِ شهاداتٌ لا تعترفُ بها البلادُ الجديدة،
وتجلسُ الكتبُ على الرفوفِ مثلَ لاجئينَ يحملونَ جوازاتٍ منتهية،
بينما يكتبُ المثقفُ وطنَهُ من جديدٍ على ظهرِ فاتورةِ كهرباء.
كان المنفى يعلّمُ المثقفَ برودةَ الأشياءِ،
فاللغةُ هناكَ لا تجدُ شجرةً تعرفُ اسمَها القديم،
والقصيدةُ تدخلُ المقهى متأخرةً عن موعدِها،
والكاتبُ يترجمُ قلبَهُ إلى لغةٍ لا تعرفُ طفولةَ أمه،
ثم يعودُ آخرَ الليلِ إلى غرفتهِ،
ليجدَ أن الحبرَ وحدهُ ظلَّ عربياً.
في محطةٍ أوروبيةٍ رأيتُ شاعراً عربياً،
يضعُ قصيدتهُ في حقيبةٍ صغيرةٍ بجوارِ معطفه،
كان يخشى عليها من التفتيشِ أكثرَ مما يخشى على جوازه،
وحين سألهُ الموظفُ عن محتوياتِ الحقيبة،
قال: أوراقٌ لا قيمةَ لها،
فنظرَ الموظفُ إلى الأوراقِ طويلاً كأنّهُ لم يفهمْ معنى الوطن.
تحتَ ثلجِ المنفى،
كان الورّاقُ يكتبُ أسماءَ البلادِ العربيةِ على الزجاج،
فتمحوها أنفاسُ المارة،
ويكتبُ بغدادَ فتتحولُ إلى بخار،
ويكتبُ دمشقَ فتسقطُ قطرةً،
ويكتبُ الخرطومَ فتظهرُ شجرةُ سنطٍ صغيرةٌ في النافذة،
ثم يأتي الليلُ ويعيدُ ترتيبَ الجغرافيا.
يا صقيعَ الورّاق،
كم من يدٍ ارتجفتْ وهي تنسخُ كتاباً لا يملكُ صاحبهُ ثمنَه،
وكم من عينٍ سهرتْ على صفحةٍ واحدةٍ حتى صارَ الصباحُ حروفاً،
وكم من مصباحٍ زيتيٍّ حفظَ أسرارَ المخطوطات،
وكم من ظهرٍ انحنى فوقَ الطاولةِ حتى ظنَّ الناسُ أنهُ يركعُ للورق،
وهو في الحقيقةِ كان يصلّي للمعنى.
كان الورّاقُ حارسَ الذاكرةِ قبلَ أن تولدَ الذاكرةُ الرقمية،
وكان يعرفُ أن الكتابَ ليسَ ورقاً،
بل جسداً آخرَ للإنسان،
وأن الحبرَ دمٌ بطيءٌ لا يصرخُ حينَ يُسفك،
وأن الصفحةَ قبرٌ مفتوحٌ للموتى والأحياء،
وأن كلَّ كتابٍ ينجو من النارِ يسرقُ من النارِ شيئاً.
في بغدادَ القديمةِ،
كان الورّاقونَ يملؤونَ الأسواقَ بما يشبهُ المطرَ الأسود،
مخطوطاتٌ، تفاسيرُ، دواوينُ، كتبُ طبٍّ وفلكٍ وفلسفة،
وكانت الأصابعُ تعرفُ قيمةَ الكتابِ من ملمسِ جلدهِ،
والعينُ تقرأُ تاريخَهُ من لونِ الحبر،
وكان السوقُ جامعةً بلا أبواب،
والمدينةُ مكتبةً تمشي على قدمين.
ثم جاءت المهنُ التي تجلسُ بجوارَ الورّاق،
النساخُ، المجلدونَ، الخطاطونَ، الوراقونَ، بائعو الحبر،
صانعو الورقِ، المذهّبونَ، المراجعونَ، المصححونَ،
حملةُ الكتبِ في القوافلِ، وباعةُ الأخبارِ في الأزقة،
وكان الكتابُ صناعةً كاملةً لا يولدُ إلا إذا تعاونَتْ لهُ مدينةٌ بأكملِها،
كأنَّ المعرفةَ نفسها كانت تحتاجُ إلى قبيلةٍ كي تولد.
جاء الورقُ من أسفارٍ بعيدة،
حاملاً معهُ سرَّ النباتِ والماء،
ومن الصينِ عبرَ الطرقِ الطويلةِ،
تعلمَ العالمُ أن الشجرةَ يمكنُ أن تتحولَ إلى ذاكرة،
وأن القماشَ الممزقَ يمكنُ أن يصيرَ كتاباً،
وأن الورقةَ تستطيعُ أن تحملَ إمبراطوريةً كاملةً،
إذا وجدَتْ يداً تعرفُ كيفَ تكتبُ عليها.
كانت صناعةُ الورقِ نوعاً من السحرِ،
أليافٌ تُضربُ بالماء،
ثم تُرفعُ بشبكةٍ دقيقةٍ،
فتولدُ صفحةٌ بيضاءُ مثلَ فجرٍ لم يُكتبْ بعد،
وكان الصانعُ ينظرُ إليها،
فيخطرُ لهُ أن البياضَ ليسَ فراغاً،
بل احتمالٌ واسعٌ لكلِّ ما يمكنُ للإنسانِ أن يكونَه.
في الأزمنةِ القديمةِ كان الكتابُ بطيئاً،
لكن البطءُ لم يكن عيباً،
كان يسمحُ للكلمةِ أن تنضجَ قبلَ أن تولد،
وللعينِ أن تتأملَ قبلَ أن تقرأ،
ولليدِ أن تخطئَ ثم تصلحَ خطأها،
وللصمتِ أن يشاركَ الكاتبَ في تأليفِ النص.
ثم جاءت المطبعةُ كحصانٍ معدنيٍّ،
يركضُ فوقَ القرونِ ولا يلتفتُ إلى أحد،
وضاعفتِ الكلمةَ حتى صارَ للكتابِ إخوةٌ لا يحصون،
وأصبحَ المؤلفُ يسمعُ صوتهُ من مدنٍ لم يزرها،
وصارت الصفحةُ تسافرُ أسرعَ من صاحبِها،
وصارَ الخطأُ أيضاً قادراً على السفرِ بسرعةِ الحقيقة.
كانت المطبعةُ مخبزاً آخرَ،
تدخلُ إليهِ الحروفُ عجينةً،
وتخرجُ أرغفةً من المعنى،
وكان الحبرُ دقيقَها الأسود،
والورقُ طحينَها الأبيض،
والعاملُ خبازاً لا يأكلُ ما يخبزهُ،
بل يتركُ للمدنِ خبزَ القراءة.
في الفجرِ كانت المطابعُ تتنفسُ،
والآلاتُ المعدنيةُ تضربُ إيقاعاً يشبهُ قلبَ مدينةٍ صناعية،
وكانت رائحةُ الحبرِ تختلطُ برائحةِ الخبزِ الطازج،
فتصبحُ الصحيفةُ شيئاً بين الإفطارِ والخبر،
وكان بائعُ الصحفِ يحملُ العالمَ تحتَ ذراعه،
ويمشي بهِ قبلَ أن تستيقظَ الشمس.
بائعةُ الصحفِ المتجولةُ تعرفُ المدينةَ أكثرَ من المؤرخين،
تعرفُ أيَّ شارعٍ يريدُ الحربَ وأيَّ شارعٍ يريدُ الحب،
تعرفُ من يشتري الصحيفةَ ليقرأَ ومن يشتريها ليخفيَ وجهَه،
وتعرفُ أن الخبرَ الذي يبيعُهُ الناسُ صباحاً،
قد يصيرُ في المساءِ ورقاً لتغليفِ السمك،
لكنها مع ذلكَ تواصلُ المشي.
كانت تحملُ الصحفَ كأنها تحملُ أسراباً من الطيور،
كلُّ عنوانٍ جناحٌ،
كلُّ صورةٍ نافذةٌ،
كلُّ إعلانٍ فمٌ صغيرٌ يطلبُ شيئاً،
وكانت المدينةُ تقرأُ نفسها في يدِها،
ثم تمزقُ النسخةَ القديمةَ من وجهِها،
وتنتظرُ طبعةَ الغد.
في مقهى باريسيٍّ على نهرِ الريفيرا،
وضعتُ مخطوطةَ قصيدةِ النثرِ إلى جوارِ فنجانِ القهوة،
وجلستْ أمامي سيدةٌ فاتنةُ العينينِ،
كانت تقلبُ صفحاتي بأصابعَ تعرفُ الدلالَ أكثرَ مما تعرفُ النحو،
وقالت: لماذا تكتبونَ بالعربيةِ كأنكم تبحثونَ عن بابٍ سريٍّ في اللغة؟
فقلتُ: لأن البابَ نفسهُ يعيشُ في المنفى.
ضحكتْ،
وكان ضحكُها ترجمةً لا تحتاجُ إلى قاموس،
وقالت: وما الترجمة؟
قلتُ: أن يحملَ المعنى حقيبتَهُ،
وأن يعبرَ الحدودَ دونَ أن يفقدَ جوازَهُ،
ثم صمتنا،
فكانت القهوةُ بيننا مترجماً محايداً،
وكان نهرُ الريفيرا يترجمُ الضوء إلى ماء.
قلتُ لها إن التعريبَ ليسَ استبدالَ كلمةٍ بكلمة،
بل نقلُ كائنٍ حيٍّ من مناخٍ إلى مناخ،
إنك حينَ تعرّبُ قصيدةً لا تنقلُ حروفَها،
بل تنقلُ بردَها وحرارتَها وظلالَها،
وتتركُ بعضَ العصافيرِ خلفَ النافذة،
لأنها لا تعرفُ الطريقَ إلى اللغةِ الجديدة.
قالت: وهل قصيدةُ النثرِ بلا وطن؟
فقلتُ: هي وطنٌ متنقل،
لا تعترفُ بالحدودِ إلا لتكسرَها،
تسكنُ بينَ الشعرِ والسرد،
بينَ الموسيقى والمعنى،
وتنامُ أحياناً في جيبِ مترجمٍ مجهول.
في تلكَ اللحظةِ،
دخلَ النادلُ بفنجانٍ ثانٍ،
ووضعَهُ أمامَها كأنّهُ يضعُ فاصلةً في قصيدة،
وكانت رائحةُ البنِّ تصعدُ من الطاولةِ،
فتوقظُ في داخلي بغدادَ وإسطنبولَ والخرطوم،
ثلاثَ مدنٍ تتحدثُ في رأسي،
ولا واحدةٌ منها تعرفُ كيفَ تغادر.
سألتني عن الورّاق،
قلتُ لها: الورّاقُ رجلٌ يطاردُ الأصلَ وهو يعرفُ أن الأصلَ مات،
يبحثُ عن نسخةٍ أولى لا وجودَ لها،
ويؤمنُ أن كلَّ نسخةٍ تخفي نسخةً أخرى،
وأن الكتابَ مثلُ مرآةٍ أمامَ مرآة،
كلما دخلتَ فيهِ رأيتَ نفسك أبعد.
وهنا ظهرَ داروينُ على الطاولةِ،
كان يحملُ قرداً من الورقِ ونعجةً من الحبر،
ويقولُ إن الأصلَ ليسَ نقطةً واحدةً،
بل شجرةٌ كثيرةُ الفروع،
فقالَ الورّاقُ: وما الناسخُ؟
فأجابَ داروينُ: كائنٌ يكررُ نفسهُ كي يتغير،
فضحكَتِ النعجةُ دولي،
وسقطتْ من فمِها نسخةٌ من الجينوم.
كانت دولي تمشي بينَ الكتب،
وتفتشُ عن أمّها في الفهرس،
كلُّ نسخةٍ منها كانت تسألُ النسخةَ السابقة:
من أينَ جئتِ؟
وكانت الإجابةُ تتكاثرُ مثلَ الحروف:
أنا الأصلُ لأنني أملكُ تاريخاً،
وأنتِ النسخةُ لأنكِ ولدتِ من حكايةٍ سابقة.
قلتُ لداروين:
ربما كان الإنسانُ أيضاً مخطوطاً،
كلُّ جيلٍ نسخةٌ مشروخةٌ من جيلٍ سابق،
وكلُّ طفرةٍ هامشٌ كتبهُ القلمُ بالخطأ،
ثم جاءَ الزمنُ فحوّلَ الخطأَ إلى قانون،
وجاءَ الورّاقُ فنسخَ القانونَ،
ثم جاءَ الشاعرُ فشكَّ في النسخة.
كان الناسخُ والمنسوخُ يتشاجرانِ في المكتبة،
الأولُ يقولُ: أنا الذي حفظتُ النص،
والثاني يقولُ: أنا الذي أعطيتُهُ حياةً جديدة،
فتدخلُ الورقةُ بينهما،
وتقولُ: كلاكما ظلٌّ لي،
فالأصلُ لا يعيشُ دونَ نسخة،
والنسخةُ لا تعرفُ أنها نسخةٌ إلا بوجودِ أصلٍ متخيل.
وفي متجرٍ عربيٍّ لخدماتِ الإنترنت،
رأيتُ الورّاقَ وقد ارتدى قميصاً حديثاً،
جلسَ أمامَ ماكينةِ تصويرٍ ضخمة،
وبجوارهِ طابعةٌ تبتلعُ البحوثَ الجامعيةَ مثلَ وحشٍ أبيض،
كان الطلابُ يرسلونَ ملفاتهم،
والآلةُ تردُّ عليهم بأوراقٍ ساخنةٍ.
قال صاحبُ المتجر:
عندي طباعةٌ وتصويرٌ وتغليفٌ ومسحٌ ضوئي،
وعندي تقديمٌ إلكترونيٌّ أيضاً،
وعندي كهرباءٌ للشحن،
فقلتُ: لقد صارَ الورّاقُ محطةَ طاقةٍ للمعرفة،
فابتسمَ وقال:
المهمُّ أن يخرجَ الطالبُ ببحثهِ مربوطاً،
حتى لو كانَ البحثُ نفسهُ لم يُربطْ بعد.
كانت ماكينةُ التصويرِ في الزاويةِ،
تفتحُ فمَها وتغلقُهُ،
فتخرجُ الصفحاتُ واحدةً بعدَ أخرى،
كأنها تلدُ نسخاً متشابهةً من عالمٍ واحد،
وكانت الطابعةُ تنفثُ رائحةً بلا ذاكرة،
أما الورّاقُ فكانَ يضحكُ،
لأنهُ يعرفُ أن النسخَ الحديثةَ أسرعُ منهُ،
لكنها لم تتعلمْ بعدُ كيفَ تحبُّ الورقة.
في الرفوفِ أقلامٌ ودفاترُ ومشابكُ،
وأغلفةٌ شفافةٌ وملفاتٌ زرقاء،
وأحبارٌ سوداءُ وحمراء،
وأوراقٌ لامعةٌ وأخرى خشنة،
وكانت الأدواتُ المكتبيةُ تبدو كقبيلةٍ صغيرةٍ،
كلُّ فردٍ فيها ينتظرُ دورهُ في صناعةِ الوثيقة،
حتى المشبكُ المعدنيُّ كانَ يشعرُ أن لهُ رسالةً فلسفية.
في الخلفِ ماكينةُ التغليف،
تُدخلُ الكتابَ عارياً،
فتخرجهُ بجلدٍ بلا روح،
وكان الطلابُ ينظرونَ إلى رسائلهم الجامعيةِ بسعادة،
كأنهم أنجبوا أطروحاتٍ من الورق،
ولا يسألونَ أحياناً من أينَ جاءت الأفكار،
بل يسألونَ فقط: هل الغلافُ جيدٌ؟
كان التقديمُ الإلكترونيُّ واقفاً على شاشةٍ صغيرة،
يطلبُ بريداً إلكترونياً وكلمةَ مرور،
بينما كانَ الورّاقُ القديمُ يطلبُ من زبونهِ اسمَهُ فقط،
ثم يعرفُ من طريقةِ كتابتهِ إن كانَ مستعجلاً،
أو حزيناً،
أو يحملُ كتاباً في داخلهِ لا يعرفُ كيفَ يكتبهُ.
في متجرِ الخدماتِ الحديثةِ،
التقتْ آلةُ التصويرِ بالهاتفِ الذكي،
وقالتِ الآلةُ: أنا أستنسخُ الورق،
قالَ الهاتفُ: وأنا أستنسخُ العالم،
فضحكَ الورّاقُ وقال:
كلاكما ينسخُ الصورة،
لكن أحدكما لا يعرفُ أينَ يدفنُ النسخَ القديمة.
ثم رأيتُ صندوقاً صغيراً لبيعِ الكهرباء،
بطاقاتُ شحنٍ وأرقامٌ تضيءُ،
فقلتُ: حتى المعرفةُ أصبحتْ تحتاجُ إلى كهرباء،
فأجابني الورّاقُ:
كان أجدادي يحتاجونَ إلى زيتِ المصباح،
ونحنُ نحتاجُ إلى الشبكة،
والفرقُ أن الظلامَ لم يتغير،
بل تغيرَ اسمُهُ فقط.
في شرفةِ بيتِ الشاعرِ في ليلِ المنفى،
كانت النافذةُ مضاءةً كصفحةٍ وحيدةٍ في كتابٍ هائل،
والمدفأةُ الإنجليزيةُ تحرقُ حطبَها بهدوء،
كأنها تقرأُ روايةً قديمةً ولا تريدُ الوصولَ إلى النهاية،
كان الدخانُ يصعدُ بطيئاً،
ويكتبُ على السقفِ أبجديةً لا يعرفُها أحد.
جلستُ إلى جوارِ النار،
وضعتُ كتاباً قديماً على الطاولة،
فشعرتُ أن الورقَ أكثرُ دفئاً من جسدي،
وأن المنفى ليسَ مكاناً بعيداً،
بل غرفةٌ تعرفُ كلَّ شيءٍ عنك،
ثم تنكرُ أنكَ سكنتَ فيها.
كانت المدفأةُ تلتهمُ الحطبَ،
والحطبُ يشتعلُ مثلَ مخطوطٍ أخير،
كلُّ شرارةٍ صفحةٌ،
كلُّ رمادٍ مكتبةٌ،
وكلُّ قطعةِ خشبٍ كانت شجرةً،
وكلُّ شجرةٍ كانت احتمالاً لكتابٍ لم يُكتب.
قلتُ للنار:
أنتِ أيضاً ورّاقة،
تحولينَ الأشياءَ إلى أثر،
وتنسخينَ الشجرةَ في الرماد،
وتتركينَ لنا نسخةً أصغرَ من الغابة،
لكن النارَ لم تجب،
وكان صمتُها أكثرَ بلاغةً من مكتبة.
في بغدادَ كنتُ أمشي في سوقِ الورّاقينَ للكتبِ القديمة،
ألمسُ أغلفةً أكلَتْ أطرافَها السنوات،
وأشمُّ رائحةَ الورقِ كأنني أشمُّ بيتاً غادرتهُ منذُ طفولتي،
وكانت الكتبُ المستعملةُ تتكلمُ في الظلام،
كلُّ كتابٍ يحملُ اسمَ قارئٍ سابق،
وكلُّ اسمٍ يحملُ حكايةً لا تظهرُ في الفهرس.
اشتريتُ كتاباً قديماً،
وكان في صفحتهِ الأولى اسمُ رجلٍ ماتَ قبلَ عقود،
شعرتُ أنني لا أشتري كتاباً،
بل أشتري يداً مجهولةً صافحتْ هذه الصفحةَ قبلي،
وأن الورقَ يسجلُ حرارةَ الأصابع،
كما يسجلُ الحبرُ حرارةَ الفكر.
في بغدادَ كان السوقُ أشبهَ بذاكرةٍ لها دكاكين،
الأبوابُ ضيقةٌ،
لكن خلفَها عوالمُ لا تنتهي،
والمكتباتُ القديمةُ تشبهُ آباراً،
كلما انحنى المرءُ فوقَها رأى وجوهَ الموتى،
ورأى نفسهُ أيضاً في قاعِ الماء.
ثم وصلتُ إسطنبول،
فوجدتُ الكتبَ تمشي بينَ الشرقِ والغرب،
التركيةُ إلى جوارِ العربية،
والفارسيةُ تراقبُ الروسية،
واللاتينيةُ تضعُ يدَها على كتفِ اليونانية،
وكانت المدينةُ نفسها مخطوطةً متعددةَ الأبجديات،
كلُّ شارعٍ فيها هامشٌ لكتابٍ لم يكتمل.
في سوقِ الكتبِ القديمةِ بإسطنبول،
كان الورقُ يملكُ رائحةَ المطرِ والبحر،
والخطوطُ القديمةُ تبدو كأنها جسورٌ بينَ إمبراطورياتٍ غائبة،
كنتُ أفتحُ كتاباً،
فأسمعُ وقعَ أحذيةِ رجالٍ ماتوا منذُ قرون،
وأغلقُهُ،
فتعودُ المدينةُ إلى القرنِ الذي أعيشُ فيه.
وفي الشارقة،
كانت الكتبُ تدخلُ الضوءَ العربيَّ من بابٍ آخر،
معارضُ ومكتباتٌ وناشرون،
أجنحةٌ مليئةٌ بالمجلدات،
ومدنٌ عربيةٌ تتقابلُ على رفوفٍ لا تعرفُ الحدود،
وكان الورّاقُ الخليجيُّ يبتسمُ للكتابِ القادمِ من بعيد،
كأن العالمَ كلهُ أصبحَ معرضاً واحداً.
هناكَ تعلمتُ أن الكتابَ يسافرُ أكثرَ من صاحبه،
قد يذهبُ إلى بلدٍ لا يعرفهُ المؤلف،
ويستقرُّ في يدِ قارئٍ لم يسمعْ باسمه،
ثم يظلُّ عشراتِ السنينِ ينتظرُ عيناً جديدةً،
فتفتحُ الصفحةَ،
فيعودُ الميتُ إلى الكلام.
الصورةُ ليستْ الأصلَ،
لكنها تحفظُ شيئاً من خوفِ الأصلِ،
والنسخةُ ليستْ الحقيقةَ،
لكنها تمنحُ الحقيقةَ فرصةً ثانيةً كي تتنفس،
والكتابُ ليسَ المؤلفَ،
لكنهُ قناعُهُ الأكثرُ دواماً،
أما الورقةُ فهي الجلدُ الذي تتركُ عليهِ الذاكرةُ ندوبَها.
في ألبومِ العائلةِ الريفية،
كانت الصورُ القديمةُ تصطفُّ مثلَ شهودٍ صامتين،
نساءٌ أمامَ البيوت،
أطفالٌ تحتَ شجرةٍ،
رجلٌ يحملُ معولاً،
جملٌ يمرُّ خلفَ المشهد،
وبستانٌ لا يعرفُ أن أحداً سيحنُّ إليهِ بعدَ نصفِ قرن.
كانت صورةُ الجدِّ مهزوزةً قليلاً،
لكن اهتزازَها جعلَهُ أكثرَ حياةً،
كأن الكاميرا لم تستطعْ أن تمسكَ بروحهِ كلها،
وكانت صورةُ الجدةِ ثابتةً،
حتى ظننتُ أن الموتَ نفسهُ تعلمَ منها الوقار،
وكان الأطفالُ في الصورةِ يضحكونَ،
ولا يعرفونَ أنهم سيصبحونَ يوماً أرشيفاً.
خلفَ البيتِ كان بستانُ القبراتِ الملونة،
أو هكذا سماهُ الشاعرُ في طفولته،
أشجارٌ كثيرةٌ،
وقبراتٌ صغيرةٌ تقفزُ من غصنٍ إلى غصن،
وأشجارُ سنديانٍ ظليلةٌ تشبهُ آباءَ كباراً،
وكان الضوءُ يسقطُ بينها كأنهُ حبرٌ ذهبي.
حينَ كنتُ أعودُ إلى الصورة،
لم أكن أبحثُ عن وجوهِ العائلة،
بل عن الشجرةِ التي بقيتْ خارجَ الصورة،
عن الطريقِ الذي لم يظهر،
عن الطائرِ الذي كانَ يطيرُ فوقَ الكاميرا،
عن الصوتِ الذي لم تستطعِ العدسةُ تسجيلَهُ.
هكذا اكتشفتُ أن الصورةَ ناقصةٌ دائماً،
وأن الأصلَ نفسهُ ناقصٌ،
لأن اللحظةَ لا تستطيعُ أن تحملَ كلَّ ما يحدثُ فيها،
فالضوءُ يختارُ وجهاً،
والكاميرا تختارُ زاويةً،
والذاكرةُ تختارُ جرحاً،
والورقُ يختارُ ما يبقى.
قالَ الورّاق:
لا تبحثْ عن الأصلِ في الصورة،
ابحثْ عن الغيابِ الذي صنعَها،
فكلُّ صورةٍ شهادةٌ على شيءٍ لم يدخلْ إليها،
وكلُّ نسخةٍ اعترافٌ بأن الأصلَ لم يكن كافياً،
وكلُّ أرشيفٍ مقبرةٌ للأشياءِ التي نجتْ من النسيان.
في المنفى أفتحُ ألبومَ العائلة،
فتخرجُ منهُ رائحةُ التراب،
رائحةُ المطرِ الأول،
رائحةُ الحطبِ،
رائحةُ خبزٍ كانتْ أمي تضعُهُ على المائدة،
فأعرفُ أن الصورةَ ليستْ بصراً فقط،
بل حاسةٌ سريةٌ لا تعرفُها الكاميرات.
الورقةُ أيضاً لها ذاكرةٌ،
تتغيرُ مع الرطوبة،
وتصفرُّ مع الزمن،
وتتجعدُ حيثُ لمستْها اليدُ كثيراً،
وتحملُ بقعَ القهوةِ مثلَ خرائطَ لحروبٍ صغيرة،
حتى إنني صرتُ أقرأُ الكتابَ من أمراضهِ،
لا من كلماتهِ وحدها.
وكانت الكتبُ القديمةُ تسعلُ،
حينَ أفتحُها،
يتطايرُ منها غبارٌ ناعمٌ،
كأنها تحاولُ أن تتخلصَ من قرونٍ كاملةٍ عاشتْها على رفٍّ واحد،
وكان الورّاقُ يربتُ على ظهرِ الكتاب،
ويقولُ لهُ:
اهدأ، لقد جاءَ قارئٌ جديد.
في مدينةٍ ما،
كان الناسخُ يموتُ ولا يموتُ خطُّه،
يموتُ الورقُ ولا تموتُ الكلمة،
تموتُ المطبعةُ ولا يموتُ شغفُ التكثير،
يموتُ الكتابُ ولا يموتُ سؤالُه،
كأن المعرفةَ كائنٌ لا يعرفُ كيفَ يرضى بالموت.
وعلى حافةِ العالمِ الرقمي،
وقفَ الورّاقُ القديمُ أمامَ شاشةٍ مضيئة،
سألها: أينَ الورق؟
قالت: في الذاكرة.
سألها: وأينَ الذاكرة؟
قالت: في السحابة.
فرفعَ رأسَهُ إلى السماء،
وقال: إذن فقد أصبحَ الكتابُ غيمةً.
ضحكتِ الغيمةُ،
وأمطرتْ ملفاتٍ بصيغةٍ غريبة،
PDF وDOCX وEPUB،
وسقطتِ الكتبُ بلا رائحة،
فبكى الورّاقُ،
لأن الملفَّ الإلكترونيَّ لا يتركُ على الأصابعِ حبرَ القراءة،
ولا يملكُ صوتَ الورقةِ حينَ تُقلبُ في الليل.
لكن الشاعرَ قال:
لا تحزن،
فالكتابُ يتغيرُ كما تتغيرُ الكائنات،
وما دامتِ الفكرةُ قادرةً على النجاة،
فإن شكلَها لا يهمُّ كثيراً،
قد تسكنُ جلدَ شجرة،
أو قرصاً صلباً،
أو شاشةً صغيرةً في يدِ طفلٍ بعيد.
في مطبعةٍ عندَ الفجر،
كان العمالُ يفتحونَ الأبوابَ،
والمدينةُ لا تزالُ نائمة،
والورقُ يدخلُ الآلاتِ بارداً،
ثم يخرجُ ساخناً،
كأن المطبعةَ مصنعٌ للشموسِ الصغيرة،
وكلُّ صحيفةٍ شمسٌ مؤقتةٌ فوقَ طاولةِ الإفطار.
كانت رائحةُ الفجرِ الطريةِ تختلطُ برائحةِ الحبر،
فأصبحَ الصباحُ أسودَ قليلاً،
وكان خبزُ المخابزِ المجاورةِ يرسلُ بخارهُ إلى الشارع،
فتبدو المدينةُ كأنها تطبعُ نفسها مرتين:
مرةً بالخبز،
ومرةً بالأخبار.
الورّاقُ يعرفُ أن الجوعَ إلى الخبزِ يشبهُ الجوعَ إلى الكتاب،
كلاهما يدخلُ الجسدَ من طريقٍ مختلف،
وكلاهما يمنحُ الإنسانَ قدرةً على مواصلةِ اليوم،
لكن أحدهما يُهضمُ في المعدة،
والآخرُ يبقى في الذاكرةِ مثلَ حجرٍ مضيء.
كانت بائعةُ الصحفِ تمرُّ في الشارعِ،
تعلنُ عن العالمِ بصوتٍ خفيف،
تبيعُ الحربَ إلى جوارِ الرياضة،
والاقتصادَ إلى جوارِ الفن،
والسياسةَ إلى جوارِ إعلانٍ عن مسحوقِ غسيل،
وكان العالمُ كلهُ يساوي في يدِها رزمةَ ورقٍ مربوطةً بخيط.
في يومٍ ممطر،
سقطتْ بعضُ الصحفِ في بركةِ ماء،
فحاولتِ البائعةُ إنقاذَها،
لكن الحبرَ بدأَ يذوبُ،
فتداخلتْ الوجوهُ بالعناوين،
وصارتْ الحربُ إعلاناً،
والإعلانُ قصيدةً،
والقصيدةُ خبراً،
والخبرُ سمكةً تسبحُ في شارعٍ مبلل.
قالَ الورّاق:
هكذا تفعلُ الذاكرةُ بنا،
تغمرُ النصوصَ بالماءِ،
ثم تتركُنا نقرأُ ما تبقى،
نحنُ لا نتذكرُ التاريخَ،
بل نتذكرُ نسخةً مبتلةً منهُ،
نسخةً مشوهةً قليلاً،
لكنها أصدقُ أحياناً من الوثيقة.
في الليلِ،
عادَ الشاعرُ إلى شرفته،
وكانت المدفأةُ الإنجليزيةُ لا تزالُ تحرقُ حطبَها،
والثلجُ خارجَ النافذة،
والكتابُ مفتوحاً على الطاولة،
فشعرَ أن المنفى كلهُ قد اختصرَ نفسَهُ في غرفةٍ واحدة،
غرفةٍ فيها نارٌ وكتابٌ ونافذةٌ بعيدة.
مدَّ يدهُ إلى الورقة،
لكنها كانت باردة،
فقالَ لها:
أنتِ أدفأُ مني حينَ أتذكركِ،
وأبردُ مني حينَ أنساكِ،
فأجابتهُ الصفحةُ بصمت:
أنا لا أملكُ ذاكرةً،
أنتَ الذي تضعُ ذاكرتكَ في بياضِي.
كان ذلكَ هو سرُّ الورّاق:
أنهُ لا يصنعُ الذاكرةَ،
بل يصنعُ لها مكاناً،
لا يمنحُ الإنسانَ الخلودَ،
بل يمنحُهُ سطحاً صغيراً يقاومُ عليهِ النسيان،
لا يوقفُ الموتَ،
بل يؤخرُ صمتهُ.
ثم رأيتُ الورّاقَ في حلمٍ،
يمشي فوقَ صحراءَ واسعة،
كلُّ حبةِ رملٍ صفحة،
وكلُّ صفحةٍ كتاب،
وكلُّ كتابٍ مدينة،
وكان يحملُ فوقَ ظهرهِ مكتبةً كاملة،
لكن الريحَ كانتْ تقلبُ الكتبَ،
وتكتبُ على صفحاتِها أسماءَ الموتى.
قالَ لهُ الرمل:
لماذا تحملُ كلَّ هذا؟
فقال:
لأنني أخشى أن ينسى العالمُ ما كتبَ ذاتَ يوم.
ضحكَ الرمل:
يا صديقي،
العالمُ لا ينسى،
العالمُ يغيّرُ شكلَ ذاكرتهِ فقط.
في صحراءِ الورقة،
كان الحبرُ بئراً،
والقلمُ دلوَاً،
والكاتبُ عطشاناً،
كلما شربَ جملةً،
وجدَ وراءَها جملةً أخرى،
وكلما ظنَّ أنهُ وصلَ إلى النهاية،
خرجَتْ لهُ صحراءُ جديدة.
كانت قصيدةُ النثرِ تسيرُ في تلكَ الصحراءِ،
بلا قافيةٍ تقودُها،
ولا قصرٍ لغويٍّ يحبسُها،
تسيرُ مثلَ امرأةٍ تعرفُ أن الطريقَ أهمُّ من الوصول،
وتجمعُ من الرمالِ صوراً،
ومن السرابِ موسيقى،
ومن العطشِ معنى.
قلتُ لها:
إلى أينَ تذهبين؟
قالت:
إلى اللغةِ التي لم تُكتبْ بعد،
إلى الصفحةِ التي تخافُ أن تولد،
إلى القصيدةِ التي لا تعرفُ إن كانتْ قصيدة،
إلى الورّاقِ الذي يبحثُ عن كتابٍ لم يؤلفهُ أحد.
في مكتبةٍ لا بابَ لها،
كانت النسخُ تتكاثرُ وحدها،
كتابٌ ينسخُ كتاباً،
وصفحةٌ تنجبُ صفحةً،
والحروفُ تتزاوجُ في الظلام،
حتى صارَ الرفُّ غابةً،
وصارَ الفهرسُ شجرةَ نسبٍ للكلمات.
دخلَ داروينُ مرةً أخرى،
وقال:
حتى الكتبُ تتطور،
فكلُّ نسخةٍ تحملُ اختلافاً،
وكلُّ اختلافٍ قد يصبحُ سلالة،
والقارئُ هو البيئةُ التي تختارُ ما يبقى.
فأجابهُ الورّاق:
إذن فالكتابُ كائنٌ حي،
والقراءةُ نوعٌ من الانتخابِ الطبيعي.
صرختْ دولي من آخرِ الرف:
وأينَ أنا في هذا؟
فقالَ الورّاق:
أنتِ النسخةُ التي جعلتِ العالمَ يسألُ عن معنى الأصل.
فقالت:
إذن لا يوجدُ أصلٌ بلا سؤال.
وسكتَ داروين،
لأن النعجةَ قالتْ ما لم يقلهُ في كتابه.
في مقهى الريفيرا،
كانت السيدةُ الفاتنةُ تقرأُ ترجمةً فرنسيةً لقصيدةٍ عربية،
تتعثرُ في كلمةٍ،
ثم ترفعُ عينيها نحوي،
فتبدو الكلمةُ فجأةً عاريةً من قاموسها،
قلتُ:
هذه هي الترجمة،
أن تتعثرَ الكلمةُ لكي نكتشفَ قدمَها.
قالت:
والتعريب؟
قلت:
أن نمنحَ الغريبَ غرفةً في بيتنا،
ثم نتركَ لهُ نافذةً مفتوحةً كي لا ينسى سماءَهُ الأولى.
فابتسمتْ،
وقالت:
إذن أنتم لا تترجمونَ الكتب،
بل تزوّجونَ اللغات.
في المساءِ،
كان نهرُ الريفيرا يجرُّ الضوء،
والقهوةُ تبردُ،
والقصيدةُ بيننا تكبرُ،
فقلتُ إن الورّاقَ القديمَ كانَ مترجماً أيضاً،
لأنهُ ينقلُ الكلامَ من فمٍ إلى يد،
ومن يدٍ إلى ورقة،
ومن ورقةٍ إلى قارئ،
ومن قارئٍ إلى زمنٍ آخر.
كانت المطبعةُ آنذاك جسراً،
واليومَ الشبكةُ جسرٌ،
وغداً ربما يصبحُ العقلُ نفسهُ مطبعة،
يقرأُ آلافَ الصفحاتِ في لحظة،
ويعيدُ تركيبَها في نصٍّ جديد،
لكن السؤالَ سيظلُّ قديماً:
من يملكُ حقَّ الكلام؟
في متجرِ الإنترنتِ العربي،
كان شابٌّ يطبعُ رسالتهُ الجامعية،
وفي الصفحةِ الأولى عنوانٌ طويل،
وفي الصفحةِ الثانيةِ إهداءٌ أطول،
وفي الصفحةِ الثالثةِ اسمُ المشرف،
ثم جاءتْ ماكينةُ التصويرِ ونسختْ كلَّ شيءٍ عشرينَ مرة،
كأن المعرفةَ لا تصبحُ رسميةً إلا إذا تكاثرتْ أوراقُها.
وكان الورّاقُ يبيعُ أقلاماً،
ويصلحُ حواسيبَ صغيرة،
ويشحنُ هواتف،
ويرسلُ ملفات،
ويصوّرُ شهادات،
ويغلفُ كتباً،
فقلتُ:
لقد تحولتَ من حارسٍ للكتبِ إلى حارسٍ للدورةِ الكاملةِ للمعلومة.
أجاب:
لا شيء تغير،
كان أجدادي يجمعونَ الحبرَ والورقَ والخيطَ،
وأنا أجمعُ الكهرباءَ والإنترنتَ والطابعةَ والملف،
الفرقُ أن الخيطَ كانَ يُرى،
أما الشبكةُ فلا يراها أحد،
ومع ذلكَ فهي تشدُّ العالمَ كلهُ.
في الشرفةِ،
اشتعلَ حطبٌ جديد،
وكانت النارُ تكتبُ على جذعِه آخرَ سطر،
فقلتُ إن الشجرةَ التي تصيرُ ورقاً،
والورقَ الذي يصيرُ كتاباً،
والكتابَ الذي يصيرُ ذاكرةً،
قد يعودُ في النهايةِ إلى نارٍ صغيرةٍ في مدفأةِ بيتٍ بعيد.
لكن الشاعرَ رفضَ الحزن،
وقال:
ليستِ النارُ نهايةَ الورق،
فحتى الرمادُ يمكنُ أن يصيرَ شاهداً،
والشاهدُ يمكنُ أن يصيرَ قصة،
والقصةُ يمكنُ أن تصيرَ كتاباً،
والكتابُ يمكنُ أن يعودَ إلى يدِ الورّاق.
هكذا لا يموتُ شيءٌ تماماً،
الشجرةُ تتحولُ إلى ورقة،
والورقةُ إلى كتاب،
والكتابُ إلى صورة،
والصورةُ إلى ذاكرة،
والذاكرةُ إلى قصيدة،
والقصيدةُ إلى يدٍ جديدةٍ تكتبُها.
في بغدادَ،
ظلَّتْ الكتبُ القديمةُ تنتظرُ،
وفي إسطنبولَ،
ظلَّتِ الأبجديةُ تتنقلُ بينَ الواجهات،
وفي الشارقةِ،
ظلَّتِ المعارضُ تفتحُ أبوابَها للكتب،
وفي المنفى،
ظلَّ الشاعرُ يضيءُ شرفتهُ،
كأنهُ مكتبةٌ صغيرةٌ تقاومُ الليل.
كانَ العالمُ كلهُ ورقةً واحدة،
لكنها ورقةٌ مجعدة،
عليها آثارُ حروبٍ وترجماتٍ وهجرات،
وفي زاويتها ختمٌ قديم،
وفي منتصفها صورةُ عائلة،
وفي طرفها بقعةُ قهوة،
وفي ظهرها قصيدةٌ لم يجدْ صاحبُها ناشراً.
قالَ الورّاق:
هذه هي حياتنا،
نكتبُ على الوجهِ الأولِ ما نريدُ أن يتذكرهُ العالم،
ويكتبُ التاريخُ على الوجهِ الثانيِ ما حاولنا نسيانَهُ،
ثم تأتي الأجيالُ،
فتصورُ الورقةَ كلها،
وتسمّي ذلكَ أرشيفاً.
عند الفجرِ،
عادتْ بائعةُ الصحفِ إلى شارعها،
لكنها لم تحملْ الصحفَ هذه المرة،
كانت تحملُ هاتفاً صغيراً،
وكانت الأخبارُ تصلُ إليها قبلَ أن تصلَ المطبعة،
فتوقفتْ لحظةً أمامَ بابِ المتجر،
وقالت:
لقد سبقني الخبرُ اليوم.
ضحكَ الورّاقُ:
سبقكِ الخبرُ،
لكن الناسَ ما زالوا يحتاجونَ إلى من يحكيه.
فقالت:
وما الفرق؟
قال:
الفرقُ أن الشاشةَ تعرضُ الخبر،
أما الإنسانُ فيمنحهُ ذاكرة.
في تلكَ اللحظةِ،
مرَّتْ شاحنةُ خبز،
وتصاعدَ منها البخار،
وكانتْ شاحنةُ توزيعِ الصحفِ تسيرُ خلفَها،
فبدا لي المشهدُ كأن المدينةَ توزعُ صباحها في رزم:
خبزٌ للجسد،
وورقٌ للعين،
وكهرباءٌ للشاشة،
وقهوةٌ للذاكرة.
وفي آخرِ الشارعِ،
كان عاملٌ يفتحُ بابَ مطبعة،
فسمعتُ الآلةَ قبلَ أن أراها،
ذلكَ الصوتُ المعدنيُّ الذي يشبهُ المطرَ حينَ يسقطُ على سقفٍ من صفيح،
فقلتُ:
ها هو قلبُ الورّاق يستيقظ،
وها هي المدينةُ تبدأُ طبعتها الجديدة.
لم يكن الورّاقُ رجلاً واحداً،
كان سلسلةً من الأيدي،
يدُ صانعِ الورق،
ويدُ الناسخ،
ويدُ الخطاط،
ويدُ المجلد،
ويدُ الطابع،
ويدُ المصحح،
ويدُ بائعِ الكتاب،
ويدُ القارئ الذي يمنحُ كلَّ ذلكَ معنى.
ولم يكن الكتابُ شيئاً واحداً،
كان رحلةً طويلةً،
من شجرةٍ إلى لُبٍّ،
ومن لُبٍّ إلى ورقة،
ومن ورقةٍ إلى حبر،
ومن حبرٍ إلى فكرة،
ومن فكرةٍ إلى ذاكرة،
ومن ذاكرةٍ إلى إنسانٍ لم يولدْ بعد.
في المنفى،
كنتُ أضعُ الكتابَ تحتَ وسادتي،
كأنني أضعُ وطناً صغيراً،
وأسمعُ المدفأةَ تشتعلُ ببطء،
والريحَ تضربُ النافذة،
واللغةَ تمشي في الغرفةِ حافية،
فأعرفُ أنني لم أغادرْ تماماً،
لأن اللغةَ سبقتني إلى هنا.
يا صقيعَ الورّاق،
لا تجعلِ الكتابَ حجراً،
ولا تجعلِ الحبرَ قبراً،
دعْ للصفحةِ شيئاً من دفءِ اليد،
وللقارئِ شيئاً من خطأِ العين،
وللنسخةِ شيئاً من روحِ الأصل،
وللأصلِ شجاعةَ الاعترافِ بأنهُ لم يكنْ أصلاً كاملاً.
فالورقةُ التي نكتبُ عليها،
قد تكونُ شجرةً ماتتْ كي نحيا،
والكتابُ الذي نقرأهُ،
قد يكونُ إنساناً ماتَ كي يتكلم،
والنسخةُ التي نصنعُها،
قد تكونُ محاولةً لإنقاذِ صوتٍ من الغرق،
والتصويرُ قد يكونُ شكلاً آخرَ من أشكالِ مقاومةِ الفناء.
في آخرِ الحكاية،
عادَ الورّاقُ إلى متجرهِ،
أطفأ ماكينةَ التصوير،
أغلقَ الطابعة،
رتبَ الأقلام،
جمعَ الأوراقَ المتناثرة،
ثم وضعَ على البابِ ورقةً صغيرةً كتبَ عليها:
نفتحُ غداً، إذا بقيَ للعالمِ ما يستحقُّ أن يُنسخ.
لكن العالمَ لم ينتظرْ الغد،
جاءَتْهُ آلافُ الصفحاتِ من الهواتفِ والشاشات،
وجاءتهُ الكتبُ من المطابعِ والسحب،
وجاءتهُ الصورُ من العائلاتِ القديمة،
وجاءتهُ القصائدُ من المنافي،
وظلتْ الورقةُ في المنتصفِ،
تبتسمُ كمن يعرفُ سرَّاً قديماً.
وفي الحلمِ الأخير،
رأيتُ الورّاقَ يجلسُ تحتَ سنديانةٍ،
حولَهُ بغدادُ وإسطنبولُ والشارقةُ والريفيرا،
وفوقَهُ طيورٌ ملونةٌ من بستانِ القبرات،
وفي يدهِ ورقةٌ بيضاء،
لم يكن قد كتبَ عليها شيئاً،
فسألته:
لماذا لا تكتب؟
قال:
لأن البياضَ الآنَ هو الكتاب.
ولأن كلَّ ما كتبناهُ كانَ محاولةً للوصولِ إليه.
ولأن الورّاقَ الحقيقيَّ لا يملأُ الصفحةَ دائماً،
بل يعرفُ متى يتركُ للغائبِ مكاناً،
وللنارِ رماداً،
وللذاكرةِ نافذةً.
ثم جاءَ الشتاءُ،
ونزلَ الثلجُ على سوقِ الكتب،
فغطى الأغلفةَ القديمة،
وأخفى أسماءَ المؤلفين،
لكن من تحتِ الثلجِ ظلَّ الحبرُ دافئاً،
وظلتِ الصفحاتُ تتنفسُ ببطء،
كأن آلافَ الكتبِ النائمةَ كانتْ تحلمُ بالقارئِ القادم.
عندها فهمتُ أن صقيعَ الورّاق ليسَ برداً،
إنهُ ذلكَ الشعورُ الذي يصيبُ الإنسانَ حينَ يرى المعرفةَ معرضةً للنسيان،
وهو الخوفُ من أن تصبحَ الكتبُ بلا أيدٍ،
واللغاتُ بلا قراء،
والصورُ بلا أسماء،
والأوطانُ بلا ذاكرة.
لكن الورّاقَ يواصلُ عملَه،
في كلِّ مدينةٍ،
في كلِّ مطبعة،
في كلِّ متجرِ إنترنت،
في كلِّ مكتبةٍ قديمة،
في كلِّ شرفةِ شاعرٍ في المنفى،
في كلِّ يدٍ ترفعُ ورقةً من الأرض،
وفي كلِّ عينٍ تقرأُ سطراً ولا تعرفُ أنها أنقذتْهُ من الموت.
وهكذا انتهتْ جنازةُ الورّاقِ ولم يدفنوه،
لأن الورّاقَ لا يموتُ حينَ تتوقفُ يدُه،
بل ينتقلُ إلى يدٍ أخرى،
والناسخُ لا يغيبُ حينَ تنتهي نسختهُ،
بل يتركُ اختلافاً صغيراً في الحرف،
والحرفُ يتركُ أثراً في الجملة،
والجملةُ تتركُ أثراً في القارئ.
وفي الصباحِ،
كانت المطبعةُ تطبعُ،
والبائعةُ تمشي،
والطالبُ يغلفُ رسالته،
والحاسوبُ يرسلُ ملفاً،
وآلةُ التصويرِ تضيءُ عينها الزجاجية،
والشجرةُ القديمةُ تهتزُّ في الريح،
والمدفأةُ الإنجليزيةُ تطفئُ آخرَ جمرة.
أما الشاعرُ،
فجلسَ أمامَ ورقةٍ بيضاء،
كتبَ في أعلاها:
«صقيعُ الورّاق»،
ثم توقفَ،
لأنهُ أدركَ أن المطولةَ لم تكنْ عن الورقِ،
ولا عن المطبعة،
ولا عن الناسخ،
ولا عن المنفى،
بل عن الإنسانِ نفسهِ حينَ يحاولُ أن يتركَ نسخةً منهُ في هذا العالم.
فطوى الورقةَ،
ووضعَها في جيبهِ،
وخرجَ إلى الفجر،
وكانت رائحةُ الخبزِ الطريِّ تسبقُهُ،
وكانتْ رائحةُ الحبرِ تأتي من المطبعة،
وكانتْ بائعةُ الصحفِ تستعدُّ ليومٍ جديد،
وكانتْ شجرةُ السنديانِ تفتحُ ظلَّها للطيور،
وكان الورّاقُ في مكانٍ ما،
يُشعلُ مصباحَهُ،
ويبدأُ من جديد.
__
أغسطس 2026م
مكتبة الوراق الثقافية - الخرطوم

تعليقات
إرسال تعليق