ديوان : الليطاني يصعد جبل التاكا حافيا

 
    

 الليطاني يصعد جبل  التاكا حافيا     

  

 

 

   

مصعب الرمادي

الليطاني يصعد جبل التاكا حافياً

__________________
 الكتاب : الليطاني يصعد جبل التاكا حافياً
الكاتب : مصعب الرمادي
تاريخ الطبع : مايو2025م
حقوق الطبع والتأليف محفوظة للمؤلف 

_____________________

*  إلى : علا غانم 

___________________________________________

الليطاني يصعد جبل التاكا حافيًا،
كأنه نهرٌ أضاع ضفافه في زحمة الخرائط،
يحمل في جرابه طحالبَ قديمةً
ورسائلَ مبتلةً لم تصل إلى أحد.
في السفح كانت أشجارُ الهجليج
تعدُّ أسماء الغيوم المهاجرة،
وكانت السحالي الخضراء
تخرج من شقوق الصخر
لتصغي إلى حكاية الماء
الذي جاء من جهةٍ لا تعرفها الطيور.

الليطاني لا يعرف شرق السودان،
لكنه رأى ذات ليلةٍ
قافلةً من اليمام تعبر فوقه،
فظنّ أن السماء تبدّل أنهارها.
عندئذٍ فتح النهرُ نافذةً في صدره،
وأطلق أسرابًا من السنونو
كانت نائمةً منذ ألف عام
في كتابٍ منسيٍّ
بين الرمل والمطر.

على كتف التاكا
جلست أفعى عجوز
تراقب دوران العالم.
قالت للنهر:
كلُّ الحروب تشبه حجارةً تتدحرج من الجبال،
لكن الماء وحده
يعرف كيف يخبئ الندوب.
فأومأ الليطاني برأسه،
ومضى يصعد
كمن يبحث عن ظلِّه في الغيم.

في الوادي
كانت أشجارُ السنط ترفع أذرعها
مثل رهبانٍ خرجوا من أسطورةٍ منسية.
ومن بين الأغصان
هبط طائرُ هدهدٍ أزرق
يحمل في منقاره
قطعةً صغيرةً من القمر.
تركها عند عين ماء،
ثم اختفى
في دهاليز الريح.

كلما ارتفع الليطاني
تساقطت من ذاكرته مدنٌ كثيرة.
مدينةٌ من دخان،
وأخرى من ملح،
وثالثةٌ كانت مبنيةً
من أصداف السلاحف البحرية.
أما التاكا
فكان يبتسم بصمتٍ قديم،
كأنه يعرف أن الجبال
لا تسأل الأنهار عن أوطانها.

في الليل
خرجت الضباع من أحراش القضارف البعيدة،
لكنها لم تكن تبحث عن فريسة.
كانت تبحث عن أغنية
سقطت من حنجرة راعٍ مجهول.
حملت الأغنية على ظهورها،
وسارت بها نحو الشرق،
حيث كانت النجوم
تتدلى مثل فوانيس مهجورة.

هناك،
عند آخر صخرةٍ في الجبل،
وجد الليطاني عشَّ نسرٍ حجري.
كان العشُّ فارغًا
إلا من ريشةٍ واحدة
تلمع كالسيف.
وحين لمسها الماء
تحولت إلى شجرة دومٍ عملاقة
امتلأت بأصوات الغرباء.

في الفجر
مرت زرافةٌ من الحلم،
ترعى السحب المنخفضة.
كانت رقبتها تمتد
من كسلا إلى مجرةٍ بعيدة،
وكانت تقتطف من السماء
ثمارًا لا تنبت إلا في الأساطير.
أما النهر
فكان يتعلم منها
كيف يمكن للمسافات
أن تصبح أغنية.

عند منعطف الريح
وقف غرابٌ أبيض
على غصن تبلدي عتيق.
كان يقرأ بصوتٍ خافت
كتابًا من أوراق المطر.
كل صفحةٍ فيه
تتحول إلى سرب حمام،
وكل كلمةٍ
تصير جدولًا صغيرًا
يجري نحو المجهول.

وراء التاكا
كانت الصحراء تخلع قناعها الذهبي،
وتكشف عن وجهٍ من الطين.
ومن ذلك الوجه
خرجت آلاف السحالي المرقطة
تحمل مصابيح صغيرة.
راحت تدور حول النهر
كأنها نجوم هبطت من السماء
لتتعلم المشي على الأرض.

قالت شجرةُ سدرٍ للنهر:
لقد مرَّ هنا كثيرون،
ملوكٌ ورعاةٌ وعشاقٌ وضائعون،
لكن أحدًا لم يصعد الجبل حافيًا مثلك.
فابتسم الليطاني،
ونثر فوق جذورها
حفنةً من الضباب،
ثم تابع طريقه.

في الأعالي
كانت النسور تكتب دوائرها
فوق صفحة الهواء.
كل دائرةٍ
بابٌ إلى حكايةٍ أخرى،
وكل حكايةٍ
تؤدي إلى نهرٍ آخر
يصعد جبلًا آخر
في جهةٍ أخرى من العالم.

وحين اقترب من القمة
سمع الليطاني خريرًا غريبًا.
لم يكن ماءً،
بل أصوات الأشجار
وهي تحلم.
كانت أشجارُ الأكاسيا
تحلم بغاباتٍ تمشي،
وأشجارُ الدوم
تحلم بأجنحةٍ من ذهب،
والنهر يحلم
ببحرٍ لا نهاية له.

في الظهيرة
مرَّت سحابةٌ سوداء
تحمل على ظهرها قطيعًا من الغزلان.
قفزت الغزلان إلى السفح،
وتفرقت بين الأعشاب،
لكن واحدةً منها
بقيت قرب الماء،
تنظر إليه
كأنها تتذكر حياةً سابقة.

عند حافة القمة
فتح التاكا نافذته الأخيرة.
ومنها رأى الليطاني
الوديان والسهول والقرى البعيدة،
ورأى الطيور
ترسم خرائطها الخاصة
فوق الهواء،
ورأى أن العالم
أوسع من كل الأسماء.

هناك
جلس النهر ليستريح.
أخرج من جيبه
حفنةً من الحصى اللامع،
وزرعها في التراب.
وفي الصباح التالي
نبتت مكانها
أنهارٌ صغيرةٌ شفافة
تجري في جميع الاتجاهات.

وعندما غربت الشمس
تحول الجبل إلى مركبٍ عظيم،
وتحولت الأشجار إلى أشرعة،
وتحولت الطيور إلى بحارة.
أما الليطاني
فوقف عند المقدمة،
ينظر إلى الأفق،
كأنه يستعد لرحلةٍ جديدة
في كتابٍ لم يُكتب بعد.

في الليطاني الذي يعلو التاكا حافيًا
لم تكن الخرائط سوى أسراب لقالق ضلّت طريقها إلى الشتاء،
وكانت الحدود خيوطَ عنكبوتٍ
تتدلى بين غصنين من السنط،
كلما هبّت ريحٌ من جهة البحر
تمزقت الخيوط،
وعادت الطيور إلى لغتها الأولى،
لغة الماء حين ينسى أسماء الممالك.

رأيتُ النهرَ يحمل على ظهره
مدينةً من زجاجٍ أخضر،
كل نافذة فيها تنظر إلى غيمة،
وكل غيمة تحمل حكايةً عن أمٍّ
تفتش عن ابنها في دفاتر المطر.
وكانت أشجار الدوم
تتبادل الأخبار مع الغربان،
لكن الغربان كانت تنسى نصف الحكايات
وتدفنها تحت جذور الأشجار.

عند سفح التاكا
كانت الحرب تبدو بعيدةً مثل كوكبٍ منطفئ،
لكن صداها كان يصل مع العصافير المهاجرة.
كل عصفور يحمل ريشةً سوداء،
وكل ريشة تحمل ليلًا كاملًا،
وكل ليل يخفي وراءه
ألف نافذةٍ مفتوحة على المجهول.

في الوادي
خرجت سلحفاةٌ من أسطورة قديمة
وقالت للنهر:
لقد رأيتُ إمبراطورياتٍ من ملح،
ورأيتُ جيوشًا من غبار،
ورأيتُ راياتٍ تتبدل كألوان الحرباء،
لكنني لم أرَ شجرةً واحدة
تتخلى عن ظلها.
فصمت الليطاني طويلًا،
ثم أهدى السلحفاة ورقةً من الضباب.

كانت النسور تدور فوق القمة
كما تدور الأفكار الثقيلة في رأس شاعر.
تحتها
كانت الحشائش تنمو بإصرار،
وكان الجراد الذهبي
يعبر السهول كأنه يقرأ سفرًا قديمًا.
وحدها الصخور
كانت تعرف عدد المرات
التي تبدلت فيها أسماء الخوف.

في المساء
تحولت الأشجار إلى مناراتٍ صغيرة،
وتحولت الأفاعي إلى جداول من نحاس،
وتحولت الضفادع إلى أجراسٍ خضراء
تقرع أبواب المستنقعات.
أما النهر
فكان يصعد أكثر،
كأنه يبحث عن كلمةٍ ضاعت منه
في أول القصيدة.

ومن بعيد
جاءت زرافةٌ من جهة الحلم،
تجر خلفها قافلةً من النجوم.
كانت النجوم متعبة،
ومغطاة بغبار المسافات.
فغسلتها مياه الليطاني،
ثم علقتها على أغصان الهجليج،
فأضاءت السهول كلها
كأن الفجر قرر أن يولد ليلًا.

وعندما بلغ النهر شرفة التاكا العليا
رأى العالم أصغر من حبة سمسم،
ورأى الأنهار كلها
وهي تتبادل أقنعتها في الظلام.
هنالك فهم
أن الماء لا يحمل ذاكرة مكان واحد،
بل يحمل ذاكرة الأرض كلها،
وأن كل نهرٍ يصعد جبلًا
إنما يبحث عن اسمه الأول
قبل أن تكتبه الخرائط.

 

__

يونيو 2026م

السواقي الجنوبية - كسلا 


تعليقات

المشاركات الشائعة