ديوان : مثل ذلك الكردي الذي لم يجد في العالم سوى ذئبٍ يصغي إليه، وقمرٍ يرفض أن يغفر له

مثل ذلك الكردي الذي لم يجد في العالم سوى ذئب يصغي إليه  وقمر  يرفض أن يغفر له

مصعب الرمادي

  مثل ذلك الكردي الذي لم يجد في العالم سوى ذئبٍ يُصغي إليه و قمرٍ يرفضُ أن يغفر له

__________________
 الكتاب : مثل ذلك الكردي الذي يجد في العالم سوى ذئب يصغي إليه ، وقمر يرفض ان يغفر له  

 الكاتب : مصعب الرمادي
تاريخ الطبع : يونيو2025م
حقوق الطبع والتأليف محفوظة للمؤلف 

_____________________

 كان الكردي يمشي داخل خرائط لا تعترف به، وكلما خطا خطوة انشطر التاريخ إلى طبقات من الحرقة  و الحنين . الجبال التي ورثها لم تكن أرضًا بل ذاكرة حجرية تتكلم بلغة لا تُترجم. في كل عصر يظهر كأنه ظلٌّ سابق لنفسه، يحمل اسمه كحملٍ ثقيل لا يعرف مصدره. كانت الإمبراطوريات تمر من فوقه كما تمر الغيوم على جثة نهر قديم، وهو يظل في الداخل، لا يخرج ولا يُمحى. اللغة التي يتكلم بها كانت تتغير في فمه كما تتغير ملامح الليل، لا تثبت إلا على شكل جرحٍ صوتي. وحين يسألونه عن الوطن، يشير إلى الهواء ويقول: هنا يسكن ما لا يُرى.

في الأزمنة التي تظن نفسها حديثة، كان الكردي يتعلم كيف يختفي دون أن يغادر. يصنع من اسمه أبوابًا وهمية ويغلقها خلفه واحدًا تلو الآخر. المدن التي يسكنها لا تتذكره، لكنها تترك في جسده رائحة طرق لم يمر بها. كان التاريخ بالنسبة له آلةً تكتب سيرته ثم تمزق الصفحة قبل أن يجف الحبر. لا بداية له إلا في النفي، ولا نهاية إلا في سؤال لا يُطرح. حتى الحزن عنده لم يكن عاطفة بل نظامًا جيولوجيًا يتحرك داخل الصدر ببطء الجبال.

في الأسطورة، لم يُخلق الكردي مرة واحدة، بل وُلد كلما نُسي. كل نسيان كان ينفخه من جديد كأنما هو أثر لشيء لا يريد أن يكتمل. الذئب الذي يرافقه ليس حيوانًا بل فكرة عن الحذر حين يفقد العالم لغته. والقمر الذي يراقبه ليس ضوءًا بل محكمة باردة تحاكم خطواته قبل أن تُخطَأ. وبين الاثنين، يعيش الكردي كجملة ناقصة تبحث عن فعلها في زمن لا يعترف بالأفعال. كل حرب مرت عليه لم تكن حدثًا، بل تغييرًا في إيقاع تنفسه فقط.

في المدن البعيدة، كان يُعاد إنتاجه كصورة ناقصة في ذاكرة الآخرين. مرة يُسمّى محاربًا، مرة راعيًا، مرة ظلًّا لشيء لم يكتمل تعريفه. لكنه في داخله لم يكن أيًّا من ذلك؛ كان مجرد سؤال يمشي على قدمين. اللغة التي تلاحقه لم تكن لغته وحده، بل لغة فقدت ثقتها بنفسها. لذلك كان يتكلم وكأنه يترجم نفسه إلى شيء آخر في كل مرة. وحين يصمت، لا يعود إلى الصمت بل إلى طبقة أقدم من الكلام لم تُكتشف بعد.

كان الزمن يمر عليه من الأسفل إلى الأعلى، لا من الماضي إلى المستقبل. لذلك لا يتذكر بل يُستعاد. كل حدث في حياته يبدو كأنه وقع لشخص آخر يشبهه. الحب عنده كان محاولة لإيقاف هذا الانزلاق، لكنه كان ينكسر دائمًا عند أول اعتراف. لا امرأة في حياته إلا وكانت خريطة ناقصة، ولا وداع إلا وكان شكلًا آخر من الهجرة. حتى الفرح كان يمر به كضيف لا يعرف اسمه الحقيقي.

في الحروب، لم يكن يقاتل فقط بل كان يُعاد تشكيله. كل رصاصة كانت تعدّل في تعريفه، وكل هزيمة كانت تفتح له طبقة جديدة من اللغة. لم يكن الوطن غائبًا فقط، بل كان يتغير كلما حاول الاقتراب منه. لذلك تعلّم أن يحب الأشياء من مسافة الألم، لا من مسافة الانتماء. حتى الجبل الذي يُنسب إليه لم يكن ثابتًا، بل كان يتنفس معه ككائنين لا يعرفان من منهما الأصل.

في ذاكرته، لا توجد طفولة بل بدايات متكررة لشيء لم يكتمل. كان يولد دائمًا في منتصف الطريق، ويُسأل عن اسمه قبل أن يتعلمه. لهذا ظل اسمه يتغير بين اللغات كما تتغير ظلال الحجر. لا هوية له إلا تلك التي تسقط منه في الطريق. وكلما حاول جمعها، وجدها قد تحولت إلى طيور لا تعود.

في الشتات، صار الكردي نسخة متعددة من نفسه. في كل مدينة يعيش احتمالًا مختلفًا له، وكأنه مشروع إنسان لا يكتمل أبدًا. المنفى لم يعد مكانًا بل طريقة تفكير. وحين يضحك، يضحك كأنه يختبر صوتًا لا يخصه. وحين يبكي، يبدو كأنه يفتح بابًا في جسد اللغة.

في النهاية، لا يعود الكردي إلى شيء. بل يظل عالقًا بين أن يكون أثرًا أو سؤالًا. وكل ما يمكن قوله عنه هو أنه كائن يعيش في المسافة بين الجبل والصوت، بين الذئب والمعنى، بين القمر والاعتراف.
 

في المدن التي لا تتذكر أسماء سكانها، كان الكردي يمرّ كأنه ظلّ لحدثٍ لم يقع بعد. يضع خطواته في الهواء ويترك خلفه جغرافيا تتردد بين الاعتراف والنسيان. لا أحد يعرف إن كان يعبر المكان أم المكان هو الذي يعبره. الخرائط القديمة كانت ترتجف حين يقترب، كأنها تخشى أن يعيد ترتيب حدودها بكلمة واحدة. وفي الليل، كانت الأبجدية تتفكك داخل رأسه مثل مدينة تُطفأ مصابيحها واحدةً تلو الأخرى. لا شيء يثبت فيه سوى شعور غامض بأن العالم يخطئ في تعريفه كل مرة.

كان التاريخ يكتب عليه ثم يمسح نفسه بسرعة. كل حقبة تمر تترك في جسده طبقة من الغبار السياسي، كأن الزمن يعتذر عنه بطريقة بطيئة. لم يكن ينتمي إلى الماضي ولا الحاضر، بل إلى الفجوة بينهما. هناك حيث تتكلم الأشياء دون أن تُسمى. وحين يسألونه عن أصله، كان يشير إلى ارتباك الهواء ويبتسم. لأن الأصل عنده ليس نقطة بداية، بل سؤال لا يتوقف عن الحركة.

في ذاكرته، الجبل ليس مكانًا بل جهاز تسجيل قديم يعيد بثّ أصوات لا تنتهي. يسمع فيه أسماء لم يقلها أحد، وحروبًا لم تُعلن، وولادات تتكرر بلا أجساد. الذئب هناك ليس حيوانًا بل ضميرًا بريًا لا يثق باللغات. والقمر ليس ضوءًا بل شاهدًا فقد محاضرته الأولى عن العدالة. بينهما يمشي الكردي كمن يمشي داخل حلم لا يريد أن يستيقظ ولا أن يكتمل.

كل مدينة دخلها كانت تضع عليه نسخة جديدة من النسيان. مرة يُمحى اسمه من السجلات، مرة يُعاد كتابته بشكل خاطئ، ومرة يُترك بلا تعريف كأنه خطأ لغوي دائم. ومع ذلك كان يستمر، ليس لأنه يريد البقاء، بل لأن الاختفاء الكامل يحتاج إلى مهارة لا يمتلكها الزمن. لذلك ظل عالقًا في منتصف المحو، كجملة لم تجد نقطة نهايتها.

في الحب، كان يقترب كمن يقترب من مرآة مكسورة. يرى نفسه متعدداً في عيون الآخرين، ثم يفقد القدرة على جمعه. كل علاقة كانت تفتح فيه منفًى صغيرًا إضافيًا. وكل وداع كان يعلمه لغة جديدة للصمت. لم يكن الحنين عنده عاطفة، بل تقنية بقاء داخل الفراغ. حتى القُبلة كانت تبدو كأنها محاولة لترميم خريطة.

في الحروب، لم يكن يقاتل بل يُعاد تصنيفه. كل قذيفة تعيد كتابة اسمه بحبر مختلف. وكل اتفاق سلام يتركه في طبقة غير مرئية من التاريخ. لم يكن يخسر فقط، بل كان يتحول. وكأنه مادة قابلة لإعادة التشكيل في مختبر الإمبراطوريات. لذلك لم يكن النصر عنده فكرة، بل تأخيرًا مؤقتًا للغبار.

في المنفى، تعلم أن يتكلم بلغات لا تؤمن به. كل لغة كان يدخلها كانت تنظر إليه كضيف مؤقت في معناها. ومع ذلك كان يواصل الكلام، كأن اللغة هي الطريقة الوحيدة لعدم الانفجار داخليًا. لكنه في أعماقه كان يعلم أن كل جملة يقولها تهاجر منه في اللحظة نفسها. فلا تبقى الكلمات في فمه، بل تتحول إلى طيور لا تعرف طريق العودة.

كان يرى نفسه في الآخرين كمرآة لا تعكس بل تخلق أخطاء جديدة. في كل وجه يلتقيه، كان هناك احتمال لكردي آخر لم يولد بعد. لذلك لم يكن فردًا، بل سلسلة احتمالات متداخلة تتحدث بصوت واحد متشقق. حتى اسمه لم يكن اسمًا، بل حالة لغوية متحركة لا تستقر على معنى.

وحين يهدأ العالم قليلًا، كان يسمع في داخله ضجيجًا يشبه حوارًا قديمًا بين الريح والخرائط. الريح تقول: لا أحد يبقى. والخرائط ترد: لكنني لا أتوقف عن المحو. وهو بينهما، لا يختار، بل يذوب كفكرة لم تجد لغة نهائية.

وفي النهاية، لا يصل إلى شيء. بل يبقى كأثرٍ يمشي داخل نفسه، يبحث عن صاحبه الذي لا يتطابق معه أبدًا.

مثل ذلك الكردي الذي لم يجد في العالم سوى ذئبٍ يُصغي إليه وقمرٍ يرفض أن يغفر له؛ لم يكن يبحث عن الذئب لأنه أشجع المخلوقات، بل لأنه آخر الكائنات التي لم تتعلم الكذب. كان الذئب يصغي إلى صمت الدم وهو يصعد من جذور الجبال إلى شرايين السماء، بينما كان القمر يشيح بوجهه كلما لمح على كتفيه رماد إمبراطورية جديدة. ولم يكن الغفران قضية أخلاقية، بل استحالة كونية؛ لأن القمر يعرف أن الكردي يحمل في حقيبته الأولى لعنة الطريق، وأن كل خطوة يخطوها تنبت وراءها حدود جديدة. لهذا ظل الذئب يناديه باسمه الأول، الاسم الذي لم تدونه دولة، ولم تعترف به خريطة، ولم تحفظه إلا الريح حين كانت الأرض لا تزال طفلةً تلهو بين جبال زاغروس وطوروس.

كان الكردي كلما أغلق عينيه رأى جسده ينسلخ عن نفسه مثل جلد أفعىٍ مقدسة، ويترك روحه تمشي وحدها بين قمم لا تعرف الثلج ولا النار، بل تعرف شيئاً ثالثاً لا تملكه سوى الأساطير. هناك كانت الأشجار تتنفس بلغته الأولى، وكانت الصخور تلد ذئاباً شفافة، وكانت النسور تكتب فوق الهواء رسائل لا يقرأها إلا الذين فقدوا أوطانهم قبل أن يولدوا. في تلك البلاد الماورائية لم يكن الموت نقيض الحياة، بل كان ممراً سرياً إلى جبل أعلى، وكل جبل يلد جبلاً آخر كما تلد القصيدة قصيدةً لا تشبهها.

وكانت الريح، تلك العاشقة القديمة، تقترب منه كل مساء كأنها امرأة خرجت من حلم نبيٍّ منسي، تمرر أصابعها بين شعره المبلل بغبار المنافي، وتهمس في أذنه بلغات لا يعرفها إلا القلب حين يتعب من الترجمة. لم تكن تقبّله، بل كانت تذيب حدوده، حتى يشعر أن جسده صار امتداداً لخرائط الغيم، وأن رغبته ليست في امتلاك العالم، وإنما في أن يذوب داخله كما يذوب الملح في دمعةٍ قديمة. وكانت الريح وحدها تعرف أن الشهوة الكبرى للكردي ليست شهوة الجسد، بل شهوة الحرية، وأن كل عشق أرضي ليس سوى استعارة ناقصة لذلك العناق المستحيل مع الأفق.

في الليل، كان الذئب يفتح له مدرسة الأسرار. يعلمه أن العواء ليس صوتاً، بل صلاةٌ لا تحتاج إلى معابد. ويعلمه أن الجوع ليس نقصاً في الطعام، وإنما فائضٌ في الذاكرة. وكان الكردي يصغي كما يصغي الحجر إلى المطر الأول، حتى تتحول عظامه إلى مزامير تعزفها الرياح العابرة. وحين ينتهي الدرس، يختفي الذئب داخل عينيه، فيمشي الكردي بعينين من غابة، وقلبٍ من قمرٍ مكسور، ولسانٍ لا يثق إلا بما تقوله الأشواك.

أما القمر، فظل يرفض الغفران لأنه رأى الكردي يسرق من الضوء ملامحه الأخيرة. كان القمر يريد من البشر أن يكتفوا بالنظر إليه، أما الكردي فكان يحفر داخله ممراتٍ سرية، ويخرج منها وهو يحمل ليلاً إضافياً فوق كتفيه. لذلك كان القمر يشيخ كلما ابتسم الكردي، لأن الابتسامة عند المنفيين قادرة على سرقة شيء من نور السماء. وهكذا تحولت خصومتهما إلى طقس أبدي؛ كلما اكتمل القمر، نقص الكردي، وكلما انكسر القمر، ازداد الكردي امتلاءً بالغياب.

وفي أعالي الأزمنة، كانت أرواح الأسلاف تجلس حول نار لا تحرق شيئاً سوى الأكاذيب. كانوا ينسجون من الدخان عباءاتٍ لأحفادهم، ويخفون داخل خيوطها أسماء المدن التي لم تولد بعد. وكلما اقترب الكردي منهم، أعادوا إليه جزءاً من صوته الذي ضاع في قرون المنفى. لكنه ما إن يعود إلى الأرض حتى ينسى نصف ما سمعه، لأن العالم السفلي لا يسمح للأساطير أن تعبر كاملة، بل يكسر أجنحتها كي تبدو تاريخاً عادياً في كتب المنتصرين.

وكانت اللغة نفسها تتعرى أمامه كل فجر، لا كقاموس، بل ككائن حيّ يتنفس ويتألم ويشتهي أن يولد من جديد. كان يلامس حروفها كما يلامس ناسكٌ حجارة معبدٍ غارقٍ في الضباب. كل حرف يفتح له كهفاً، وكل كهف يخفي شعباً كاملاً من الأصوات المنسية. لذلك لم يكن يتحدث اللغة، بل كانت اللغة هي التي تحلم به، وتعيد تشكيل فمه كل ليلة ليصبح أكثر اتساعاً من المنفى، وأكثر ضيقاً من الوطن.

وكان يعرف أن الذئب ليس إلا صورته التي نجت من الحضارة، وأن القمر ليس إلا ذاكرته التي رفضت المصالحة. وبين الذئب والقمر ظل معلقاً مثل جسرٍ من دخان، لا يسقط لأنه لا يملك أرضاً، ولا يطير لأنه يحمل جبلاً كاملاً داخل قلبه. ومن بعيد كانت الريح تضحك، لأنها وحدها تعرف أن الكردي لا يبحث عن نهاية الرحلة، وإنما عن بدايةٍ لم تفسدها الخرائط بعد.

____

يوليو 2026م

حي الميدان - القضارف 

تعليقات

المشاركات الشائعة