ديوان : الزواحف
الزواحف

مصعب الرمادي
الزواحف
__________________
الكتاب : الزواحف
الكاتب : مصعب الرمادي
تاريخ الطبع : أغسطس 2026م
حقوق الطبع والتأليف محفوظة للمؤلف
_____________________
فِي مَدِينَةٍ وَاسِعَةِ الْعَيْنَيْنِ،
كَانَتِ النَّافِذَةُ تَرَى مَا لَا يَرَاهُ السَّاكِنُ،
وَكَانَ السَّاكِنُ يَزْحَفُ إِلَى نَفْسِهِ كَأَنَّهُ يَهْرُبُ مِنْهَا،
فِي كُلِّ شُرْفَةٍ جِلْدٌ مُعَلَّقٌ لِمَوْسِمٍ قَادِمٍ،
وَفِي كُلِّ مِرْآةٍ وَجْهٌ يَتَدَرَّبُ عَلَى الْكِذْبِ،
وَكَانَتِ الْمَدِينَةُ تَقُولُ: مَنْ لَا يَزْحَفْ، يَتْرُكْهُ الْعَصْرُ خَلْفَهُ.
فِي الْبُرْجِ الَّذِي لَا يَعْرِفُ أَيْنَ تَنْتَهِي السَّمَاءُ،
كَانَ رَجُلٌ يَعْدُّ الطَّوَابِقَ كَمَا تُعَدُّ الذُّنُوبُ،
يَصْعَدُ بِمِصْعَدٍ مِنْ زُجَاجٍ،
وَيَهْبِطُ بِسُلَّمٍ مِنْ مَجَامَلَاتٍ،
كُلَّمَا اقْتَرَبَ مِنَ الْقِمَّةِ صَغُرَ ظِلُّهُ،
حَتَّى صَارَ ظِلُّهُ أَوَّلَ مَنْ وَصَلَ إِلَى الْمَكْتَبِ.
كَانَ يَسْكُنُ فِي الطَّابِقِ السَّادِسِ،
وَيَحْلُمُ بِالطَّابِقِ السَّادِسِ وَالثَّلَاثِينَ،
وَيُرَاقِبُ الطَّابِقَ السَّابِعَ بِعَيْنَيْنِ مِنْ مِلْفٍّ سِرِّيٍّ،
يَكْتُبُ عَنِ النِّظَامِ وَيَتَدَرَّبُ عَلَى خَرْقِهِ،
وَيَشْتَكِي مِنَ الرُّوتِينِ وَيَصْنَعُ مِنْهُ مَصْعَدًا خَاصًّا،
وَكَانَ اسْمُهُ فِي السِّجِلِّ: مُوَظَّفٌ، وَفِي الْمَرَايَا: زَاحِفٌ.
وَفِي الْمَوْلِ الْكَبِيرِ،
كَانَتِ الْأَشْيَاءُ تَبِيعُ أَسْمَاءَهَا لِمَنْ يَدْفَعُ،
وَكَانَ الرَّجُلُ يَشْتَرِي سَاعَةً لِيُرِيَ النَّاسَ وَقْتَهُ،
وَهُوَ لَا يَمْلِكُ دَقِيقَةً وَاحِدَةً لِنَفْسِهِ،
كَانَ يَزْحَفُ خَلْفَ الْمَالِ كَسَحْلِيَّةٍ مِنْ ذَهَبٍ،
وَكُلَّمَا امْتَلَأَ جَيْبُهُ فَرَغَتْ مَدِينَةٌ دَاخِلَهُ.
وَكَانَتْ فِي الْمَقْهَى امْرَأَةٌ تَشْرَبُ قَهْوَتَهَا،
وَيَشْرَبُ الرَّجُلُ نَظَرَتَهُ إِلَيْهَا،
ثُمَّ يَتَوَهَّمُ أَنَّ الْعَالَمَ أُعْطِيَ لَهُ لِيَمْتَلِكَهُ،
وَكَانَتِ الْمَدِينَةُ تَضْحَكُ مِنْ خَلْفِ الزُّجَاجِ،
لِأَنَّ الرَّغْبَةَ حِينَ تَفْقِدُ حُدُودَهَا تَصِيرُ سِلْعَةً،
وَحِينَ تَصِيرُ سِلْعَةً تَبْدَأُ فِي أَكْلِ صَاحِبِهَا.
فِي فُنْدُقٍ يَشْرَبُ الْمَسَاءَ مِنْ كَأْسٍ لَامِعَةٍ،
كَانَ الدَّنْجَوَانُ الْقَدِيمُ يَرْتَدِي ثَوْبَ الْحَدَاثَةِ،
وَيَحْمِلُ هَاتِفًا أَذْكَى مِنْ ضَمِيرِهِ،
يُحَوِّلُ الْوُجُوهَ إِلَى قَائِمَةٍ وَالْعَلَاقَاتِ إِلَى أَرْقَامٍ،
وَيَظُنُّ أَنَّ كَثْرَةَ الْمَعَارِفِ دَلِيلُ قُوَّةٍ،
وَمَا دَرَى أَنَّ الْوَحْدَةَ أَحْيَانًا تَرْتَدِي أَلْفَ قِنَاعٍ.
كَانَ يَمْشِي وَفِي جَيْبِهِ عَشْرَةُ أَسْمَاءٍ،
وَفِي لِسَانِهِ مِائَةُ وَعْدٍ،
وَفِي مَرْآتِهِ رَجُلٌ وَاحِدٌ لَا يَحْتَرِمُهُ،
يَتَطَاوَلُ عَلَى مَنْ هُوَ أَضْعَفُ مِنْهُ،
وَيَتَصَاغَرُ أَمَامَ مَنْ هُوَ أَقْوَى،
كَأَنَّ كَرَامَتَهُ سُلَّمٌ بِدَرَجَاتٍ،
وَكَأَنَّ الْأَخْلَاقَ عِنْدَهُ مِقْيَاسُ قُرْبٍ مِنَ السُّلْطَةِ.
فِي الْمَتْرُو كَانَتِ الْمَدِينَةُ تَسْرُدُ أَجْسَادَهَا،
رَاكِبٌ يَتَجَنَّبُ نَظْرَةً،
وَآخَرُ يَتَسَلَّى بِهَاتِفٍ،
وَثَالِثٌ يَتَخَيَّلُ أَنَّهُ مَلِكُ الْعَالَمِ،
وَالرَّابِعُ يَحْتَضِنُ حَقِيبَتَهُ كَأَنَّهَا وَصِيَّةُ أَبِيهِ،
وَالْقِطَارُ يَجْرِي تَحْتَ الْأَرْضِ، كَأَفْكَارٍ لَا تَجْرُؤُ عَلَى النَّهَارِ.
فِي الْحَدِيقَةِ،
كَانَتِ الْأَشْجَارُ تَنْظُرُ إِلَى الْبَشَرِ بِشَيْءٍ مِنَ الشَّفَقَةِ،
فَقَدْ كَانَتْ تَعْرِفُ كَيْفَ تَنْتَصِبُ،
وَلَمْ تَحْتَجْ إِلَى دَوْرَةٍ تَدْرِيبِيَّةٍ فِي الْقِيَامِ،
كَانَ الْعُشَّاقُ يَتَحَدَّثُونَ وَالْهَوَاتِفُ تَتَحَدَّثُ عَنْهُمْ،
وَكَانَتِ الْحُدُودُ بَيْنَ الْحَيَاةِ وَعَرْضِهَا تَذُوبُ،
حَتَّى صَارَتِ الْخُصُوصِيَّةُ كَائِنًا مُنْقَرِضًا.
وَفِي مَقْهَى الْإِنْتَرْنِتِ،
جَلَسَ زَاحِفٌ رَقْمِيٌّ أَمَامَ شَاشَةٍ لَا تَشْبَعُ،
فَتَحَ نَافِذَةً لِلْمَالِ،
وَأُخْرَى لِلشُّهْرَةِ،
وَثَالِثَةً لِلرَّغْبَةِ،
وَأُغْلِقَتِ النَّافِذَةُ الْأَخِيرَةُ لِأَنَّهَا كَانَتْ تُطِلُّ عَلَى نَفْسِهِ.
كَانَ الزَّاحِفُ الرَّقْمِيُّ يَعْرِفُ كُلَّ شَيْءٍ،
إِلَّا كَيْفَ يَعِيشُ دُونَ جُمْهُورٍ،
يُصَوِّرُ فِنْجَانَهُ،
وَحِذَاءَهُ،
وَغُرُوبَهُ،
وَحَتَّى حُزْنَهُ،
ثُمَّ يَسْأَلُ: لِمَاذَا لَا يَشْعُرُ أَحَدٌ بِأَنِّي حَيٌّ؟
وَفِي الْمَكْتَبَةِ الْعَامَّةِ،
كَانَتِ الْكُتُبُ تَشْعُرُ بِالْيَتْمِ،
دِيوَانٌ قَدِيمٌ يَنْظُرُ إِلَى شَاشَةٍ زَرْقَاءَ،
وَرِوَايَةٌ تَنْتَظِرُ يَدًا لَا تَصْوِّرُهَا،
وَكِتَابُ فَلْسَفَةٍ يَسْأَلُ الْغُبَارَ عَنْ صَاحِبِهِ،
وَفِي الزَّاوِيَةِ رَجُلٌ يَقْرَأُ،
كَأَنَّهُ يُؤَدِّي طَقْسًا سِرِّيًّا لِإِنْقَاذِ الْبَشَرِيَّةِ مِنَ السُّرْعَةِ.
ثُمَّ جَاءَ الزَّاحِفُ الثَّقَافِيُّ،
وَكَانَ يَحْفَظُ أَسْمَاءَ الْفَلَاسِفَةِ وَلَا يَعْرِفُ أَفْكَارَهُمْ،
يَضَعُ صُورَةَ كَاتِبٍ مَيْتٍ فَوْقَ حِسَابِهِ،
وَيَكْتُبُ تَحْتَهَا جُمْلَةً لَا يَفْهَمُهَا،
ثُمَّ يَتَّهِمُ الْآخَرِينَ بِالْجَهْلِ،
كَأَنَّ الثَّقَافَةَ قَامُوسٌ لِلتَّفَاخُرِ،
وَلَيْسَتْ مِحْنَةً لِتَهْذِيبِ الرُّوحِ.
وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ زَاحِفٌ سِيَاسِيٌّ،
يُغَيِّرُ لَوْنَهُ أَسْرَعَ مِنْ إِشَارَةِ الْمَرُورِ،
يَهْتِفُ مَعَ الْجُمْهُورِ،
وَيَهْتِفُ ضِدَّهُ فِي الْغُرْفَةِ الْمُجَاوِرَةِ،
وَيَحْمِلُ مَبَادِئَهُ فِي حَقِيبَةٍ بِسَحَّابٍ،
فَإِذَا تَغَيَّرَتِ الْمَصَالِحُ غَيَّرَ مِفْتَاحَ الْحَقِيبَةِ.
قَالَ: أَنَا مَعَ الْحُرِّيَّةِ،
فَقَالَتْ لَهُ الْمَدِينَةُ: وَأَيْنَ تَضَعُهَا؟
قَالَ: فِي جَيْبِي،
قَالَتْ: وَمَاذَا عَنْ حُرِّيَّةِ غَيْرِكَ؟
فَصَمَتَ،
لِأَنَّ جَيْبَهُ كَانَ أَوْسَعَ مِنْ ضَمِيرِهِ،
وَلِأَنَّ السِّيَاسَةَ عِنْدَ بَعْضِ الزَّوَاحِفِ مِهْنَةُ جِلْدٍ لَا مِهْنَةُ مَبْدَأٍ.
وَكَانَ زَاحِفٌ عَاطِفِيٌّ يَحْمِلُ قَلْبًا مِنْ إِشْعَارَاتٍ،
يَغْضَبُ إِذَا تَأَخَّرَ الرَّدُّ،
وَيَفْرَحُ إِذَا ظَهَرَتْ نُقْطَتَانِ زَرْقَاوَانِ،
يَقِيسُ الْحُبَّ بِسُرْعَةِ الْإِجَابَةِ،
وَيَقِيسُ الْفَقْدَ بِعَدَدِ الْمُتَابِعِينَ،
ثُمَّ يَسْأَلُ الْمِرْآةَ: أَهَذَا حُبٌّ؟
فَتَقُولُ: هَذَا اتِّصَالٌ ضَعِيفٌ.
وَكَانَ زَاحِفٌ أَخْلَاقِيٌّ يَرْفَعُ السَّبَّابَةَ،
يُحَاكِمُ الْجَمِيعَ فِي الصَّبَاحِ،
وَيَسْتَثْنِي نَفْسَهُ فِي الْمَسَاءِ،
يَكْتُبُ عَنْ الْعِفَّةِ بِحِبْرٍ مُعْطَّرٍ،
وَيَسْتَعْمِلُ الْمَبَادِئَ كَمِظَلَّةٍ لِلْمَصْلَحَةِ،
وَكَانَتِ الْمَدِينَةُ تَعْرِفُ أَنَّ أَشَدَّ الْأَقْنِعَةِ سُمْكًا هُوَ قِنَاعُ الْفَضِيلَةِ.
فِي الْخَمَّارَةِ الْقَدِيمَةِ،
كَانَتِ الْأَكْوَابُ تَضْحَكُ مِنَ الرِّجَالِ،
وَكَانَتِ الطَّاوِلَاتُ تَحْفَظُ مَا نَسِيَهُ الْعُقَلَاءُ،
زَاحِفٌ يَبِيعُ الْوَعْدَ،
وَآخَرُ يَبِيعُ الْخَوْفَ،
وَثَالِثٌ يَبِيعُ مَا لَا يَمْلِكُ،
وَالرَّابِعُ يَشْتَرِي مَا لَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ.
فِي الْمَقْصَفِ،
كَانَتِ الْمَائِدَةُ مَحْكَمَةً صَغِيرَةً،
كُلُّ وَاحِدٍ يُدِينُ جَارَهُ بِسَكِّينِ الْكَلَامِ،
وَكُلُّ وَاحِدٍ يَخْفِي فِي جَيْبِهِ دَلِيلَ إِدَانَتِهِ،
ثُمَّ يَغْفِرُ لِنَفْسِهِ قَبْلَ أَنْ يَطْلُبَ الْمَغْفِرَةَ،
وَتَسْأَلُ الْمِلْعَقَةُ: مَنْ أَكَلَ مَنْ؟
فَلَا يُجِيبُ أَحَدٌ.
كَانَ زَاحِفٌ يُسَمِّي نَفْسَهُ دَهْرِيًّا،
وَآخَرُ يُسَمِّي نَفْسَهُ عَدَمِيًّا،
وَثَالِثٌ يُسَمِّي نَفْسَهُ طُوبَاوِيًّا،
وَرَابِعٌ يُسَمِّي نَفْسَهُ وَثَنِيًّا،
فَقَالَتْ لَهُمْ الْمَدِينَةُ: مَا أَجْمَلَ أَسْمَاءَكُمْ،
ثُمَّ سَأَلَتْ: وَأَيْنَ الْإِنْسَانُ فِيكُمْ؟
فَفَرَّتِ الْأَسْمَاءُ،
وَبَقِيَتِ الْجُلُودُ عَلَى الرَّصِيفِ.
وَفِي كَبَارِيهٍ يَلْبَسُ الْلَّيْلُ فِيهِ قِنَاعًا،
كَانَتِ الْأَضْوَاءُ تُخْفِي مَا لَا تُصْلِحُهُ الْأَضْوَاءُ،
رَاقِصَةٌ تَعْبُرُ الْمَشْهَدَ كَظِلٍّ مُتْعَبٍ،
وَرَجُلٌ يَصْفِّقُ لِصُورَتِهِ فِي مَرْآةٍ،
وَحَشَّاشٌ يَبْحَثُ عَنْ سَاعَةٍ لَا تَذْكُرُهُ،
وَمَدِينَةٌ تَسْهَرُ حَتَّى الصَّبَاحِ لِكَيْ لَا تَرَى وَجْهَهَا.
وَكَانَ زَاحِفُ الشَّهْوَةِ يَظُنُّ أَنَّ كُلَّ مَا يَرَاهُ مَمْلُوكٌ لَهُ،
وَأَنَّ الْحُدُودَ عَادَةٌ قَدِيمَةٌ،
وَأَنَّ الْمَوَافَقَةَ تَفْصِيلٌ ثَانَوِيٌّ،
فَكَانَتْ عَيْنَاهُ تَسْبِقَانِ لِسَانَهُ،
وَكَانَ غُرُورُهُ أَطْوَلَ مِنْ شَارِعٍ بِلا نِهَايَةٍ،
حَتَّى صَارَتِ الْمَدِينَةُ تَرَاهُ كَحَافَّةٍ مَكْسُورَةٍ فِي زُجَاجِهَا.
وَلَمَّا سَأَلُوهُ عَنِ الْحُرِّيَّةِ،
قَالَ: أَنَا حُرٌّ فِي أَنْ أَفْعَلَ مَا أُرِيدُ،
فَقَالَتْ لَهُ امْرَأَةٌ مِنْ آخِرِ الصَّفِّ:
وَهَلْ حُرِّيَّتُكَ تَشْمَلُ حَقِّي فِي أَنْ أَقُولَ لَا؟
فَسَقَطَتْ مِنْ فَمِهِ جُمْلَةٌ لَمْ يَعْثُرْ عَلَيْهَا،
وَأَدْرَكَ لِأَوَّلِ مَرَّةٍ أَنَّ الْحُرِّيَّةَ لَيْسَتْ رَغْبَةً مُطْلَقَةً،
بَلْ حُدُودًا تَحْمِي رَغْبَةَ الْآخَرِ أَيْضًا.
فِي الْمَدِينَةِ كَانَ التَّحَرُّشُ أَحْيَانًا لُغَةَ عَاجِزٍ،
يَسْتَعْمِلُ الْإِهَانَةَ لِيُخْفِي ضَعْفَهُ،
وَيَسْتَعْمِلُ الْعُنْصُرِيَّةَ لِيَصْنَعَ مِنْ نَفْسِهِ سَيِّدًا،
وَيَسْتَعْمِلُ السُّخْرِيَةَ لِيُخْفِي خَوْفَهُ،
وَتَسْتَعْمِلُ الْمَجْمُوعَةُ صَمْتَهَا لِتُطِيلَ عُمْرَهُ،
فَيَصِيرُ الصَّمْتُ شَرِيكًا فِي الْجَرِيمَةِ.
وَفِي دَائِرَةٍ حُكُومِيَّةٍ،
كَانَ الرُّوتِينُ تِنِّينًا ذُو أَلْفِ رَأْسٍ،
وَكَانَ الْمُوَظَّفُ يَشْتَكِي مِنْهُ،
ثُمَّ يَضَعُ فِي دُرْجِهِ مَفْتَاحًا لَا يُعْطِيهِ إِلَّا لِمَنْ يَدْفَعُ،
وَيَقُولُ: هَذَا لَيْسَ رِشْوَةً،
إِنَّهُ «تَسْهِيلٌ»،
فَتَضْحَكُ الْأَوْرَاقُ وَتَتَكَوَّرُ فِي أَدْرَاجِهَا كَالسَّحَالِي.
وَكَانَ يَتَذَمَّرُ مِنَ التَّكَلُّسِ،
وَهُوَ أَكْثَرُ النَّاسِ تَكَلُّسًا،
يَشْتَكِي مِنْ فَسَادِ الْمُؤَسَّسَةِ،
وَيُغَذِّي فَسَادَهَا بِمِلْعَقَةٍ صَغِيرَةٍ،
يَتَأَخَّرُ عَنِ الدَّوَامِ وَيَطْلُبُ الْإِصْلَاحَ،
وَيَسْرِقُ سَاعَةً مِنْ زَمَنِ النَّاسِ كُلَّ يَوْمٍ،
ثُمَّ يَكْتُبُ فِي تَقْرِيرِهِ: «نَحْنُ بِحَاجَةٍ إِلَى الْاِنْضِبَاطِ».
وَفِي سُوقٍ لَا يَنَامُ،
كَانَ زَاحِفٌ يَتَاجَرُ فِي كُلِّ شَيْءٍ،
فِي الْمَسْكَنِ،
فِي الْوَعْدِ،
فِي الْخَوْفِ،
فِي الْحَنِينِ،
حَتَّى إِنَّ الْمَاءَ كَانَ يَخْشَى أَنْ يَمُرَّ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ.
كَانَ الْمُتَسَلِّقُ يَزْحَفُ عَلَى أَكْتَافِ الْآخَرِينَ،
وَكُلَّمَا سَقَطَ شَخْصٌ قَالَ: لَا بُدَّ مِنْ تَضْحِيَاتٍ،
ثُمَّ يَصْعَدُ فَوْقَ جُثَّةِ الْمَعْنَى،
وَيُصَوِّرُ نَفْسَهُ فِي الْقِمَّةِ،
وَيَكْتُبُ: «بِالْعَمَلِ نَصِلُ»،
وَلَا يَقُولُ لِمَنْ دَاسَهُمْ: أَسْفٌ.
وَكَانَ الْمُتَطَفِّلُ يَعِيشُ عَلَى مَائِدَةِ غَيْرِهِ،
يَدْخُلُ الْمَجْلِسَ بِضَحْكَةٍ،
وَيَخْرُجُ بِمَعْلُومَةٍ،
يَدْخُلُ الْمُؤَسَّسَةَ بِمَعْرِفَةٍ،
وَيَخْرُجُ مِنْهَا بِمَكَانٍ،
كَأَنَّ الْعَالَمَ فُنْدُقٌ وَهُوَ النَّزِيلُ الدَّائِمُ،
وَكَأَنَّ الْأَبْوَابَ خُلِقَتْ لِتُفْتَحَ لَهُ فَقَطْ.
وَكَانَ الْمُتَرَمِّمُ يَلْتَصِقُ بِكُلِّ جِدَارٍ،
فَإِذَا كَانَ الْجِدَارُ سِيَاسِيًّا صَارَ سِيَاسِيًّا،
وَإِذَا كَانَ ثَقَافِيًّا صَارَ مُثَقَّفًا،
وَإِذَا كَانَ تِجَارِيًّا صَارَ تَاجِرًا،
وَإِذَا سَقَطَ الْجِدَارُ قَالَ: لَقَدْ كُنْتُ مُعَارِضًا لَهُ،
وَتَضْحَكُ الْحَائِطَةُ مِنْ تَارِيخِهِ الْمُطَّاطِيِّ.
وَفِي الْفُنْدُقِ السِّيَاحِيِّ،
كَانَ السَّائِحُ يَصْوِّرُ مَا بَقِيَ مِنَ الْمَدِينَةِ،
وَالْمَدِينَةُ تَصْوِّرُ مَا بَقِيَ مِنَ السَّائِحِ،
وَفِي الْبَيْنِ بَائِعُ ذِكْرَيَاتٍ،
وَدَلِيلٌ يَحْفَظُ أَسْمَاءَ الْمَعَابِدِ وَلَا يَحْفَظُ أَسْمَاءَ فُقَرَائِهَا،
وَزَاحِفٌ يَضَعُ التُّرَاثَ فِي إِطَارٍ ذَهَبِيٍّ،
ثُمَّ يَبِيعُ لِلزَّائِرِ وَهْمَ أَنَّهُ اشْتَرَى التَّارِيخَ.
وَفِي الشَّارِعِ،
كَانَتْ مِلْصَقَاتٌ تَتَنَافَسُ عَلَى مَنْ يَكْذِبُ أَجْمَلَ،
وَصُوَرُ الْمُرَشَّحِينَ تَضْحَكُ أَكْثَرَ مِنَ الْمُرَشَّحِينَ،
وَكَانَ الْمُوَاطِنُ يَزْحَفُ إِلَى صُنْدُوقِ الِانْتِخَابِ،
لَا لِيَخْتَارَ مَنْ يَحْكُمُهُ،
بَلْ لِيَخْتَارَ كَيْفَ سَيُخْدَعُ فِي الْمَرَّةِ الْقَادِمَةِ.
وَكَانَ زَاحِفُ السُّلْطَةِ يَحْفَظُ كَلِمَةَ «الْوَطَنِ»،
كَمَا يَحْفَظُ التَّاجِرُ اسْمَ سِلْعَتِهِ،
يَرْفَعُهَا فِي الْمِيكْرُوفُونِ،
وَيَضَعُهَا فِي جَيْبِهِ بَعْدَ الْخُطْبَةِ،
وَيَرْجِعُ إِلَى قَصْرِهِ،
فَيَسْأَلُ الْمَرْآةَ: هَلْ كُنْتُ وَطَنِيًّا؟
فَتَقُولُ: كُنْتَ مُقْنِعًا فَقَطْ.
وَكَانَ زَاحِفُ الْمَالِ يَسْتَيْقِظُ عَلَى صَوْتِ الْحِسَابَاتِ،
وَيَنَامُ عَلَى صَوْتِ الْحِسَابَاتِ،
وَحِينَ حَلِمَ بِالْبَحْرِ رَأَى فِيهِ خَزْنَةً،
وَحِينَ رَأَى الشَّجَرَةَ رَآهَا أَخْشَابًا،
وَحِينَ رَأَى الْإِنْسَانَ رَآهُ سُوقًا،
فَسَأَلَتْهُ ابْنَتُهُ: أَيْنَ الْجَمَالُ؟
قَالَ: كَمْ يُسَاوِي؟
وَكَانَ زَاحِفُ الْأَمَانِ يَبْنِي جُدْرَانًا،
ثُمَّ جُدْرَانًا دَاخِلَ الْجُدْرَانِ،
ثُمَّ يَشْتَرِي حَارِسًا لِحَارِسِهِ،
وَيَضَعُ كَامِيرَا تَرَاقِبُ كَامِيرَاتِهِ،
وَفِي آخِرِ اللَّيْلِ يَسْمَعُ خَطْوَةً فِي الْمَمَرِّ،
فَيَكْتَشِفُ أَنَّ الْخَوْفَ لَا يَحْتَاجُ إِلَى بَابٍ.
وَكَانَ زَاحِفُ الْمَاضِي يَحْمِلُ حَقِيبَةً،
فِيهَا حُرُوبٌ لَمْ يَخُضْهَا،
وَصُوَرٌ لِأُنَاسٍ لَمْ يَعْرِفْهُمْ،
وَأَحْقَادٌ وَرِثَهَا كَأَنَّهَا ذَهَبٌ عَائِلِيٌّ،
كُلَّمَا فَتَحَ الْحَقِيبَةَ خَرَجَ مِنْهَا دُخَانٌ،
وَقَالَ: هَذَا تَارِيخُنَا.
فَقَالَ لَهُ طِفْلٌ فِي الطَّرِيقِ:
وَمَتَى يَكُونُ تَارِيخُنَا أَيْضًا مَا لَمْ يَحْدُثْ؟
فَلَمْ يَفْهَمِ الرَّجُلُ السُّؤَالَ،
لِأَنَّ الْمَاضِي عِنْدَهُ كَانَ مِرْآةً لَا نَافِذَةً،
وَلِأَنَّ الْمُسْتَقْبَلَ كَانَ يَخِيفُهُ أَكْثَرَ مِنَ الْمَاضِي.
وَكَانَ الزَّاحِفُ الشَّهْوَانِيُّ يَرَى الْمَدِينَةَ جَسَدًا وَاحِدًا،
وَيَنْسَى أَنَّ الْمَدِينَةَ أَرْوَاحٌ وَحُدُودٌ وَذَاكِرَاتٌ،
يَجْعَلُ الرَّغْبَةَ حُجَّةً لِكُلِّ شَيْءٍ،
وَيَجْعَلُ الْآخَرَ مَمَرًّا إِلَى نَفْسِهِ،
ثُمَّ يَسْأَلُ لِمَاذَا لَا يَحْتَرِمُنِي أَحَدٌ،
وَهُوَ لَمْ يَتَعَلَّمْ أَصْلًا أَنْ يَحْتَرِمَ حُدُودَ الْآخَرِينَ.
وَكَانَتِ الْمَدِينَةُ تَغْسِلُ وَجْهَهَا بِالْإِعْلَانَاتِ،
وَتَضَعُ عَلَى شَعْرِهَا عِطْرَ الْحَدَاثَةِ،
وَتَقُولُ: أَنَا مُنْفَتِحَةٌ،
ثُمَّ تُغْلِقُ بَابَهَا فِي وَجْهِ الْفَقِيرِ،
وَتُضِيءُ واجِهَاتِهَا لِلْأَغْنِيَاءِ،
وَتَتَحَدَّثُ عَنِ الْمُسَاوَاةِ فِي مِكْرُوفُونٍ ذَهَبِيٍّ.
وَكَانَتْ ثَقَافَةُ التَّفَاهَةِ تَرْكَبُ مَوْجَةً،
تَرْكَبُهَا وَهِيَ تَصْرُخُ: أَنَا الْجَدِيدُ،
وَكَانَ الْجَدِيدُ قَدِيمًا مِنْ دَاخِلِهِ،
يُعِيدُ نَفْسَ الْغَرَائِزِ بِكَلِمَاتٍ أَلْطَفَ،
وَيُعِيدُ نَفْسَ الْجَشَعِ بِصُوَرٍ أَجْمَلَ،
وَيُعِيدُ نَفْسَ الْفَرَاغِ بِدِقَّةِ الْعَالَمِ الرَّقْمِيِّ.
وَفِي مَطْعَمٍ فَاخِرٍ،
كَانَتِ الْقَائِمَةُ أَطْوَلَ مِنْ سِيَرِ الزُّعَمَاءِ،
وَكَانَ الْجَمِيعُ يَطْلُبُ مَا لَا يَعْرِفُ اسْمَهُ،
ثُمَّ يَصَوِّرُ الطَّبَقَ قَبْلَ أَنْ يَذُوقَهُ،
وَكَانَ الْجُوعُ يَقِفُ خَارِجَ الْبَابِ،
يَنْظُرُ إِلَى الْوَلِيمَةِ كَأَنَّهَا سَمَاءٌ لَا تُطَالُ.
وَفِي الْمَكْتَبَةِ،
كَانَ كِتَابٌ عَنْ أَخْلَاقِ الْفَضِيلَةِ يَسْتَغِيثُ،
لِأَنَّ صَاحِبَهُ كَانَ يَسْرِقُ الْأَقْلَامَ،
وَكَانَ كِتَابٌ عَنْ الْحُرِّيَّةِ مُغْلَقًا،
لِأَنَّ قَارِئَهُ لَا يَحْتَمِلُ رَأْيًا مُخَالِفًا،
وَكَانَتِ الْكُتُبُ تَتَسَاءَلُ:
هَلْ يَسْتَطِيعُ الْإِنْسَانُ أَنْ يَقْرَأَ نَفْسَهُ؟
وَكَانَ زَاحِفٌ ثَقَافِيٌّ يَكْرَهُ الْعِلْمَ،
لَكِنَّهُ يُحِبُّ مَظْهَرَ الْعَالِمِ،
يَرْتَدِي النَّظَّارَةَ،
وَيَحْمِلُ كِتَابًا،
وَيَسْتَعْمِلُ كَلِمَاتٍ لَا تَخْطُرُ لَهُ،
ثُمَّ يَنْظُرُ إِلَى الْجُمْهُورِ بِعَيْنَيْنِ مُتَعَالِيَتَيْنِ،
كَأَنَّ الْجَهْلَ حِينَ يَرْتَدِي مَعْطَفًا يَصِيرُ حِكْمَةً.
وَكَانَ زَاحِفٌ آخَرُ يَكْرَهُ الْفَنَّ،
لِأَنَّ الْفَنَّ لَا يَسْمَحُ لَهُ أَنْ يَكْذِبَ بِرَاحَةٍ،
فَكَسَرَ الْمِرْآةَ،
وَقَالَ: إِنَّهَا مُتَطَرِّفَةٌ،
ثُمَّ طَلَبَ مِنَ الرَّسَّامِ أَنْ يَرْسُمَهُ أَجْمَلَ مِمَّا هُوَ،
فَقَالَ الرَّسَّامُ:
إِنَّ الْفَنَّ لَيْسَ مَكْيَاجًا،
فَغَضِبَ الزَّاحِفُ،
لِأَنَّ الْحَقِيقَةَ أَسْوَأُ مِنْ أَيِّ نَقْدٍ.
وَفِي الْجَامِعَةِ،
كَانَ زَاحِفٌ يَتَكَلَّمُ عَنِ التَّقَدُّمِ،
وَيَخَافُ مِنَ السُّؤَالِ،
يَتَكَلَّمُ عَنِ الْمُسْتَقْبَلِ،
وَيُقَدِّسُ الْمَاضِيَ،
يَطْلُبُ الْإِبْدَاعَ،
وَيُعَاقِبُ الْمُبْدِعَ،
فَكَانَ الطُّلَّابُ يَكْتُبُونَ أَسْمَاءَهُمْ عَلَى الْجُدْرَانِ،
لِكَيْ تَتَذَكَّرَ الْجُدْرَانُ مَنْ مَنَعَهُمْ مِنَ الْكَلَامِ.
وَفِي الْمَتْرُو مَرَّ زَاحِفٌ آخَرُ،
كَانَ يَحْمِلُ مِرْآةً صَغِيرَةً،
كُلَّ دَقِيقَةٍ يَنْظُرُ فِيهَا،
لِيَتَأَكَّدَ أَنَّهُ مَا زَالَ مَرْغُوبًا،
فَإِذَا رَأَى وَجْهَهُ تَغَيَّرَ،
أَغْلَقَ الْمِرْآةَ،
وَفَتَحَ الْهَاتِفَ،
وَبَحَثَ عَنْ وَجْهٍ جَدِيدٍ يَنْسَى بِهِ وَجْهَهُ.
وَكَانَتِ الْمَدِينَةُ تَصْنَعُ نُسَخًا مِنَ الْبَشَرِ،
نُسْخَةً لِلسُّوقِ،
وَنُسْخَةً لِلشَّاشَةِ،
وَنُسْخَةً لِلْمَكْتَبِ،
وَنُسْخَةً لِلْعَائِلَةِ،
وَنُسْخَةً لِلْحُبِّ،
حَتَّى لَمْ يَبْقَ لِلْإِنْسَانِ وَجْهٌ خَامٌّ لِيَرَاهُ.
فِي السَّاحَةِ الْكَبِيرَةِ،
اجْتَمَعَتِ الزَّوَاحِفُ لِمُؤْتَمَرٍ عَالَمِيٍّ،
زَاحِفُ الْمَالِ،
وَزَاحِفُ السُّلْطَةِ،
وَزَاحِفُ الشَّهْوَةِ،
وَزَاحِفُ الْهُوِيَّةِ،
وَزَاحِفُ الْأَخْلَاقِ،
وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ كَانَ يَتَّهِمُ الْآخَرَ بِأَنَّهُ زَاحِفٌ.
وَقَالَ زَاحِفُ السُّلْطَةِ: أَنَا أَفْضَلُ مِنْكُمْ،
وَقَالَ زَاحِفُ الْمَالِ: أَنَا أَغْنَى مِنْكُمْ،
وَقَالَ زَاحِفُ الشَّهْوَةِ: أَنَا أَكْثَرُ مِنْكُمْ حُرِّيَّةً،
وَقَالَ زَاحِفُ الْأَخْلَاقِ: أَنَا أَطْهَرُ مِنْكُمْ،
فَقَالَتِ الْمَدِينَةُ:
مَا أَجْمَلَ أَنْ يَتَّهِمَ الْجِلْدُ الْجِلْدَ.
وَكَانَتْ فِي الْمَدِينَةِ زَاحِفَةٌ تَرْفُضُ أَنْ تَكُونَ زَاحِفَةً،
تَمْشِي مُنْتَصِبَةً،
وَتَقُولُ لِلْمُتَحَرِّشِ: حُدُودِي لَيْسَتْ دَعْوَةً لِلنِّقَاشِ،
وَتَقُولُ لِلْعُنْصُرِيِّ: اخْتِلَافِي لَيْسَ سُلَّمًا لِإِهَانَتِي،
وَتَقُولُ لِلْمُتَاجِرِ: لَسْتُ سِلْعَةً،
فَكَانَتْ أَكْثَرَ شَخْصِيَّاتِ الْمَدِينَةِ وَحْشَةً،
لِأَنَّهَا اخْتَارَتْ أَنْ تَمْشِي.
وَفِي اللَّيْلِ،
كَانَتِ الْمَدِينَةُ تَخْلَعُ حَذَاءَهَا،
وَتَجْلِسُ عَلَى رَصِيفٍ بَارِدٍ،
تَحْسِبُ مَنْ رَبِحَ،
فَلَمْ تَجِدْ أَحَدًا،
تَحْسِبُ مَنْ خَسِرَ،
فَوَجَدَتِ الْجَمِيعَ،
لِأَنَّ مَنْ يَرْبَحُ الْعَالَمَ بِالزَّحْفِ،
يَفْقِدُ فِي الطَّرِيقِ قَامَتَهُ.
ثُمَّ نَامَتِ الْأَبْرَاجُ،
وَأَطْفَأَتِ الْمَوْلَاتُ أَضْوَاءَهَا،
وَأَغْلَقَتِ الْمَقَاهِي أَبْوَابَهَا،
وَعَادَ الْمُوَظَّفُ إِلَى شَقَّتِهِ،
وَالْمُتَسَلِّقُ إِلَى كُرْسِيِّهِ،
وَالْمُتَطَفِّلُ إِلَى ظِلِّهِ،
وَالزَّاحِفُ الشَّهْوَانِيُّ إِلَى مَرَايَاهُ،
وَكَانَتِ الْمَدِينَةُ وَحْدَهَا مُسْتَيْقِظَةً.
قَالَتِ الْمَدِينَةُ:
لَسْتُمْ حَيَوَانَاتٍ،
وَلَسْتُمْ شَيَاطِينَ،
أَنْتُمْ بَشَرٌ أَفْسَدَتْهُمْ عَادَةُ النَّجَاةِ،
وَأَتْعَبَتْهُمْ شَهْوَةُ الْمِلْكِ،
وَأَفْقَرَهُمْ خَوْفُ الْفَقْدِ،
فَتَعَلَّمْتُمْ كَيْفَ تَزْحَفُونَ،
وَنَسِيتُمْ كَيْفَ تَقِفُونَ.
وَفِي الصَّبَاحِ،
اسْتَيْقَظَتِ الْمَدِينَةُ عَلَى إِعْلَانٍ جَدِيدٍ:
«تَعَلَّمْ كَيْفَ تَكُونُ نَاجِحًا!»
فَضَحِكَ الْفَقِيرُ،
وَبَكَى الْمُثَقَّفُ،
وَاشْتَرَى الْغَنِيُّ الدَّوْرَةَ،
وَكَانَ مُدَرِّبُهَا أَشْهَرَ زَاحِفٍ فِي الْمَدِينَةِ،
لِأَنَّهُ كَانَ يَعْرِفُ أَيْنَ يَضَعُ رُكْبَتَيْهِ.
وَكَانَ آخَرُ يَكْتُبُ عَنْ الْحُبِّ،
وَهُوَ لَا يَعْرِفُ الْإِنْصَاتَ،
وَيَكْتُبُ عَنِ الْكَرَامَةِ،
وَهُوَ لَا يَعْرِفُ الِاعْتِذَارَ،
وَيَكْتُبُ عَنِ الْمَرْأَةِ،
وَهُوَ لَا يَرَاهَا إِلَّا مِرْآةً لِرَغْبَتِهِ،
فَقَالَتْ لَهُ الْمَرْآةُ:
اكْتُبْ عَنْ نَفْسِكَ أَوَّلًا،
فَأَغْلَقَ الدَّفْتَرَ.
وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ زَاحِفٌ يَخْشَى الْفَقْرَ،
فَصَارَ غَنِيًّا،
ثُمَّ خَافَ أَنْ يَفْقِدَ ثَرَاءَهُ،
فَصَارَ فَقِيرًا مِنْ نَوْعٍ آخَرَ،
فَقْرُهُ لَمْ يَكُنْ فِي الْجَيْبِ،
بَلْ فِي الثِّقَةِ،
وَكَانَ يَحْتَاجُ إِلَى مَالٍ أَكْثَرَ لِيَشْتَرِيَ خَوْفًا أَكْثَرَ.
وَكَانَ زَاحِفٌ يَسْكُنُ فِي الطَّابِقِ الْخَامِسِ وَالسَّبْعِينَ،
وَلَا يَرَى الْأَرْضَ إِلَّا فِي صُوَرِ الْهَاتِفِ،
يَقُولُ: لَقَدْ وَصَلْتُ،
فَتَسْأَلُهُ السَّمَاءُ: إِلَى أَيْنَ؟
فَلَا يَجِدُ جَوَابًا،
لِأَنَّ الْقِمَّةَ عِنْدَهُ كَانَتْ رَقْمًا،
وَلَيْسَتْ مَعْنًى.
وَفِي الْأَرْضِ الْمُرَصَّعَةِ بِالْإِسْمَنْتِ،
كَانَتْ شَجَرَةٌ وَاحِدَةٌ تَرْفُضُ الزَّحْفَ،
تَمُدُّ جُذُورَهَا إِلَى الْأَسْفَلِ،
وَأَغْصَانَهَا إِلَى الْأَعْلَى،
وَتَقُولُ لِلْبَشَرِ:
أَنَا أَعْرِفُ أَنَّ الْجُذُورَ زَحْفٌ،
لَكِنَّ الْغَايَةَ أَنْ تَحْمِلَكَ إِلَى الْوُقُوفِ،
لَا أَنْ تَجْعَلَكَ أَسِيرًا لِلْأَرْضِ.
وَكَانَ ذَلِكَ أَصْعَبَ دَرْسٍ فِي الْمَدِينَةِ،
لِأَنَّ كُلَّ شَيْءٍ فِيهَا كَانَ يَعْلَمُ النَّاسَ كَيْفَ يَصْعَدُونَ،
وَلَا شَيْءٍ يُعَلِّمُهُمْ لِمَاذَا يَصْعَدُونَ،
كُلُّهُمْ يَرْكُضُونَ،
وَلَا أَحَدٌ يَعْرِفُ إِلَى أَيْنَ،
وَكُلُّهُمْ يَزْحَفُونَ،
وَلَا أَحَدٌ يَسْأَلُ: مَنْ وَضَعَ الْأَرْضَ تَحْتَ أَقْدَامِنَا؟
وَفِي آخِرِ الْحَكَايَةِ،
لَمْ تَظْهَرْ نِهَايَةٌ،
لِأَنَّ الْمَدِينَةَ لَا تُنْهِي حِكَايَاتِهَا،
إِنَّهَا تَغَيِّرُ وَجْهَ الزَّاحِفِ فَقَطْ،
مَرَّةً فِي بَدْلَةِ مُدِيرٍ،
وَمَرَّةً فِي ثَوْبِ مُثَقَّفٍ،
وَمَرَّةً فِي شَاشَةِ هَاتِفٍ،
وَمَرَّةً فِي ضَحْكَةِ مُتَحَرِّشٍ،
وَمَرَّةً فِي صَمْتِ رَجُلٍ شَرِيفٍ يَتَعَلَّمُ كَيْفَ يَنْجُو.
وَكَانَ السُّؤَالُ يَمْشِي فِي الشَّوَارِعِ وَحْدَهُ،
لَا يَحْمِلُ مَالًا،
وَلَا مَنْصِبًا،
وَلَا هَاتِفًا،
وَلَا وَجَاهَةً،
فَقَالَتْ لَهُ الْمَدِينَةُ: مَنْ أَنْتَ؟
قَالَ: أَنَا السُّؤَالُ الَّذِي نَسِيتُمُوهُ.
وَفِي الْمَتْرُو،
رَفَعَ رَجُلٌ رَأْسَهُ لِلْمَرَّةِ الْأُولَى،
فَرَأَى سَقْفًا،
ثُمَّ رَأَى السَّمَاءَ فِي خَيَالِهِ،
ثُمَّ رَأَى وَجْهَهُ فِي الزُّجَاجِ،
فَخَافَ،
لِأَنَّهُ لَمْ يَرَ زَاحِفًا،
بَلْ رَأَى إِنْسَانًا.
وَهُنَا بَدَأَتِ الْمَدِينَةُ تَتَغَيَّرُ،
لَيْسَ لِأَنَّ الْأَبْرَاجَ سَقَطَتْ،
وَلَا لِأَنَّ الْمَوْلَاتِ احْتَرَقَتْ،
بَلْ لِأَنَّ شَخْصًا وَاحِدًا قَرَّرَ أَنْ يَمْشِيَ،
وَآخَرَ قَرَّرَ أَنْ يَقُولَ لَا،
وَثَالِثًا قَرَّرَ أَنْ يُعِيدَ الْمَالَ،
وَرَابِعًا قَرَّرَ أَنْ يَعْتَذِرَ،
وَخَامِسًا قَرَّرَ أَنْ يَقْرَأَ.
وَلَمْ تَكُنْ هَذِهِ ثَوْرَةً،
كَانَتْ حَرَكَةً صَغِيرَةً فِي الْعَمُودِ الْفَقَرِيِّ،
كَأَنَّ الْإِنْسَانَ تَذَكَّرَ فَجْأَةً أَنَّهُ لَيْسَ سَحْلِيَّةً،
وَأَنَّ الْحُرِّيَّةَ لَيْسَتْ أَنْ تَفْعَلَ كُلَّ مَا تَشْتَهِي،
بَلْ أَنْ تَعْرِفَ مَتَى تَتَوَقَّفُ،
وَأَنَّ الْكَرَامَةَ هِيَ أَنْ تَسْتَطِيعَ الْوُقُوفَ حِينَ يَتَعَلَّمُ الْجَمِيعُ الزَّحْفَ.
وَفِي الْمَسَاءِ،
أُغْلِقَ الْمَتْحَفُ،
وَكَانَتْ فِيهِ مَائَةُ قَاعَةٍ لِلزَّوَاحِفِ،
زَاحِفٌ لِلْمَالِ،
وَزَاحِفٌ لِلسُّلْطَةِ،
وَزَاحِفٌ لِلشَّهْوَةِ،
وَزَاحِفٌ لِلشُّهْرَةِ،
وَزَاحِفٌ لِلخَوْفِ،
وَزَاحِفٌ لِلْأَخْلَاقِ الَّتِي تَحَوَّلَتْ إِلَى قِنَاعٍ.
وَفِي الْقَاعَةِ الْأَخِيرَةِ،
كَانَتْ مِرْآةٌ وَحْدَهَا،
لَا تُعْرَضُ فِيهَا زَحْفَةٌ،
وَلَا صُورَةٌ،
وَلَا مَسْمًى،
وَلَا أَيْدِيولوجِيَا،
وَلَا قِنَاعٌ،
وَكَانَ عَلَيْهَا نَقْشٌ وَاحِدٌ: «انْظُرْ».
فَنَظَرَ الزَّائِرُ،
وَرَأَى وَجْهَهُ،
ثُمَّ رَأَى خَلْفَ وَجْهِهِ مَائَةَ زَاحِفٍ،
وَرَأَى فِي عُيُونِهِمْ شَهْوَةَ السُّلْطَةِ،
وَشَهْوَةَ الْمَالِ،
وَشَهْوَةَ الْقَبُولِ،
وَشَهْوَةَ الْمِلْكِ،
وَشَهْوَةَ الْخَوْفِ،
فَقَالَ: لَعَلَّ أَخْطَرَ زَاحِفٍ هُوَ الَّذِي يَظُنُّ أَنَّهُ لَيْسَ زَاحِفًا.
وَخَارِجَ الْمَتْحَفِ،
كَانَتِ الْمَدِينَةُ تُضِيءُ عَيْنَيْهَا،
وَتَسْتَعِدُّ لِلْيَوْمِ التَّالِي،
وَتَفْتَحُ الْمَوْلَ،
وَالْمَقْهَى،
وَالْمَكْتَبَةَ،
وَالْمَتْرُو،
وَالسُّوقَ،
وَكَأَنَّ شَيْئًا لَمْ يَحْدُثْ.
لَكِنَّ شَخْصًا وَاحِدًا كَانَ يَمْشِي،
لَا يَزْحَفُ،
وَكَانَتْ خُطْوَتُهُ الصَّغِيرَةُ تُزْعِجُ الْمَدِينَةَ،
لِأَنَّ الْمَدِينَةَ الَّتِي أَلِفَتْ أَلْفَ زَاحِفٍ،
لَا تَعْرِفُ كَيْفَ تُجِيبُ عَنْ سُؤَالِ إِنْسَانٍ وَاحِدٍ
يَمْشِي،
وَيَرْفَعُ رَأْسَهُ،
وَيَقُولُ:
لَسْتُ سِلْعَةً،
وَلَا سُلَّمًا،
وَلَا قِنَاعًا،
وَلَا جِلْدًا يُبَدَّلُ كُلَّ صَبَاحٍ.
وَمِنْ بَعِيدٍ،
ضَحِكَتْ سَحْلِيَّةٌ عَلَى جِدَارٍ،
وَقَالَتْ لِأُخْرَى:
سَيَعُودُ،
فَقَالَتْ أُخْرَى:
رُبَّمَا،
لَكِنَّ الْفَرْقَ أَنَّهُ هَذِهِ الْمَرَّةَ سَيَعُودُ وَهُوَ يَعْرِفُ أَنَّهُ كَانَ يَزْحَفُ.
وَكَانَتْ تِلْكَ، رُبَّمَا،
أَوَّلَ خُطْوَةٍ فِي الْخُرُوجِ مِنَ الْمَتْحَفِ.
__
أغسطس 2026م
حي المقرن - الخرطوم

تعليقات
إرسال تعليق