ديوان : صعاليك بني أمية
صعاليك بني أمية
مصعب الرمادي
صعاليك بني أمية
__________________
الكتاب : صعاليك بني أمية
الكاتب : مصعب الرمادي
تاريخ الطبع : يوليو2026م
حقوق الطبع والتأليف محفوظة للمؤلف
_____________________
ولدتُ من ضلعِ ذئبٍ نسيهُ الرعاةُ عند آخرِ بئرٍ كانت تُرضِعُ الرملَ حليبَ المرايا. لم تكن الصحراءُ أمًّا، بل مكتبةً عمياءَ تحفظُ أنسابَ الريحِ وتُحرقُ أسماءَ القبائلِ كلما عبرتْ قافلةٌ مثقلةٌ بالذهب. يومها رأيتُ غرابًا يقرأُ فرمانًا مختومًا بالشمع، بينما كانت نجمةٌ وحيدةٌ تسرقُ خاتمَ الخليفةِ وتدفنهُ في جمجمةِ جملٍ ماتَ عطشًا قبل اختراعِ الخرائط. قال الذئب: لا تبحثْ عن أبيك؛ فالسلطةُ دائمًا تُنجبُ أبناءها داخل القصور، أما المنفى فيلدُ أبناءه تحت أقدامِ العابرين. ومنذ ذلك الصباح صارتْ قدماي خريطتين، وصار الجوعُ نبيًّا يعلّمني أن الخبزَ حين يُرفعُ إلى مستوى العقيدةِ تتحولُ الأفرانُ إلى معابد، ويصبحُ اللصوصُ مؤذنينَ لسماءٍ لا تُقيمُ الصلاةَ إلا على أرواحِ الفقراء.
دخلتُ دمشقَ من نافذةِ حصانٍ أعرج، فرأيتُ المدينةَ تلبسُ قميصًا من حريرٍ منسوجٍ بخيوطِ الضرائب، وكانت المآذنُ تُخرجُ دخانًا أزرقَ بدلَ الأذان، بينما الشعراءُ الرسميونَ يبيعونَ البلاغةَ في سوقِ النحاسِ كما تُباعُ السيوفُ الصدئة. في الساحاتِ كانت المرايا تُبايعُ التيجان، وكانت الظلالُ تقفُ في طابورٍ طويلٍ بانتظارِ ختمٍ يسمحُ لها بالدخولِ إلى التاريخ. سألتُ امرأةً تحملُ جرةً من ضوء: أين ينامُ الصعلوك؟ فأشارتْ إلى شقٍّ صغيرٍ بين حجرين وقالت: هناك يختبئُ الوطنُ كلما مرَّ موكبُ الخليفة. عند المساءِ خرجتِ الغربانُ مرتديةً عمائمَ القضاة، وأعلنتْ أن الريحَ مذنبةٌ لأنها وزعتْ الغبارَ بالتساوي بين القصرِ والخيمة.
كان اللصوصُ يكتبونَ وصاياهم على عظامِ الغزلان، ثم يدفنونها في أحشاءِ الكثبانِ كي لا يعثرَ عليها المؤرخون. أحدهم سرقَ رغيفًا، لكنه أعادهُ إلى الفرنِ بعدما اكتشفَ أن الجوعَ ليس في المعدةِ بل في القوانين. وآخرُ حملَ قافلةً كاملةً فوق كتفهِ ثم أعادها إلى الصحراءِ لأن الذهبَ أثقلُ من خطيئةٍ لا يعترفُ بها أحد. رأيتُ الجنَّ يبيعونَ مفاتيحَ المدنِ لسحالي الوادي، ورأيتُ الأشجارَ تترافعُ أمامَ محكمةِ الغبارِ ضدَّ الفؤوسِ التي تعلمتِ الخطابةَ في بلاطِ السلاطين. وفي الليلِ خرجتْ قصائدُ المديحِ من أفواهِ أصحابها على هيئةِ خفافيش، تبحثُ عن سقفٍ جديدٍ تُعلّقُ عليهِ أجنحتها، بينما ظلَّ الصعلوكُ يكتبُ بيتًا واحدًا على الرمل، فتتحولُ الصحراءُ كلُّها إلى ديوانٍ لا تستطيعُ النارُ قراءته.
وفي المقبرةِ التي كانت أقدمَ من أسماءِ الخلفاءِ، استيقظتِ الجماجمُ لتراجعَ دفاترَ التاريخ. قالت جمجمةُ فارسٍ مجهول: لقد أخطأ المؤرخون حين حسبوا عددَ القلاع، ونسوا أن يحصوا عددَ الأمهاتِ اللواتي انتظرنَ أبناءً لن يعودوا. وقالت عظامُ شاعرٍ منفيّ: القصيدةُ التي تُولدُ داخل البلاطِ تشيخُ قبل أن تُلقى، أما القصيدةُ التي تنامُ مع الذئابِ فتظلُّ تُبدّلُ جلدها كلما تغيّرَ وجهُ الطغيان. عند الفجرِ رأيتُ الفراتَ يهاجرُ إلى جهةٍ لا تظهرُ على الخرائط، ورأيتُ الكوفةَ والبصرةَ ومكةَ ودمشقَ تُطوى مثلَ رقاعِ شطرنجٍ داخل عباءةِ امرأةٍ عجوزٍ تُدعى الذاكرة. وحين فتحتْ العباءةَ للمرةِ الأخيرة، خرجَ منها صعلوكٌ يحملُ حاسوبًا مكسورًا، وجوازَ سفرٍ من غبار، وذئبًا إلكترونيًا يعوي في وجهِ القرنِ الحادي والعشرين، كأنهُ الناجي الوحيدُ من دولةٍ ما زالتْ تبني قصورها فوق رمالِ المنفى.
كان الليلُ يربّي خيولَه داخلَ آبارٍ مهجورة، وكلُّ حصانٍ يخرجُ منها يحملُ على ظهره مدينةً لا يعرفُ اسمَها. رأيتُ دمشقَ تجرُّ سورَها كعجوزٍ فقدتْ أبناءها في سوقِ النبوءات، بينما كانت الكوفةُ تُبدّلُ أبوابَها كلَّ مساءٍ حتى لا يعثرَ عليها المنفيون. لم تكن المدنُ مبنيةً من حجارة، بل من مرايا تخشى النظرَ إلى وجوهِ الفقراء. وكان الخليفةُ، كلما ابتسم، تتساقطُ من فمه خرائطٌ جديدةٌ للضرائب، فتزدادُ القوافلُ طولًا، ويقصرُ ظلُّ الرعاة. وحدها الرمالُ كانت تكتبُ دستورًا آخر، لا يقرأه إلا الذئبُ الذي فقدَ قطيعَه منذ أولِ خطبةٍ أُلقيتْ فوق منبرٍ من ذهب.
كانت النساءُ يخبئنَ القمرَ في جرارِ الماء، حتى لا يراهُ جنودُ الليل. الأراملُ ينسجنَ أكفانًا من خيوطِ المطرِ الذي لم يسقط، والجواري يعلّمنَ العصافيرَ كيف تُغني خارجَ مقاماتِ البلاط، والعاشقاتُ يزرعنَ في صدورِ الفرسانِ حدائقَ من الأشواك كي لا يناموا مطمئنين. أمٌّ عجوزٌ غزلتْ من شعرِها سلّمًا، وصعدتْ به إلى غيمةٍ تبحثُ عن ابنٍ ابتلعتهُ الحروب، لكنها عادتْ تحملُ بدلًا منه مرآةً مكسورةً، قالت إنها وجهُ التاريخِ حين يغسلُ يديه من دماءِ الهامشيين. ومنذ ذلك اليوم، صار الحليبُ يرفضُ الدخولَ إلى أفواهِ الملوك، ويختارُ أطفالَ الخيامِ الذين يحفظونَ أسماءَ النجومِ أكثرَ مما يحفظونَ أسماءَ الخلفاءِ.
في سوقٍ لا تبيعُ الدكاكينُ فيه سوى الأزمنة، رأيتُ المؤرخينَ يساومونَ على سعرِ الهزائم، بينما كان شاعرٌ أعمى يشتري كيسًا من الصمتِ ليزرعهُ في مكتبةٍ احترقتْ قبل ألفِ عام. الكتبُ لم تكن أوراقًا؛ كانت طيورًا سوداءَ كلما فتحها قارئٌ طارتْ منها معركةٌ جديدة. أما البلاغةُ فقد كانت موظفًا عجوزًا يختمُ الاستعاراتِ بخاتمِ السلطة، ويمنحُ القصائدَ تأشيرةَ عبورٍ إلى قصورِ الأمراءِ، ثم يطردُ القصائدَ الجائعةَ إلى صحراءِ النسيان. وهناك، كانت السعالي والغيلانُ يتجادلونَ حول معنى العدالة، بينما العنقاءُ تجمعُ رمادَ المكتباتِ لتبني منه عشًا فوق رأسِ الريح.
وفي آخرِ الطريق، اجتمعَ الموتى حولَ نارٍ لا تُحرقُ إلا الأكاذيب. خرجَ الفرسانُ من عظامِهم، وخرجَ اللصوصُ من أساطيرِهم، وخرجَ الشعراءُ من حناجرِ الغربان، وكلُّ واحدٍ يحملُ نسخةً مختلفةً من التاريخ. لم يتشاجروا؛ بل جلسوا يستمعونَ إلى طفلٍ معاصرٍ يبيعُ المناديلَ عند إشارةِ مرور، وهو يروي لهم كيف صارت المدنُ الحديثةُ أكثرَ اتساعًا من الصحارى، وكيف أصبح المنفى يُوزَّعُ في المطاراتِ مع جوازاتِ السفر. ضحك الذئبُ حتى تساقطتْ من فمه أقمارٌ صغيرة، وقال: لم تتغيّرِ الدولةُ كثيرًا، إنها فقط استبدلتْ سيوفَها بالشاشات، وخيولَها بالقطارات، وخواتيمَها بكلماتِ المرور، لكنها ما زالتْ تخشى الصعلوكَ الذي يمشي خفيفًا، لأن من لا يملكُ شيئًا لا تستطيعُ الإمبراطورياتُ أن تصادرَ منه سوى الحلم.
حين أغمضتُ عينيَّ، رأيتُ الصحراءَ تُبدّلُ جلدَها ببحرٍ من الورق، وكانت كلُّ حبّةِ رملٍ تُخفي داخلها مدينةً مؤجلة. الأشجارُ التي لم تعرفْ الماءَ أزهرتْ سيوفًا من زجاج، والنسورُ كانت تحرسُ أبوابَ السرابِ كما لو أنها خزائنُ للدولة. اقتربَ مني ناسخٌ مجهولٌ يحملُ دواةً مملوءةً بغبارِ القبور، وقال: لا تُصدّقْ ما كُتبَ بالحبر، فالتاريخُ يفضّلُ الأقلامَ التي تنامُ في جيوبِ الملوك. ثم فتحَ لفافةً قديمةً، فخرجتْ منها ذئابٌ بيضاءُ ترتّلُ أسماءَ الصعاليك، بينما كانت الخيولُ السوداءُ تمحو أسماءَ الفاتحينَ بحوافرَ من ضوء. عندها فهمتُ أن الذاكرةَ لا تُقيمُ في الكتب، بل في الجروحِ التي لم تجدْ حتى الآن مؤرخًا يجرؤُ على الاقترابِ منها.
وفي سوقِ القوافلِ كانت الجمالُ تبيعُ ظلالَها للفقراء، لأن الشمسَ احتكرتْ حقَّ السيرِ فوق الرؤوس. رأيتُ أكياسَ الذهبِ تتناسلُ مثل الجراد، لكن رغيفًا واحدًا كان أعزَّ من جميعِ خزائنِ الأرض. العبيدُ يجرّونَ العرباتِ المحمّلةَ بالحرير، فيما الحريرُ نفسهُ كان يبكي لأنه لا يعرفُ كيف صار ثوبًا لسلطةٍ لا تشعرُ ببرودةِ العراء. التجارُ يقيسونَ المسافاتِ بالأرباح، والصعاليكُ يقيسونها بعددِ النجومِ التي تسقطُ في الطريق. وفي زاويةِ السوقِ وقفَ طفلٌ يبيعُ الريحَ في قواريرَ صغيرة، وكلما اشترى أحدٌ قارورةً، تحرّرتْ عاصفةٌ جديدةٌ من قفصِها، وأعادتْ ترتيبَ الحدودِ التي رسمتها الخرائطُ على عجل.
كان الخليفةُ ينامُ داخلَ مرآةٍ لا تعكسُ إلا وجهَه، ولذلك لم يرَ الجوعَ وهو يتسلّقُ أسوارَ القصرِ مثل نباتٍ بريّ. الوزراءُ كانوا يطاردونَ الفراشاتِ لأنهم ظنّوا أنها رسائلُ تمرّد، والكتبةُ يربطونَ الكلماتِ بالسلاسلِ حتى لا تهربَ إلى أفواهِ الدراويش. أما الفقهاءُ فقد كانوا يُحصونَ عددَ الغيومِ التي مرّتْ فوق العاصمة، ويختلفونَ في لونِ المطر، بينما المطرُ نفسهُ كان يسقي قبورَ المجهولينَ بصمتٍ لا يحتاجُ إلى فتوى. وفي آخرِ المجلسِ وقفَ مهرّجٌ أخرسُ يحملُ ميزانًا مكسورًا، وكلما حاولَ إصلاحَه تحوّلَ الميزانُ إلى مزمار، يعزفُ لحنًا لا يسمعهُ إلا الذين خرجوا من المدنِ حفاةً.
وعندما انشقَّ الفجرُ عن جناحِ غراب، خرجتِ المقابرُ تمشي على قدميها نحوَ الأفق. العظامُ لبستْ ثيابًا من الغبار، والجماجمُ أضاءتْ عيونَها بالفوسفور، كأنها نجومٌ سقطتْ متأخرةً من سماءِ التاريخ. لم يسألِ الموتى عن أسماءِ الخلفاءِ ولا عن عددِ الفتوحات، بل سألوا عن الأرغفةِ التي اختفتْ من موائدِ الأحياء، وعن القصائدِ التي ماتتْ قبل أن تجدَ قارئًا حرًّا. وفي آخرِ الموكبِ ظهرَ صعلوكٌ يحملُ هاتفًا محمولًا بلا شبكة، يرفعُه نحوَ السماءِ كأنهُ يبحثُ عن إشارةٍ من عصرٍ أكثرَ عدلًا. ابتسمَ الذئبُ العتيقُ، وقال له: لا تُرهقْ قلبكَ، فالأقمارُ لا تحتاجُ إلى أبراجِ اتصالات، والحريةُ ما زالتْ تعرفُ الطريقَ إلى الذين يسيرونَ خارجَ خرائطِ القصور.
_____
يوليو 2026م

تعليقات
إرسال تعليق