ديوان : أجعل من ذلك بكثير
أجعل من ذلك بكثير

مصعب الرمادي
أجعل من ذلك بكثير
تغريبة الحجازي الأخير من تخوم الهضبة الحبشية إلى خابور الدمياطي عند البحر الأبيض المتوسط
__________________
الكتاب : أجعل من ذلك بكثير
الكاتب : مصعب الرمادي
تاريخ الطبع : أغسطس 2026م
حقوق الطبع والتأليف محفوظة للمؤلف
_____________________
كَانَ الاسْمُ قَبْلَ أَنْ يُولَدَ صَاحِبُهُ
يَمْشِي فِي اللَّيْلِ حَافِيَ القَدَمَيْنِ
يَحْمِلُ فِي جَيْبِهِ حَجَرًا مِنْ مَقَابِرِ الأَجْدَادِ
وَرِيشَةً مِنْ طَائِرٍ نَسِيَ طَرِيقَ العَوْدَةِ
كَأَنَّ القَبِيلَةَ لَيْسَتْ سِلْسِلَةَ دَمٍ
بَلْ سُحُبَةٌ تُغَيِّرُ شَكْلَهَا كُلَّمَا رَأَتْ مَرْآةً جَدِيدَةً.
فِي مَدِينَةٍ تَخْتَبِئُ بَيْنَ ذَاكِرَةِ الجَبَلِ وَصَمْتِ الرِّيحِ
كَانَ الشَّاعِرُ يَسْتَنْطِقُ حَجَرَ المَتَمَّةِ
فَخَرَجَتْ مِنْهُ أَصْوَاتُ مَمَالِكٍ نَائِمَةٍ
وَخُطَى قَوَافِلَ لَمْ تُسَجَّلْ فِي دَوَاوِينِ المُؤَرِّخِينَ
وَأَسْمَاءُ رِجَالٍ سَقَطُوا مِنْ كُتُبِ السُّلْطَانِ
لَكِنَّهُمْ بَقُوا فِي أَغَانِي النِّسَاءِ عِنْدَ المَغِيبِ.
لَمْ تَكُنِ الهَضْبَةُ الحَبَشِيَّةُ مَكَانًا فِي الخَرِيطَةِ
بَلْ كَانَتْ قَلْبًا ثَانِيًا لِلذَّاكِرَةِ
حَيْثُ تَذْهَبُ الأَسْمَاءُ لِتَغْتَسِلَ مِنْ غُبَارِ التَّارِيخِ
وَتَعُودُ أَسْئِلَةً لَا أَجْسَادًا
فَكُلُّ مَنْفِيٍّ يَحْمِلُ وَطَنًا سِرِّيًّا
لَا يَرَاهُ إِلَّا حِينَ يَفْقِدُ الوَطَنَ الأَوَّلَ.
كَانَ الجَدُّ البَعِيدُ يَرْكَبُ فَرَسًا مِنْ ظِلٍّ
وَيَعْبُرُ مَمَرَّاتِ الرِّيحِ بَيْنَ الحِجَازِ وَالنِّيلِ
لَا يَحْمِلُ سَيْفًا وَلَا خَاتَمَ مُلْكٍ
بَلْ يَحْمِلُ وَهْمَ الإِنْسَانِ القَدِيمِ
أَنَّ النَّسَبَ سَفِينَةٌ لَنْ تَغْرَقَ
حَتَّى اكْتَشَفَ أَنَّ البَحْرَ أَكْبَرُ مِنْ كُلِّ سَفِينَةٍ.
قَالَتِ النَّخْلَةُ لِلرَّاحِلِ فِي طَرِيقِ البَطَانَةِ:
لَا تُفْرِطْ فِي عَدِّ آبَائِكَ
فَالرِّيحُ لَا تَسْأَلُ الغَيْمَ عَنْ جَدِّهِ الأَوَّلِ
وَالمَاءُ لَا يَحْمِلُ شَهَادَةَ مِيلَادٍ لِلنَّهْرِ
أَنْتَ مَا تَتْرُكُهُ خَلْفَكَ مِنْ أَغَانٍ
وَمَا تَزْرَعُهُ أَمَامَكَ مِنْ أَسْئِلَةٍ.
فِي سُوقٍ قَدِيمٍ كَانَتِ الأَنْسَابُ تُبَاعُ مَعَ التَّمْرِ وَالقَهْوَةِ
وَكَانَ الرِّجَالُ يَزِنُونَ الذَّهَبَ بِالمِيزَانِ
وَيَزِنُونَ الحِكَايَاتِ بِالقُلُوبِ
فَالتَّارِيخُ لَيْسَ مَا كَتَبَهُ المُنْتَصِرُونَ فَقَطْ
بَلْ مَا هَمَسَ بِهِ الخَاسِرُونَ
حِينَ عَادُوا إِلَى البُيُوتِ بِدُونِ رايَاتٍ.
قَالَ النِّيلُ لِلسَّمَاءِ فِي لَيْلَةٍ زَرْقَاءَ:
أَنَا لَا أَعْرِفُ الحُدُودَ الَّتِي رَسَمَهَا الخَوْفُ
أَمْشِي مِنْ قَلْبِ الجَبَلِ إِلَى فَمِ البَحْرِ
وَأَحْمِلُ مَعِي رَمَادَ المَمَالِكِ وَضَحِكَ الأَطْفَالِ
فَلِمَاذَا يَسْأَلُنِي البَشَرُ عَنْ جِنْسِيَّةِ المَاءِ؟
وَهُمْ يَعْرِفُونَ أَنَّ المَاءَ أَقْدَمُ مِنْ كُلِّ الأَعْرَاقِ.
كَانَ الحِجَازِيُّ الأَخِيرُ يَحْمِلُ عَبَاءَةً مَرْقُوعَةً
فِي كُلِّ رُقْعَةٍ مِنْهَا مَدِينَةٌ مَنْسِيَّةٌ
وَفِي كُلِّ خَيْطٍ مِنْهَا صَوْتُ أُمٍّ تُغَنِّي لِغَائِبٍ
لَمْ يَعُدْ مِنَ الحَرْبِ
وَلَمْ يَمُتْ أَيْضًا
بَلْ اسْتَقَرَّ فِي المَسَافَةِ بَيْنَ الاسْمِ وَالصَّمْتِ.
لَمْ يَكُنْ الرَّحِيلُ خُرُوجًا مِنْ أَرْضٍ إِلَى أَرْضٍ
بَلْ كَانَ سُقُوطًا مِنْ حُلْمٍ إِلَى حُلْمٍ آخَرَ
فَالمُنْفِيُّ الحَقِيقِيُّ لَا يَفْقِدُ البَيْتَ
بَلْ يَفْقِدُ اللُّغَةَ الَّتِي كَانَ يُسَمِّي بِهَا البَيْتَ
وَيَبْدَأُ بَعْدَهَا فِي اخْتِرَاعِ لُغَةٍ جَدِيدَةٍ لِلرُّوحِ.
كَانَ خَابُورُ الدِّمْيَاطِيِّ فِي حُلْمِ الشَّاعِرِ
نَهْرًا لَمْ تَرْسُمْهُ الجُغْرَافْيَا
بَلْ رَسَمَتْهُ ذَاكِرَةُ المُهَاجِرِينَ
مَجْرًى سِرِّيًّا تَسْبَحُ فِيهِ سُفُنُ الأَسْمَاءِ
مِنْ مَنَابِعِ الحَبَشَةِ
إِلَى مَرَايَا البَحْرِ الأَبْيَضِ المُتَوَسِّطِ.
انَ التَّارِيخُ نَائِمًا فِي مَخْزَنٍ قَدِيمٍ بِالمَتَمَّةِ،
وَكَانَتِ الفَئْرَانُ تَقْرَأُ أَسْمَاءَ المُلُوكِ قَبْلَ أَنْ تَأْكُلَ أَطْرَافَ الكُتُبِ،
حِينَ جَاءَ رَجُلٌ لَا يَعْرِفُ هَلْ هُوَ ابْنُ النَّهْرِ أَمْ ابْنُ الرَّمَادِ،
وَوَضَعَ عَلَى الطَّاوِلَةِ ظِلَّهُ بَدَلَ أَوْرَاقِ الهُوِيَّةِ،
فَارْتَبَكَتِ المَلَائِكَةُ المُؤَرِّخَةُ،
لِأَنَّ الظِّلَّ كَانَ أَقْدَمَ مِنَ الاسْمِ وَأَحْدَثَ مِنَ المِيلَادِ.
فِي لَيْلَةٍ لَمْ تَكُنْ مَوْجُودَةً فِي التَّقْوِيمِ،
خَرَجَتِ الجِبَالُ مِنْ صَمْتِهَا لِتَسْأَلَ الرَّاحِلَ:
مَنْ أَنْتَ؟
فَقَالَ: أَنَا بَقِيَّةُ سُؤَالٍ نَسِيَ السُّؤَالَ نَفْسَهُ،
أَنَا رَجُلٌ تَرَكَ جَدَّهُ فِي طَرِيقٍ بَيْنَ مَكَّةَ وَالنِّيلِ،
وَذَهَبَ يَبْحَثُ عَنْهُ فِي وُجُوهِ الغُرَبَاءِ.
كَانَتِ الهَضْبَةُ الحَبَشِيَّةُ تَلْبَسُ ثَوْبَ نَبِيٍّ قَدِيمٍ،
تَحْفَظُ أَسْمَاءَ الأَنْهَارِ كَأَنَّهَا أَسْمَاءُ أَبْنَائِهَا،
وَتَخْبِئُ فِي صُخُورِهَا رَسَائِلَ لِمَنْ لَمْ يَصِلُوا،
فَكُلُّ مَنْفًى لَهُ قَلْبٌ،
وَكُلُّ قَلْبٍ لَهُ مَنْفًى،
وَكُلُّ مَنْفِيٍّ يَحْمِلُ وَطَنًا سِرِّيًّا لَا يَعْرِفُهُ.
لَمْ يَكُنِ الجَعْلُ فِي الرِّحْلَةِ اسْمَ قَبِيلَةٍ فَقَطْ،
بَلْ كَانَ فِعْلًا كَوْنِيًّا يَحْفُرُ فِي الطِّينِ وَجْهَ الإِنْسَانِ،
فَكُلُّ مَا يَخْرُجُ مِنَ العَدَمِ يَمُرُّ بِبَابِ الجَعْلِ،
وَكُلُّ مَنْ يَخْرُجُ مِنْ بَيْتٍ قَدِيمٍ
يَدْخُلُ فِي بَيْتٍ آخَرَ مِنَ الذَّاكِرَةِ،
حَيْثُ لَا تُقَاسُ المَسَافَةُ بِالكِيلُومِتْرَاتِ بَلْ بِعَدَدِ الأَحْلَامِ الضَّائِعَةِ.
كَانَتْ شَنْدِي فِي الحُلْمِ جَزِيرَةً طَائِرَةً،
تَحْمِلُ قُصُورَ المُلُوكِ فِي جَيْبِهَا،
وَتَرْكُضُ خَلْفَهَا خُيُولٌ مِنْ رَمَادٍ،
وَكَانَ صَوْتُ المَكِّ القَدِيمِ يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ حُطَامِ الزَّمَنِ:
لَا تَبْحَثُوا عَنِّي فِي التَّمَاثِيلِ،
فَأَنَا فِي القَهْوَةِ الَّتِي يَشْرَبُهَا الفُقَرَاءُ وَهُمْ يَحْكُونَ عَنِّي.
وَفِي طَرِيقِهِ نَحْوَ البَحْرِ،
رَأَى الرَّاحِلُ مِرْآةً مَعْلَّقَةً فِي رِيحٍ عَابِرَةٍ،
فَلَمْ يَرَ فِيهَا وَجْهَهُ،
بَلْ رَأَى وُجُوهًا لَمْ يُولَدُوا بَعْدُ،
أَطْفَالًا سَيَحْمِلُونَ أَسْئِلَتَهُ،
وَيَظُنُّونَ أَنَّهُمْ يَبْحَثُونَ عَنْ أَجْدَادٍ بَيْنَمَا هُمْ يَبْحَثُونَ عَنْ أَنْفُسِهِمْ.
كَانَ النِّيلُ يَكْتُبُ رِوَايَتَهُ بِالمَاءِ،
وَكَانَ المَاءُ أَسْرَعَ مِنَ المُؤَرِّخِينَ،
يَمْحُو السَّطْرَ وَيَحْفَظُ المَعْنَى،
يَهْدِمُ المَدِينَةَ وَيُبْقِي الأُغْنِيَةَ،
لِأَنَّ الحَضَارَاتِ لَا تَمُوتُ حِينَ تَسْقُطُ حِجَارَتُهَا،
بَلْ حِينَ يَصْمُتُ آخِرُ شَاهِدٍ عَلَيْهَا.
كَانَ النَّهْرُ فِي ذَاكِرَةِ الرَّاحِلِ أَكْثَرَ مِنْ مَاءٍ،
كَانَ كَائِنًا أَزْرَقَ يَمْشِي بَيْنَ العُصُورِ،
يَحْمِلُ عَلَى ظَهْرِهِ أَصْوَاتَ المَعَابِدِ وَالمَسَاجِدِ وَالأَسْوَاقِ،
وَيَعْرِفُ أَنَّ الحَضَارَاتِ لَا تَمُوتُ حِينَ تَسْقُطُ أَبْوَابُهَا،
بَلْ حِينَ يَتَوَقَّفُ آخِرُ إِنْسَانٍ عَنْ رِوَايَةِ حُلْمِهَا،
فَالمَاءُ هُوَ الكِتَابُ الَّذِي تَقْرَؤُهُ الأَرْضُ بِدُونِ حُرُوفٍ.
فِي قَلْبِ المَتَمَّةِ كَانَ هُنَاكَ طَائِرٌ أَسْوَدُ الجَنَاحَيْنِ،
يَقِفُ كُلَّ فَجْرٍ عَلَى حَجَرٍ قَدِيمٍ،
وَيُنَادِي أَسْمَاءَ الَّذِينَ عَبَرُوا وَلَمْ يَعُودُوا،
لَمْ يَكُنْ طَائِرًا،
بَلْ كَانَ ذَاكِرَةَ المَكَانِ حِينَ تَتَجَسَّدُ،
وَكَانَ صَوْتُهُ أَقْدَمَ مِنْ صَوْتِ المُؤَرِّخِ وَأَصْدَقَ مِنْ وَثِيقَةٍ مَهْجُورَةٍ.
قَالَ الجَبَلُ لِلرَّاحِلِ:
لَا تَحْزَنْ عَلَى مَدِينَةٍ فَقَدْتَهَا،
فَالمُدُنُ لَا تَمُوتُ، بَلْ تُغَيِّرُ أَجْسَادَهَا،
قَدْ تَصِيرُ قَصِيدَةً بَعْدَ أَنْ كَانَتْ قَصْرًا،
وَقَدْ تَصِيرُ أُغْنِيَةً بَعْدَ أَنْ كَانَتْ سُورًا،
وَقَدْ تَسْكُنُ قَلْبَ غَرِيبٍ لَمْ يَرَهَا يَوْمًا.
فِي سِجِلِّ الرِّيحِ كَانَ اسْمُ الجَعْلِ مَكْتُوبًا بِحِبْرٍ مِنْ غُيُومٍ،
لَمْ يَكُنْ الاسْمُ قَيْدًا،
وَلَا تَاجًا فَوْقَ رَأْسِ أَحَدٍ،
بَلْ كَانَ سُؤَالًا مَفْتُوحًا:
كَيْفَ يَصْنَعُ الإِنْسَانُ مِنْ رِحْلَتِهِ وَطَنًا،
وَمِنْ جُرْحِهِ أُغْنِيَةً؟
كَانَتِ القَافِلَةُ تَمْشِي فِي اللَّيْلِ،
وَفِي كُلِّ خُطْوَةٍ كَانَتْ تَسْقُطُ قِشْرَةٌ مِنَ الوَهْمِ،
وَهْمُ أَنَّ الأَجْدَادَ يَسْكُنُونَ فِي الدَّمِ وَحْدَهُ،
فَالأَجْدَادُ أَيْضًا يَسْكُنُونَ فِي اللُّغَةِ،
فِي الطَّرِيقِ الَّذِي نَخْتَارُهُ،
وَفِي الرَّحْمَةِ الَّتِي نَتْرُكُهَا لِمَنْ يَأْتِي بَعْدَنَا.
فِي سَاعَةٍ بَيْنَ الحُلْمِ وَاليَقَظَةِ،
رَأَى الحِجَازِيُّ الأَخِيرُ مَدِينَةً لَمْ تُبْنَ بَعْدُ،
شَوَارِعُهَا مِنْ أَسْئِلَةٍ،
وَبُيُوتُهَا مِنْ ذَاكِرَةٍ،
وَأَبْوَابُهَا لَا تُفْتَحُ إِلَّا لِمَنْ نَسِيَ أَنَّهُ كَانَ يَبْحَثُ عَنْ نَفْسِهِ،
فَوَجَدَ نَفْسَهُ فِي الطَّرِيقِ.
كَانَتْ مِصْرُ فِي الحُلْمِ أُمًّا قَدِيمَةً لِلنَّهْرِ،
تُرَتِّبُ ضَفَائِرَ المَاءِ بِأَيْدٍ مِنْ طِينٍ وَذَهَبٍ،
وَتَقُولُ لِلقَادِمِينَ مِنْ الشَّرْقِ:
لَا تَسْأَلُوا النِّيلَ عَنْ أَبْنَائِهِ،
فَهُوَ أَبٌ لِكُلِّ مَنْ شَرِبَ مِنْ حُلْمِهِ،
وَأَخٌ لِكُلِّ مَنْ بَكَى عَلَى ضِفَّتَيْهِ.
وَكَانَتِ الحَبَشَةُ فِي الرُّؤْيَا أُمًّا أُخْرَى،
تَحْمِلُ مِفْتَاحَ البِدَايَةِ،
وَتَقُولُ لِلنَّهْرِ:
أَنَا لَسْتُ مَنْبَعَكَ فَقَطْ،
أَنَا ذَاكِرَتُكَ الأُولَى،
وَأَنْتَ أَغْنِيَتِي الَّتِي سَافَرَتْ إِلَى البَحْرِ.
وَعِنْدَ خَابُورِ الدِّمْيَاطِيِّ الَّذِي وُلِدَ فِي خَيَالِ الشَّاعِرِ،
تَوَقَّفَتِ السَّفِينَةُ لِتَسْأَلَ المَوْجَ:
هَلْ يَنْتَهِي السَّفَرُ؟
فَضَحِكَ المَوْجُ وَقَالَ:
كُلُّ مَنْ يَصِلُ إِلَى البَحْرِ يَكْتَشِفُ أَنَّهُ بَدَأَ رِحْلَتَهُ الآنَ.
وَهُنَاكَ، بَيْنَ زُرْقَةِ المَاءِ وَذَهَبِ الرَّمْلِ،
خَلَعَ الرَّاحِلُ اسْمَهُ كَمَا يَخْلَعُ المُسَافِرُ مِعْطَفًا ثَقِيلًا،
وَتَرَكَهُ لِلرِّيحِ،
فَحَمَلَتْهُ الرِّيحُ إِلَى مَكَانٍ لَا تُرَى خَرَائِطُهُ،
وَكَتَبَتْ عَلَى رَمْلِ العَالَمِ:
لَيْسَ آخِرُ الإِنْسَانِ مَنْ يَفْقِدُ أَصْلَهُ، بَلْ مَنْ يَفْقِدُ قُدْرَتَهُ عَلَى الخَلْقِ.
كَانَتْ هُنَاكَ مَدِينَةٌ لَا تَظْهَرُ فِي أَيِّ خَرِيطَةٍ،
يُسَمِّيهَا الرُّحَّلُ مَدِينَةَ الأَسْمَاءِ المَفْقُودَةِ،
لِأَنَّ كُلَّ مَنْ يَدْخُلُهَا يَضَعُ اسْمَهُ عَلَى بَابِهَا،
ثُمَّ يَخْرُجُ بِاسْمٍ آخَرَ لَمْ يَخْتَرْهُ،
كَأَنَّ الحَيَاةَ لَا تُعْطِينَا هُوِيَّةً،
بَلْ تُجَرِّبُ عَلَيْنَا هُوِيَّاتٍ كَثِيرَةً حَتَّى نَصِلَ إِلَى صَوْتِنَا الدَّاخِلِيِّ.
فِي سَاحَةِ المَدِينَةِ وَقَفَ قَاضِي التَّارِيخِ،
لَمْ يَكُنْ لَهُ وَجْهٌ،
لِأَنَّ كُلَّ الأُمَمِ أَعْطَتْهُ وَجْهًا وَأَخَذَتْهُ مَعَهَا،
وَكَانَ أَمَامَهُ كُرْسِيٌّ لِلفَاتِحِينَ،
وَكُرْسِيٌّ لِلمَهْزُومِينَ،
ثُمَّ كُرْسِيٌّ وَحِيدٌ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ فِي الحِكَايَةِ أَحَدًا مِنْهُمْ.
قَالَ قَاضِي التَّارِيخِ لِلرَّاحِلِ:
مَا اسْمُكَ؟
فَقَالَ:
أَنَا ابْنُ الطَّرِيقِ الَّذِي نَسِيَ مَنْ بَنَاهُ،
أَنَا بَقِيَّةُ قَافِلَةٍ ضَاعَتْ مِنْهَا الخَرِيطَةُ،
أَنَا صَدَى أَصْوَاتٍ مَرَّتْ قَبْلِي،
وَسَتَمُرُّ بَعْدِي أَصْوَاتٌ لَا تَعْرِفُ أَنِّي كُنْتُ هُنَا.
فَفَتَحَ القَاضِي دَفْتَرًا قَدِيمًا،
وَكَانَتْ صَفَحَاتُهُ مِنْ طِينِ النِّيلِ،
وَحِبْرُهُ مِنْ دَمْعِ الأُمَّهَاتِ،
فَلَمْ يَجِدْ فِيهِ أَسْمَاءَ المُلُوكِ،
بَلْ وَجَدَ أَسْمَاءَ الَّذِينَ سَقَوْا الشَّجَرَةَ،
وَخَبَزُوا الخُبْزَ، وَغَنَّوْا لِلرَّاحِلِينَ.
كَانَتْ شَنْدِي تَمْشِي فِي الحُلْمِ كَامْرَأَةٍ كَبِيرَةٍ،
تَلْبَسُ ثَوْبًا مِنْ أَغَانِي النِّسَاءِ،
وَفِي عَيْنَيْهَا مَاءُ نَهْرٍ قَدِيمٍ،
تَقُولُ لِأَبْنَائِهَا الَّذِينَ ذَهَبُوا:
لَا تَحْمِلُوا أَحْجَارَ بُيُوتِي،
فَإِنَّ البُيُوتَ لَا تُحْمَلُ عَلَى الأَكْتَافِ،
بَلْ تُحْمَلُ فِي الطَّرِيقَةِ الَّتِي نَنْظُرُ بِهَا إِلَى العَالَمِ.
وَفِي المَتَمَّةِ، كَانَتِ الرِّيحُ تُدَرِّسُ الأَطْفَالَ لُغَةً أُخْرَى،
لُغَةً لَا تَعْرِفُ الفُصُولَ بَيْنَ الأَعْرَاقِ وَالأَزْمِنَةِ،
كَانَتْ تَقُولُ:
أَنْتُمْ أَبْنَاءُ كُلِّ مَنْ مَرَّ مِنْ هُنَا،
أَبْنَاءُ الغَيْمَةِ الَّتِي أَضَاعَتْ مَطَرَهَا،
وَأَبْنَاءُ النَّهْرِ الَّذِي يَحْمِلُ أَسْمَاءَ مُخْتَلِفَةً وَهُوَ مَاءٌ وَاحِدٌ.
كَانَ الحِجَازِيُّ الأَخِيرُ يَرَى فِي المِرْآةِ ثَلَاثَةَ وُجُوهٍ:
وَجْهًا جَاءَ مِنْ رَمْلِ الحِجَازِ،
وَوَجْهًا اغْتَسَلَ فِي مِيَاهِ النِّيلِ،
وَوَجْهًا تَعَلَّمَ الصَّمْتَ عَلَى أَعَالِي الجِبَالِ الحَبَشِيَّةِ،
فَفَهِمَ أَنَّ الإِنْسَانَ لَيْسَ وَجْهًا وَاحِدًا،
بَلْ مَوْكِبٌ مِنَ الوُجُوهِ يَمْشِي نَحْوَ نَفْسِهِ.
وَكَانَتْ مِحْكَمَةُ الأَنْهَارِ قَدْ فَتَحَتْ جَلْسَتَهَا الأَخِيرَةَ،
حَضَرَ فِيهَا النِّيلُ، وَالعَاصِي، وَالنَّهْرُ الأَزْرَقُ،
وَحَضَرَتِ الصَّحَارَى وَالجِبَالُ،
لِتَشْهَدَ أَنَّ الإِنْسَانَ هُوَ الكَائِنُ الوَحِيدُ
الَّذِي يَبْنِي الحُدُودَ ثُمَّ يَبْكِي وَحْدَتَهُ بَيْنَهَا.
قَالَ النَّهْرُ الأَزْرَقُ:
لَا أَحْمِلُ دَمَ أَحَدٍ،
أَحْمِلُ ذَاكِرَةَ الجَمِيعِ،
وَلَوْ كَانَ لِلْمَاءِ نَسَبٌ
لَكَانَ نَسَبُهُ إِلَى كُلِّ مَنْ عَطِشَ وَشَرِبَ.
وَفِي آخِرِ اللَّيْلِ،
حِينَ أَغْلَقَتِ المَدِينَةُ أَبْوَابَهَا،
وَعَادَتِ الأَسْمَاءُ إِلَى نَوْمِهَا القَدِيمِ،
وَقَفَ الرَّاحِلُ وَحْدَهُ أَمَامَ البَحْرِ،
فَسَأَلَ المَوْجَ:
أَيْنَ تَنْتَهِي التَّغْرِيبَةُ؟
فَقَالَ المَوْجُ:
عِنْدَمَا تَتَوَقَّفُ عَنْ سُؤَالِ مَنْ أَنْتَ، وَتَبْدَأُ فِي صُنْعِ مَنْ سَتَكُونُ.
كَانَتْ لِلذَّاكِرَةِ قَارِبٌ مِنْ خَشَبِ الأَسْئِلَةِ،
يُبْحِرُ كُلَّ لَيْلَةٍ فِي دَمِ النِّيلِ،
وَيَعُودُ عِنْدَ الفَجْرِ مُثْقَلًا بِأَصْوَاتِ الَّذِينَ رَحَلُوا،
لَا يَحْمِلُ ذَهَبًا وَلَا تِيجَانًا،
بَلْ يَحْمِلُ ضَحْكَةَ فَلَّاحٍ،
وَدَمْعَ أُمٍّ، وَحُلْمَ طِفْلٍ لَمْ يَكْتُبْهُ التَّارِيخُ.
كَانَ الحِجَازِيُّ الأَخِيرُ يَسْمَعُ فِي قَلْبِهِ صَوْتًا قَدِيمًا،
صَوْتًا لَا يَعْرِفُ هَلْ هُوَ صَوْتُ جَدٍّ أَمْ صَوْتُ غَدٍ،
يَقُولُ لَهُ:
لَا تَبْحَثْ عَنِ البِدَايَةِ،
فَكُلُّ بَدَايَةٍ هِيَ ذِكْرَى نِهَايَةٍ أُخْرَى،
وَكُلُّ أَصْلٍ يَحْمِلُ فِي جَوْفِهِ أَصْلًا آخَرَ يَسْأَلُ عَنْهُ.
فِي دَاخِلِ الهَضْبَةِ الحَبَشِيَّةِ
كَانَتِ الصُّخُورُ تَحْفَظُ أَسْمَاءَ الرُّحَّلِ،
لَا بِالحُرُوفِ، بَلْ بِالتَّجَاعِيدِ الَّتِي تَتْرُكُهَا الرِّيحُ عَلَى وَجْهِهَا،
فَالصَّخْرُ مُؤَرِّخٌ صَامِتٌ،
وَالجَبَلُ كِتَابٌ لَا يُقْرَأُ إِلَّا بِالعُيُونِ المُتْعَبَةِ،
وَالسَّفَرُ هُوَ الطَّرِيقَةُ الوَحِيدَةُ لِفَهْمِ الحُضُورِ.
كَانَتْ أَشْجَارُ القَرْنَفُلِ وَالقَهْوَةِ فِي بِلَادِ الحَبَشَةِ
تَحْكِي عَنْ رِجَالٍ مَرُّوا وَلَمْ يَتْرُكُوا إِلَّا ظِلَالَهُمْ،
وَكَانَتْ تَقُولُ لِلنَّاسِ:
لَيْسَ كُلُّ مَنْ يَرْحَلُ فَقَدَ المَكَانَ،
فَبَعْضُ الرَّاحِلِينَ يَزْرَعُونَ فِي الطُّرُقَاتِ
أَشْجَارًا تَعْرِفُهُمْ بَعْدَ مِئَاتِ السِّنِينَ.
فِي دَفْتَرِ الرَّمَادِ كَتَبَ الشَّاعِرُ:
كَانَ الجَدُّ يَبْحَثُ عَنْ وَطَنٍ،
فَوَجَدَ أُمَّةً مِنَ الذَّاكِرَةِ،
وَكَانَ يَبْحَثُ عَنْ قَصْرٍ،
فَوَجَدَ كَلِمَةً تَحْتَ قَدَمَيْهِ،
وَكَانَ يَبْحَثُ عَنْ اسْمٍ،
فَوَجَدَ أَنَّ الأَسْمَاءَ أَقْنِعَةٌ لِوَجْهٍ وَاحِدٍ.
لَمْ يَعُدِ الجَعْلُ فِي رُؤْيَا الرَّاحِلِ نَسَبًا فَقَطْ،
بَلْ أَصْبَحَ سِرَّ التَّحَوُّلِ،
فَالجَبَلُ جُعِلَ مِنْ صَمْتٍ،
وَالنَّهْرُ جُعِلَ مِنْ مَطَرٍ بَعِيدٍ،
وَالإِنْسَانُ جُعِلَ مِنْ رَحْلَةٍ بَيْنَ المَجْهُولِ وَالمَعْنَى،
وَكُلُّ وُجُودٍ هُوَ سَفَرٌ مِنْ صُورَةٍ إِلَى صُورَةٍ.
فِي مَدِينَةٍ قَرِيبَةٍ مِنْ صَوْتِ المَاءِ،
رَأَى الرَّاحِلُ سُوقًا لِبَيْعِ الذَّاكِرَاتِ،
هُنَاكَ رَجُلٌ يَبِيعُ قِطْعَةً مِنْ جِدَارٍ قَدِيمٍ،
وَامْرَأَةٌ تَبِيعُ أُغْنِيَةَ جَدَّتِهَا،
وَطِفْلٌ يَبِيعُ حُلْمًا لَمْ يَسْتَيْقِظْ مِنْهُ بَعْدُ،
فَسَأَلَهُمْ: مَنْ يَشْتَرِي المَاضِي؟
فَقَالُوا: مَنْ خَافَ مِنَ المُسْتَقْبَلِ.
كَانَتِ السُّفُنُ فِي البَحْرِ الأَبْيَضِ المُتَوَسِّطِ
تَحْمِلُ أَسْرَارَ القَادِمِينَ مِنَ الشَّرْقِ،
وَكَانَ كُلُّ مَوْجَةٍ تَحْمِلُ لُغَةً،
وَكُلُّ مِيناءٍ يَفْتَحُ بَابًا فِي ذَاكِرَةِ العَالَمِ،
حَتَّى صَارَ البَحْرُ مَكْتَبَةً عَظِيمَةً
تَقْرَأُهَا السُّفُنُ وَتَنْسَاهَا الشُّطْآنُ.
وَقَفَ الحِجَازِيُّ الأَخِيرُ أَمَامَ المَاءِ،
وَأَلْقَى فِيهِ خَاتَمَ النَّسَبِ،
فَلَمْ يَغْرَقِ الخَاتَمُ،
بَلْ تَحَوَّلَ إِلَى دَائِرَةٍ مِنْ ضَوْءٍ،
فَهَمَ أَنَّ الإِنْسَانَ لَا يُكْرَمُ بِمَا يَحْمِلُهُ مِنْ أَجْدَادٍ،
بَلْ بِمَا يَضِيفُهُ إِلَى سِلْسِلَةِ البَشَرِ مِنْ رَحْمَةٍ وَمَعْنًى.
وَفِي آخِرِ الرُّؤْيَا
جَاءَتْهُ الأَنْهَارُ كُلُّهَا فِي هَيْئَةِ امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ،
لَبِسَتْ ثَوْبًا مِنْ مَاءِ القَرْنِ وَالرَّمْلِ،
وَقَالَتْ:
أَنَا الطَّرِيقُ الَّذِي ظَنَنْتَهُ مَسَافَةً،
أَنَا الأَصْلُ الَّذِي ظَنَنْتَهُ مَكَانًا،
أَنَا أَنْتَ حِينَ تَكُفُّ عَنْ الهَرَبِ مِنْ نَفْسِكَ.
كَانَتْ مَحْكَمَةُ الأَجْدَادِ تَنْعَقِدُ فِي قَاعَةٍ لَا سَقْفَ لَهَا،
وَكَانَتْ نُجُومُ السَّمَاءِ مَقَاعِدَ لِلشُّهُودِ،
وَكَانَ القَمَرُ يَحْمِلُ دَفْتَرَ الغَائِبِينَ،
لَا لِيَحْكُمَ عَلَيْهِمْ،
بَلْ لِيَسْأَلَهُمْ عَنْ كُلِّ الطُّرُقِ الَّتِي لَمْ يَمْشُوهَا،
وَكُلِّ الأَغَانِي الَّتِي مَاتَتْ قَبْلَ أَنْ تُغَنَّى.
دَخَلَ الحِجَازِيُّ الأَخِيرُ وَحِيدًا،
لَا يَحْمِلُ سَيْفًا وَلَا رَايَةً وَلَا خَاتَمَ سُلْطَانٍ،
كَانَ يَحْمِلُ كَفًّا مَمْلُوءَةً بِتُرَابِ الطُّرُقِ،
فَقَالَ لَهُ القَاضِي القَدِيمُ:
مَا هَذَا؟
فَقَالَ: هَذَا مَا بَقِيَ مِنْ كُلِّ الأَوْطَانِ الَّتِي مَرَرْتُ بِهَا.
فِي المَحْكَمَةِ كَانَ هُنَاكَ جَدٌّ مِنْ رَمْلِ الحِجَازِ،
وَجَدٌّ مِنْ طِينِ النِّيلِ،
وَجَدٌّ مِنْ صَخْرِ الهَضْبَةِ الحَبَشِيَّةِ،
وَجَدٌّ لَا يَعْرِفُ لَهُ اسْمًا،
لِأَنَّهُ كَانَ مِنَ الَّذِينَ عَاشُوا وَمَضَوْا
قَبْلَ أَنْ يَخْتَرِعَ البَشَرُ فِكْرَةَ التَّارِيخِ.
قَالَ الجَدُّ الأَوَّلُ:
أَنَا لَسْتُ بَدَايَتَكَ،
أَنَا نَهْرٌ مِنْ أَنْهَارِكَ،
فَلَا تَجْعَلْنِي قَيْدًا فِي عُنُقِكَ،
فَالأَجْدَادُ لَا يُرِيدُونَ أَنْ يَحْبِسُوا الأَحْفَادَ فِي قُبُورِهِمْ،
بَلْ يُرِيدُونَ أَنْ يَرَوْهُمْ يَبْنُونَ سَمَاءً أَوْسَعَ.
وَقَالَ الجَدُّ الآخَرُ مِنْ ضِفَّةِ النِّيلِ:
كُنَّا نَظُنُّ أَنَّنَا نَمْلِكُ النَّهْرَ،
ثُمَّ عَلِمْنَا أَنَّ النَّهْرَ هُوَ الَّذِي يَمْلِكُنَا،
يَحْمِلُ أَجْسَادَنَا حِينَ نَرْحَلُ،
وَيَحْمِلُ أَحْلَامَنَا حِينَ نَغِيبُ،
وَيَسْقِي أَرْضًا لَمْ نَرَهَا وَلَمْ نَسْكُنْهَا.
وَقَالَ جَدُّ الجَبَلِ الحَبَشِيِّ:
لَا تَبْحَثْ عَنْ نَقَاءِ الدَّمِ،
فَالدَّمُ نَهْرٌ يَعْرِفُ الِاخْتِلَاطَ أَكْثَرَ مِمَّا يَعْرِفُ النَّسَبَ،
وَلَا تَبْحَثْ عَنْ قَبِيلَةٍ لَا تَدْخُلُهَا الرِّيحُ،
فَكُلُّ قَلْبٍ بَشَرِيٍّ مَمَرٌّ لِقَوَافِلَ لَا تُحْصَى.
عِنْدَهَا فَتَحَتِ المَحْكَمَةُ كِتَابًا عَظِيمًا،
كَانَتْ صَفَحَاتُهُ مِنْ أَلْوَانِ الشُّعُوبِ،
وَكَانَتْ كَلِمَاتُهُ مِنْ أَصْوَاتِ العَامَّةِ،
فَلَمْ تَجِدْ فِيهِ اسْمَ مَلِكٍ وَاحِدٍ،
بَلْ وَجَدَتْ مَلَايِينَ الوُجُوهِ الصَّغِيرَةِ
الَّتِي حَمَلَتِ الحَضَارَاتِ دُونَ أَنْ تَحْمِلَ أَلْقَابَهَا.
وَفِي لَحْظَةٍ لَمْ يَعُدْ فِيهَا زَمَنٌ،
انْفَتَحَ بَابٌ خَلْفَ بَابٍ خَلْفَ بَابٍ،
فَخَرَجَتْ مِنْهُ مَدِينَةُ شَنْدِي،
وَخَرَجَتِ المَتَمَّةُ بِثَوْبِهَا التُّرَابِيِّ،
وَخَرَجَتْ مِصْرُ بِذَاكِرَةِ النِّيلِ،
وَخَرَجَ الحِجَازُ كَحُلْمٍ قَدِيمٍ فِي قَلْبِ رَجُلٍ مُسَافِرٍ.
فَأَدْرَكَ الحِجَازِيُّ الأَخِيرُ
أَنَّ كُلَّ مَنْفًى هُوَ مِيلَادٌ مُؤَجَّلٌ،
وَأَنَّ كُلَّ تَغْرِيبَةٍ تُخْفِي فِي قَلْبِهَا عَوْدَةً،
وَأَنَّ الإِنْسَانَ لَا يَسِيرُ مِنْ مَكَانٍ إِلَى مَكَانٍ،
بَلْ يَسِيرُ مِنْ نَفْسٍ قَدِيمَةٍ إِلَى نَفْسٍ لَمْ تُخْلَقْ بَعْدُ.
كَانَ البَحْرُ فِي النِّهَايَةِ يَنْتَظِرُهُ،
لَيْسَ كَخَاتِمَةٍ،
بَلْ كَصَفْحَةٍ بَيْضَاءَ لَمْ تُكْتَبْ،
فَأَلْقَى فِيهِ آخِرَ أَسْئِلَتِهِ،
وَرَأَى المَوْجَ يَعِيدُهَا إِلَيْهِ أَجْنِحَةً،
فَعَرَفَ أَنَّ السَّفَرَ لَمْ يَكُنْ عَنْ الوُصُولِ، بَلْ عَنْ التَّحَوُّلِ.
وَفِي اللَّيْلِ الأَخِيرِ
كَتَبَ الشَّاعِرُ فِي مَدِينَةِ المَتَمَّةِ:
لَيْسَ آخِرُ الحِجَازِيِّ مَنْ وَصَلَ إِلَى البَحْرِ،
بَلْ مَنْ اكْتَشَفَ أَنَّ البَحْرَ كَانَ يَجْرِي فِي دَاخِلِهِ مُنْذُ البِدَايَةِ.
كَانَ الفَجْرُ يَخْرُجُ مِنْ قَلْبِ البَحْرِ،
لَا كَضَوْءٍ يَكْشِفُ العَالَمَ،
بَلْ كَسُؤَالٍ جَدِيدٍ يُولَدُ فِي رُوحِ العَالَمِ،
وَكَانَ الحِجَازِيُّ الأَخِيرُ يَقِفُ عَلَى الشَّاطِئِ،
يَنْظُرُ إِلَى كُلِّ الطُّرُقِ الَّتِي قَطَعَهَا،
فَيَرَاهَا لَيْسَتْ خُطُوطًا عَلَى الأَرْضِ، بَلْ خُطُوطًا فِي دَاخِلِهِ.
كَانَ يَحْمِلُ قَلْبًا مَمْلُوءًا بِمَدُنٍ لَا تَعْرِفُ أَيْنَ وُلِدَتْ،
فِيهِ مَتَمَّةٌ تَنَامُ عَلَى صَوْتِ الجِبَالِ،
وَفِيهِ النِّيلُ يَكْتُبُ رِسَالَتَهُ بِالمَاءِ،
وَفِيهِ الحِجَازُ يَحْفَظُ صَدَى الخُطَى الأُولَى،
وَفِيهِ مِصْرُ تَفْتَحُ نَوَافِذَهَا لِلشَّمْسِ،
وَفِيهِ إِثْيُوبْيَا تَحْرُسُ سِرَّ المَنْبَعِ القَدِيمِ.
ثُمَّ سَمِعَ صَوْتًا لَمْ يَخْرُجْ مِنْ سَمَاءٍ وَلَا مِنْ أَرْضٍ،
صَوْتًا كَأَنَّهُ كَانَ نَائِمًا فِي جَوْفِ اللُّغَةِ،
يَقُولُ:
يَا ابْنَ التَّغْرِيبَةِ،
لَمْ تُخْلَقْ لِتَحْمِلَ أَسْمَاءَ مَنْ مَضَوْا،
بَلْ لِتَكُونَ مَكَانًا لِمَنْ لَمْ يَأْتُوا بَعْدُ.
فَفَهِمَ أَنَّ الأَصْلَ لَيْسَ حَجَرًا نَعُودُ إِلَيْهِ،
بَلْ نُورًا نَسِيرُ نَحْوَهُ،
وَأَنَّ الأَجْدَادَ لَيْسُوا سُجُونًا مِنْ عَظْمٍ وَتُرَابٍ،
بَلْ نُجُومًا بَعِيدَةً تُرْشِدُ السُّفُنَ،
وَأَنَّ الإِنْسَانَ لَا يُقَاسُ بِعُمْقِ جُذُورِهِ فَقَطْ،
بَلْ بِقُدْرَتِهِ عَلَى زَرْعِ شَجَرَةٍ لِمَنْ سَيَجِيءُ بَعْدَهُ.
كَانَ كَلِمَةُ "الجَعْلِ" تَظْهَرُ فِي رُؤْيَاهُ كَنَهْرٍ خَفِيٍّ،
لَا كَاسْمٍ مُغْلَقٍ،
وَلَا كَخَتْمٍ عَلَى جَبِينِ قَبِيلَةٍ،
بَلْ كَسِرٍّ يَقُولُ إِنَّ الكَوْنَ كُلَّهُ مَشْغُولٌ بِالتَّحَوُّلِ،
فَالحَجَرُ يُجْعَلُ بَيْتًا،
وَالمَاءُ يُجْعَلُ نَهْرًا،
وَالطِّفْلُ يُجْعَلُ حُلْمًا لِزَمَنٍ آخَرَ.
وَرَأَى فِي المَرْآةِ الأَخِيرَةِ
أَنَّ وَجْهَهُ لَمْ يَعُدْ وَجْهَ رَجُلٍ وَاحِدٍ،
بَلْ كَانَ قَافِلَةً تَمْشِي فِي لَيْلِ القُرُونِ،
فِيهَا صَوْتُ الرُّعَاةِ،
وَصَمْتُ الفَلَّاحِينَ،
وَحِكْمَةُ الشُّيُوخِ،
وَضَحِكَةُ الأَطْفَالِ الَّذِينَ لَمْ يَعْرِفُوا الحُدُودَ بَعْدُ.
وَقَالَ لِلبَحْرِ:
أَيُّهَا المَاءُ العَظِيمُ،
هَلْ وَصَلْتُ؟
فَأَجَابَهُ البَحْرُ بِصَوْتِ كُلِّ الأَنْهَارِ:
لَا أَحَدَ يَصِلُ إِلَى البَحْرِ،
لِأَنَّ مَنْ يَبْلُغُ المَاءَ الأَكْبَرَ
يَكْتَشِفُ أَنَّهُ كَانَ مَاءً مُنْذُ البِدَايَةِ.
وَفِي آخِرِ اللَّيْلِ،
عَادَ الشَّاعِرُ إِلَى مَدِينَةِ المَتَمَّةِ،
لَا حَامِلًا مَلْحَمَةً عَنْ قَبِيلَةٍ،
بَلْ حَامِلًا أُغْنِيَةً عَنْ الإِنْسَانِ،
وَكَتَبَ عَلَى جِدَارِ الزَّمَنِ:
مَا كُلُّ مَنْ رَحَلَ ضَاعَ،
فَبَعْضُ الرَّاحِلِينَ يَحْمِلُونَ العَالَمَ مَعَهُمْ.
وَكَانَتِ الرِّيحُ تَمْحُو آخِرَ سَطْرٍ مِنَ الكِتَابِ،
لِأَنَّ الكِتَابَ الَّذِي يَنْتَهِي تَمَامًا يَمُوتُ،
أَمَّا الكِتَابُ الَّذِي يَتْرُكُ بَابًا مَفْتُوحًا،
فَإِنَّهُ يَصِيرُ طَرِيقًا لِمَنْ يَأْتِي،
وَصَوْتًا لِمَنْ لَمْ يُولَدْ بَعْدُ،
وَنَهْرًا آخَرَ فِي دَوْرَةِ الجَعْلِ الأَبَدِيَّةِ.
__
أغسطس 2026م
مدينة المتمة الحبشية - أثيوبيا

تعليقات
إرسال تعليق