ديوان : تخريجات القصاص

 تخر يجات  القصاص 


مصعب الرمادي     

تخريجات القصاص

__________________
 الكتاب : تخريجات القصاص        

 الكاتب : مصعب الرمادي
تاريخ الطبع : يوليو2026م
حقوق الطبع والتأليف محفوظة للمؤلف 

_____________________

 إلى السيدة الفاضلة  : حياة الماحي 

_______________________________

 أنها تلك السيدة المقرفة التي تفتح نافذة صدرها فلا يدخل الهواء، كأن المدينة أغلقت أبوابها الداخلية بأمرٍ غير مكتوب أنها  تلك المتزمتة المتقلبة الأطوار  و التي تحمل في يدها بخاخ صغير يلمع مثل خاتم محكمةٍ منسية،
كل ضغطة عليه استئنافٌ عاجل ضد حكم الاختناق،
وكل شهيق شهادةٌ بأن الجسد لم يوقّع وثيقة استسلامه،
وأن الحياة قد تبدأ أحياناً من ثقبٍ ضيق في مبسم بلاستيكي.

لم تكن الأزمة في القصبات وحدها،
بل في الكلمات التي نامت فوق صدرها كحجارة المقابر،
وفي الذين مروا بجانب عطائها ثم أنكروا الطريق،
كأن الجميل ماءٌ شربوه ثم كسروا جرته،
فصار جحودهم غباراً يلتصق بالشعب الهوائية،
وصارت الذاكرة تسعل كلما حاولت نسيان أسمائهم.

قال الطبيب: ابتعدي عن الدخان،
لكن الدخان لم يكن قادماً من المواقد وحدها،
كان يخرج من أفواه الذين يبخسون الأشياء كي يبدوا أكبر منها،
ومن المنابر التي تتغذى على محو الآخرين،
ومن المديح الذي يُمنح للظل ويُحجب عن صاحب الجسد،
فكيف تبتعد الرئة عن مدينةٍ كاملة تحترف الاحتراق؟

كانت تحتفظ بحق الرد في جيب معطفها،
لا تخرجه كلما نبح الطريق في وجهها،
لأن الإجابة التي تأتي غاضبة قد تشبه السكين التي جرحتها،
ولأن الصمت ليس دائماً جنازةً للصوت،
قد يكون مستودعاً بارداً تحفظ فيه العدالة أدلتها،
إلى أن يحين موعد النطق الذي لا يرجع عنه القاضي.

في الليل كان البخاخ يعد الجرعات المتبقية،
بينما كانت هي تعد الوجوه التي استهلكت معروفها،
هذا أخذ من ظلها نافذةً ثم أنكر الشجرة،
وذاك عبر النهر على كتفها ثم قال إنه لم ير الماء،
وثالثٌ سرق من حكايتها المصباح وادعى اختراع الفجر،
لكن العداد لا يحصي ما يضيع من الروح حين يُنكَر الجميل.

كان القصاص يقف عند بابها بثيابٍ غير دامية،
لم يحمل سيفاً ولا جدولاً لأسماء الأعداء،
بل حمل مرآةً تعيد لكل وجهٍ ملامحه الأصلية،
وقال: ليست العدالة أن تصيري نسخةً ممن ظلمك،
بل أن تمنعي ظلمهم من كتابة صورتك الأخيرة،
وأن تستردي اسمك من أفواههم من دون أن تسكنيها.

عندما ضاق صدرها اتسعت المحكمة،
نهضت فيها الكراسي شاهدةً على جلسات الإهمال،
والنوافذ قدّمت إفادتها عن الهواء المصادَر،
والوسادة عرضت آثار الليالي التي قاومت فيها وحدها،
حتى البخاخ رفع رأسه الصغير وقال للقاضي:
كنتُ أفتح الرئة كلما أغلق الناس أبواب المعنى.

لم تكن حرب العصابات في الغابة البعيدة،
كانت تسكن الرسائل المبتورة والابتسامات الملغومة،
في المديح الذي يخفي تحته فخاً صغيراً،
وفي الصديق الذي ينسحب ساعةَ الحصار ثم يعود مع المنتصرين،
وفي الإشاعة التي تطلق رصاصتها وتهرب بلا توقيع،
حتى صار القلب يتفقد الطريق قبل كل ثقة.

كانت تعرف أن العدو غير المتكافئ لا يقاتل في الضوء،
يختبئ خلف جماعةٍ تصفق له كي لا يُرى ضعفه،
يضع الشك في ماء الحكاية ثم يتهم النهر بالعكارة،
ويستعير ألف فمٍ كي لا يتحمل مسؤولية صوته،
لذلك لم تطارد كل رصاصةٍ في الغبار،
بل بحثت عن اليد التي علمت الظلال كيف تطلق النار.

في السوق عُلّقت قيمة الإنسان على ميزانٍ أعور،
تثقل كفة المشهور ولو كان فارغاً،
وتخف كفة المبدع إذا لم يحمل ختم الجماعة،
وكان التبخيس موظفاً يغيّر الأرقام قبل إغلاق الدفاتر،
لكن القصيدة دخلت من الباب الخلفي وكسرت الميزان،
وقالت: القيمة لا تستأذن الصخب كي تكون موجودة.

كلما بخسوا منجزها ضاق المجرى الهوائي،
لا لأن كلماتهم تملك حقيقةً،
بل لأن الظلم حين يتكرر يتعلم طريقه إلى الجسد،
يصير صداعاً في الرأس وتشنجاً في الكتفين،
ثم يستقر في الصدر مثل حارسٍ فاسد،
يطلب رشوةً من الهواء كي يسمح له بالمرور.

كانت تضغط البخاخ وتفكر في العدالة المؤجلة،
كم يلزم الحقيقة من السنين كي تجد مقعدها؟
وكم يموت من الشهود قبل أن تُفتح القاعة؟
كانت الجرعة تصل إلى الرئة أسرع من وصول الإنصاف إلى المظلوم،
وهذا ما جعل الطب أكثر رحمةً من السياسة،
فالدواء لا يسأل المريضة عن حزبها قبل أن ينقذ أنفاسها.

في دفتر الامتنان صفحةٌ ممزقة،
كتب فيها الغائبون أسماءهم بحبرٍ مستعار،
ثم محوا اليد التي أمسكت القلم عنهم،
وكانت السيدة تعرف أن المعروف لا ينبغي أن يكون قيداً،
لكن نكرانه ليس حريةً أيضاً،
بل اغتيالٌ هادئ للعلاقة بعد الاستفادة منها.

قالت لنفسها: لن أحوّل العطاء إلى فاتورة،
ولن أطالب القلوب بإيصالات رسمية،
لكنني لن أسمح للجحود أن يعيد تأليف الماضي،
فثمة فرقٌ بين من نسي وبين من محا،
بين من عجز عن الوفاء وبين من أنكر أصل النعمة،
والقصاص يبدأ حين نعيد للذاكرة أسماء أفعالها.

كانت المدينة تعاني من ربوٍ سياسي،
كلما حاول مواطن أن يقول رأيه انقبضت الشوارع،
وتضخمت عضلات السلطة حول القصبة العامة،
وصارت المنابر بخاخاتٍ فارغة تُصدر صوتاً ولا تمنح هواءً،
أما نشرات الأخبار فكانت تقيس نبض الخراب،
ثم تعلن أن المريض يتمتع بصحةٍ مثالية.

دخلت الأحزاب غرفة الطوارئ بأعلامها،
كل حزبٍ يدعي أن الأكسجين ملكٌ تاريخي لأعضائه،
هذا يوزعه بحسب الولاء،
وذاك يحتكره باسم الثورة،
وثالثٌ يبيع القناع التنفسي في السوق السوداء،
بينما الوطن ممددٌ على السرير يسأل عن رئة لا تحمل شعاراً.

بعد حرب الخرطوم صارت البيوت أجهزة تنفسٍ مكسورة،
الجدران لا تحمي والصور لا تتعرف إلى أصحابها،
والأبواب التي نجت كانت ترتجف كلما مرّت مركبة،
أما الناجون فحملوا رئاتهم في حقائب النزوح،
يتنفسون مدناً مؤقتة وأسماءً مؤقتة،
ويؤجلون البكاء حتى لا يستهلكوا ما بقي من الهواء.

كانت السيدة ترى في خراب العاصمة صدرها القديم،
كل حيٍّ قصبةٌ مسدودة بالركام،
كل جسرٍ مجرى هوائي قطعه الجنود،
كل مستشفى بخاخٌ فارغ في يد أمٍّ مذعورة،
وكل هدنةٍ جرعةٌ قصيرة لا تعالج أصل المرض،
بل تمنح الموتى وقتاً كي يغيّروا وضعية نومهم.

لم تسأل: من انتصر؟
فالخراب لا يفهم بيانات الانتصار،
والأم التي فقدت بيتها لا تسكن في بلاغٍ عسكري،
والطفل الذي صار يعرف أصوات الأسلحة
لن تعيد إليه المؤتمرات براءة أذنه،
فالقصاص الحقيقي يبدأ من مساءلة المنتصر عمّا فعله بالنصر.

في المرآة رأت وجهها مقسوماً بين شاهدةٍ ومجروحة،
وخافت أن يجعلها الألم قاضيةً لا تسمع إلا نفسها،
لذلك وضعت بجانب شهادتها كرسياً للشك،
لا كي تنكر جرحها، بل كي تحميه من المبالغة،
فالحق الذي يحتاج إلى الكذب كي يقف
يتحول في منتصف الطريق إلى صورةٍ أخرى من الباطل.

قالت للبخاخ: أنت لا تنتقم من الرئة،
بل تعيد إليها قدرتها على استقبال العالم،
وهكذا ينبغي للقصاص أن يكون،
إزالةً للانسداد لا صناعةً لاختناقٍ مضاد،
فتحاً للمجرى لا استبدال جلادٍ بجلاد،
واسترداداً للحياة لا تدريباً جديداً على الموت.

في قاعة الفن وقف القبح مزهواً بكثرة أتباعه،
قال إن السوق اختاره وإن الأرقام تشهد له،
لكن لوحةً صغيرة رفعت لوناً واحداً في وجهه،
فتشقق عرشه المصنوع من التكرار،
إذ لا يحتاج الجمال إلى جيشٍ كي يهزم الابتذال،
يكفيه أن يصنع رؤيةً لم يعرفها القطيع.

كان القصاص الجمالي أبطأ من الغضب،
لكنه أبقى أثراً،
لا يشتم التفاهة بل يخلق ما يجعلها مكشوفة،
لا يطارد الضجيج بل يبني صمتاً أعلى منه،
ولا يتوسل الاعتراف من الذين أنكروا الجميل،
بل ينجز عملاً يجعل إنكارهم فضيحتهم الخاصة.

كل من حاول محو أثرها وجد الأثر في مكانٍ آخر،
في ذاكرة تلميذٍ نجا بكلمة،
في كتابٍ استعار منها طريقته في الضوء،
في نافذةٍ تعلمت منها ألا تخاف العاصفة،
فالأثر لا يقيم دائماً تحت اسم صاحبه،
وقد تكون العدالة أن تعرف الشجرة أن ثمرها وصل ولو سُرق اسمها.

مع ذلك لم ترضَ أن يُنسب النهر إلى من شرب منه،
كتبت تاريخ الماء حجراً حجراً،
جمعت الرسائل والشهادات والهوامش المنسية،
لأن التواضع لا يعني تسليم الأرشيف للصوص،
ولأن السكوت عن سرقة المنجز ليس صفحاً،
بل مساعدةٌ غير مقصودة على صناعة كذبةٍ عامة.

في آخر الممر أغلقت الحرب مصعد المستشفى،
فصعدت السيدة الدرج وهي تلاحق أنفاسها،
كل درجةٍ عامٌ من الانتظار،
وكل طابقٍ وعدٌ سياسي لم يصل،
لكن يدها بقيت على البخاخ كمن يمسك مفتاح بيته،
وكان صعودها نفسه تخريجاً أول للقصاص.

عند السطح وجدت المدينة تحتها تلهث،
مآذنها وأجراسها وهوائياتها تتنفس بصعوبة،
الأسواق تختنق بالغلاء، والمدارس بغبار الغياب،
والبيوت بأخبار المفقودين،
فرفعت البخاخ نحو السماء كأنها ترفع دليلاً،
وقالت: هذه ليست علبتي وحدي؛ هذه رئة البلاد.

ثم ضغطت الجرعة الأخيرة،
فخرج من المبسم طائرٌ أبيض لا دواء،
دار فوق الخرائب وكتب بجناحيه:
ليس القصاص أن يُحرم الخصم من الهواء،
بل أن يُهدم النظام الذي جعل التنفس امتيازاً،
وأن يعود الشهيق حقاً لا مِنّةً من أحد.

 

_______

يوليو 2026

حي الموظفين - القضارف  

 


تعليقات

المشاركات الشائعة