ديوان : بلا حتى مليم أحمر
بلا حتى مليم أحمر

مصعب الرمادي
بلا حتى مليم أحمر
__________________
الكتاب : بلا حتى مليم أحمر
الكاتب : مصعب الرمادي
تاريخ الطبع : يوليو2026م
حقوق الطبع والتأليف محفوظة للمؤلف
_____________________
كانت القضارف تُخفي قلبها داخل حبةِ سمسمٍ يتيمة،
وحين انفلقت الحبةُ
خرجت منها بورصاتٌ من الغربان،
تتنازعُ على ظلِّ سنبلةٍ
لم يعرف الفلاحُ أنها كانت تحملُ اسمَه منذ الطين الأول.
أما أنا
فكنتُ أمشي بلا حتى مليمٍ أحمر،
وأرى النقودَ أوراقًا يابسةً
تسقط من شجرةٍ نسيتْ كيف تُثمرُ الرحمة.
كان زملائي في كلية الاقتصاد
يتبادلون خرائطَ العرض والطلب
كما يتبادلُ الرعاةُ نجومَ المطر،
ثم ابتلعتهم الأبنيةُ الزجاجية،
وصارت أصابعُهم تفتحُ خزائنَ لا تنتهي،
بينما بقيتُ أبحثُ
عن عملةٍ واحدة
لا ينعكسُ على سطحها وجهُ المرآة،
بل وجهُ العامل العائد آخر النهار
وفي كفِّه رائحةُ الحديد والقمح.
في السوق الكبير
كانت الموازينُ تُنبتُ أجنحةً عند الفجر،
ثم تعودُ مساءً بعظامٍ من دخان،
كلُّ حجرِ وزنٍ
كان يحملُ سرَّ جبلٍ مكسور،
وكلُّ كفةٍ
تُخفي طائرًا يلتهمُ الأصابع
قبل أن يلتهمَ الحبوب.
ولم يكن أحدٌ يسمعُ صريرَ العدالة
إلا أكياسُ الذرةِ حين تغفو.
رأيتُ نهرًا من العملات
يجري تحت المدينة
دون أن يبتلَّ به طفلٌ واحد.
كان الماءُ يعرفُ أسماءَ الجميع،
لكن الذهبَ
نسي اسمَ اليد التي زرعت،
فصار يعبرُ الأنفاقَ كأفعى بلا جلد،
ويعودُ بثيابٍ جديدة،
حتى خُيِّل للظلال
أنها هي المال،
وأن المالَ مجردُ ظلٍّ يبحثُ عن جسد.
في المكاتب
لم تكن الأدراجُ خشبًا،
بل مواسمَ كاملةً من الصمت.
الأختامُ نباتاتٌ لاحمة،
والملفاتُ غاباتٌ من ورق،
وكلُّ بابٍ
يُفضي إلى بابٍ آخر،
حتى حسبتُ أن المبنى
قد بُني داخل متاهةٍ
نسجتها عنكبوتةٌ
تتغذى على أعمار المنتظرين.
القطيعُ العائدُ من المراعي
لم يكن يحملُ الغبار،
بل مكتبةً من الأجراس.
كلُّ جرسٍ
يحصي خسائرَ الأرض
بطريقته السرية،
والماشيةُ تعرفُ
أن العشبَ لا ينمو
إذا صار الميزانُ سيِّدَ الغيمة،
وأن المطرَ
يفقدُ ذاكرته
حين تُقايضُه المدنُ بالدخان.
وفي الليل
اجتمعَ الدراويشُ حول نارٍ لا تحرق،
بينما كانت المدينةُ
تطوفُ حول أصنامٍ من أرقام.
هناك
رأيتُ الروحَ
تخبئ آخر بذرةٍ من الضوء
داخل جيبِ فقيرٍ
لا يملكُ بلا حتى مليمٍ أحمر،
لكن السماءَ
كانت تفتحُ له كلَّ صباح
نافذةً لا يستطيعُ شراؤها
أغنى تجار العالم.
لم يكن الدولارُ ورقةً،
بل طائرًا أزرقَ
يبدّلُ منقارَه كلَّ مساء،
ويحطُّ على كتفِ فزّاعةٍ
تقرأ نشراتِ البورصات
بلغةِ الغربان.
وفي الجهةِ الأخرى
كانت حبةُ دخنٍ واحدة
تسندُ قارةً كاملةً من الجوع،
ولا تعرفُ شيئًا
عن أسماءِ المصارف.
السمسارُ
لم يكن إنسانًا،
بل ممرًّا لا نهايةَ له.
كلُّ من يعبرُه
يفقدُ ظله،
ثم يخرجُ
وفي جيبِه مرايا كثيرة،
لكن وجهَه
يبقى معلقًا
على بوابةِ أولِ صفقةٍ
نسي فيها اسمَ التراب.
رأيتُ الشاحناتِ
تسيرُ إلى الحدود
فارغةً من البضائع،
وممتلئةً بالأصداء.
كانت تُهرّبُ الجهاتِ نفسها،
وتُبدّلُ أسماءَ الرياح،
حتى صارت الخرائطُ
حقائبَ سفرٍ مهجورة،
وصار السياجُ
يتذكّرُ الأغنامَ أكثر
مما يتذكّرُ الجنود.
وفي الليل
كانت العملاتُ الأجنبية
تتناسلُ داخلَ المرايا،
كلُّ مرآةٍ
تلدُ ألفَ وجه،
ولا تلدُ يدًا واحدةً
تزرعُ شجرةَ مانجو،
أو تُصلحُ محراثًا،
أو ترفعُ سقفَ بيتٍ
عن رأسِ أمٍّ تنتظرُ المطر.
أما الاحتكار
فلم يكن مخزنًا،
بل شتاءً طويلًا
يحشو جيوبَه بالقمح،
ثم يطلقُ في الأسواق
كلابًا من الفراغ.
وكانت الأرغفةُ
تتعلمُ كيف تصيرُ نيازكَ،
بعيدةً عن أصابعِ الأطفال،
قريبةً من خزائنَ
لا تنام.
ورأيتُ الديونَ
تخرجُ من الآبار
على هيئةِ حبالٍ من دخان.
كلُّ حبلٍ
يلتفُّ حول رقبةِ سنةٍ كاملة،
ثم يبتسمُ
كأن شيئًا لم يحدث.
وكانت البيوتُ
تبيعُ نوافذَها سرًا
لكي تشتري
شمعةً واحدةً
للظلام.
في المنطقةِ الصناعية
كان الحديدُ
يحلمُ بأن يصبحَ عصفورًا،
لكن البراغي
كانت تُقنعه
أن الصدأَ مستقبلٌ أكثرُ ربحًا.
المطارقُ
تدقُّ الهواء،
والشررُ
يرسمُ خرائطَ لمصانع
لم يولدْ فيها
عاملٌ واحد،
بل وُلدتْ فيها
الساعاتُ فقط.
ثم رأيتُ الرشوةَ
على هيئةِ عطرٍ
لا يشمُّه أحد،
لكن الأبوابَ
كانت تنفتحُ له
كما تنفتحُ الزهورُ
للرماد.
وكانت الملفاتُ
تتبادلُ أماكنَها
مثل أسماكٍ عمياء،
بينما الحقيقةُ
تنتظرُ دورَها
في آخرِ الطابور.
وكان غاسلو الظلال
يغسلون الليلَ
بمياهٍ لا لونَ لها.
كلما غسلوا حجرًا
خرجَ منه قصرٌ،
وكلما غسلوا قصرًا
خرجَ منه حجر.
حتى الأنهارُ
لم تعد تعرف
أيُّ ماءٍ لها،
وأيُّ ماءٍ
استعارَ اسمَها
من خزائنَ لا قاعَ لها.
وفي الساحةِ الأخيرة
وقفَ درويشٌ
يحملُ مسبحةً
مصنوعةً من بذورِ السمسم،
يضحكُ
كلما ارتفعتْ الأبراجُ،
ويبكي
كلما انخفضتِ الأرواح.
ثم نثرَ حباتِ المسبحة
في الهواء،
فتحولتْ إلى أسرابِ سنابل،
أما النقودُ
فبقيتْ تدورُ حول نفسها
كطاحونةٍ
نسيتْ أن القمح
خُلِق أولًا،
وأن الإنسان
ليس رقمًا
في دفترِ الكون.
لم يكن المالُ الحرامُ
عملةً مزوَّرة،
بل زمنًا مزوَّرًا.
كلُّ دقيقةٍ يسرقها
تلدُ قرنًا من الفراغ،
وكلُّ قرنٍ
يعودُ متسوّلًا
إلى أولِ يدٍ
نسيتْ أن القمحَ
ينبتُ من تعبِ الجبين،
لا من ظلِّ الخزائن.
قالت لي القضارفُ:
لا تصدّقِ النهرَ
إذا جرى إلى أعلى.
كلُّ ماءٍ
يهربُ من الجاذبية
يخفي تحتَ أمواجه
جبلًا من الأسماءِ المحذوفة.
والأسماكُ
تعرفُ أن الطُّعمَ اللامع
ليس سوى جنازةٍ
ترتدي ثوبَ الوليمة.
رأيتُ الأسواقَ العالميةَ
تبدّلُ جلدَها
كلَّ ثانية،
حتى خُيّلَ للذهب
أنه تراب،
وللتراب
أنه بنكٌ مركزي.
لكنَّ بذرةً صغيرةً
مدفونةً في حقلٍ مجهول
كانت تعرفُ
أن القيمةَ
لا تُقاسُ بسرعةِ دورانِ النقود،
بل بسرعةِ عودةِ المطر.
كان الربحُ
كلما ابتعدَ عن اليدِ التي زرعت،
صار أخفَّ من الدخان.
وحين يعودُ
لا يجدُ البيتَ،
بل يجدُ صدى البيت،
ولا يجدُ الأبناء،
بل يجدُ صورًا مؤطرةً
على جدارٍ
أكلتْه الرطوبةُ
قبل أن يأكله النسيان.
رأيتُ النقودَ
تستحمُّ في نهرٍ من العطور،
ثم تخرجُ
أنظفَ من المرآة،
لكنها كلما لمستْ كفَّ طفلٍ
تحولتْ إلى رماد.
كانت الأنهارُ
تغسلُ وجوهَها،
ولا تستطيعُ
أن تغسلَ ذاكرةَ الماء.
وفي أقصى البورصة
كان ثورٌ من زجاج
يطاردُ فراشةً من قمح.
كلما ظفرَ بها
تحولتْ إلى سنبلة،
وكلما اقتربَ من السنبلة
تحولتْ إلى غيمة.
حتى المؤشراتُ
عجزتْ عن حساب
ثمنِ الهواء
الذي تتنفسه الحقول.
وكانت المدينةُ
تبيعُ الوقتَ
بالكيلوغرام،
وتشتري الأعمارَ
بالتقسيط.
أما الساعاتُ
فكانت موظفينَ متقاعدين
يحملون ملفاتٍ
لا تحتوي
إلا على أسماءِ الذين
استبدلوا وجوههم
بأرقامِ حساباتٍ طويلة.
القرشُ الأبيضُ
وقفَ ذاتَ مساء
على بابِ اليومِ الأسود،
فلم يتعرّفْ إليه.
قال:
أنا الذي جئتُ من تعبٍ،
من مطرٍ،
من حليبِ الماعز،
من صبرِ النسّاج،
من عرقِ الحداد،
ومن يدِ المزارع.
أما أنت،
فقد صنعتكَ مرايا الليل،
ولذلك
لن أكونَ أخاك.
ثم رأيتُ مليمًا أحمر
يحاولُ أن يعبرَ جسرًا
مبنيًا من الدخان.
كان يظنُّ
أن اللونَ يكفي
ليصيرَ دمًا.
لكن الجسرَ
ابتلعَ لونَه،
وأعادهُ
قطعةً من الصمت.
فعرفتُ
أن أصغرَ عملةٍ
إذا ضلّتْ طريقَها
تصيرُ أثقلَ من جبلٍ
يعجزُ التاريخُ عن حمله.
ولم تكن الثروةُ
كومةً من المعادن،
بل امتحانًا
يُجرى بصمت.
كلُّ بابٍ
يُفتحُ بغيرِ مفتاحِ العدل
يتحوّلُ إلى متاهة،
وكلُّ قصرٍ
يُشيَّدُ فوقَ ظلِّ مظلمة
تسكنه الريحُ
قبل سكّانه.
عند الفجر
خرجَ الدراويشُ
ينثرون الذكرَ
كما ينثرُ الفلاحُ البذور.
وفي الجهةِ الأخرى
كانت آلاتُ العدِّ
تعدُّ ما لا يُعَدّ،
وتنسى
أن الإنسانَ
ليس بندًا في ميزانية،
ولا رقمًا في كشفِ أرباحٍ وخسائر،
بل هو الرأسمالُ الوحيد
الذي إذا أفلسَ
أفلستْ معه
كلُّ أسواقِ الأرض.
وهكذا
ظللتُ أمشي
بلا حتى مليمٍ أحمر،
لكن جيبي
كان ممتلئًا
بأصواتِ الذين
ناموا فقراء،
واستيقظوا
أغنى من الملوك،
لأنهم لم يبيعوا
ميزانَ القلب
في سوقٍ
لا يشتري
إلا الظلال.
كانت المدينةُ
تستيقظُ كلَّ صباحٍ
وفي حلقها مصعدٌ لا يصعدُ إلا إلى الداخل،
خمسةُ طوابقَ
تتراكمُ فوقَ بعضها
كطبقاتِ الوعي المكسور،
وفي كلِّ بابٍ موصدٍ
تنامُ مرآةٌ
تخجلُ من انعكاسِها،
حتى صار الأسمنتُ
أكثرَ قدرةً على البكاء
من سكّانه.
في الطابقِ الأول
كانت الأسماءُ
تُبدِّلُ وجوهَها كلَّ مساء،
والنوافذُ
تتعلّمُ كيف تُغلقُ أعينَها،
أما السلالمُ
فكانت تصعدُ وحدها
ثم تهبطُ وحدها،
كأنها تبحثُ
عن إنسانٍ
لم يبعْ آخرَ قطعةٍ
من صوته.
وفي الطابقِ الثاني
كانت الرغباتُ
تلبسُ أقنعةً من دخان،
لا وجوهَ لها،
ولا أسماء،
مجردُ ظلالٍ
تتبادلُ الفراغ،
وتظنُّ أن الجسدَ
يكفي لإخفاءِ خرابِ الروح،
بينما الوحشةُ
تجلسُ في الزاوية
وتحصي خسائرَ القلب.
أما الطابقُ الثالث
فكان مكتبةً
تقرأ فيها المدينةُ
كتابَ سقوطها.
المحامي
يجرُّ حقيبتَه
كما لو أنها تابوتٌ صغير،
والطبيبُ
يصغي إلى نبضِ الجدران
قبل نبضِ المرضى،
والسبورةُ
في المدرسة
تمحو الحروفَ بنفسها،
كأن المعرفةَ
هجرتْ مقاعدَها
وتركتْ للغبار
حقَّ التدريس.
وفي الجامعة
كانت النظرياتُ
تتشاجرُ فوقَ الطاولات،
ماركسُ
يمرُّ كورقةٍ في مهبِّ الريح،
وسوقُ المال
يمرُّ كورقةٍ أخرى،
أما الإنسانُ
فكان يسقطُ
من بين الورقتين،
ولا ينتبهُ إليه
إلا عاملُ النظافة
حين يجمعُ
بقايا الأفكار.
وفي الورش
كانت المطرقةُ
تسألُ الحديد:
كم بابًا
يحتاجُ العالمُ
حتى يتعلمَ الخروجَ
من نفسه؟
لكن الحديدَ
ظلَّ يصدأُ
ببطءٍ مهيب،
كأنه يكتبُ
مذكراتِ مدينةٍ
استبدلتِ القلبَ
بترسٍ يدور
ولا يصل.
وفي الأزقة
كان المتسوّلُ
يحملُ مملكةً
داخلَ كأسٍ من قصدير،
بينما يجرُّ المحتالُ
عربةً من الأقنعة.
وكان اللصُّ
يفرُّ من ظلِّه،
لأن الظلَّ
صار شاهدًا
لا يقبلُ الرشوة،
أما الليلُ
فكان يوزعُ
الوجوهَ المستعارة
على العابرين.
رأيتُ البنقو
لا كنبتةٍ،
بل كغابةٍ
تنمو داخلَ الرؤوس،
كلُّ غصنٍ
يلتهمُ ساعةً من العمر،
وكلُّ ورقةٍ
تمحو نافذةً
من نوافذِ الوعي.
وكان الأفيونُ
مدينةً أخرى
تبتلعُ المدينة،
حتى لم يعدِ الناسُ
يعرفون
أيُّهما الحلم،
وأيُّهما الهاوية.
وفي السوق
كانت اللحومُ
تتدلّى
مثل ساعاتٍ متوقفة،
وكان الجوعُ
أكثرَ أناقةً
من الولائم.
الأسعارُ
تصعدُ كسربِ جراد،
والكرامةُ
تهبطُ
كريشةٍ مبتلة،
ولا أحدَ
يسمعُ ارتطامَها
بالأرض.
ثم رأيتُ
ثقافةَ التفاهة
مهرجًا عملاقًا
يجلسُ فوقَ برجِ الساعة،
يبيعُ الضحكَ
ويشتري الصمت،
حتى صار الضجيجُ
عملةً عالمية،
وصارت الحكمةُ
آخرَ متسوّلٍ
ينامُ عند بوابةِ المدينة.
وأنا،
بلا حتى مليمٍ أحمر،
كنتُ أفتشُ
عن وجهي
في ألفِ مرآة،
فلا أجدُ
إلا حقولَ القضارف
تخرجُ من زجاجها،
وتقول:
ليس الإفلاسُ
أن يخلو الجيب،
بل أن تمتلئَ الروحُ
بكلِّ ما لا يمكنُ
أن يُشترى،
وتنسى
كيف تُنبتُ
سنبلةً واحدةً
في أرضِ القلب.
_____
يوليو 2026م

تعليقات
إرسال تعليق