ديوان : في مواجهة ليونيل ميسي

 في مواجهة ليونيل ميسي

مصعب الرمادي


في مواجهة ليونيل ميسي

_________________

في البدء لم تكن روزاريو مدينةً
بل كرةً من طينٍ أرجنتينيٍّ
تدحرجت فوق نهر بارانا
فانفلقت منها الشوارع والكلاب والعشاق وسماسرة الغبار
وكان طفلٌ قصير القامة
يحمل في جيبه ريشة عصفور
وفي دمه ارتباك المهاجرين الإيطاليين
وفي عينيه مرايا لا تعرف كيف تنام
وكان اسمه يخرج من أفواه الجدات
مثل تعويذةٍ ضائعة بين خبز المساء ورائحة المطر

كان الأب يجر عربات التعب
كأنما يجر قارةً كاملةً من الحديد
وكانت الأم تخيط النهار بخيوط الصبر
بينما يكبر الطفل
كحبة قمحٍ ضلت طريقها إلى الحقل
لم يكن يعرف أن جسده الصغير
يخفي وراء عظامه الضئيلة
أرشيفًا هائلًا من الأقدام الراقصة
وأن العالم سيقيس الزمن لاحقًا
بعدد المرات التي لامست فيها الكرة يسراه

في الأزقة الخلفية
كانت الكرات القديمة تتناسل كالنجوم
وكانت القطط تراقب المرمى
مثل فلاسفةٍ متقاعدين من خدمة الأساطير
وكان ميسي يراوغ الهواء نفسه
فيتعثر الهواء
وتبقى الكرة وحدها
تعرف الطريق إلى الجهات المستحيلة
كأنها سمكة فضية
تعلمت السباحة في صحراء

وحين اكتشف الأطباء هشاشة النمو
بدا الجسد كخريطة ناقصة
لكن القدر كان يخبئ هرمونًا آخر
لا يباع في الصيدليات
اسمه الرغبة
وكانت الرغبة تفتح له نوافذ سرية
في جدران الواقع
كلما أغلق العالم بابًا
فتحت له الكرة مجرةً جديدة

يتحدثون عن أصوله الإيطالية
كأن الدم دفتر أنسابٍ قديم
لكن الشعر يرى الأمر بطريقة أخرى
فجده جاء من سفينةٍ مصنوعة من الغيوم
وجدته خرجت من شجرة زيتون
تنام في خاصرة المتوسط
وحين التقيا
ولد بينهما طائرٌ أزرق
حمل اسمه عبر المحيط
حتى حط فوق روزاريو
وتحول إلى طفلٍ يركض خلف المعجزات

في المدارس
كان التلاميذ يحفظون الجغرافيا
بينما كان هو يحفظ انحناءات الكرة
وكان المعلم يشرح خرائط العالم
فيكتشف التلميذ الصغير
أن العالم كله يمكن اختصاره
في مساحة خضراء
وفي مستطيل أبيض
وفي ثانية واحدة
تفصل بين الموهبة والخلود

ثم جاءت برشلونة
مثل سفينةٍ كتالونية
أرسلت ذراعها عبر الأطلسي
لتنتشل الطفل من هشاشته
وكانت لا ماسيا
أشبه بديرٍ سريٍّ للرهبان الكرويين
حيث تتحول الأقدام إلى لغات
والتمريرات إلى صلوات
والأحلام إلى عقودٍ مكتوبة بحبر العشب

دخل الفتى المدينة
فارتبكت تماثيلها
كانت الشوارع تراه
فتخلع أسماءها القديمة
وكان البحر المتوسطي
يتابع تدريباته كل مساء
مثل ناقدٍ عجوز
يعرف أن شيئًا استثنائيًا
يتشكل خلف الأفق

كبرت الموهبة
كما تكبر الحرائق في غابات الأساطير
وصارت الكرة تطيعه
بطاعة الماء للقمر
لم يعد يركض نحو المرمى
بل صار المرمى نفسه
يركض نحوه
وكان المدافعون
يتحولون في ذاكرته
إلى أثاثٍ مؤقت
في منزل الحركة الدائمة

ثم ظهر كريستيانو رونالدو
من الضفة الأخرى للحلم
كأن كرة القدم قررت
أن تخلق جبلين بدل جبلٍ واحد
كان البرتغالي نارًا هندسية
وكان الأرجنتيني ماءً سحريًا
أحدهما ينحت المستحيل بالقوة
والآخر يذيب الحدود بالخيال
وبينهما
عاشت اللعبة أجمل حروبها السلمية

قال النقاد إن ميسي صامت أكثر مما ينبغي
وقال آخرون إنه لا يشبه القادة التقليديين
وقال بعضهم إنه اختبأ أحيانًا
في دهاليز المباريات الكبرى
وقالوا إن عبء العبقرية
جعل الفرق تدور حوله أكثر مما يجب
وقالوا إن دفاعه أقل من هجومه
وإن هدوءه يشبه الغياب
لكن العباقرة غالبًا
يتكلمون بلغة لا يسمعها الجميع

وفي ليالي المجد
كان يحمل الكرة
كما يحمل ناسكٌ مصباحه الأخير
ويمر بين المدافعين
فتتساقط من جيوبهم قوانين الفيزياء
وتتبعثر الخرائط التكتيكية
وتهاجر البوصلات من أماكنها
كأن العالم
يعاد اختراعه من جديد
داخل نصف متر من العشب

لم يكن يبحث عن الخلود
فالخلود هو الذي كان يطارده
مثل ظلٍ أزرق
خرج من طفولته في روزاريو
وظل يكبر معه
عبر الملاعب والقارات والكؤوس
حتى صار اسمه
علامةً مائية
في ذاكرة القرن الحادي والعشرين
وصار الطفل الذي كان يخاف من النقص
واحدًا من أكثر وجوه الاكتمال
إثارةً للحيرة في تاريخ اللعبة.

 

وكانت غرف الملابس
تشبه جمهورًا صغيرًا من الأقنعة
كل لاعبٍ يخلع خوفه مع القميص
ويعلق أحلامه على مسمارٍ صدئ
إلا ميسي
كان يخبئ قلقه في الحذاء
ويترك للكرة مهمة الاعتراف
فإذا دارت بين قدميه
انفتحت فجأةً خزائن الليل
وتدفقت منها أسرار الملاعب

في برشلونة
لم يكن العشب أخضر تمامًا
كان أزرق وأحمر أيضًا
وكانت الجماهير تنام في الحناجر
وتستيقظ في المدرجات
وحين يلمس الفتى الكرة
تتبدل وظائف الأشياء
فتصبح الصفارات عصافير
والإعلانات التجارية غابات
والدقائق سلالم من ضوء
يصعد عليها الزمن نحو الأسطورة

يتحدثون عن حياته الخاصة
كما يتحدث البحارة عن قارة غارقة
يريدون معرفة ما وراء الأبواب
لكن الأبواب لا تقول شيئًا
كان الرجل يحيط أسرته
بسياجٍ من الصمت
كأن الشهرة إعصار
والعائلة آخر شجرة
بقيت واقفةً في الحقل

أنطونيلا تمر أحيانًا
في المرايا الشعرية للمطولة
فتبدو كنافذةٍ مفتوحة
في بيتٍ مزدحم بالعدسات
رفيقة الطفولة
التي عبرت معه المسافات
من الأزقة الصغيرة
إلى قصور الضوء العالمية
ومن صور الذكريات الباهتة
إلى أرشيف المجد الإلكتروني

الأبناء الثلاثة
لا يظهرون هنا كأسماء
بل كطيورٍ صغيرة
تحط فوق كتفيه
كلما أثقلته الكؤوس
وتذكره بأن العالم
أكبر من كرة القدم
وأن الضحكة العابرة
قد تكون أهم من نهائيٍ عالمي

أما الصحف
فكانت كل صباح
تخترع له وجوهًا جديدة
مرةً قديسًا
ومرةً متهمًا
ومرةً إمبراطورًا
ومرةً طفلًا ضائعًا
لكن الرجل ظل يسير
في منتصف المتاهة
كمن يعرف أن الحقيقة
لا تعيش في العناوين

حين كان يسجل
تبدو الشباك كأنها تستقبل رسالة حب
كتبتها قدمٌ يسرى
إلى مدينةٍ مجهولة
وكان الحراس
يشاهدون الكرة تعبر
كما يشاهد الفلاسفة
فكرةً عظيمة
تفلت من أيديهم
في اللحظة الأخيرة

وجاءت سنوات المنافسة الكبرى
فانقسم العالم إلى معسكرين
معسكر يرى الجمال
في مراوغةٍ لا تفسر
ومعسكر يرى البطولة
في قفزةٍ أعلى من المستحيل
هناك كان رونالدو
يبني قصيدته من العضلات والانضباط
وهنا كان ميسي
يبني قصيدته من الخيال والانسياب
وكانت اللعبة تربح من الاثنين

إذا كان رونالدو
يشبه برجًا من الرخام
يرتفع فوق العواصف
فإن ميسي
يشبه نهرًا سريًا
يعبر تحت المدن
الأول يهزم العقبات
والثاني يجعل العقبات تنسى وجودها
الأول يقتحم الباب
والثاني يجعل الباب يفتح نفسه

قال بعض النقاد
إنه استفاد من منظومة برشلونة
وقال آخرون
إنه لم ينجح مبكرًا بما يكفي مع المنتخب
وقال بعضهم
إن صمته يربك الجماهير
وإنه لا يحب الأضواء كما ينبغي
وقال آخرون
إنه يبدو غائبًا حين يخسر
لكن العبقرية لا تأتي دائمًا
بالهيئة التي ينتظرها الناس

وكانت كوبا أمريكا
سنواتٍ طويلة
مثل جبلٍ بعيد
يراه المسافر ولا يبلغه
وكلما اقترب منه
ابتعد أكثر
حتى ظن البعض
أن اللعنة أبدية
وأن الحلم ولد ناقصًا
في دفتر المنتخب الأرجنتيني

ثم انكسر الزجاج
الذي كان يفصل الحلم عن الحقيقة
وفجأةً
خرجت الأرجنتين من متحف الحسرة
وارتدت ثياب الفرح
وصار ميسي
يحمل الكأس
كما يحمل فلاحٌ قديم
أول سنبلة نجت من الجفاف

لكن كأس العالم
ظل الكوكب الأكبر
في نظامه الشمسي
كانت قطر تقترب
مثل موعدٍ مكتوب
في دفتر القدر منذ عقود
وكانت الجماهير
تحمل أعصابها على أكفها
وتنتظر ما سيقوله التاريخ

وفي ليالي المونديال
بدت الكرة كأنها تعرف
أن هذا الفصل الأخير
من الرواية الطويلة
فكانت تعود إليه
كلما ضلت طريقها
وكانت الملاعب تميل نحوه
كما تميل الأشجار نحو الضوء
وكان الحلم يكتمل ببطء
مثل قمرٍ يصعد من البحر

حين رفع الكأس
لم تفرح الأرجنتين وحدها
بل فرحت طفولته أيضًا
وفرحت الأزقة القديمة
وفرح الطبيب الذي كتب تقرير النمو
وفرحت الأحذية المهترئة
التي ماتت على الطرقات
قبل أن تصل إلى المجد
وفرح ذلك الطفل
الذي لم يكن يعرف
أن العالم كله ينتظره

ومع ذلك
لم تتوقف الاعتراضات
فالعالم يحب الأبطال
لكنه يحب محاكمتهم أيضًا
قيل إنه محظوظ
وقيل إن الحكام أحبوه
وقيل إن الإعلام دافع عنه
وقيل إن بعض ألقابه
مدينةٌ لرفاقه أكثر منه
وقيل الكثير
حتى صار الضجيج نفسه
جزءًا من سيرته.

وفي مكانٍ ما
بين روزاريو والدوحة
بين الطفولة والخلود
بين الفشل والانتصار
يقف ميسي في هذه المطولة
لا بوصفه لاعبًا فقط
بل بوصفه حكايةً اجتماعية
عن الموهبة والهجرة والأسرة
والشهرة والانتظار
والإنسان الذي ظل يركض
داخل أسطورته الخاصة.

 

_____

أبريل 2026م

وزارة الشباب و الرياضة   - القضارف 

تعليقات

المشاركات الشائعة