ديوان : كأنها القديسةُ التي أيقظت زير النساء من نوم المرايا عند مزار الزير سالم

كأنها  القديسة التي أيقظت زير النساء من نوم المرايا عند مزار الزير سالم     Story pin image

مصعب الرمادي 

كأنها  القديسةُ التي أيقظت زير النساء من نوم المرايا عند  مزار الزير سالم 


__________________
 الكتاب : كأنها القديسة التي أيقظت زير النساء من نوم المرايا عند مزار الزير سالم

 الكاتب : مصعب الرمادي
تاريخ الطبع : يوليو2026م
حقوق الطبع والتأليف محفوظة للمؤلف 

_____________________

 لم يكن الفجرُ سوى ذئبٍ
يتدرّب على نباحِ الملائكة،
وكان المزارُ يخلعُ عن الرملِ أسماءَه
كلما عبرتْه امرأةٌ
تحملُ في كفِّها مصباحًا
وفي الكفِّ الأخرى
آخرَ ما تبقّى من رائحةِ البادية.

قالتِ القديسةُ:
ليس الحجرُ قبرًا،
إنه الضلعُ الذي نسيَ الجسدَ
عندما هاجرتِ الريحُ
إلى جهةٍ لا يعرفها الرعاة.
فاستيقظتِ المرايا
وأخذتْ ترتّبُ وجوهَ الموتى
كما ترتّبُ الأمُّ ضفائرَ الغيم.

خرج الزيرُ
من عباءةِ الحكاية،
لا يحملُ سيفًا
بل يحملُ جرحًا
تعلّمَ أن يتكلّم
بلغةِ الآبار
حين تنسى النجومُ
عددَ العطاشى.

وكانتِ الإبلُ
تقرأُ خرائطَ الرمل
كما يقرأُ ناسكٌ
آخرَ صفحةٍ
من كتابٍ
كتبتْه الغربانُ
بحبرِ الكسوف.

قالتْ امرأةٌ
إن القبائلَ لا تتقاتلُ،
بل تتبادلُ
أقنعةَ الآباء،
وإن الدمَ
كلما ظنَّ أنه انتهى
أنبتَ في الوادي
شجرةً أخرى
من الأسئلة.

اقتربتِ القديسةُ
من البئر،
فرأتْ الماءَ
يرتدي هيئةَ طفلٍ
يبحثُ عن أمِّه
بين سروجِ الخيل،
وكانتِ الأساطيرُ
تغسلُ أقدامَها
بدموعِ السحالي.

يا زيرَ النساء،
ليس الجسدُ
إلا خيمةً
تعبرُها الأرواحُ
مثل قوافلَ
تنسى أسماءَ الجمال
وتتذكّرُ
اسمَ السراب.

في الليلِ
كانتِ الضباعُ
تنشدُ مزاميرَ قديمة،
وكانتِ الجنُّ
تعلّقُ على أعناقِ الأشجار
قلائدَ من دخان،
حتى ظنَّ القمرُ
أنه آخرُ الرعاة.

كلُّ مرآةٍ
كانتْ تختبئُ
داخلَ مرآةٍ أخرى،
حتى صار الوجهُ
قبيلةً من الوجوه،
وصارتِ العينُ
قافلةً
لا تصلُ
إلى صاحبِها.

قالتِ القديسةُ:
لا تبحثْ عن كليب،
فهو الآن
يعبرُ النهرَ
على ظهرِ قصيدة،
ولا تبحثْ عن الجرو،
فكلُّ قاتلٍ
يحملُ في صدرِه
طفلًا
ضاعَ في الطريق.

وكان الرملُ
يفتحُ أبوابَه
للغزالةِ التي
أضاعتْ ظلَّها،
فتخرجُ الخرافةُ
من جيبِ الصخرة،
وتوزّعُ على الرعاة
أجنحةً
مصنوعةً من الصمت.

في السوقِ
كان الباعةُ
يبيعونَ الأزمنة،
وكان المشترونَ
يدفعونَ
بعملاتٍ
سكّتها
الندامةُ،
بينما التاريخُ
ينامُ تحتَ عربةِ ملح.

كلُّ نخلةٍ
كانتْ تخفي
قديسًا صغيرًا
يصعدُ إليها
سلّمًا
من الدعاء،
ثم يقطفُ
بدلَ التمر
أسماءَ الذين
نسوا الطريقَ إلى أنفسهم.

يا مزارَ الزير،
كم من نبيٍّ
مرَّ من هنا
متنكّرًا
في هيئةِ راعٍ،
وكم من شيطانٍ
وزّعَ على القبائل
مزاميرَ الحكمة
ثم اختفى
داخلَ ضحكةِ طفل.

كانتِ الريحُ
تكتبُ وصاياها
على ظهورِ الذئاب،
وكانتِ الذئابُ
تمحوها
كلما اقتربتْ
مدينةٌ
من حدودِ البادية،
كأن الحضارةَ
نسيانٌ طويلٌ للرمل.

قالتِ القديسةُ:
الحبُّ ليس وعدًا،
إنه بابٌ
يؤدي إلى باب،
والنورُ
ليس نهايةَ العتمة،
بل ذاكرتُها
حين تتعلّمُ
أن تغنّي.

وعندما انحنى الزيرُ
ليقبّلَ التراب،
خرجتْ من المزار
فراشاتٌ
تحملُ وجوهَ الفرسان،
وأخذتْ تدورُ
حولَ شجرةٍ
لم تكنْ شجرة،
بل القصيدةُ
وهي تتذكّرُ
أن العالمَ بدأ
بكلمةٍ
ولم ينتهِ بعد.


 

_____

 يوليو 2026م

مزار مكي الشابك  - القضارف 

تعليقات

المشاركات الشائعة