ديوان : توجهات المرشد
توجهات المرُشد

مصعب الرمادي
توجهات المرشد
__________________
الكتاب : توجهات المُرشد
الكاتب : مصعب الرمادي
تاريخ الطبع : يونيو2025م
حقوق الطبع والتأليف محفوظة للمؤلف
_____________________
كان النعش يعبر شوارع طهران كأنه مرآةٌ محمولة على أكتاف الغياب، لم يكن يحمل جسدًا بقدر ما يحمل سؤالًا قديمًا عن معنى أن يتقدّم الإنسانُ ظله ثم يكتشف أن الظل صار وطنًا.
كانت الرايات تُنصت إلى الريح أكثر مما تُنصت إلى الهتاف، وكأن القماش يعرف أن الألوان أيضًا تشيخ حين تُحمَّل بأكثر مما تحتمل من الوعود. في الساحات لم يكن الموت سيّد المشهد، بل الذاكرة وهي تعيد ترتيب خرائطها فوق وجوه العابرين. كل جنازةٍ كبرى تُشيِّع معها لغةً كانت تظن نفسها خالدة، ثم تعود الكلمات لتبحث عن مرشدٍ جديد داخل خراب المعجم.
ليس المرشد رجلًا بقدر ما هو استعارةٌ تمشي على قدمين. يتبدّل الاسم ويبقى السؤال. من الذي يقود الفكرة حين تتقدّم الفكرة على صاحبها؟ ومن الذي يوقّع على صمت الجماهير عندما يصبح الصمت أكثر صخبًا من آلاف الخطب؟.
المدن لا تُدار بالمآذن وحدها، ولا بالبرلمانات وحدها، بل بذلك الخيط الخفي الذي يربط الخوف بالأمل، والطاعة بالانتظار، واليقين بذلك الشك الذي يتخفّى داخل كل يقين.
كل سلطةٍ تنحت لنفسها وجهًا من الحجر، ثم تنسى أن الحجر يتعلّم هو الآخر فنّ التشقق. لا تنهزم التماثيل يوم تسقط، بل يوم تعجز عن رؤية العصافير وهي تبني أعشاشها فوق أكتافها. السياسة ليست إلا محاولةً طويلة لإقناع الزمن بأن الساعة يمكن أن تدور إلى الخلف، بينما يواصل الرمل انحداره في الاتجاه الذي لا يستأذن أحدًا.
في الأزقة البعيدة كانت امرأةٌ تكنس عتبة بيتها، ولم تكن تعرف أسماء المجالس العليا ولا خرائط التحالفات، لكنها كانت تعرف أن الحرب تبدأ حين يتوقف الناس عن الإصغاء إلى بكاء أطفالهم. كانت المكنسة أكثر حكمةً من كثير من البيانات، لأن الغبار لا يعترف بالأيديولوجيات، بل يهبط بالتساوي على الجميع.
قال المتصوف للمرآة: كل مرشدٍ يمر من هنا يترك عصاه ثم يرحل، أما الطريق فلا يزال حافيًا منذ خلق العالم. وقالت المرآة: لا تبحث عن القائد في الوجوه، ابحث عنه في السؤال الذي لا يجد جوابًا نهائيًا. ومنذ ذلك الصباح صار الصدى يصلي خلف صوته، وصار الضوء يتلعثم كلما اقترب من يقينٍ مكتمل.
الجنازات الكبرى ليست نهاية الأشخاص، بل امتحان الأفكار التي حملوها. فالفكرة التي لا تستطيع أن تمشي وحدها بعد غياب صاحبها لم تكن فكرةً، بل ظلًا مؤقتًا لجسدٍ عابر. أما الأفكار التي تعيش فهي تلك التي تقبل أن يختلف معها أبناؤها قبل خصومها، لأنها تعرف أن الحياة لا تُدار بالمرايا وحدها، وإنما بالنوافذ المفتوحة على الريح.
كان المؤرخ يحمل دفترًا أسود، وكان الشاعر يحمل حفنةً من الغبار. كتب المؤرخ أسماء الملوك والسنوات، بينما نثر الشاعر الغبار فوق الصفحات وقال: هنا يسكن ما لم تكتبه الإمبراطوريات. فالتاريخ يحب المنتصرين، أما الشعر فيُقيم عند الذين نسيتهم المواكب.
الدين حين يتحول إلى سلطةٍ خالصة يفقد شيئًا من دهشته الأولى، والسياسة حين ترتدي ثوب القداسة تنسى أن البشر خطّاؤون مهما علت منابرهم. بين المسجد والقصر ممرٌ طويل تمشي فيه الأسئلة عاريةً من الشعارات، وكلما حاول أحدهم أن يغلقه ظهرت نافذة جديدة في جدارٍ لم يكن موجودًا بالأمس.
لم تكن المدينة تبكي رجلًا واحدًا، بل كانت تراقب صورتها وهي تكبر فجأةً في مرآة التاريخ. بعض الوجوه كانت ترى في الموكب وفاءً، وبعضها كان يراه بداية فصلٍ جديد، وآخرون كانوا يرون فيه مجرد درسٍ آخر في هشاشة السلطة أمام الزمن. وحده الزمن كان يسير بلا حراس، مبتسمًا لذلك الهدوء الذي يلي أكثر الأصوات ارتفاعًا.
وفي آخر النهار، حين خفتت الهتافات، بقي سؤالٌ صغير يتجوّل بين الحجارة: من يرشد المرشد إذا ضلّت الخرائط؟ ومن يوقظ البوصلة إذا نامت داخل يدٍ كانت تظن أنها تعرف الجهات كلها؟ عندها فقط أدركت المدينة أن الإنسان قد يقود أممًا بأكملها، لكنه يظل محتاجًا إلى ذلك الصوت الخفي الذي يذكّره بأن الحقيقة أوسع من كل العناوين، وأن الطريق لا ينتهي عند آخر موكب، بل يبدأ من أول خطوة يخطوها العقل خارج خوفه.
كان المرشد يعبر الحشود، بينما كانت الحشود تعبر نفسها. لم يكن أحد يعرف أيهما يحمل الآخر؛ الأكتاف التي ترفع النعش، أم النعش الذي يرفع تاريخًا كاملًا فوق أكتاف مدينة أنهكها التأويل. في الساحة تمددت الأسئلة مثل أشجارٍ لا تعترف بالفصول، وكانت الغربان تحلّق منخفضة كأنها تقرأ البيانات الرسمية بلغةٍ لا يعرفها سوى الغبار. وحدها الأحذية المتعبة كانت تعرف أن الطريق أطول من جميع الخطب، وأن الحجر الذي يلامس القدم أكثر صدقًا من الحجر الذي يُصقل ليصير تمثالًا.
كان الطفل يحدق في الموكب دون أن يفهم أسماء الرجال، لكنه كان يسأل أمه: لماذا يحتاج الكبار إلى كل هذا الصمت حتى يقولوا إنهم يحبون أحدًا؟ ابتسمت الأم ولم تُجب. كانت تعرف أن الأمم تتقن صناعة الشعارات أكثر مما تتقن صناعة الإجابات، وأن التاريخ يورث أبناءه الأسئلة كما يورثهم المقابر والحدود. كان الطفل يلتقط ورقةً سقطت من شجرة، بينما كان السياسي يلتقط معنىً سقط من خطاب، وكلاهما يظن أنه وجد الحقيقة.
في السوق القديم كانت العملات تتبادل الأيدي بلا عقيدة، وكانت أرغفة الخبز لا تميّز بين مؤمنٍ وملحد، ولا بين منتصرٍ ومهزوم. الاقتصاد لا يصلي، لكنه يعرف كيف يوقظ المدن من أحلامها الثقيلة. الفقراء لا يسألون عن شكل العرش، بل عن شكل الرغيف حين يبرد، وعن شكل المساء حين يعود الأب بلا عمل. لذلك كانت الأرصفة أكثر فصاحةً من كثير من المنابر، لأنها تحفظ آثار الخطوات ولا تحفظ أسماء أصحابها.
قال الفيلسوف: كل سلطةٍ تبدأ بفكرة، ثم تنتهي بخوفها من الأفكار الجديدة. وقال المتشرد وهو يضحك: بل تبدأ بخيمة، ثم تنتهي بقصر، ثم يتحول القصر إلى متحف، ثم يأتي السياح ليلتقطوا الصور أمام ما كان يومًا يخيف العالم. ضحك الهواء بينهما، ومضى يحمل الرماد إلى جهةٍ لا توجد على الخرائط، لأن الريح لا تعترف بالجغرافيا التي يرسمها المنتصرون.
في الليل خرجت المدينة من ثيابها الرسمية، وغسلت وجهها بمطرٍ خفيف. اختفت مكبرات الصوت، وبقيت نوافذ البيوت مضاءةً بأسئلةٍ صغيرة. كانت الجدات يحكين للأطفال عن أبطالٍ رحلوا، بينما كانت القطط تمشي فوق الأسطح غير معنيةٍ بسقوط الممالك أو قيامها. وحدها النجوم كانت تعرف أن السماء لا تغيّر مواقعها كلما تغيّر اسم الحاكم، وأن الكون أوسع من جميع الألقاب.
وقف شاعرٌ مجهول عند آخر الشارع، وكتب على جدارٍ مهجور: ليس الخوف أن يرحل المرشد، بل أن يبقى العقل ينتظر مرشدًا في كل مفترق. ثم اختفى قبل أن يقرأ أحدٌ الجملة. وفي الصباح وجد الناس الكتابة وقد غطاها الطلاء، لكن العبارة كانت قد انتقلت إلى ذاكرة المدينة، فالطلاء يستطيع إخفاء الحروف، ولا يستطيع إخفاء الأسئلة التي تعلمت كيف تمشي بلا ظل.
كانت المآذن تتجاور مع الأبراج، وكان الأذان يمر بجانب إشارات البورصة، دون أن يربح أحدٌ المعركة بين الروح والسوق. كلاهما كان يطلب الإنسان بطريقته الخاصة، وكلاهما كان يخشى أن يكتشف الإنسان أن قلبه أكبر من جميع المؤسسات. حينها فقط أدركت المدينة أن الإيمان إذا تحول إلى خوف فقد شيئًا من نوره، وأن السياسة إذا تحولت إلى يقينٍ مغلق فقدت قدرتها على الإصغاء.
وفي الفجر، حين انفضّ الموكب، لم يبق في الساحة سوى عامل نظافة يكنس الورود الذابلة. كان يجمعها في كيسٍ أسود، كأنه يجمع بقايا الخطب والدموع معًا. رفع رأسه إلى السماء وقال بصوتٍ لا يسمعه أحد: كل الجنائز تنتهي، لكن ما لا ينتهي هو امتحان الإنسان أمام السلطة، وأمام الحرية، وأمام ضميره حين يخلو بنفسه ولا يبقى بينه وبين الحقيقة إلا صمتٌ لا يقبل المساومة.
كان الخليجُ يفتح فمه ككتابٍ بلا غلاف، والريح تقلب الصفحات كأنها تبحث عن جملةٍ مفقودة تخصّ البحر لا الجغرافيا. في مضيقٍ ضيّقٍ كفكرةٍ متوترة، كانت السفن تمشي على حافة الاحتمال، لا على الماء فقط، بل على ذاكرةٍ مملوءة بالملح والأسئلة المؤجلة. لم يكن الاضطراب خبرًا، بل طريقةً جديدة للوجود، كأن العالم قرر أن يجرّب صوته وهو يرتجف دون أن يعتذر.
في المدن القريبة من الماء، صار الناس يقيسون يومهم بحركة الظلال على الشاشات لا بحركة الشمس. كل إشعارٍ جديد كان يفتح نافذة على قلقٍ إضافي، وكل بيانٍ رسمي كان يضيف طبقةً أخرى إلى صمتٍ قديم لم يعد يعرف متى بدأ. حتى المقاهي صارت تتحدث بلغة الاقتصاد أكثر من لغة المزاج، وكأن القهوة نفسها فقدت رغبتها في الدفء وأصبحت تفكر بأسعار النفط.
هناك، حيث يتقاطع النفط مع الخوف، لا يعود البحر بحرًا، بل يصبح فكرةً سياسية ترتدي ملوحةً زائدة. السفن التي تعبر لا تحمل البضائع فقط، بل تحمل أيضًا احتمالاتٍ مؤجلة للحرب أو للتفاوض أو لسوء الفهم الذي يتقن ارتداء الزي الرسمي. وكل موجةٍ كانت تبدو كأنها تمرينٌ على السؤال: من يملك الطريق حين يصبح الطريق نفسه قلقًا؟.
في الداخل، لم تكن السياسة سوى مرآةٍ كبيرةٍ مشروخة، يرى فيها كل طرفٍ صورته مضاعفةً حتى يفقد القدرة على التمييز بين الوجه والظل. السلطة هناك لا تتكلم بصوتٍ واحد، بل بصدىً طويل يشبه ممراتٍ تحت الأرض، كأن القرارات لا تُصنع بل تُستخرج من عمقٍ غامض يشبه الجيولوجيا أكثر مما يشبه الخطابة.
أما الناس، فكانوا يمشون فوق طبقاتٍ من المعنى المتعب، يلتقطون الأخبار كما يلتقط الفلاح حبات المطر في موسمٍ متأخر. لا أحد يسأل عن الحقيقة الكاملة، لأن الحقيقة الكاملة صارت رفاهيةً فلسفية لا تتسع لها الجيوب اليومية. المهم هو أن ينجو اليوم دون أن يتحول إلى خبر عاجل.
في الموانئ، كان الصمت أكثر انتظامًا من حركة الحاويات. العمال يعرفون أن كل صندوقٍ قد يحمل قصة دولةٍ كاملة أو مجرد سلعة عابرة لا تعرف أنها جزء من لعبةٍ أكبر منها. وبين الرفع والإنزال، كان الجسد البشري يكتب فلسفةً غير معلنة عن الإرهاق: أن تستمر في الحركة حتى حين لا تفهم لماذا تتحرك.
وفي موازاة ذلك، كانت اللغة تتآكل ببطء. الكلمات الكبيرة مثل “الأمن” و“السيادة” و“الردع” فقدت شيئًا من لمعانها، وأصبحت تُقال كما تُقال أسماء الأشياء في غرفةٍ مظلمة: بحذر، وبلا يقينٍ كامل، وكأن كل كلمةٍ تخشى أن تُساء قراءتها في اللحظة التالية.
المرشد هنا لم يعد شخصًا، بل وظيفةً رمزية تتوزع بين طبقاتٍ من التأويل، كأنه مركز ثقلٍ غير مرئي يحاول أن يمنع العالم من الانزلاق الكامل نحو الفوضى أو نحو نظامٍ لا يمكن تفسيره بسهولة. لكن حتى الرموز، حين تُحمَّل أكثر مما تحتمل، تبدأ في التصدّع مثل زجاجٍ قديم لا يميز بين الضوء والانكسار.
في الشارع، كان شابٌ يقف أمام شاشة هاتفه، يتابع حركة المضيق كما لو كان يتابع نبض قلبٍ بعيد. لا يعرف إن كانت الأخبار تصنع الواقع أم أن الواقع يكتب أخباره بنفسه ثم يرسلها إلينا لتأكيد وجوده. إلى جواره، كانت امرأة تشتري خبزًا لا يهتم بالعناوين، وكأن الحياة اليومية تصرّ على البقاء خارج المسرح مهما ارتفع ضجيج الخشبة.
المجاز هنا ليس زينة، بل طريقة اضطرارية للفهم. لأن المباشر صار خادعًا، ولأن كل تفسيرٍ سريع يبدو كأنه يخفي أكثر مما يشرح. لذلك تتكاثر الصور: البحر كعقلٍ مضطرب، الدولة كجسدٍ يحاول أن يتذكر أطرافه، الاقتصاد كحلمٍ يتغير كلما استيقظ.
وفي لحظةٍ ما، يبدو أن العالم كله يقف على حافة سؤالٍ واحد لا يحتاج إلى إجابة فورية: ماذا يحدث حين يصبح الطريق نفسه موضوعًا للتفاوض؟ حينها لا يعود التاريخ خطًا مستقيمًا، بل يتحول إلى دوائر صغيرة تتقاطع فيها الإرادات مع الخوف، والرغبة مع الحساب، واليقين مع ارتجاف المعنى.
مع ذلك، تستمر الحياة في التفاصيل الصغيرة: طفلٌ يركض خلف كرة، بائعٌ ينادي على بضاعته، عجوزٌ تعدّ الأيام دون أن تعترف بأنها تعدّها. هذه التفاصيل هي التي تمنع السرد من الانهيار، لأنها تذكّر العالم أن المعنى لا يُحتكر في البيانات الكبرى، بل يتوزع في الهامش الذي لا يظهر في نشرات الأخبار.
وفي
نهاية هذا المشهد المتشظي، لا يبقى سوى سؤالٍ واحد يطفو مثل حطامٍ خفيف
على سطح الماء: من يكتب موجهات المرشد حين تتغير خرائط القوة، وحين يصبح
البحر نفسه أكثر وعيًا من السياسة، وأكثر قسوةً من اللغة، وأكثر حيادًا من
كل من يدّعي فهمه؟.
_____
يوليو 2026م
حي الثورة - القضارف
