ديوان : ويلز و أميرها

 ويلز  و أميرها          

مصعب الرمادي     

ويلز و أميرها 

__________________
 الكتاب : ويلز و أميرها      

 الكاتب : مصعب الرمادي
تاريخ الطبع : أغسطس 2026م
حقوق الطبع والتأليف محفوظة للمؤلف 

_____________________

 ويلز ليست أرضاً،
بل رعشةٌ جيولوجية أصابت ذاكرة السماء،
فاستيقظ الجبل ذات صباحٍ ووجد نفسه يفكر،
ووجد البحر في مرآته وجهاً آخر لا يعرفه،
ووجدت القرى أن أسماءها أقدم من خرائط الغزاة،
وأن الضباب ليس طقساً، بل طريقة البلاد في إخفاء أسرارها.

كان التنين الأحمر نائماً فوق العلم،
لكن نومه لم يكن نوماً؛
كان يضع أذنه على صدر البلاد ويسمع المناجم تحت الأرض،
يسمع الفحم يتنفس، والعمال يصعدون من العتمة بأظافر سوداء،
ويسمع طفلاً ينطق كلمةً ويلزية للمرة الأولى،
فيهتز جناحه كأن اللغة نفسها أشعلت ناراً في العصور.

Cymru،
كلمةٌ لا تدخل الفم بسهولة،
كأنها حجرٌ صغيرٌ في حذاء الإمبراطورية،
كلما حاول الزمن أن يخلعه عاد الحجر إلى مكانه،
وكلما ظنت الخريطة أن البلاد صارت مفهومة
خرجت من الكلمة غابةٌ جديدة لا تعرف الحدود.

في ويلز،
لا تمشي الجبال؛ لكنها تغيّر أماكنها في الذاكرة،
كل قمةٍ تصحو في الصباح باسمٍ آخر،
وكل وادٍ يحتفظ بسرّ رجلٍ مات قبل أن يولد المؤرخ،
وكل شجرةٍ عجوز تعرف من مر تحتها من الملوك،
ثم ترفض أن تجيب لأنها شجرة.

المطر هناك،
كاتبٌ أعمى يحمل قلماً من ماء،
يكتب على القلاع ثم يمحو ما كتب،
يمسح وجوه الفاتحين من الجدران ولا يمسح آثارهم،
ويترك أسماء الرعاة على الصخور،
كأن التاريخ في ويلز لا يُكتب بالحبر بل بالتكرار.

حين تمطر،
تخرج من الحجارة أصواتٌ لا يسمعها السائح،
صوت فارسٍ يبحث عن حصانه،
وصوت امرأةٍ تنتظر رجلاً عاد من الحرب ولم يعد،
وصوت عاملٍ يضرب الصخر في منجمٍ لا يرى الشمس،
وصوت شاعرٍ يقول إن الموت ليس نهاية الحكاية.

الأمير كان يمشي ذات مساء،
لكن ظله كان يمشي قبله،
وكان الظل أكبر من الجسد،
وفيه تيجانٌ كثيرة لا يعرف أصحابها،
وفيه قصورٌ سقطت ولم تسقط،
وفيه سؤالٌ قديم: هل يرث الأمير البلاد أم يرث سؤالها؟

قال الجبل للأمير:
لا تضع يدك على الحجر كأنك تملكه،
الحجر أقدم من لقبك،
والغيمة التي فوقه لا تعرف اسم عائلتك،
والنسر الذي يدور حول القمة لا يفرق بين ملكٍ وفلاح،
فلماذا تريد أنت أن تفرق بينهما؟

لم يجب الأمير،
كان قد تعلم في القصر أن الصمت جزءٌ من البروتوكول،
لكنه لم يتعلم أن الصمت نفسه قد يكون سؤالاً،
وأن البلاد التي لا تجيبك
ربما كانت تختبر قدرتك على الإصغاء،
لا قدرتك على إصدار الأوامر.

في كارنارفون،
كانت القلعة تشبه حيواناً حجرياً ضخماً،
أبراجها أسنانٌ، وأسوارها عظامٌ،
ونوافذها عيونٌ بقيت مفتوحة بعد موت الحراس،
والبحر عند قدميها يكرر مشهد الغزوات،
ثم يضحك لأن الغزاة جميعاً صاروا قبوراً.

دخل الأمير القلعة،
فسمع باباً يهمس باسمه،
ثم سمع اسماً آخر،
ثم أسماءً كثيرة،
حتى لم يعد يعرف أيّ اسمٍ يخصه،
وعرف أن القلاع لا تستقبل الأمراء بل تستجوبهم.

قالت القلعة:
أنا لم أبنَ لكي أكون جميلة،
بنيت لأن أحداً خاف من أحد،
فهل تستطيع أن ترى الخوف تحت الزخرفة؟
هل ترى السيف تحت النحت؟
هل ترى اليد التي حملت الحجارة ولم تُذكر في كتب النبالة؟

سار الأمير بين الأبراج،
فكل حجرٍ كان يزداد ثقلاً،
ليس من وزنه، بل من أسماء الذين حملوه،
فأصبح التاج في رأسه كأنه حجرٌ آخر،
وأصبح القصر البعيد أقل فخامة،
وصار صوت عاملٍ مجهول أكثر وضوحاً من موسيقى البلاط.

وفي كونوي،
وجد المدينة معلقةً بين قلعةٍ وسور،
كأن طفلاً بنى لعبةً ثم نسي أن يفتح بابها،
كانت الحجارة تراقب النهر،
والنهر يراقب الحجارة،
والزمن جالسٌ بينهما يعدّ خسائره.

سأل الأمير النهر:
كم ملكاً رأيت؟
فقال النهر: لا أعرف الملوك،
أنا أعرف وجوه الذين شربوا مني،
أعرف عطش الجندي،
وعطش العامل،
وعطش الطفل الذي لم يكن يعرف أن العالم له ملوك.

في إيري،
لم يجد الأمير جبلاً،
بل وجد سلّماً يصعد إلى داخل نفسه،
كل خطوةٍ نزعت عنه شيئاً من البلاط،
كل ضبابٍ سرق منه تعريفاً جاهزاً،
حتى صار يمشي دون لقب،
وكأنه للمرة الأولى يكتشف وزن اسمه.

قالت قمةٌ بعيدة:
الارتفاع ليس أن تكون فوق الآخرين،
الارتفاع أن ترى هشاشتهم ولا تحتقرها،
أن ترى القصر صغيراً والمنجم عميقاً،
أن تعرف أن الغيمة تغطي الجميع،
وأن الإنسان حين يصعد كثيراً
يكتشف أن السماء لا تمنحه امتيازاً.

تحت الجبل،
كانت الخراف تتحرك مثل نقاطٍ بيضاء في قصيدةٍ سوداء،
وكان الراعي يعرف أسماء الأمطار،
وكان الطريق يعرف أقدام الذين مروا،
وكانت الحقول تحفظ أسرار العائلات،
حتى بدا الريف كله كتاباً لم يتعلم أحدٌ طريقة قراءته.

وفي المساء،
جاءت إنجلترا من جهة الشرق،
لم تأتِ بجيش،
بل جاءت مرتديةً معطفاً رمادياً وتحمل فنجان شاي،
ابتسمت ابتسامةً صغيرة،
وقالت: لستُ هنا لأحارب،
ثم جلست فوق تاريخٍ لم ينتهِ بعد.

كان الهدوء الإنجليزي عاصفةً مدربة،
تعرف متى تصرخ ولا تصرخ،
وتعرف كيف تجعل الجملة المهذبة أكثر حدةً من السكين،
وكيف تخفي الغضب في كلمة: ربما،
وكيف تجعل الاعتذار باباً لا يدخل منه الاعتراف،
وكيف تتحول السخرية إلى درعٍ ضد العاطفة.

لكن الأمير رأى شيئاً آخر،
رأى الإنجليزي الذي يبكي وحده،
والجندي الذي عاد من الحرب ولم يعرف كيف يحكي،
والأم التي تخبئ خوفها خلف ترتيب المائدة،
والعامل الذي يضحك بعد يومٍ طويل،
والشاعر الذي يجعل الحزن يبدو كأنه حديقة.

قال الأمير:
هل هذه برودة؟
فأجاب الشاعر الذي ظهر فجأة:
لا، إنها عاطفةٌ تعلمت أن ترتدي معطفاً،
ثم اختفى قبل أن يسأله الأمير عن اسمه،
لكن صوته بقي في القاعة،
كأنه كان يكتب منذ قرون.

كان ذلك تشوسر،
أو شبح تشوسر،
أو مجرد حكايةٍ قرأت نفسها في الهواء،
قال: لا تبحث عن إنجلترا في القصور،
ابحث عنها في القافلة،
في الحانة،
في الراوي الذي يكذب قليلاً لكي يقول الحقيقة كاملة.

ثم فتح فمه،
فخرج منه فرسانٌ ورهبانٌ وتجارٌ وعشاق،
خرجت طبقات المجتمع كأنها طيورٌ مذعورة،
كل واحدٍ يحمل قصته ويقسم أنها الحقيقة،
حتى ضحكت القلعة،
وقالت: هكذا تبدأ الرواية حين يفشل التاريخ في السيطرة على نفسه.

بعده ظهر شكسبير،
لم يدخل من الباب،
دخل من ستارةٍ لم تكن موجودة،
وكان يحمل جمجمةً لا نعرف إن كانت لملك أم لمهرج،
قال للأمير:
كل قصرٍ مسرح،
وكل تاجٍ قناع،
وكل إنسانٍ ممثلٌ في مأساةٍ لا يعرف نهايتها.

ثم انفتح المسرح،
فدخل هاملت حاملاً سؤالاً،
ودخل ماكبث حاملاً دماً لا يغسل،
ودخل لير يحمل عاصفةً في رأسه،
ودخل المهرج وهو الوحيد الذي يعرف الحقيقة،
ثم انطفأت الأنوار قبل أن يعرف الأمير من كان الملك.

قال شكسبير:
لا تثق في الملوك حين يتحدثون عن النظام،
فالفوضى تسكن غالباً داخل التاج،
ولا تثق في المهرجين حين يضحكون،
فالحكمة أحياناً تختبئ في الفم الذي لا يسمح له أحدٌ بالتصويت،
ثم ذاب في اللغة.

جاء ميلتون بعده،
وكان يحمل سماءً مطوية تحت ذراعه،
فتحها فخرج منها ملاكٌ وشبحٌ وجحيم،
ثم قال للأمير:
الحرية ليست باباً مفتوحاً،
إنها مسؤولية أن تختار الطريق بعد أن تعرف ثمنه،
ثم ترك وراءه رائحة برقٍ محترق.

سأل الأمير:
وأين ويلز في هذه السماء؟
قال ميلتون:
في المكان الذي لا يرضى أن يكون مجرد هامش،
في الصوت الذي يقول إن المملكة لا تكتمل إذا فقدت أحد أصواتها،
وفي الإنسان الذي يريد أن يكون حراً دون أن يتحول إلى سجان،
ثم اختفى بين جناحين من دخان.

ظهر جون دون،
وكان يحمل بوصلةً مكسورة،
قال إن الحب دائرةٌ لا يعرف مركزها،
وإن جسدين قد يصبحان خريطةً لكونٍ كامل،
وإن القبلة ليست قبلةً فقط،
بل انهيارٌ مؤقت للحدود بين أنا وأنت،
ثم ضحك لأن الفلسفة لا تستطيع أن تمنع القلب من الارتجاف.

كان بليك ينتظر في الغابة،
حول عينيه نارٌ صغيرة،
وفي يده نمرٌ مصنوع من الضوء،
قال: لا تسأل الطفل عن العالم الذي سيكبر فيه،
اسأل العالم لماذا يصر على قتل طفولته،
ثم رأى في دخان المناجم مدناً من ذهب،
ورأى في ذهب المدن دخاناً أسود.

اقترب الأمير،
فقال له بليك:
كل إمبراطوريةٍ تبدأ بصورةٍ جميلة،
ثم تحتاج إلى آلاف الأيدي كي تبقى جميلة،
فإذا أردت أن تعرف ثمن القصر
انظر إلى اليد التي لم تدخل بابه،
ثم أطلق النمر وعاد إلى النار.

جاء ووردزورث،
وكان يحمل بحيرةً في جيبه،
كلما أخرجها سالت على الأرض،
وصار الأطفال يركضون فوق الماء،
وقال إن الطبيعة ليست منظراً،
بل ذاكرةٌ تربّي الإنسان دون أن تتكلم،
ثم نظر إلى جبال ويلز كأنها قصيدةٌ سبقت الشاعر.

قال:
الجبل لا يعلّمك كيف تكون عظيماً،
بل كيف تكون صغيراً دون أن تكون مهزوماً،
والنهر لا يعلّمك السرعة،
بل الاستمرار،
والغيمة لا تعلّمك الاختفاء،
بل العودة.

جاء كوليردج على سفينةٍ لا تلمس الماء،
وكان حولها طيورٌ ميتة تغني،
قال إن الخيال لا يحتاج إلى باب،
يكفي أن تصدق للحظةٍ أن الباب موجود،
ثم تحولت السفينة إلى قلعة،
والقلعة إلى طائر،
والطائر إلى سؤال.

أما بايرون،
فدخل راكباً حصاناً أسود خرج من كتابٍ محترق،
كان وجهه نصفه شاعر ونصفه نبيل،
قال: لا تجعلوا النبالة سجناً،
فاللقب الذي لا يستطيع أن يضحك من نفسه
يصبح تمثالاً،
والتمثال أول علامات الموت.

ثم ترك حصانه في الجبل،
ومشى وحده نحو البحر،
وكان البحر يعرفه،
لأن كل متمردٍ يعتقد أنه يخترع البحر
يكتشف أن البحر كان متمرداً قبله.

جاء شيلي كريحٍ لا يعرف أحد مصدرها،
لم يجلس،
لم يحيِّ الأمير،
قال فقط:
إذا كان العالم حجراً، فالشعر ريح،
وإذا كان التاج ثقيلاً، فالخيال قادرٌ على رفعه،
ثم انفتح باب القلعة وحده.

كان كيتس أكثر هدوءاً،
جلس بجوار وردةٍ تحت المطر،
وقال إن الجمال ليس لأنه لا يموت،
بل لأنه يموت،
ثم نظر إلى القلعة كأنها إناءٌ يوناني عملاق،
وقال إن الحجر نفسه يحلم بأن يصبح قصيدة.

في تلك اللحظة،
ذابت الحدود بين إنجلترا وويلز،
صار شكسبير يتحدث بلسان الجبل،
وصار بليك يسمع الفحم،
وصار كيتس يرى المطر،
وصار ووردزورث يقرأ المناجم،
وصار الأمير نفسه سطراً في قصيدةٍ لم يكتبها.

لكن الجنوب كان ينادي،
نداءً أسود يخرج من باطن الأرض،
هناك كانت المناجم أفواهاً مفتوحة،
والعمال ينزلون إليها كل صباح،
كأنهم ينزلون إلى ليلٍ لا يملك أحدٌ مفتاحه،
ثم يصعدون وفي أيديهم قطعٌ من الليل نفسه.

قال عاملٌ للأمير:
هذا الفحم ليس حجراً،
إنه ذاكرةٌ مضغوطة،
فيه غاباتٌ ماتت منذ ملايين السنين،
وفيه عرقُ الذين استخرجوه،
وفيه وجهٌ لا يظهر في اللوحات الزيتية،
وفيه سؤالٌ عن معنى أن تكون البلاد جميلةً فوق أرضٍ مؤلمة.

لم يعرف الأمير ماذا يقول،
فالصمت الإنجليزي هذه المرة لم يكن كافياً،
حتى فنجان الشاي بدا صغيراً،
والعبارة المهذبة بدت كأنها لعبة أطفال،
والقلعة البعيدة بدت فجأةً كأنها مدينةٌ من ورق،
فقال العامل: لا تعتذر، تذكّر فقط.

وهنا ظهرت النبالة،
لا كدمٍ أزرق،
بل كمسؤوليةٍ تتعرض دائماً لخطر التحول إلى امتياز،
فاللقب يمكن أن يكون أخلاقاً،
ويمكن أن يكون قفصاً،
والقصر يمكن أن يكون بيتاً،
ويمكن أن يكون جداراً يفصل الإنسان عن الإنسان.

كان النبيل الإنجليزي يمشي في حديقةٍ مرتبة،
كل شجرةٍ تعرف مكانها،
كل وردةٍ تعرف لونها،
كل تمثالٍ يعرف الجهة التي ينظر إليها،
لكن تحت الحديقة جذورٌ لا تلتزم بالبروتوكول،
كانت تنزل نحو قبورٍ قديمة وتعبث بالترتيب كله.

في المكتبة،
كانت شجرة النسب طويلةً حتى السقف،
الأسماء متراصة مثل جنود،
لكن طفلاً مجهولاً رسم فوقها تنيناً أحمر،
فغضب الخادم،
ثم ضحك الأمير،
ثم بدأت الشجرة تتحرك كأنها فهمت النكتة.

قالت الشجرة:
النسب لا يصنع الإنسان،
لكن الإنسان يظل طوال حياته يحاول إقناع الآخرين بأنه صنعه،
ثم سقطت ورقةٌ تحمل اسم جدٍّ قديم،
فالتقطها الأمير،
فوجد خلف الاسم وجه عامل.

كان ذلك الوجه هو التاريخ،
لا التاريخ الذي ينام في الكتب الرسمية،
بل التاريخ الذي يختبئ في اليد والظهر والعرق،
التاريخ الذي لا يعرف كيف يكتب نفسه،
فيستعين بالأغنية،
ويترك للأجيال مهمة اكتشاف البقية.

في حانةٍ ويلزية،
بدأت جوقةٌ تغني،
وكانت الأصوات تصعد كأنها سلالم،
صوتٌ للبحر،
وصوتٌ للجبل،
وصوتٌ للمنجم،
وصوتٌ للغائبين.

قال الأمير:
هل هذه أغنية؟
قالت امرأةٌ عجوز:
لا، هذه البلاد وهي تتذكر نفسها،
ثم أضافت:
حين تنسى الأمة لغتها،
تبدأ الأغنية بالغناء عنها.

خرج من الجوقة شاعرٌ لم يعرفه أحد،
قال إنه جاء من القرن التاسع،
ثم قال آخر إنه جاء من القرن التاسع عشر،
ثم قال ثالث إنه لم يولد بعد،
فصدقهم الأمير جميعاً،
لأن الشعر في ويلز لا يحترم خط الزمن.

هكذا بدأت القرون تتداخل،
تشوسر يجلس بجوار عامل منجم،
شكسبير يشرب الشاي مع راعٍ،
بليك يكتب على جدار قلعة،
ووردزورث يبحث عن بحيرة،
وديلان توماس يضحك في الزاوية.

ظهر ديلان توماس،
وكان صوته يشبه البحر حين يتذكر الموت،
قال للأمير:
لا تحاول أن تجعل ويلز قصيدةً جميلة،
اترك لها حق أن تكون قاسية،
فالبلاد التي لا تسمح لنفسها بالحزن
تحول جمالها إلى زينة.

ثم كتب كلمةً على الطاولة،
فصارت الكلمة سمكة،
قفزت في الهواء،
ثم تحولت إلى طفل،
ثم إلى شاعر،
ثم عادت كلمةً لا يعرف أحد كيف ينطقها.

قال ديلان توماس:
هكذا تولد القصيدة،
من خطأٍ صغير في الواقع،
من شيءٍ لا ينبغي أن يتحرك لكنه يتحرك،
من حجرٍ يفتح عينه،
من أميرٍ ينسى أنه أمير،
ومن جبلٍ يقرر أن يحلم.

في تلك الليلة،
نام الأمير في قلعةٍ لم تعد تعرف اسمها،
وفي الحلم دخلت إليه ويلز كلها،
دخل البحر مرتدياً معطفاً،
ودخل الجبل حاملاً كتاباً،
ودخل التنين وهو يطلب كوب ماء،
ودخلت اللغة وهي تضحك.

قال البحر:
أنا حدودك.
قال الجبل:
أنا عمقك.
قال المنجم:
أنا جرحك.
قالت القلعة:
أنا ذاكرتك.
وقالت اللغة:
أنا ما تبقى منك حين ينسى الجميع اسمك.

استيقظ الأمير،
فوجد التنين جالساً عند النافذة،
كان صغيراً هذه المرة،
بحجم قطة،
قال له: لا تخف،
أنا لا أحرس ويلز من العالم،
أنا أحرس العالم من أن ينسى ويلز.

خرج الأمير وراءه،
فصار التنين أكبر،
كلما مرّا بقريةٍ ازداد جناحاً،
كلما سمعا كلمةً ويلزيةً ازداد ناراً،
كلما رأيا قلعةً ازداد حجماً،
حتى صار فوق الجبل تنيناً لا تستطيع الخريطة أن تحتويه.

وفي الصباح،
كانت إنجلترا لا تزال هناك،
لكنها بدت أقل صلابة،
فالقوة التي تبدو ثابتةً من بعيد
تكتشف عند الاقتراب أنها مليئةٌ بالشقوق،
وفي كل شقٍ قصة،
وفي كل قصةٍ إنسان،
وفي كل إنسانٍ وطنٌ صغير.

قال الأمير:
هل أنا إنجليزي أم ويلزي؟
ضحكت امرأةٌ في السوق وقالت:
أنت سؤالٌ بريطاني،
ثم أعطته تفاحة،
وقالت: كلما أكلت نصفها
ستعرف نصف الحقيقة.

أكل الأمير،
فوجد داخل التفاحة قلعة،
وفي القلعة منجماً،
وفي المنجم طفلاً،
وفي الطفل قصيدة،
وفي القصيدة تاجاً،
وفي التاج حفرةً صغيرة يسكن فيها النسيان.

أدخل إصبعه في الحفرة،
فخرجت أصواتٌ كثيرة،
صوت شكسبير،
صوت ميلتون،
صوت بليك،
صوت كيتس،
وصوت شاعرٍ مجهول قال: لا تنسَ الذين لم تدخل أسماؤهم كتبك.

ثم انكسر التاج،
لا من ثقل الأصوات،
بل من ثقل المعنى،
وتناثرت منه قطعٌ صغيرة على الأرض،
فالتقطها الأطفال،
وحولوها إلى أحجار لعب،
وصار التاريخ لعبةً لا يملكها شخصٌ واحد.

هنا فهم الأمير شيئاً عن السلطة،
أنها تموت حين تتحول إلى ملكية خاصة للذاكرة،
وأنها تعيش فقط حين تسمح للآخرين أن يعيدوا روايتها،
فالتاريخ الذي لا يقبل إعادة القراءة
يصير قبراً،
والتاج الذي لا يحتمل النقد
يصير حجراً فوق صدر صاحبه.

في القلعة الأخيرة،
وجد الأمير غرفةً بلا باب،
وفي الغرفة مرآةً بلا زجاج،
وفي المرآة ويلز كلها،
لكنها لم تكن كما في الكتب،
كانت أكبر، وأغرب، وأشد تناقضاً،
وكانت تضحك وتبكي في اللحظة نفسها.

رأى الجبال،
لكنها كانت تكتب الشعر،
ورأى القلاع،
لكنها كانت تخجل من حروبها،
ورأى المناجم،
لكنها كانت تغني،
ورأى اللغة،
لكنها كانت تلد كلماتٍ جديدة من كلماتٍ قديمة.

رأى إنجلترا أيضاً،
لم تكن وحشاً،
ولم تكن ملاكاً،
كانت إنساناً تاريخياً يحمل فضائله وجرائمه،
هدوءه وفظاظته،
أدبه وامبراطوريته،
شعره وقصوره،
وقدراته الهائلة على اختراع نفسه من جديد.

قال الأمير للمرآة:
هل يمكن أن نكون شيئاً آخر؟
قالت المرآة:
أنتم بالفعل شيءٌ آخر،
كلما اختلفتم عن صورتكم القديمة
ولدتم من جديد،
وكلما ظننتم أنكم انتهيتم
وجدتم لغةً أخرى.

في الخارج،
كانت الجبال تزداد خضرة،
والبحر يزداد زرقة،
والقلاع تزداد رمادية،
والمناجم تزداد سواداً،
والسماء تزداد بياضاً من كثرة المطر،
كأن الألوان نفسها قررت أن تكتب تاريخ ويلز.

وفي الطريق،
مرّ الأمير بمدرسة،
كان الأطفال يكتبون أسماءهم بالويلزية،
وحين خرجوا من الصف
رأى أحدهم التنين على جدار المدرسة،
فقال: إنه ليس تنيناً،
إنه جدي حين كان شاباً.

ضحك الأمير،
لأن الأسطورة عادت إلى حجمها الصحيح،
لم تعد وحشاً خارقاً،
بل ذاكرةً عائلية،
وحين تصبح الأسطورة ملكاً لطفل
فإنها تنجو من المتحف.

وفي الجامعة،
وجد باحثين يدرسون اللغة،
وعلماء يدرسون الجبال،
ومؤرخين يدرسون القلاع،
وشعراء يدرسون الصمت،
فسألهم: ماذا تدرسون حقاً؟
قالوا: نحن ندرس لماذا لا تستطيع البلاد أن تختصر نفسها.

وهذا هو السؤال،
لماذا تحتاج ويلز إلى كل هذه القلاع؟
لماذا تحتاج إلى كل هذه الأغاني؟
لماذا تتشبث بلغةٍ لا تزال تقاوم؟
لماذا يظل الجبل حاضراً في المخيال؟
ولماذا يستطيع بلدٌ صغير أن يخلق كل هذا الضجيج في الأدب؟

لأن الجغرافيا لا تقيس الروح،
والخريطة لا تقيس الحكاية،
والسكان لا يُحسبون بعدد الأجساد فقط،
فقد يكون في شعبٍ صغير
عددٌ هائل من الموتى والأحياء والأساطير والأغاني،
حتى يصبح الماضي نفسه جزءاً من السكان.

ولهذا،
كان الشاعر الويلزي يحمل مدينةً كاملة في حنجرته،
وكانت الجوقة تحمل منجماً في صوتها،
وكان الراعي يحمل جبلاً في ذاكرته،
وكان الطفل يحمل اللغة في حقيبته،
وكان الأمير يحمل سؤالاً أثقل من التاج،
وكان التنين يحمل الجميع.

في إحدى الليالي،
عاد تشوسر،
قال إن الحكاية لا تنتهي،
ثم عاد شكسبير،
قال إن النهاية نفسها بدايةٌ مقنّعة،
ثم عاد ميلتون،
قال إن الحرية تحتاج إلى ذاكرة،
ثم عاد بليك،
قال إن الذاكرة تحتاج إلى خيال.

عاد ووردزورث،
وقال إن الخيال يحتاج إلى الطبيعة،
عاد كوليردج،
وقال إن الطبيعة تحتاج إلى الغموض،
عاد كيتس،
وقال إن الغموض يحتاج إلى جمال،
عاد إليوت،
وقال إن الجمال نفسه قد يكون شظايا.

ثم ظهر إليوت فعلاً،
كان يحمل أرضاً خراباً صغيرة في كفه،
سأل الأمير: هل تريد أن تصلح العالم؟
قال الأمير: لا أعرف.
قال إليوت: إذن ابدأ بتسمية الشظايا،
فكل قصيدةٍ حديثة
هي محاولةٌ لتعليم الخراب كيف يتنفس.

نظر الأمير إلى ويلز،
فوجدها شظايا لا تريد أن تصبح قطعةً واحدة،
قلعة،
جبل،
منجم،
لغة،
أغنية،
تاج،
ومقاومة.

قال إليوت:
لا تجمعها بالقوة،
دعها تتجاور،
فالتاريخ لا يحتاج دائماً إلى وحدة،
أحياناً يحتاج إلى فسيفساء،
وحين تتجاور الشظايا
تظهر صورةٌ لم تكن موجودة قبل انكسارها.

وهكذا صارت ويلز قصيدةً حداثية،
لا تبدأ من البداية،
ولا تنتهي في النهاية،
فيها العصور الوسطى تجلس بجوار المصنع،
والملك بجوار العامل،
والأسطورة بجوار الإحصاء،
واللغة القديمة بجوار الهاتف المحمول.

وفي ملعبٍ بعيد،
هتف الناس باسم ويلز،
كان الهتاف موجةً ضخمة،
حتى اهتزت القلاع في الليل،
وقال حجرٌ قديم:
كنت أعرف هذا الصوت،
سمعته قبل أن يولد هذا الملعب،
كان صوت الناس وهم يحاولون أن يقولوا: نحن هنا.

الرياضة نفسها أصبحت أسطورة،
والعلم أصبح جناحاً،
والتنين خرج من القماش إلى الجسد،
والجمهور صار جوقةً من آلاف الحناجر،
والأمير وقف للحظةٍ بلا كلام،
لأن الجماعة حين تغني لا تحتاج إلى أميرٍ كي تتذكر نفسها.

ثم عاد إلى القصر،
لكن القصر لم يعد كما تركه،
الجدران صارت شفافة،
والصور الزيتية بدأت تتكلم،
والأسلاف خرجوا من إطاراتهم،
كل واحدٍ منهم يسأل: ماذا فعلتم ببلادنا؟
وكان الأمير يجيب: نحاول أن نسمعها.

قال أحد الأسلاف:
لا تسمعوا أنفسكم فقط،
فالبلاد أكبر من عائلاتها،
والتاج أضعف من ذاكرة الشعب،
واللقب لا يعيش إلا إذا تعلم كيف ينحني أمام الحقيقة،
ثم عاد إلى الإطار.

في تلك اللحظة،
دخل عامل المنجم إلى القاعة،
لم يخلع خوذته،
وقال: هل تسمحون لي بالجلوس؟
قال الأمير: نعم.
جلس العامل على كرسي النبيل،
فلم يسقط السقف،
ولم تنطفئ النجوم،
بل بدا الكرسي للمرة الأولى كأنه كرسي.

ضحكت القلعة،
وضحك التنين،
وضحك شكسبير من خلف الستارة،
حتى بكى ميلتون،
وقال بليك: الآن بدأت الحكاية،
أما إليوت فكتب في دفتراً صغيراً:
حين يجلس الإنسان على كرسيٍ لم يكن له، تتغير هندسة التاريخ.

خرج الأمير من القصر،
وكان المطر ينتظره،
رفع وجهه إلى السماء،
فدخلت قطرةٌ في عينه،
فرأى داخلها منجماً،
وفي المنجم قلعة،
وفي القلعة طفلاً،
وفي الطفل لغةً تتعلم المشي.

سار نحو البحر،
وكان البحر يحمل رسالةً من جزيرةٍ بعيدة،
قالت الرسالة:
لا توجد جزيرةٌ مكتفية بنفسها،
كل جزيرةٍ تحتاج إلى جسر،
لكن الجسر لا يعني أن تنسى الجزيرة اسمها،
بل أن تعبر دون أن تمحو ضفتيك.

عند الشاطئ،
وجد الأمير قارباً صغيراً،
ركب فيه وحده،
لكن حين ابتعد عن الساحل
وجد كل شعراء إنجلترا في القارب،
تشوسر في المقدمة،
شكسبير عند الدفة،
ميلتون يقرأ السماء،
وبليك يطارد تنيناً في الماء.

قال كيتس:
إلى أين نحن ذاهبون؟
قال شكسبير:
إلى المكان الذي تبدأ فيه الحكاية من جديد،
قال إليوت:
لا يوجد مكان كهذا،
قال ديلان توماس:
إذن اصنعوه من اللغة،
وضحك البحر.

في منتصف الماء،
ظهر جبلٌ من الضباب،
قال الأمير: هذا ليس في الخريطة،
قال الجبل: الخرائط لا تعرف كل شيء،
ثم فتح صدره،
فخرجت منه أصواتٌ قديمة،
كانت تغني باللغة التي ظن العالم أنها ستنام.

غنت ويلز،
لا بصوتٍ واحد،
بل بأصواتٍ متعارضة،
صوت المقاومة،
وصوت التسامح،
صوت الذاكرة،
وصوت النسيان،
صوت القصر، وصوت المنجم.

وكانت الأغنية غريبة،
لا يمكن تحديد هل هي حزينة أم سعيدة،
لأن الحزن والسعادة في البلاد القديمة
يعيشان في البيت نفسه،
ينام أحدهما في الغرفة الأولى،
والآخر في الثانية،
ويستيقظان معاً عند الفجر.

عاد الأمير إلى اليابسة،
لكن شيئاً منه بقي في البحر،
ربما التاج،
ربما الخوف،
ربما صورته القديمة،
أما الذي عاد
فكان رجلاً يحمل في رأسه بلاداً لا يمكن امتلاكها.

قال للجبل:
ماذا تريد مني؟
قال الجبل: لا أريد منك شيئاً،
أريد فقط ألا تدعي أنك فهمتني،
فالبلاد التي تفهمها بالكامل
تصبح ميتةً في اللحظة نفسها.

وهكذا تعلم الأمير فضيلة الجهل،
أن يعرف أن معرفته ناقصة،
وأن التاريخ أكبر من كتاب،
وأن اللغة أكبر من قاموس،
وأن الشعب أكبر من شعار،
وأن الشعر أكبر من تعريف.

في آخر الليل،
عاد التنين إلى العلم،
لكنه لم ينم،
كان يراقب القرى والجبال والبحر،
يراقب القلاع وهي تستعيد أحلامها،
ويراقب المناجم وهي تغلق عيونها،
ويراقب الأطفال وهم يتهجون أسماء بلادهم.

قال التنين:
أنا لا أحرس ويلز من الغزاة،
الغزاة صاروا صوراً في الكتب،
أنا أحرسها من النسيان،
فالنسيان أكثر خطراً من الحرب،
لأنه لا يترك قبوراً،
بل يترك فراغاً.

وفي الفجر،
استيقظت القلاع،
واستيقظت المناجم،
واستيقظت الجبال،
واستيقظت اللغة في أفواه الأطفال،
واستيقظ الأمير على سؤالٍ جديد.

لم يعد السؤال:
من هو أمير ويلز؟
بل:
من هي ويلز حين لا يكون لها أمير؟
ومن هي إنجلترا حين تتخلى عن صورة إنجلترا القديمة؟
ومن هو الشاعر حين يصمت التاريخ؟
ومن هو التاريخ حين يبدأ الحجر في الكلام؟

كانت الإجابة تمشي في الوادي،
بطيئةً مثل راعٍ عجوز،
سريعةً مثل قطارٍ حديث،
سوداء مثل الفحم،
بيضاء مثل الضباب،
وحمراء مثل التنين.

قال الوادي:
أنا الذاكرة التي لم تجد كتاباً،
قال الجبل:
أنا الأسطورة التي لم تجد إلهاً،
قال المنجم:
أنا العمل الذي لم يجد تمثالاً،
قالت القلعة:
أنا الحرب التي لم تجد خاتمة،
وقالت اللغة: أنا الحكاية التي رفضت أن تموت.

ثم جاء الشعر،
ووضع يده على كتف الجميع،
لم يقل من المنتصر،
لم يقل من المذنب،
لم يقل من يملك البلاد،
بل قال:
لنحفظ الأصوات كلها،
ثم نترك الزمن يحاكمنا.

وهذا ما فعله الشعراء الإنجليز العظام،
لم يكونوا مرآةً واحدة لإنجلترا،
بل غرفةً مليئة بالمرايا،
كل مرآةٍ تشوه شيئاً لكي تكشف شيئاً آخر،
كل قصيدةٍ تنزع قناعاً،
وكل شاعرٍ يترك خلفه باباً لا يغلق.

تشوسر أعطى الطريق أصواته،
وشكسبير أعطى السلطة جنونها،
وميلتون أعطى الحرية جحيمها،
ودون أعطى الحب كونه،
وبليك أعطى البراءة نارها،
وووردزورث أعطى الجبل روحه.

كوليردج أعطى الحلم مياهه،
بايرون أعطى التمرد كبرياءه،
شيلي أعطى الريح ثورته،
كيتس أعطى الجمال موته،
هاردي أعطى الريف حزنه،
وهوبكنز أعطى اللغة برقها.

إليوت أعطى الخراب شظاياه،
وأودن أعطى القرن العشرين قلقه،
وديلان توماس أعطى ويلز صوتاً يرفض أن ينام،
وكان كل واحدٍ منهم يحمل جزءاً من إنجلترا،
لكن أياً منهم لم يستطع امتلاكها،
لأن الشعر لا يملك البلاد؛ الشعر يعيد اختراعها.

وهكذا،
كانت ويلز تراقبهم من بعيد،
لا لتصبح نسخةً من إنجلترا،
ولا لتنفصل عن كل ما حولها،
بل لتقول إن الهوية يمكن أن تكون حواراً،
وأن المقاومة ليست دائماً جداراً،
فأحياناً تكون قصيدةً تقول: أنا هنا.

في آخر القصة،
لم يجد الأمير نهايةً،
وجد باباً فقط،
وكان الباب مفتوحاً على جبل،
والجبل مفتوحاً على البحر،
والبحر مفتوحاً على السماء،
والسماء مفتوحةً على ذاكرة لا نهاية لها.

دخل الأمير،
فلم يعد أحدٌ يعرف أين انتهى الإنسان وأين بدأت الأسطورة،
هل كان أميراً فعلاً؟
أم كان شخصيةً اخترعتها ويلز لكي تتحدث مع التاج؟
هل كان التنين حقيقياً؟
أم أن الحقيقة نفسها كانت تحتاج إلى تنين؟

ربما كان الأمير قصيدة،
وربما كانت ويلز قصيدةً كتبت أميرها لكي تختبر معنى السلطة،
وربما كانت القلاع قصائد متحجرة،
والمناجم قصائد سوداء،
والجبال قصائد عمودية،
واللغة قصيدةً صغيرة تنجو كل صباح من موتٍ محتمل.

وهكذا بقيت ويلز،
بلداً صغيراً في الخريطة،
لكنها في المخيال قارةٌ لا تنتهي،
لغةٌ تقاوم النسيان،
وجبالٌ تحفظ الأسطورة،
وقلاعٌ تحفظ الحرب،
ومناجم تحفظ ذاكرة الطبقة العاملة،
وشعرٌ يحاول أن يجعل من المساحة الصغيرة عالماً كاملاً.

ويلز…
حيث يمكن للحجر أن يتذكر،
وللمطر أن يكتب،
وللمنجم أن يغني،
وللتنين أن يحرس طفلاً ينطق اسماً قديماً،
وللأمير أن يخلع تاجه أمام جبل،
ثم يكتشف أن الجبل لم يكن ينتظر تاجاً.

ويلز…
حيث القصر لا يستطيع إلغاء المنجم،
والمنجم لا يستطيع هدم القصر،
واللغة تمر بينهما كروحٍ ثالثة،
والشعر يجلس في المنتصف كقاضٍ أعمى،
لا يحكم على أحد،
لكنه يسمع الجميع.

ويلز…
حيث إنجلترا تظهر في المرآة ولا تجد صورتها كاملة،
فتستعير من شكسبير وجهاً،
ومن بليك عيناً،
ومن ووردزورث جبلاً،
ومن إليوت شظية،
ثم تعود إلى فنجان الشاي كأن شيئاً لم يحدث.

ويلز…
حيث النبالة نفسها تصبح سؤالاً،
هل النبيل من يرث الأرض؟
أم من يعرف كيف يحمل مسؤولية الذاكرة؟
هل الأمير من يملك التاج؟
أم من يستطيع أن يصغي إلى الذين لا يملكون شيئاً؟
وهل القوة أن تحكم؟ أم أن تعرف متى تنحني؟

والجبل لا يجيب،
لأنه لا يحتاج إلى الكلام،
فالجبال التي عاشت طويلاً
تعرف أن كل إجابةٍ قصيرة أمام الزمن،
وأن كل تاجٍ قابل للسقوط،
وأن كل إمبراطوريةٍ ستصبح يوماً هامشاً في كتاب،
بينما قد تبقى أغنية طفلٍ أطول من الإمبراطوريات.

وفي الفجر الأخير،
استيقظت اللغة،
فتحت عينيها،
وجدت التنين عند الباب،
وجدت الأمير نائماً بلا تاج،
وجدت القلاع مغطاةً بالمطر،
ووجدت الجبال واقفةً كما كانت منذ البداية.

قالت اللغة:
لن أعدكم بالخلود،
سأعدكم فقط بأنني سأحاول،
كلما نطق طفلٌ اسمي
سأفتح نافذة،
وكلما كتب شاعرٌ عني
سأفتح جبلاً،
وكلما حاول النسيان إغلاق الأبواب
سأدخل من الشقوق.

ثم مشت في الوادي،
وتركت وراءها حروفاً صغيرة،
التقطها الأطفال،
ووضعوها في جيوبهم،
وعادوا إلى بيوتهم،
بينما كان التنين يطير فوقهم.

ومن بعيد،
كان الأمير يراه،
لا كأمير هذه المرة،
بل كقارئٍ متأخر لقصيدةٍ قديمة،
فقال: الآن فهمت،
فأجابه الجبل: لم تفهم،
ابتسم الأمير،
وقال: وهذا أجمل ما في الأمر.

وانطفأت القلعة،
لكنها لم تمت،
أغلقت عينيها على مهل،
وتركت نافذةً واحدةً مفتوحةً للريح،
دخل منها صوت شكسبير،
وصوت بليك،
وصوت كيتس، وصوت ديلان توماس.

وفي آخر السطر،
لم يكن هناك آخر،
كانت ويلز تكتب نفسها من جديد،
جبلاً فوق جبل،
وحكايةً فوق حكاية،
ولغةً فوق النسيان،
وتنيناً أحمر يحرس في الليل حلماً صغيراً اسمه: ويلز.


________

أغسطس 2026م

المركز الثقافي البريطاني - الخرطوم 

تعليقات

المشاركات الشائعة