ديوان : ويكيبيديا الحيوان
ويكيبيديا الحيوان

مصعب الرمادي
ويكيبيديا الحيوان
__________________
الكتاب : ويكيبيديا الحيوان
الكاتب : مصعب الرمادي
تاريخ الطبع : يونيو2025م
حقوق الطبع والتأليف محفوظة للمؤلف
__________________________________________________
الإنسان
الكائن
الوحيد الذي اخترع مرآةً ليختبئ خلفها.
يمتلك قشرةً مخيةً تتسع للمجرات، لكنها تضيق أحيانًا عن عصفور.
جمع أسماء الحيوانات كلها، ثم نسي اسمه الأول.
كل مدينةٍ أنيابٌ استعارت هيئة المنازل.
يجلس في حديقة الحيوان ليراقب نفسه داخل الأقفاص الأخرى.
يكتب ويكيبيديا، ثم يمزق الصفحة التي تشرح قلبه.
ويغادر الأرض كأنه آخر الغرباء فيها.
الأسد
الثديي
الذي يحرس السافنا بزئيرٍ يسمعه الأفق قبل العشب.
عرف أن الهيبة لا تحتاج إلى تاج.
لكن الرسامين أثقلوا رأسه بالأساطير.
في الليل رأيته يلعق جرحًا لا يظهر في الخرائط.
وكانت النجوم تتقافز من عرفه كغزلانٍ هاربة.
قال: المملكة ليست غابةً... بل مسؤولية الصمت.
ثم ترك للريح أن تكمل خطبته.
النمر
يحمل على
جلده خرائط لم ترسمها يد.
كل بقعةٍ نافذةٌ على غابةٍ أخرى.
يمشي كأن الزمن يقلده في خفائه.
ولا يثق إلا بالأماكن التي لا تصلها الضوضاء.
حين نظرت في عينيه رأيت الغسق يتعلم الكتابة.
وحين ابتعد، بقيت الأشجار تقلد مشيته.
أما الظل، فظل يبحث عن صاحبه حتى الفجر.
الفهد
أسرع من
الشك حين يطارد اليقين.
جسده قصيدةٌ كتبتها الريح في لحظةٍ واحدة.
لا يركض وراء الفريسة وحدها، بل وراء المعنى الذي يسبقها.
كل عضلةٍ ساعةٌ بيولوجية تعرف موعد البرق.
وحين يتوقف، يبدو كأنه يعتذر للأرض عن سرعة مروره.
أما الغبار، فيبقى يصفق طويلًا.
كأنه شاهد ولادة الزمن من جديد.
الزرافة
ترفع
رأسها حتى تكاد تلامس اللغة الأولى للغيوم.
رقبتها سلمٌ نسيته الملائكة في السافنا.
تقرأ أوراق الأشجار من أعلاها، ولا تتدخل في شؤون العشب.
تعرف أن البعد يمنح الأشياء أسماءً أخرى.
وفي قلبها تدور غابةٌ لا يراها أحد.
كلما انحنت لتشرب، انحنى معها الأفق.
ثم عاد واقفًا على أطراف الضوء.
النعامة
لا تدفن
رأسها في الرمل كما تقول الخرافات.
بل تدفن خوف البشر من الحقيقة.
أجنحتها ذاكرةٌ لطائرٍ قرر أن يمشي مع الريح.
كل خطوةٍ تترك خلفها سؤالًا أكبر من البيضة.
وفي الصحراء تصير السرعة شكلًا من أشكال التأمل.
أما السراب، فيتعلم منها فن المراوغة.
ويكتب اسمه على الهواء.
الفيل
يحمل في
رأسه مكتبةً من الطرق القديمة.
ولا ينسى الينابيع التي شرب منها أجداده.
خرطومه إصبعٌ طويل يشير إلى الأرض باحترام.
يمشي فتتسع التربة لذكرياتها.
كل تجعيدةٍ على جلده خريطة مطرٍ مؤجل.
وحين يصمت، تسمع الأشجار تاريخها.
كأن الذاكرة اختارت جسدًا لتقيم فيه.
الحصان
لا يركض
وحده.
تجري معه السهول، والهواء، وصهيل القبائل القديمة.
عرف الإنسان ظهره قبل أن يعرف محركاته.
وفي عينيه بقيت مرآة البراري الأولى.
كل حافرٍ يكتب فاصلةً في كتاب الرحيل.
وكل عرقٍ يلمع كأنه نهرٌ صغير.
ثم يختفي، تاركًا للغبار مهمة السيرة.
الحمار
يحفظ
الطرق التي نسيها الخرائط.
ويحمل أثقال الآخرين دون أن يفاوض الجبال.
اتهموه بالغباء، لأن الصبر لا يملك متحدثًا رسميًا.
بين أذنيه تمر الريح أكثر حكمةً من المدن.
وحين ينهق، ترتبك البلاغة.
إذ تكتشف أن الحقيقة لا تحتاج دائمًا إلى موسيقى.
بل إلى كتفين لا يخونان الطريق.
الوشق
يولد من
صمت الصخور أكثر مما يولد من الأمهات.
أذناه هوائيان يلتقطان همس الرمل.
وعيناه ليلٌ تعلم الاقتصاد في الضوء.
لا يصطاد الفرائس وحدها، بل يطارد الغياب.
كل خطوةٍ منه تمحو أثرًا وتخلق أثرًا آخر.
وحين يختفي، تظن الجبال أنها حلمته.
ويظل القمر يبحث عن اسمه بين المخالب.
النمس
يعرف أن
السمَّ لا يسكن الأنياب،
بل يقيم طويلًا في الأفكار.
جسده الصغير بيانٌ ضد الغطرسة البيولوجية.
يقرأ ارتعاشة الحشائش كما يقرأ الفيلسوف هوامش الكتب.
كل مواجهةٍ مع أفعى درسٌ في اقتصاد الشجاعة.
وحين ينتصر، لا يرفع رايةً فوق الرمال.
بل يترك للصمت أن يدوّن الواقعة.
القط البري
لا يعترف
بالحدود التي رسمتها المدن.
يستبدل الخرائط برائحة المطر.
فراؤه مخطوطةٌ كتبتها الغابة بالحبر الترابي.
كل شاربٍ بوصلةٌ تشير إلى المجهول.
يختفي كي يمنح الأشياء فرصة الظهور.
وحين يمر، تتذكر الأشجار أسماءها الأولى.
ويصبح الليل أكثر يقظةً من النهار.
القرد
يتأمل
الإنسان من وراء الزجاج،
كأنهما يتبادلان دور السجين.
أصابعه تحفظ هندسة الأغصان،
بينما أصابعنا تحفظ كلمات المرور.
يضحك دون أن يؤسس نظريةً في الضحك.
ويقفز بين الفروع، تاركًا للفلاسفة عبء السقوط.
أما المرآة، فلا تعرف أيهما يقلد الآخر.
إبن آوى الذهبي
يخرج مع
الغروب كأنه بقيةُ شمسٍ لم تنطفئ.
يحفظ لغة السهول أكثر مما يحفظ أسماءها.
كل عواءٍ يطلقه رسالةٌ إلى الفراغ.
وكل أثرٍ يتركه توقيعٌ على تراب المسافات.
لا يخاف الوحدة؛ فهي قريبه القديم.
وفي عينيه يقيم طريقٌ لا يصل إلى مدينة.
بل إلى ذاكرة الريح.
الضبع
ليس ضحكه
سخريةً كما قالت الحكايات.
إنه صوتُ العالم وهو يعثر في تاريخه.
يقتات مما يتركه الآخرون،
لكن الإنسان يقتات أحيانًا من أوهامه.
يعرف أن النهاية جزءٌ من دورة الحياة.
بينما نكتب نحن نهاياتٍ لا تنتهي.
ثم نلوم الغابة على قسوتها.
الدب
يحمل
الشتاء في فروه،
والينابيع في ذاكرته.
حين ينام طويلًا، لا يهرب من الزمن،
بل يمنحه فرصةً ليلتئم.
يقيس الفصول بأنفٍ لا تخدعه التقاويم.
ويوقظ الثلج باسمه الحقيقي.
ثم يعود إلى الغابة أقلَّ كلامًا وأكثر حكمة.
الأناكوندا
ليست
حبلًا أخضر للمياه،
بل نهرًا تعلّم الالتفاف حول نفسه.
عضلاتها تكتب قانون القوة بلا ضجيج.
تنتظر أكثر مما تطارد.
وتعرف أن الصبر شكلٌ آخر من أشكال الحركة.
كل التفافةٍ دائرةٌ في كتاب الزمن.
وكل صمتٍ فمٌ يبتلع الاستعجال.
الحدأة
تقرأ
الأرض من أعلى،
ولا تحتاج إلى برج مراقبة.
أجنحتها مكتبةٌ للتيارات الهوائية.
كل دورةٍ في السماء مراجعةٌ لخريطة العالم.
ترى ما تخفيه الأعشاب عن العيون المستعجلة.
ثم تهبط كأنها فاصلةٌ في جملة الريح.
وتترك للفراغ أن يكمل المعنى.
البومة
لا تعبد
الليل،
بل تتقن الإصغاء إليه.
عيناها نافذتان تطلان على المكتبة الخفية للظلام.
كل رمشةٍ تؤجل سقوط نجمة.
وكل التفاتةٍ تفتح بابًا في الغيب.
تعرف أن الحكمة لا تشرق دائمًا مع الشمس.
وأحيانًا تنبت في أكثر الجهات عتمة.
اللقلق
يحمل بين
جناحيه خرائط الهجرة القديمة.
لا يحتاج إلى جواز سفرٍ بين القارات.
يعرف الأنهار من رائحتها،
ويحفظ اتجاه الرياح كما يحفظ الشاعر قافيته المنسية.
يبني أعشاشه فوق الأعمدة،
كأنه يريد أن يذكّر المدن بأن السماء كانت هنا أولًا.
ثم يمضي، تاركًا وراءه سؤالًا أبيض يحلّق في الأفق.
العلجوم
يخرج من
الطين كأن الأرض
تتذكر فجأةً أنها كانت ماءً.
جلده مخطوطةٌ رطبة
كتبتها المستنقعات قبل اختراع الورق.
لا يخجل من قبحٍ اخترعه الرسامون،
فالجمال عنده وظيفةٌ لا زينة.
وحين ينقُّ، ترتجف البركة،
كأن الفجر يتدرب على نطق اسمه الأول.
الإخبوط
ليس له
قلبٌ واحد،
بل ثلاثةُ قلوبٍ تتقاسم أسرار البحر.
وثمانيةُ أذرعٍ تحفظ هندسة الاحتمال.
يكتب على الرمل رسائل بالحبر،
ثم يمحوها الموج قبل أن يقرأها أحد.
كل ممصٍّ على ذراعيه
عينٌ صغيرة تلمس العالم.
وحين يختفي، يترك الماء يتذكر شكله.
السمندر
يحمل
النار في الأساطير،
والماء في البيولوجيا.
جسده وعدٌ قديم
بأن الحياة تستطيع إصلاح كسورها.
كل طرفٍ يفقده
ينبت من جديد كغصنٍ يرفض الشتاء.
أما الإنسان،
فما زال يعجز عن ترميم ظلّه.
اليعسوب
طائرةٌ
صنعتها المستنقعات
قبل أن يحلم المهندسون بالأجنحة.
عيناه فسيفساءٌ ترى الجهات جميعًا.
يعبر الهواء
كأنه يوقّع اسمه على الضوء.
كان يرقةً في القاع،
ثم أقنع السماء
أن التحول هو الاسم الآخر للحرية.
سمك القرش
لا يعرف
الكراهية،
يعرف فقط قوانين البحر.
أسنانه تتبدل،
أما حدسه فلا يشيخ.
يشم قطرة الدم
كما يشم المؤرخ رائحة الحروب.
كل موجةٍ تعبر فوق ظهره
تتعلم معنى البقاء.
نجم البحر
خمسةُ
أذرعٍ
تمسك بالمحيط دون أن تقبض عليه.
إذا فقد ذراعًا
أعادت الذاكرة تشكيله.
لا يسافر،
ومع ذلك يعرف اتساع البحر.
يرقد فوق القاع
كأنه نجمةٌ سقطت ولم تنكسر.
ثعبان البحر المفترس
جسده
فاصلةٌ سوداء
بين نهرٍ ومحيط.
يهاجر آلاف الكيلومترات
ليتذكر مكان ولادته.
الكهرباء ليست غضبه،
بل لغته الخفية مع الماء.
كل التفافةٍ منه
تعيد كتابة الأبجدية الزرقاء،
ثم يختفي،
كأن الغموض هو وطنه الوحيد.
_____
يوليو 2026م

تعليقات
إرسال تعليق