ديوان : تمليك المغربية

تمليك المغربية

Story pin image

مصعب الرمادي

تمليك المغربية

__________________
 الكتاب : تمليك المغربية    

 الكاتب : مصعب الرمادي
تاريخ الطبع : يونيو2025م
حقوق الطبع والتأليف محفوظة للمؤلف 

_____________________

 في المغرب الذي لا يظهر على الخرائط إلا إذا أغمضت الأطالس عيونها، خرجت امرأة من ضفيرة شجرة أركان، تحمل مفتاحًا لا يفتح بابًا، بل يفتح زمنًا آخر. قالت للريح: ليس الملك تاجًا فوق الرأس، وإنما ظلُّ امرأةٍ إذا مشت استقام الحجر، وإذا ضحكت تذكرت المدن أسماءها الأولى. ومنذ ذلك الصباح صار العرش يبحث عن صاحبته كما تبحث القصيدة عن قافيتها التي أضاعتها الأندلس.

كان إدريس يعبر النهر مرة أخرى، لا هاربًا من السيوف، بل من يقين المؤرخين. وعلى الضفة الأخرى كانت امرأة أمازيغية تغسل الليل في نبع وليلي، ثم تطرزه بخيوط الزعفران. قالت له: المملكة لا تؤسسها البيعة وحدها، بل تؤسسها اليد التي تعجن الطين ليصبح بيتًا، والحنجرة التي تحول الخوف إلى أغنية. فابتسمت فاس قبل أن تبنى، وارتدت الأزقة ثيابها الزرقاء قبل أن تعرف الجدران معنى اللون.

وفي الحلم الذي لا يراه إلا المرابطون، خرج يوسف بن تاشفين من ضريحه يحمل حفنة تراب، وسألها: أيهما أثقل، السيف أم الرغيف؟ فضحكت المغربية حتى اهتزت مراكش، وقالت: كلاهما يصدأ إذا غاب عنهما العدل. فخبأت الخيول رنين حدواتها، وخفضت المآذن أصواتها احترامًا لامرأة جعلت الحكمة أوسع من الإمبراطورية.

وكانت الأندلس تهاجر كل مساء إلى المغرب في هيئة حمامة بيضاء، تحط فوق كتف فلاحة عائدة من الحقل، فتسقط من جناحيها مفاتيح قرطبة وغرناطة وإشبيلية. تجمعها الجدات في جرار الماء، ويقلن للأطفال: لا تضيعوا المفاتيح، فإن المدن تعود أحيانًا في هيئة ذكرى.

وفي سوق مراكش، لم يكن الحكواتي يروي أخبار السلاطين، بل أخبار الخبازات اللواتي أنقذن التاريخ من المجاعة. كل رغيف دائرة صغيرة تشبه الشمس، وكل شق فيه خريطة لقرية نجت من النسيان. عندها فهمت القصيدة أن الملكية ليست سلسلة من التيجان، بل سلسلة من الأفران التي ظلت مشتعلة رغم الحروب.

ثم جاء البحر من جهة طنجة يحمل رسالة من جبل طارق. لم تكن الرسالة مكتوبة بالحبر، بل بملح الموج. قالت: إن المضائق لا تفصل القارات، وإنما تختبر شجاعة العابرين. فابتسمت السفن القديمة، وعادت أشرعتها تتذكر أسماء البحارة الذين كانوا يزرعون النجوم في الماء.

وعندما نهضت الأطلس الكبير من نومه، انفرجت الصخور عن نساء يحملن الحناء بدل البنادق. كن يقلن: الحرب آخر الحروف، أما الحياة فهي أول الأبجدية. ومن أصابعهن خرجت أنهار صغيرة سقت الزيتون، فكبرت الأشجار حتى صارت تظلل قرونًا من التعب.

وفي الريف، كانت الجبال تحفظ أسماء المقاومين كما تحفظ الأم أسماء أبنائها. كل صخرة شاهد، وكل شجرة أرشيف، وكل غيمة صفحة لم يجف حبرها بعد. وكانت امرأة عجوز تنادي الغائبين فلا يجيبها الموتى، بل تجيبها السنابل التي تعلمت أن الانحناء ليس هزيمة.

وفي الرباط، كان النهر يناقش الدستور مع الأسماك. قالت سمكة فضية: كل مادة لا تعرف رائحة الخبز تبقى ناقصة. فردت عليها موجة: وكل قانون لا يسمع ضحكة امرأة يظل يبحث عن نصفه الآخر. عندها أغلقت المحكمة نوافذها، وفتحتها القصيدة.

ثم دخلت الفرنكفونية السوق وهي ترتدي قبعة أوروبية، لكن بائعة النعناع ناولتها كأس شاي بالشيبة، وقالت لها: تعلمي أولًا كيف يصعد البخار من القلب، ثم اكتبي ما شئت من القواميس. فخجلت الكلمات الأجنبية، وجلست تستمع إلى العربية وهي تتصالح مع الأمازيغية تحت شجرة زيتون لا تعرف الترجمة.

لم يكن الخبر الذي حملته الريح من جهة المحيط خبرًا، بل طائرًا من زجاج أخضر يحط على منائر الدار البيضاء ثم يطير نحو فاس، وكلما رفرف جناحيه تبدلت أسماء الأيام. قال المنادي: في المملكة مباراة لا تشبه المباريات، لأن الكرة فيها ليست جلدًا منفوخًا، وإنما شمس صغيرة تتقاذفها الأقدام حتى تتعلم الأرض كيف تدور بفرح. ولم يكن أحد يسأل من انتصر، بل كان الجميع يسأل: أي قلب اتسع للمغرب أكثر؟

خرجت المرأة المغربية من عباءتها المطرزة بخيوط الأطلس، وأهدت الحارس قفازين من صوف جدتها. قالت له: لا تصد الكرات وحدها، بل صد أيضًا الخوف الذي يختبئ خلفها. فكل مرمى باب، وكل باب امتحان، وكل امتحان لا ينجح فيه إلا من عرف أن الوطن لا يقاس بعدد الأعلام، بل بعدد الأمهات اللواتي ينتظرن أبناءهن عند المساء.

وفي القصر الذي تتناوب عليه السنونوات، لم يكن العرش مرتفعًا كما تخيله الراؤون، بل كان كرسيًا خشبيًا صنعه نجار من مكناس، ثم ترك عليه أثر أصابعه عمدًا حتى يتذكر الجالس أن الحكم نجارة يومية، وأن الخشب إذا لم يسمع أنين الفقراء يتشقق من الداخل ولو طلي بالذهب.

وكان التاج يضيق كلما اتسعت البلاد في الخيال. في كل ليلة يخلعه الملك ويضعه فوق رأس فتاة من شفشاون، فتتحول الأزقة الزرقاء إلى مرايا، وترى المملكة صورتها وهي تكبر لا بالقلاع، بل بالمدارس، ولا بالمدافع، بل بالمكتبات التي تتثاءب عند الفجر مثل حدائق تعرف أسماء العصافير.

قالت القصيدة للسلطان الذي يسكن اللغة: إنك لن تملك البلاد حتى تتعلم الإصغاء إلى امرأة تنخل الدقيق في قرية بعيدة. فارتبك البروتوكول، وسقطت من جيبه أوسمة كثيرة، أما المنخل فظل يدور حتى صار قمرًا صغيرًا فوق السطح، يوزع الطحين على النجوم الجائعة.

وفي مراكش، خرجت قبور السعديين تتمشى ليلًا، لا لتعد الموتى، بل لتسأل الأحياء: ماذا فعلتم بالأحلام التي سلمناها إليكم؟ فلم يجبها إلا طفل يبيع البرتقال قرب السور، قال: خبأناها في جيوب اللاعبين، لأن الركضة الصادقة قد تعيد للوطن شبابه أكثر مما تفعل الخطب الطويلة.

وكان يوسف بن تاشفين يزور كل فجر ساحة جامع الفنا متخفيًا في هيئة حكواتي أعمى. يروي للأطفال أن الإمبراطوريات تشيخ حين تظن أنها بلغت الكمال، وأن المدن تبقى شابة ما دامت تسمح للمهرجين أن يضحكوا من الملوك دون أن تنكسر المرايا.

وعند بوابة وليلي، اجتمع الأدارسة والمرابطون والموحدون والمرينيون والسعديون والعلويون حول مائدة من خشب الأرز. لم يتجادلوا حول من حكم أطول، بل حول من ترك للنساء مساحة أوسع ليزرعن الربيع في البيوت. وكلما ارتفع صوت أحدهم، كانت امرأة عجوز تصب الشاي، فيهدأ الجميع احترامًا لحكمة السكر حين يذوب بلا ضجيج.

وفي الريف، كانت الجبال تكتب مذكراتها بالضباب. قالت: لم أولد لأحمل البنادق وحدها، بل لأحمل أصوات الرعاة، وأجراس الماعز، وضحكات البنات اللواتي يسبقن الفجر إلى الينابيع. ومن لم يسمع هذا النشيد لن يفهم لماذا يصبح الحجر أحيانًا أكثر حنانًا من المدن.

وكانت طنجة تفتح نافذتين في الوقت نفسه؛ نافذة على البحر، وأخرى على الحلم. من الأولى يدخل التجار والبحارة، ومن الثانية يدخل الشعراء والمتصوفة. أما المرأة المغربية فكانت تقف بين النافذتين، تمشط شعر الريح، وتقول للمدينتين اللتين تسكنان قلبها: لا تتخاصما، فكل بحر يحتاج إلى جبل، وكل جبل يحتاج إلى موجة تعلمه كيف ينحني دون أن يسقط.

ثم جاءت الأندلس مرة أخرى، ولكنها هذه المرة لم تحمل مفاتيح البيوت، بل حملت بذور الرمان. غرستها في حدائق تطوان، وقالت: إذا أثمرت هذه الأشجار فسوف تعرفون أن المنفى لا يهزم الذاكرة، وإنما يجعلها أكثر قدرة على الإزهار. فكبرت الرمانات حتى ظن الأطفال أنها قلوب حمراء معلقة بين الأغصان.

وفي ليلة احتشدت فيها الأصوات كما لو أن البلاد كلها ملعب واحد، لم يكن التشجيع صراخًا، بل صلاة ملونة. كانت الدفوف تضبط إيقاع الخطى، وكانت الجدات يوزعن التمر على الغرباء، وكأن الفوز الحقيقي ليس عبور فريق إلى دور جديد، بل عبور شعب كامل من ضيق الخوف إلى سعة الرجاء. وفي ذلك العالم المتخيل، كانت الكرة تستدير لأنها تعلمت من المغرب أن الدائرة ليست نهاية الطريق، وإنما بدايته.

لم يكن التاج فوق الرأس، بل كان الرأس هو الذي يبحث عن تاجٍ يليق بثقل السؤال. قالت المرأة الخارجة من صخرةٍ أمازيغية: لا تضعوني فوق العرش، ضعوا العرش فوق امتحانه. فمن يجلس عليه ينبغي أن يتعلم أولًا كيف يجلس إلى جوار النبع، وكيف ينحني لسنبلةٍ تعرف من السياسة أكثر مما تعرفه الخطب.

وكان إدريس يعيد بناء فاس في كل حلم، لا بالحجارة، بل بالحروف التي تسقط من أفواه الأطفال. وكلما اكتملت المدينة، جاء مؤرخٌ فأغلق بابها باسم اليقين، فتدخل امرأة مجهولة وتمحو الباب، وتترك المدينة مفتوحةً للريح. هناك فقط أدركت المملكة أن الأسوار لا تحرس المدن، وإنما تحرس خوف البنائين.

يوسف بن تاشفين لم يمت. كان يبدل اسمه كل قرن، مرةً يصير ظلًا في مراكش، ومرةً يصير بائع ماءٍ في سجلماسة، ومرةً يصير سؤالًا يطرقه عابرٌ على قبره: هل الإمبراطوريات تنجو بالسيف، أم بالرغيف، أم بالمرأة التي تجعل من البيت وطنًا لا ثكنة؟

والموحدون لم يكونوا رجالًا وحدهم. كانوا محاولةً لجمع شتات المرآة قبل أن تنكسر. كل شظيةٍ كانت مملكة، وكل مملكةٍ كانت تنسى أن الشظية الأخرى هي التي تكمل وجهها.

ثم مرّ المرينيون يحملون مدارسهم كأنها حدائق معلقة فوق ظهور الخيول. لم يفتحوا الكتب، بل فتحوا النوافذ. ومن النوافذ دخلت عصافير الأندلس، تحمل رائحة قرطبة، وحبر ابن رشد، ودموع آخر عودٍ عزف في غرناطة قبل أن يغلق الباب وراء المنفى.

وفي الزاوية التي لا يراها إلا الذاكرون، كان ابن عربي يكتب على ماءٍ لا يستقر. قال للمغرب: لا تبحث عن العرش خارج القلب، فإن القلوب التي تتسع للخلق أوسع من جميع الممالك. فابتسمت الطرق الصوفية، وأخذت تدور حتى صار الدوران طريقًا مستقيمًا لا يعرفه إلا الذين يضلون ليهتدوا.

وعندما جاءت البيعة، لم تمد يدها إلى الملك وحده، بل مدت يدها إلى اللغة. سألتها: لمن تنتمين؟ فأجابت العربية: لمن ينطقني عدلًا. وقالت الأمازيغية: لمن يسمع صمتي. وقال الحساني: لمن يعرف أن الصحراء تكتب قصائدها بالرمل لا بالحبر. أما الدارجة فكانت تضحك بين الجميع، وتجمع ما تفرق في القواميس.

وقال التاج للمرأة: أملكينني؟ فضحكت حتى ارتجفت قباب الرباط. قالت: الأشياء التي تُملَّك تفقد معناها. أنا لا أملك التاج، ولا يملكني. نحن نعبر أحدنا إلى الآخر كما يعبر الضوء نافذةً لا يحتفظ بها.

ومنذ ذلك المساء صار معنى «تمليك المغربية» يهرب من القواميس. ليس أن تُمنح المرأة نصف السلطة، بل أن تُسحب من السلطة أوهام الامتلاك. ليس أن تُجلس على العرش، بل أن يتحول العرش إلى سؤالٍ يجلس أمامها.

وكانت المدن تتبادل وجوهها. فاس تستيقظ في تطوان. ومراكش تنام في طنجة. والدار البيضاء تعير ظلها لمكناس. والرباط تضع رأسها على كتف الصويرة. وحدها البلاد تعرف أن المدن ليست حجارةً متجاورة، وإنما ذاكرةٌ تتنقل في هيئة بشر.

وفي الحلم الذي يشبه مباراةً ولا يشبهها، لم يكن الخصم فريقًا آخر. كان الخوف. وكانت الكرة دائرةً من زمنٍ يريد أن يتعلم المشي. كل تمريرةٍ كانت تعيد كتابة البيعة. وكل ركضةٍ كانت تخلخل كرسيًا في قصر الوهم. وكل هدفٍ كان يحرر حجرًا قديمًا من متحف التاريخ.

ولم يكن الجمهور جمهورًا. كان الأدارسة والمرابطين والموحدين والمرينيين والسعديين والعلويين يقفون جنبًا إلى جنب، يصفقون لطفلٍ يركل الهواء، لأن الهواء وحده يعرف كيف يحمل الرايات دون أن يسأل عن لونها.

ثم دخلت امرأةٌ لا اسم لها، ترتدي جميع أثواب المغرب. في طرف ثوبها خيطٌ من الريف، وفي آخره رملٌ من الصحراء، وعلى كتفيها ثلجُ الأطلس، وفي كفيها ملحُ المتوسط والأطلسي. لم تتوج نفسها. خلعت عن الرؤوس جميع التيجان، وعلقتها على أغصان زيتونةٍ عجوز، وقالت: لتتعلموا أن الأشجار أطول عمرًا من العروش.

وفي اللحظة الأخيرة، لم يبق من المملكة إلا نافذةٌ مفتوحة، وكتابٌ لم يكتمل، وامرأةٌ تعيد تسمية الأشياء. سمت الوطن: طريقًا. وسمت السلطة: أمانةً قابلةً للخطأ. وسمت اللغة: بيتًا لا باب له. وسمت نفسها: المغربية التي لا تُملَّك لأنها كلما حاول أحد امتلاكها، تحولت إلى معنى، وكلما حاول أحد حبس المعنى، صار المعنى ريحًا تعبر الجبال، وتترك فوق قممها تاجًا من غيم، لا يلبسه أحد، لأنه خُلق ليظل معلقًا بين الأرض والسماء، شاهدًا على أن المملكة التي تنجو ليست تلك التي تكثر عروشها، بل تلك التي تتسع قلوب أهلها للحرية، كما تتسع القصيدة لتأويلٍ لا ينتهي.

_____

 يوليو 2026م

وزارة الشباب و الرياضة- القضارف 

تعليقات

المشاركات الشائعة