ديوان : أمريكانا

 أمريكانا

مصعب الرمادي

أمريكانا

_________________

 تحت القبة الزجاجية التي يطلق عليها البشر اسم القرن الحادي والعشرين،
لم تعد الكرة جسداً مستديراً من جلدٍ وهواء،
بل صارت نيزكاً أبيض يهبط كل أربعة أعوام ليعيد ترتيب خرائط المخيلة،
فتستيقظ القارات من سباتها الحجري،
وتخرج اللغات من خزائنها القديمة،
وتتذكر البشرية فجأة أنها كانت قبيلةً واحدة قبل اختراع الجوازات والأسلاك والحدود،
وأن الأرض نفسها ليست سوى ملعبٍ هائلٍ يدور في فراغٍ أكثر اتساعاً من جميع الإمبراطوريات.

في مكانٍ ما بين القضارف وتكساس،
كانت الريح تجر وراءها قطيعاً من الأعلام،
كأن رعاة البقر القدامى استبدلوا الخيول بالمنتخبات،
واستبدل الهنود الحمر سهامهم بأغانٍ إلكترونية،
بينما كانت الكرة تعبر الأطلسي مثل نبوءةٍ بيضاء،
لا تعرف الفرق بين راعٍ في البطانة ومبرمجٍ في وادي السيليكون،
ولا بين صيادٍ في الأمازون وعامل قطاراتٍ في تورونتو،
فالأساطير وحدها هي التي تمتلك هذه القدرة على محو المسافات.

الهجرة التي عبرت الصحارى والبحار والحدود،
تجلس في المدرج مرتدية ألف وجه،
وجهٌ إفريقي يبحث عن ظل شجرةٍ ضاعت منذ قرون،
ووجهٌ لاتيني يحمل في جيبه موسيقى المرافئ،
ووجهٌ آسيوي يشبه قطاراً سريعاً لا يتوقف،
ووجهٌ أوروبي مثقل بذاكرة الحروب،
فتكتشف الجماهير أن الأمم ليست جدراناً متجاورة،
بل أمواجٌ متداخلة في بحرٍ واحد.

المباراة ليست مباراة،
إنها مسرحية كونية يشارك فيها الممثلون دون أن يحفظوا النص،
المدافعون شعراء تراجيديون،
والمهاجمون أنبياء مراوغات،
وحراس المرمى حرّاس بواباتٍ أسطورية بين الوجود والعدم،
أما الحكم فليس سوى ساعةٍ بشرية تحاول عبثاً تنظيم الفوضى الجميلة،
بينما تضحك الكرة من الجميع،
لأنها الوحيدة التي تعرف نهاية الحكاية.

في القضارف،
كانت المقاهي تنمو ليلاً مثل فطرٍ سحري بعد مطرٍ استوائي،
تتدلى منها شاشات مضيئة كأقمارٍ اصطناعية محلية،
ويجلس الرجال والنساء والشباب والأطفال حولها،
كما لو أنهم يتحلقون حول نار القبيلة الأولى،
لكن النار هذه المرة مصنوعة من البكسلات والضوء،
وكل هدفٍ يسقط فيها يتحول إلى شرارةٍ جديدة في الذاكرة الجماعية.

لم تكن شاكيرا في المخيلة الشعبية مجرد مغنية،
بل طائراً استوائياً هرب من غابات الكاريبي ليبني عشه فوق المدرجات،
ولم تكن تايلور سويفت مجرد نجمة،
بل سحابةً من الأغاني تحوم فوق المحيطات،
أما بيونسيه فكانت تظهر في الحكايات كملكةٍ خرجت من معبدٍ فرعوني،
وأضاعت طريقها بين ناطحات السحاب،
فوجدت نفسها تغني لجمهورٍ جاء من جميع الجهات الأصلية للريح.

في الجهة الأخرى من الأسطورة،
كان الأدب يحجز مقاعده مبكراً،
فيجلس والت ويتمان بين عمال الموانئ والطلاب والمزارعين،
ويجلس إرنست همنغواي قرب صيادٍ عجوز جاء من خليج المكسيك،
بينما يطل غابرييل غارثيا ماركيز من نافذةٍ غير مرئية،
ويرسل فراشاته الصفراء لتراقب التسلل والركلات الركنية،
كأن الواقعية السحرية قررت أخيراً أن تصبح قانوناً رسمياً لكرة القدم.

المدينة الأمريكية لا تظهر كمدينة،
بل ككائنٍ هائل من الزجاج والأسلاك والأحلام،
تتغذى على الكهرباء والبيانات،
وتنبت من كتفيها ملاعب بحجم الأساطير،
وتجري في عروقها قطارات ومترو وأنفاق،
بينما تنعكس على جدرانها وجوه البشر القادمين من كل مكان،
فتبدو كأنها مرآة عملاقة للعالم،
أكثر منها مكاناً جغرافياً محدداً.

وسائل الإعلام تخرج من شاشاتها كأسراب جرادٍ ضوئي،
تحمل صور اللاعبين إلى أقاصي الأرض،
فتتحول المراوغة إلى عقيدة بصرية،
والهدف إلى ملحمة قصيرة،
والاحتفال إلى رقصة تتعلمها المدن البعيدة،
حتى يصبح اللاعب أكبر من عمره الحقيقي،
وأقرب إلى أسطورةٍ شعبية تتناقلها الأجيال.

أما الهوية،
ذلك الطائر المتعب الذي عبر ألف مطار،
فلم يعد يجد مكاناً مستقراً ليحط فيه،
فيقف مرة فوق علم،
ومرة فوق أغنية،
ومرة فوق صورة عائلية قديمة،
ثم يكتشف أخيراً أن الانتماء الإنساني الأوسع
ليس نفياً للوطن،
بل ظلاً أكبر للشجرة نفسها.

في الليالي التي تسبق المباراة النهائية،
كانت القارات تتبادل أحلامها كما يتبادل الأطفال البطاقات الملونة،
فتستعير إفريقيا بعض ثلوج كندا،
وتستعير أوروبا بعض شمس المكسيك،
وتستعير أمريكا الجنوبية بعض ضباب الشمال،
بينما تقف آسيا في المنتصف مثل مهندسٍ عجوز،
يحاول إصلاح الساعة الكونية التي نسميها العالم.

وعندما تقترب الكأس من يدٍ واحدة،
يتذكر الجميع أن الذهب ليس هو الجائزة الحقيقية،
فالكأس مجرد مرآة مصقولة،
أما الجائزة الكبرى فهي تلك اللحظة النادرة
التي تنجح فيها البشرية،
رغم حروبها وخلافاتها وأوهامها الكثيرة،
في الجلوس حول حلمٍ واحد،
ولو لساعات قليلة فقط.

 

 في صباحٍ ضبابيٍّ خرج من بين صفحات الأطالس المدرسية،
استيقظت القارات على صوت صفارةٍ لا يسمعها إلا الحالمون،
ففتحت إفريقيا نوافذ أنهارها،
وأيقظت أمريكا الجنوبية ببغاواتها الخضراء،
وأرسلت آسيا قوافل من الشاشات المضيئة،
بينما راحت أوروبا تمشط شعر ذاكرتها الطويل،
وكانت الكرة وحدها تعرف أن العالم يتجه نحو موعدٍ لا يشبه إلا نفسه،
موعدٍ يختلط فيه التاريخ بالإعلان التجاري،
والأسطورة بإحصائيات البث المباشر.

في القضارف،
لم تكن المقاهي تنتظر المباريات فقط،
بل كانت تنتظر نفسها أيضاً،
تنتظر النسخة الجديدة من أحاديثها القديمة،
حين يجلس مزارع السمسم إلى جوار طالب الهندسة،
ويجلس سائق الحافلة إلى جوار شاعرٍ فقد دفتره منذ سنوات،
فيصبح تحليل خطة اللعب باباً خلفياً للحديث عن الاقتصاد،
ويصبح الحديث عن المهاجمين ذريعةً للحديث عن الهجرة،
وكأن الكرة تعلم الناس كيف يناقشون العالم دون أن يعلنوا ذلك.

من بعيد،
كانت نيويورك تبدو كقصرٍ من المرايا،
ولوس أنجلوس كحديقةٍ زرعت فيها الكاميرات بدل الأشجار،
وميامي كسمكةٍ استوائية تسبح بين الضوء والمحيط،
أما مكسيكو سيتي فكانت تشبه طبقةً جيولوجية من الحضارات،
تنام فوقها الأزتيك وتحلم من خلالها الأقمار الصناعية،
بينما كانت تورونتو وفانكوفر تلمعان كنجمتين شماليتين
في معطف القارة البارد.

السكان الأصليون لم يغادروا المشهد كما ظن المؤرخون،
بل اختبأوا داخل أسماء الأنهار والجبال والرياح،
وحين اقترب المونديال من القارة،
خرجوا من الذاكرة مثل غزلانٍ أسطورية،
يحملون ريش النسور وأغنيات النار الأولى،
وينظرون بدهشة إلى الملاعب الحديثة،
كما لو أنهم يشاهدون أبناء المستقبل يلعبون فوق أحلام الأجداد.

العولمة،
هذه الإمبراطورة ذات الألف وجه،
دخلت المدرجات مرتديةً قمصان الرعاة الرسميين،
لكنها فوجئت بجموع الشعوب وهي تحمل أطعمتها الشعبية،
وأغانيها المحلية،
وأمثالها القديمة،
فاكتشفت أن العالم لا يذوب بسهولة كما تتخيل الأسواق،
وأن لكل أمةٍ حجراً صغيراً تخبئ فيه روحها،
بعيداً عن المصانع الكبرى للتماثل.

في مكانٍ ما بين الشاشة والهتاف،
ولد نوعٌ جديد من البشر،
نصفه من لحمٍ ودم،
ونصفه من إشعارات ورسائل وصور،
يشاهد المباراة في الملعب وفي الهاتف معاً،
ويعيش اللحظة مرتين،
مرةً بعينيه،
ومرةً عبر الخوارزمية التي تخبره بما يجب أن يشعر به،
حتى صار السؤال الجديد:
من يشاهد المباراة حقاً؟
الإنسان أم ظله الرقمي؟

كان الشرق الأوسط يمر فوق الشاشات مثل قافلةٍ من المرايا،
تعكس صور الحروب والهدنات والموانئ والطاقة والهجرات،
بينما يمر الخليج كمدينةٍ من الضوء لا تنام،
وتظهر إفريقيا كأمطارٍ موسمية تعبر الحدود بلا جواز سفر،
فتدرك المقاهي في شرق السودان أن المباراة الواحدة
قد تحتوي العالم كله داخل تسعين دقيقة،
إذا أُحسن النظر إليها.

في إحدى الزوايا السريالية للبطولة،
كانت الموسيقى تتنافس مع كرة القدم على جذب انتباه البشر،
فتخرج شاكيرا من موجةٍ كاريبية،
وتظهر بيونسيه من معبدٍ ضوئيٍّ معلق بين السحاب،
وتعبر تايلور سويفت مثل قطارٍ من الأغنيات،
ويأتي دريك من جهة البحيرات الشمالية،
بينما يلوح برونو مارس كنيزكٍ راقص،
فتتحول حفلات الافتتاح والختام في المخيلة الشعبية
إلى كرنفالٍ يتزوج فيه الصوت بالضوء.

حتى النجوم السينمائيون بدوا كأنهم شخصيات خرجت من الروايات،
فليوناردو دي كابريو يشبه بحاراً نجا من غرقٍ طويل،
وتوم هانكس يشبه ساعي بريدٍ يحمل رسائل القارات،
ومورغان فريمان يبدو كأنه شجرةٌ حكيمة تتكلم،
أما سلمى حايك فتظهر كأميرةٍ قديمة من أساطير الشمس،
جميعهم يجلسون في المدرجات المتخيلة،
كأن الثقافة العالمية كلها جاءت لتشهد المباراة.

وفي قلب كل هذا،
كانت كرة القدم تواصل عملها السري،
تجمع المختلفين حول طقسٍ واحد،
وتقنع المؤمن والملحد،
والفقير والغني،
والقروي وساكن الأبراج،
أن يصرخوا بالفرح نفسه عند الهدف،
وكأن الإنسانية تمتلك لغةً خفيةً لا تظهر إلا حين تتدحرج الكرة.

هناك من رأى البطولة سوقاً ضخمة للأموال،
وهناك من رآها معرضاً عالمياً للثقافات،
وهناك من رآها مختبراً للعولمة،
لكن طفلاً في أحد أحياء القضارف
كان يراها شيئاً أبسط من كل ذلك:
كرةً صغيرةً تستطيع أن تجعل الكبار ينسون خلافاتهم لبعض الوقت،
وهذه معجزة لا تحققها السياسة كثيراً.

كانت الإعلانات ترتفع فوق الملاعب كآلهةٍ جديدة،
تعد الجماهير بالسعادة عبر الأحذية والمشروبات والشعارات،
لكن في الأزقة البعيدة،
كان الناس ما يزالون يصنعون سعادتهم القديمة
من مقعدٍ خشبي،
وصديقٍ وفي،
ومباراةٍ جميلة،
ولهذا ظلت الذاكرة الشعبية تقاوم،
كما تقاوم الأعشاب شقوق الإسفلت.

وفي الليالي الأمريكية الطويلة،
كانت الأقمار الصناعية تدور فوق الأرض
مثل رعاةٍ سماويين يراقبون القطيع البشري،
تنقل الضحكات والدموع والأهداف من قارة إلى أخرى،
حتى بدا الكوكب كله شاشةً واحدة،
وبدت المدن نقاطاً مضيئة داخل حلمٍ جماعيٍّ هائل،
يحاول البشر من خلاله أن يتذكروا أنهم ينتمون إلى المصير نفسه.

أما الشعر،
فلم يجلس في المدرجات هذه المرة،
بل تسلل إلى غرفة تقنية الفيديو،
وأخذ يراجع اللقطات البطيئة للمشاعر،
لا للأهداف،
كان يبحث عن اللحظة التي يتحول فيها الخوف إلى شجاعة،
والشك إلى يقين،
والهزيمة إلى درسٍ طويل،
ليثبت أن أجمل ما في الرياضة
ليس الفوز،
بل ما تكشفه عن النفس البشرية.

وحين اقتربت النهاية،
بدت الكأس الذهبية أصغر مما تخيل الجميع،
بينما بدا العالم أكبر،
فهم الناس أن قيمة البطولة لا تسكن المعدن اللامع،
بل في ملايين الحكايات التي ولدت حوله،
وفي الغرباء الذين صاروا أصدقاء،
وفي المدن التي تعرّفت إلى بعضها،
وفي الأحلام التي وجدت طريقها عبر الشاشات والحدود واللغات.

عندها فقط،
فهمت القضارف وهي تراقب الليل فوق سهولها،
أن المونديال ليس بطولة تقام في أمريكا الشمالية فحسب،
بل نهرٌ كونيٌّ تمر مياهه عبر كل بيتٍ ومقهى ومدينة،
وأن الكرة التي بدأت رحلتها في ملعبٍ بعيد،
انتهت وهي تدور داخل ذاكرة العالم كله.

 

 في منتصف الليل،
حين تنام البورصات وتغفو المطارات وتتباطأ المصاعد الزجاجية،
تواصل الكرة وحدها دورانها داخل أحلام البشر،
تمر فوق أسرة الأطفال في القضارف،
وفوق ناطحات السحاب في مانهاتن،
وفوق قوارب الصيادين في الكاريبي،
كأنها قمرٌ بديلٌ استقال من وظيفته الفلكية القديمة،
وقرر أن يعمل جامعاً للأرواح المتناثرة.

في أحد المقاهي،
كان رجلٌ مسنٌّ يتحدث عن مباراةٍ لم تُلعب بعد،
كما يتحدث الأنبياء عن المستقبل،
ويقاطعه شابٌ يتابع الإحصاءات على هاتفه،
فتتشاجر النبوءة مع الخوارزمية فوق طاولةٍ صغيرة،
بينما يضحك بائع الشاي،
لأنه يعرف أن الكرة ما تزال تحتفظ بحقها الأبدي
في خيانة جميع التوقعات.

الأعلام التي ترفرف فوق الملاعب
ليست قطع قماش كما تبدو،
إنها طيورٌ مهاجرة من نوعٍ خاص،
تحمل ذاكرة الحروب والانتصارات والمجاعات والثورات والأغنيات،
وحين تجتمع في بطولة واحدة،
تبدو السماء كأنها مكتبةٌ هائلة،
تتصفح فيها الرياح سير الأمم صفحةً صفحة.

في الشاشات العملاقة،
تتضخم الوجوه حتى تصبح بحجم الأساطير،
ويتحول اللاعب إلى قارةٍ مستقلة،
وتتحول دمعة المشجع إلى محيط،
أما الهدف فيصبح زلزالاً عاطفياً
تقيسه القلوب لا أجهزة الرصد،
فتكتشف البشرية أن المشاعر أيضاً
لها جغرافيا خفية.

كانت أمريكا الشمالية تفتح أبوابها للعالم
كما تفتح الرواية الضخمة صفحاتها الأخيرة،
فتخرج منها القطارات والطرق السريعة والموانئ والمطارات،
وتسير نحوها شعوب الأرض،
لا كغزاةٍ ولا كسياحٍ فقط،
بل كحجاجٍ معاصرين
يقصدون معبداً جديداً اسمه الملعب.

هناك،
في مكانٍ ما بين المكسيك وكندا والولايات المتحدة،
كانت الحدود ترتبك للحظة،
وتنسى واجبها التقليدي،
فتسمح للأغاني بالعبور دون تأشيرة،
وللضحكات بالمرور دون تفتيش،
وللأحلام بأن تنتقل من لغةٍ إلى أخرى
من دون أن تفقد معناها.

لم تعد نيويورك مدينةً فقط،
بل صارت مرآةً كونية،
تعكس وجوه القارات الست دفعةً واحدة،
بينما كانت لوس أنجلوس تبدو كاستوديو ضخم
قرر أن يصور فيلماً بعنوان الإنسانية،
وكانت ميامي ترقص على إيقاع الأمواج،
في حين كانت مكسيكو سيتي
تستخرج من طبقاتها القديمة أصوات الأزتيك
وتضعها وسط الموسيقى الإلكترونية.

في القضارف،
كانت المقاهي الصغيرة تتمدد في الخيال
حتى تصبح أكبر من الملاعب نفسها،
كل طاولةٍ جمهورية مستقلة،
وكل كرسيٍّ منصة تحليل،
وكل شاشةٍ سفارةً لقارة بعيدة،
حتى بدا أن شرق السودان كله
يعيد اختراع العالم من جديد
بواسطة أكواب الشاي وتعليقات المشجعين.

وكانت الأحاديث تقفز من لاعبٍ إلى آخر،
ثم من الاقتصاد إلى الشعر،
ثم من السياسة إلى الأغاني،
وكأن المونديال حفرةٌ سحرية
تسقط فيها الموضوعات المختلفة
فتخرج مترابطةً على نحوٍ غامض،
كما لو أن العالم كله آلة موسيقية واحدة
تعزف بأوتار متعددة.

الإعلام الرقمي لم يعد ناقلاً للحدث،
بل شريكاً في صناعته،
فكل هاتفٍ محمول أصبح محطة بث،
وكل مشجعٍ مراسلاً ميدانياً،
وكل صورةٍ بذرةً لسردية جديدة،
حتى صار من الصعب معرفة
أين تنتهي المباراة
وأين تبدأ الحكاية التي تُروى عنها.

في مكانٍ ما فوق السحاب،
كانت الأقمار الصناعية تشبه رعاة بقرٍ فضائيين،
يحرسون قطعان الإشارات الإلكترونية،
ويرسلونها نحو الصحارى والغابات والجزر والجبال،
كي لا يفوت أحداً الهدف،
وكأن البشرية كلها أصبحت جمهوراً واحداً
يجلس في مدرجٍ كوكبيٍّ هائل.

أما الاقتصاد،
فكان يتجول بين الجماهير
مرتدياً معطفاً من العملات والأسهم والعقود،
يبيع الذكريات على هيئة قمصان،
ويحول الحنين إلى منتجات،
ويحول الشغف إلى أرقام،
لكن طفلاً يركل كرةً من القماش
كان يفسد عليه المعادلة كلها،
ويعيد اللعبة إلى براءتها الأولى.

في حفل الافتتاح المتخيل،
كانت شاكيرا تخرج من جناح طائرٍ استوائي،
وتخرج بيونسيه من شمسٍ ذهبية،
وتعبر تايلور سويفت جسراً من الأغنيات،
ويظهر دريك من ضباب البحيرات الشمالية،
بينما يدور برونو مارس حول المسرح
مثل كوكبٍ صغير من الإيقاع،
فتتحول الموسيقى إلى قارةٍ إضافية
أضيفت مؤقتاً إلى خريطة العالم.

وفي حفل الختام،
كانت الأصوات تتشابك كأنهارٍ تلتقي في مصب واحد،
وتتداخل الأضواء مع الأعلام،
وتخرج المدن من حدودها الخرائطية،
لتصبح مجرد أسماءٍ لعواطف مشتركة،
بينما تجلس البشرية كلها
في الصف الأول من الاحتفال.

كان والت ويتمان يتجول بين المدرجات المتخيلة
جامعاً أوراق العشب المتساقطة،
ويجلس إرنست همنغواي قرب حارس مرمى مهزوم
ليحدثه عن الشجاعة،
أما غابرييل غارثيا ماركيز
فكان يطلق فراشاته الصفراء فوق الملعب،
فتختلط قوانين التسلل
بقوانين الواقعية السحرية.

هناك،
لم تعد المباراة حدثاً رياضياً،
بل نصاً مفتوحاً للتأويل،
يقرأه الفيلسوف بطريقة،
ويقرأه الاقتصادي بطريقة،
ويقرأه الطفل بطريقة ثالثة،
أما الشعراء
فيقرأونه كأنهم ينظرون إلى الكون
عبر ثقب إبرة.

في النهاية،
حين تبدأ الجماهير بالرحيل،
وتعود الأضواء إلى صمتها،
وتعود الكأس إلى خزائنها،
يبقى شيءٌ واحد خارج الحسابات:
ذلك الإحساس الغامض
بأن البشر،
رغم كل ما يفصل بينهم،
ما زالوا قادرين على الاجتماع حول حلمٍ صغير
يتدحرج فوق العشب.

وعندما تستيقظ القضارف بعد انتهاء البطولة،
ستجد أن شيئاً ما قد تغير،
ليس في الملاعب وحدها،
بل في طريقة نظر الناس إلى العالم،
فقد مرت القارات من هنا،
ومرت اللغات والأغاني والأساطير،
وتركت خلفها غباراً مضيئاً
لن تمحوه السنوات بسهولة.

وهكذا تنتهي الحكاية،
لكن الكرة لا تنتهي،
تواصل دورانها بين الأزمنة،
وتعبر من مونديالٍ إلى آخر،
حاملةً معها ذاكرة البشر،
كما يحمل النهر ظلال المدن التي مر بها،
وكما يحمل الشعر آثار الأصوات
التي ظنت يوماً أنها اختفت.

_____

أبريل 2026م

استاد القضارف

تعليقات

المشاركات الشائعة