ديوان : ضد الأمام علي
ضد الأمام علي
مصعب الرمادي
ضد الأمام علي
__________________
الكتاب : ضد الأمام علي
الكاتب : مصعب الرمادي
تاريخ الطبع : يونيو2026م
حقوق الطبع والتأليف محفوظة للمؤلف
_____________________
* إلى : علي المكابرابي
_________________________________________
في مَكَّةَ الَّتي تَصعَدُ كُلَّ لَيْلَةٍ عَلَى سُلَّمٍ مِنْ مَجازٍ،
رَأَيْتُ الكَعْبَةَ تَدُورُ حَوْلَ ظِلِّها،
لا حَوْلَ الأجسادِ الَّتي تُطَوِّفُ بِها،
وكانَتِ الحِجارَةُ تَتَبادَلُ سِرًّا قَديمًا
مَعَ النُّجومِ الَّتي هَرَبَتْ مِنْ كُتُبِ الفَلَك،
أمَّا الزَّمَنُ فَكانَ يَبِيعُ ساعاتِهِ
لِتُجَّارِ الخُلُودِ فِي سُوقِ الوَهْمِ.
كانَ عَلِيٌّ يَمُرُّ هُناكَ
لا كَرَجُلٍ مِنَ التَّاريخِ،
بَلْ كَفِكْرَةٍ ضَلَّتْ طَريقَها بَيْنَ المَجازِ وَالسُّلْطَة،
فَكُلُّ قَرْنٍ يَصْنَعُ لَهُ قِناعًا،
وَكُلُّ مَذْهَبٍ يَنْحَتُ لَهُ وَجْهًا جَدِيدًا،
حَتَّى صَارَتِ الوُجوهُ أَكْثَرَ مِنَ الرَّجُلِ،
وَصَارَ الرَّجُلُ أَقَلَّ مِنْ أَسْمائِهِ.
فِي شِعْبِ أَبِي طالِبٍ
كانَ الجُوعُ يَكْتُبُ لاهوتَهُ عَلَى جِلْدِ الأيَّامِ،
وكانَتِ العَصافيرُ تُهَرِّبُ الفُتاتَ
مِنْ خَزائِنِ الرَّحْمَةِ إلَى أَفْواهِ المُحاصَرين،
هُناكَ تَعَلَّمَ التُّرابُ
أَنَّ العَدالَةَ لا تُولَدُ مِنَ النَّصِّ وَحْدَهُ،
بَلْ مِنْ قُدْرَةِ الرُّوحِ عَلَى احْتِمالِ العَطَشِ.
ثُمَّ رَأَيْتُ المَدينَةَ
وَهِيَ تُفَكِّرُ بِصَوْتٍ عالٍ،
مَسْجِدٌ يَتَحَوَّلُ إلَى مَجَرَّةٍ،
وَمِئْذَنَةٌ تُجَرِّبُ أَنْ تَكُونَ شَجَرَةً،
وَأَسْئِلَةٌ تَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الأضْلُعِ
كَأَسْرابِ جَرادٍ ميتافيزيقيٍّ،
تَأْكُلُ حُدودَ اليَقينِ.
كانَتِ اللُّغَةُ هُناكَ
أَكْبَرَ مِنْ بَلاغَتِها،
فَالكَلِمَةُ الَّتي تَخْرُجُ مِنَ الفَمِ
تَعُودُ بَعْدَ أَلْفِ عامٍ
عَلَى ظَهْرِ تَأْويلٍ آخَرَ،
كَأَنَّ الحُروفَ لا تَمُوتُ،
بَلْ تُهاجِرُ بَيْنَ العُصورِ
مِثْلَ قَوافِلَ مِنْ مَعانٍ مُتَشَرِّدَةٍ.
فِي غَديرِ خُمٍّ
كانَ الماءُ يَسْتَمِعُ إلَى نَفْسِهِ،
وَكانَتِ الجُمْلَةُ الوَاحِدَةُ
تَنْقَسِمُ إلَى أَلْفِ جُمْلَةٍ،
كُلُّ عَصْرٍ يَسْكُنُهَا عَلَى طَريقَتِهِ،
وَكُلُّ مُؤَوِّلٍ يَضَعُ فَوْقَها
سَقْفًا جَدِيدًا مِنَ الظُّنونِ.
أَمَّا خَيْبَرُ
فَلَمْ أَرَهَا قَلْعَةً،
بَلْ رَأَيْتُها سُؤالًا عَنِ القُوَّةِ،
هَلْ يَحْمِلُ السَّيْفُ الحَقَّ؟
أَمْ يَحْمِلُ الحَقُّ السَّيْفَ؟
وَظَلَّ الحَديدُ يَتَأَمَّلُ صَدَأَهُ
كَفَيْلَسُوفٍ هَرِمٍ
يَراجِعُ أَخْطاءَ القُرونِ.
فِي اليَمَنِ
كانَتِ الجِبالُ تَتَعَلَّمُ الحِكْمَةَ
مِنْ صَبْرِ الرُّعاةِ،
وَكانَتِ الرِّياحُ تَحْمِلُ
أَخْبارَ البَحْرِ إلَى الصَّحْراءِ،
هُناكَ رَأَيْتُ المَعْرِفَةَ
وَهِيَ تَخْلَعُ عِمامَتَها،
لِتَكْتَشِفَ أَنَّ العَقْلَ أَيْضًا يَصَلِّي.
ثُمَّ جاءَتْ صِفِّينُ
كَساعَةٍ كَوْنِيَّةٍ مَكْسُورَةٍ،
لا تَقيسُ الوَقْتَ
بَلْ تَقيسُ انْقِسامَ الرُّوحِ،
وكانَ الفُراتُ يَجْرِي
بَيْنَ جَيْشَيْنِ مِنَ التَّأْويلِ،
لا بَيْنَ جَيْشَيْنِ مِنَ البَشَرِ.
أَمَّا الكُوفَةُ
فَكانَتْ مَدينَةً تَكْتُبُ نَفْسَها ثُمَّ تَمْحُوها،
وَتَبْنِي ذاكِرَتَها مِنْ أَنْقاضِ ذاكِرَةٍ أُخْرَى،
وَكُلَّما ارْتَفَعَتْ خُطْبَةٌ
هَبَطَ شَكٌّ جَدِيدٌ مِنَ السَّماءِ،
كَأَنَّ الحَقيقَةَ طائِرٌ بَرِّيٌّ
لا يَسْكُنُ القُفُصَ مَهْما اتَّسَعَ.
فِي النَّجَفِ
لَمْ أَرَ ضَريحًا،
بَلْ رَأَيْتُ مَكْتَبَةً لِلأَسْئِلَةِ المُؤَجَّلَةِ،
وَرَأَيْتُ التُّرابَ
يُراجِعُ سِيَرَ الإمْبِراطُورِيّاتِ،
وَيَبْتَسِمُ لِمُلُوكٍ
كانُوا يَظُنُّونَ أَنَّ الخُلُودَ
مِنْ حُقوقِ المُلْكِيَّةِ الخاصَّةِ.
وَفِي كَرْبَلاءَ
كانَ الرَّمْلُ يَتَكَلَّمُ
بِلُغَةٍ لا تَعْرِفُها القَواميسُ،
لُغَةٍ تَصْنَعُ مِنَ الدَّمِ مَرْآةً،
وَمِنَ المَرْآةِ سُؤالًا،
وَمِنَ السُّؤالِ مَدينَةً
يَسْكُنُها الحُزْنُ
كَأَنَّهُ نَبِيٌّ أَخِيرٌ لِلذَّاكِرَةِ.
أَنا ابْنُ مَكَّةَ الَّتي تَخْلَعُ جِلْدَها كُلَّ فَجْرٍ،
وَتَرْتَدِي ثَوْبًا جَدِيدًا مِنْ أَسْئِلَةِ الغُبارِ،
هُناكَ كَانَتِ الكَعْبَةُ تُرَبِّي ظِلَّهَا
فِي فِناءِ النُّجُومِ،
وَكَانَتِ الحِجارَةُ تُفَكِّرُ أَكْثَرَ مِنَ الفَلاسِفَةِ،
وَيَنْزِلُ اللَّيْلُ كَمُخْطُوطَةٍ مَبْلُولَةٍ بِالأَزَلِ،
تَنْتَظِرُ مَنْ يَقْرَأُهَا بِعَيْنَيْنِ مِنْ حَيْرَةٍ.
رَأَيْتُ الرَّجُلَ الَّذِي سَمَّوْهُ عَلِيًّا
يَخْرُجُ مِنْ كُلِّ كِتَابٍ بِوَجْهٍ مُخْتَلِفٍ،
مَرَّةً كَغَيْمَةٍ تُفَكِّرُ فِي العَدَالَةِ،
وَمَرَّةً كَسَيْفٍ يَشُكُّ فِي مَعْنَى الحَدِيدِ،
وَمَرَّةً كَنَهْرٍ يَنْسَى مَصَبَّهُ،
حَتَّى تَحَوَّلَتِ المَرَايَا إِلَى مَقَابِرَ،
وَتَحَوَّلَتِ المَقَابِرُ إِلَى مَرَايَا.
فِي شِعْبِ أَبِي طَالِبٍ
كَانَ الجُوعُ يَكْتُبُ أَوَّلَ شَرْحٍ لِلرُّوحِ،
وَكَانَتِ الظِّلَالُ تُقَاسِمُ الأَطْفَالَ خُبْزَهَا،
هُنَاكَ فَهِمَ التُّرَابُ
أَنَّ المَعْرِفَةَ لَيْسَتْ مَكْتَبَةً،
بَلْ جُرْحًا يُضِيءُ،
وَأَنَّ الحِكْمَةَ ابْنَةُ النُّدْرَةِ لا الوَفْرَةِ.
فِي المَدِينَةِ
كَانَ المَسْجِدُ يَتَّسِعُ لِلأَرْضِ كُلِّهَا،
ثُمَّ يَضِيقُ عَنْ سُؤَالٍ وَاحِدٍ،
وَكَانَتِ الأَعْمِدَةُ تُصَلِّي
لِشَيْءٍ لا اسْمَ لَهُ،
بَيْنَمَا يَمْشِي الزَّمَنُ
عَلَى عُكَّازٍ مِنْ نُبُوَّةٍ وَحِنِينٍ.
كَانَتِ الكَلِمَاتُ تَخْرُجُ مِنَ الأَفْوَاهِ
كَالعَصَافِيرِ المُرْتَبِكَةِ،
ثُمَّ تَعُودُ بَعْدَ أَلْفِ سَنَةٍ
عَلَى هَيْئَةِ مَعَارِك،
وَكَأَنَّ اللُّغَةَ غَابَةٌ
تَأْكُلُ أَشْجَارَهَا بِنَفْسِهَا،
وَتُسَمِّي ذَلِكَ تَارِيخًا.
فِي غَدِيرِ خُمٍّ
لَمْ أَرَ مَاءً،
بَلْ رَأَيْتُ زَمَنًا سَائِلًا،
يَتَشَظَّى فِي أَكْوَابِ التَّأْوِيلِ،
وَكُلُّ يَدٍ تَرْفَعُهُ
نَحْوَ سَمَاءٍ أُخْرَى،
حَتَّى أَصْبَحَتِ القَطْرَةُ
مُحِيطًا مِنَ الجَدَلِ.
كَانَتْ خَيْبَرُ
حُلْمًا لِلْحَدِيدِ،
وَكَانَ الحَدِيدُ يَحْلُمُ
بِأَنْ يُصْبِحَ فِكْرَةً،
لَكِنَّ الأَفْكَارَ أَيْضًا
لَهَا أَسْنَانٌ خَفِيَّةٌ،
وَلَهَا حُرُوبٌ لا تُرَى.
فِي اليَمَنِ
كَانَتِ الجِبَالُ تَكْتُبُ حِكْمَتَهَا
عَلَى أَكْتَافِ الرُّعَاةِ،
وَكَانَ الضَّبَابُ يَتَعَلَّمُ
مِنَ الوُدْيَانِ مَعْنَى التَّوَاضُعِ،
هُنَاكَ رَأَيْتُ العَقْلَ
يَشْرَبُ مِنْ بِئْرِ الغَيْبِ دُونَ خَوْفٍ.
وَفِي صِفِّينَ
كَانَ الفُرَاتُ يُفَكِّرُ بِصَوْتٍ مُرْتَفِعٍ،
وَكَانَ المَاءُ يَسْأَلُ المَاءَ:
لِمَاذَا يَنْقَسِمُ العَطَشُ
إِلَى رَايَتَيْنِ؟
وَلِمَاذَا تَتَكَاثَرُ الحُقُولُ
حَوْلَ جُثَّةِ الحَقِيقَةِ؟
وَلِمَاذَا يُشْبِهُ النَّصْرُ الهَزِيمَةَ؟
فِي النَّهْرَوَانِ
رَأَيْتُ اليَقِينَ
يَأْكُلُ أَصَابِعَهُ،
وَرَأَيْتُ الفِكْرَةَ
حِينَ تُغْلِقُ نَوَافِذَهَا،
تَتَحَوَّلُ إِلَى سِجْنٍ،
وَيَتَحَوَّلُ السِّجْنُ
إِلَى عَقِيدَةٍ مِنْ حَجَرٍ.
أَمَّا الكُوفَةُ
فَكَانَتْ سَاعَةً مَكْسُورَةً،
تُشِيرُ إِلَى جَمِيعِ الأَوْقَاتِ
فِي آنٍ وَاحِدٍ،
وَكَانَتِ الخُطَبُ
تَنْبُتُ فِي أَسْوَاقِهَا
كَمَا تَنْبُتُ الأَعْشَابُ
فَوْقَ قُبُورِ الأَسْئِلَةِ.
فِي النَّجَفِ
لَمْ أَجِدِ المَوْتَى،
بَلْ وَجَدْتُ أَفْكَارًا
تَتَظَاهَرُ ضِدَّ النِّسْيَانِ،
وَرَأَيْتُ التُّرَابَ
يُصَحِّحُ أَخْطَاءَ المُؤَرِّخِينَ،
ثُمَّ يَعُودُ صَامِتًا
إِلَى مِهْنَتِهِ الأَزَلِيَّةِ.
هُنَاكَ سَأَلْتُ الظِّلَّ:
مَا المَعْرِفَةُ؟
فَقَالَ:
هِيَ أَنْ تَفْهَمَ
أَنَّ النُّورَ لا يَعْرِفُ نَفْسَهُ
إِلَّا بِوَاسِطَةِ العَتَمَةِ،
وَأَنَّ العَقْلَ
يَحْتَاجُ إِلَى جُرْحٍ لِيَرَى.
وَسَأَلْتُ الرِّيحَ:
مَا الحُرِّيَّةُ؟
فَقَالَتْ:
هِيَ القَفَصُ
حِينَ يَحْلُمُ بِأَنَّهُ سَمَاءٌ،
وَهِيَ السَّمَاءُ
حِينَ تَشُكُّ فِي اتِّسَاعِهَا،
وَهِيَ الإِنْسَانُ
حِينَ يُفَاوِضُ قَدَرَهُ.
وَسَأَلْتُ الرَّمَادَ:
مَا الشَّرُّ؟
فَقَالَ:
إِنَّهُ الظِّلُّ
الَّذِي يَتَوَلَّدُ
حِينَ يُحَاوِلُ النُّورُ
أَنْ يَرَى نَفْسَهُ،
وَإِنَّهُ الدَّرْسُ
الَّذِي يَكْرَهُهُ الجَمِيعُ.
فِي كَرْبَلَاءَ
رَأَيْتُ الحُزْنَ
يَرْتَدِي دِرْعًا مِنْ أَغَانِي،
وَيَمْشِي فِي الصَّحْرَاءِ
كَأَنَّهُ نَبِيٌّ أَخِيرٌ،
يَدْعُو القُلُوبَ
إِلَى التَّذَكُّرِ
فِي زَمَنِ النِّسْيَانِ.
وَرَأَيْتُ الرَّأْسَ المَرْفُوعَ
فَوْقَ الرُّمْحِ
يَتَحَوَّلُ إِلَى مَجَرَّةٍ،
وَكُلُّ نَجْمٍ فِيهَا
تَأْوِيلٌ جَدِيدٌ،
وَكُلُّ تَأْوِيلٍ
يَحْمِلُ جُرْحَهُ الخَاصَّ.
فِي البَقِيعِ
كَانَتِ الأَسْمَاءُ
تَنْزَعُ عَنْهَا أَلْقَابَهَا،
وَتَجْلِسُ عَارِيَةً
أَمَامَ المَوْتِ،
فَالمَوْتُ نَاقِدٌ كَبِيرٌ
لا يَحْتَرِمُ المَذَاهِبَ،
وَلا يَعْتَرِفُ بِالأَنْسَابِ.
ثُمَّ جَاءَ القَرْنُ الحَادِي وَالعِشْرُونَ
بِأَقْمَارِهِ الصِّنَاعِيَّةِ،
وَخَوَارِزْمِيَّاتِهِ،
وَمُخْتَبَرَاتِ جِينَاتِهِ،
وَظَنَّ أَنَّهُ
اخْتَرَعَ المُسْتَقْبَلَ،
بَيْنَمَا كَانَ يُعِيدُ تَدْوِيرَ خَوْفِهِ القَدِيمِ.
رَأَيْتُ المُؤْمِنَ الجَدِيدَ
يَحْمِلُ هَاتِفَيْنِ،
وَثَلَاثَ شَاشَاتٍ،
وَأَرْبَعَةَ أَقْنِعَةٍ،
لَكِنَّهُ يَعْجِزُ
عَنْ حَمْلِ سُؤَالٍ وَاحِدٍ
إِلَى نِهَايَتِهِ.
يَعْرِفُ عَدَدَ المَجَرَّاتِ،
وَيَجْهَلُ عَدَدَ الفَرَاغَاتِ
فِي قَلْبِهِ،
يَقْرَأُ عَنِ الثُّقُوبِ السَّوْدَاءِ،
ثُمَّ يَبْحَثُ
عَنْ مَعْنًى صَغِيرٍ
لِيُضِيءَ بِهِ لَيْلَهُ الدَّاخِلِيَّ.
وَرَأَيْتُ الآلَةَ
تَحْلُمُ بِالرُّوحِ،
وَرَأَيْتُ الرُّوحَ
تَحْلُمُ بِالدِّقَّةِ الرَّقْمِيَّةِ،
وَبَيْنَهُمَا
كَانَ الإِنْسَانُ
يُضَيِّعُ كَلِمَةَ السِّرِّ.
هُنَاكَ فَهِمْتُ
أَنَّ المَعْرَكَةَ لَيْسَتْ
بَيْنَ شَخْصٍ وَشَخْصٍ،
وَلَا بَيْنَ مَذْهَبٍ وَمَذْهَبٍ،
بَلْ بَيْنَ الحَاجَةِ إِلَى اليَقِينِ،
وَالحَاجَةِ إِلَى الحُرِّيَّةِ،
وَبَيْنَ الخَوْفِ وَالمَعْنَى.
وَفِي آخِرِ اللَّيْلِ
رَأَيْتُ التُّرَابَ وَالرَّمَادَ
يَتَبَادَلَانِ كُتُبَ الحِكْمَةِ،
وَرَأَيْتُ الزَّمَنَ
يَطْوِي عَبَاءَتَهُ الكَوْنِيَّةَ،
وَيَقُولُ:
لَيْسَ المُهِمُّ مَنْ رَبِحَ التَّارِيخَ،
بَلْ مَنْ فَهِمَ وَهْمَهُ.
وَبَقِيَتِ الأَمْكِنَةُ كُلُّهَا
مَكَّةُ،
وَالمَدِينَةُ،
وَخَيْبَرُ،
وَغَدِيرُ خُمٍّ،
وَاليَمَنُ،
وَصِفِّينُ،
وَالنَّهْرَوَانُ،
وَالكُوفَةُ،
وَالنَّجَفُ،
وَكَرْبَلَاءُ،
لَيْسَتْ مُدُنًا،
بَلْ غُرَفًا دَاخِلَ الرُّوحِ،
يَدْخُلُهَا الإِنْسَانُ
كُلَّمَا أَرَادَ أَنْ يَفْهَمَ
مَنْ يَكُونُ.
ثمَّ دَخَلْتُ خَلِيجًا مِنَ النِّفْطِ وَالذَّاكِرَةِ،
فَرَأَيْتُ الآبَارَ تَضُخُّ التَّارِيخَ مَعَ البِتْرُولِ،
وَرَأَيْتُ المَدُنَ الزُّجَاجِيَّةَ
تُخْفِي تَحْتَ أَرْصِفَتِهَا
هَيَاكِلَ أَسْئِلَةٍ لَمْ تَمُتْ،
كَأَنَّ القَرْنَ الحَادِي وَالعِشْرِينَ
بَنَى قُصُورَهُ فَوْقَ بَرَاكِينَ القُرُونِ.
وَكَانَتِ الرَّايَاتُ تَتَكَاثَرُ
أَكْثَرَ مِنَ الطُّيُورِ المُهَاجِرَةِ،
وَكَانَ كُلُّ لَوْنٍ
يَزْعُمُ أَنَّهُ الوَرِيثُ الشَّرْعِيُّ لِلشَّمْسِ،
بَيْنَمَا الشَّمْسُ نَفْسُهَا
لَمْ تَعْرِفْ يَوْمًا
حُدُودَ المَذَاهِبِ.
فِي لُبْنَانَ
رَأَيْتُ الجَبَلَ يَحْمِلُ
أَكْثَرَ مِنْ ذَاكِرَةٍ وَاحِدَةٍ،
وَرَأَيْتُ البَحْرَ
يَجْمَعُ عَلَى شَاطِئِهِ
حُطَامَ السُّفُنِ
وَحُطَامَ السَّرْدِيَّاتِ الكُبْرَى.
هُنَاكَ كَانَتِ الطَّوَائِفُ
تُشْبِهُ سَاعَاتٍ مُخْتَلِفَةً،
كُلُّ وَاحِدَةٍ
تُؤَكِّدُ أَنَّهَا تَقِيسُ الوَقْتَ الصَّحِيحَ،
بَيْنَمَا الزَّمَنُ الحَقِيقِيُّ
كَانَ يَمْضِي بَعِيدًا
عَنْ جَمِيعِ العَقَارِبِ.
وَرَأَيْتُ الفِكْرَ العَلَوِيَّ
يَخْرُجُ مِنْ كُتُبِ الحِكْمَةِ،
ثُمَّ يَدْخُلُ مَمَرَّاتِ السِّيَاسَةِ،
فَيَفْقِدُ بَعْضَ أَجْنِحَتِهِ،
كَأَنَّ الفِكْرَ
حِينَ يَرْتَدِي دِرْعَ الدَّوْلَةِ
يَتَعَلَّمُ المَشْيَ بِعَرَجٍ.
لَمْ يَكُنِ الخِلَافُ
بَيْنَ التُّرَابِ وَالتُّرَابِ،
بَلْ بَيْنَ الصُّوَرِ
الَّتِي يَصْنَعُهَا البَشَرُ لِلذَّاكِرَةِ،
فَالصُّورَةُ
كُلَّمَا تَصَلَّبَتْ
ابْتَعَدَتْ عَنِ الأَصْلِ.
وَفِي سُوقٍ هُلامِيَّةٍ
بَيْنَ البَصْرَةِ وَبَيْرُوتَ
وَدِمَشْقَ وَبَغْدَادَ،
رَأَيْتُ التَّارِيخَ
يَبِيعُ نُسَخًا مُخْتَلِفَةً مِنْ نَفْسِهِ،
وَكُلُّ نُسْخَةٍ
تَعِدُ المُشْتَرِينَ بِالخَلاصِ.
أَمَّا فَارِسُ القَدِيمَةُ
فَلَمْ تَكُنْ مَمْلَكَةً فَقَطْ،
بَلْ مَكْتَبَةً مِنَ الرُّمُوزِ،
تَعَلَّمَتْ كَيْفَ تُحَوِّلُ الهَزِيمَةَ
إِلَى قِصَّةٍ،
وَالقِصَّةَ
إِلَى هُوِيَّةٍ تَبْقَى أَطْوَلَ مِنَ السُّيُوفِ.
وَأَمَّا العَرَبُ
فَكَانُوا يُحَاوِلُونَ
أَنْ يُقِيمُوا خَيْمَةً لِلْمَعْنَى
فِي صَحْرَاءِ التَّحَوُّلِ،
يَحْمِلُونَ مَعَهُمْ
حِنِينَ اللُّغَةِ
وَوَحْشَةَ الجُغْرَافِيَا.
فَالتَقَتِ الصَّحْرَاءُ بِالإِمْبِرَاطُورِيَّةِ،
وَالتَقَى البَدَوِيُّ
بِكَاتِبِ الدَّوَاوِينِ،
وَالتَقَى الشِّعْرُ
بِالأَرْشِيفِ،
وَمِنْ ذَلِكَ اللِّقَاءِ
وُلِدَتْ عَوَالِمُ جَدِيدَةٌ
مِنَ الإِسْلَامِ وَالتَّارِيخِ.
لَكِنَّ البَشَرَ
كَانُوا أَبْطَأَ مِنْ أَحْلَامِهِمْ،
فَكُلَّمَا ظَنُّوا
أَنَّهُمْ وَصَلُوا إِلَى الحَقِيقَةِ،
اِكْتَشَفُوا أَنَّهُمْ
وَصَلُوا فَقَطْ
إِلَى تَفْسِيرٍ جَدِيدٍ لَهَا.
وَرَأَيْتُ المُؤَرِّخِينَ
يَبْنُونَ أَبْرَاجًا مِنَ الحَوَاشِي،
وَيُقِيمُونَ مُدُنًا
فَوْقَ هَوَامِشِ المَخْطُوطَاتِ،
حَتَّى ضَاعَ النَّصُّ الأَوَّلُ
تَحْتَ جِبَالِ الشُّرُوحِ،
وَأَصْبَحَ الصَّدَى
أَعْلَى مِنَ الصَّوْتِ.
فِي الشَّرْقِ الأَوْسَطِ
كَانَ الجَمِيعُ
يَحْمِلُ جُرْحًا قَدِيمًا،
وَالجَمِيعُ
يَحْمِلُ حُلْمًا قَدِيمًا،
لَكِنَّ الجُرُوحَ
كَانَتْ أَسْرَعَ مِنَ الأَحْلَامِ
فِي اجْتِيَازِ الحُدُودِ.
وَكَانَ الإِسْلَامُ المُعَاصِرُ
يَنْظُرُ إِلَى نَفْسِهِ
فِي أَلْفِ مِرْآةٍ،
فَيَرَى أَلْفَ وَجْهٍ،
وَيَحْتَارُ:
أَيُّهَا أَقْرَبُ إِلَى الرُّوحِ؟
وَأَيُّهَا أَقْرَبُ إِلَى السُّلْطَةِ؟
وَرَأَيْتُ الفُقَهَاءَ
يَبْنُونَ جُسُورًا،
وَرَأَيْتُ غَيْرَهُمْ
يَبْنُونَ أَسْوَارًا،
وَكَانَتِ الكَلِمَةُ الوَاحِدَةُ
تَسْتَطِيعُ أَنْ تَكُونَ
مِعْوَلًا لِلْهَدْمِ
أَوْ حَجَرًا فِي بِنَاءِ المُصَالَحَةِ.
هُنَاكَ أَدْرَكْتُ
أَنَّ أَخْطَرَ الأَصْنَامِ
لَيْسَتْ مِنْ حَجَرٍ،
بَلْ مِنْ يَقِينٍ مُغْلَقٍ،
وَأَنَّ أَشَدَّ الحُرُوبِ
لَيْسَتْ حُرُوبَ الحُدُودِ،
بَلْ حُرُوبَ التَّخَيُّلِ.
فَكُلُّ جِيلٍ
يَرِثُ مِفْتَاحًا صَدِئًا،
وَيُقْسِمُ أَنَّهُ
مِفْتَاحُ الحَقِيقَةِ الوَحِيدُ،
بَيْنَمَا الحَقِيقَةُ
تُشْبِهُ مَدِينَةً
لَهَا أَلْفُ بَابٍ.
وَكَانَ عَلَى الأُفُقِ
يَمْشِي رَجُلٌ مِنْ ظِلَالِ الكُتُبِ،
لَا يَسْأَلُ:
مَنْ غَلَبَ؟
وَلَا يَسْأَلُ:
مَنْ خَسِرَ؟
بَلْ يَسْأَلُ:
كَمْ مَرَّةً خَسِرَ الإِنْسَانُ نَفْسَهُ
وَهُوَ يَبْحَثُ عَنْ يَقِينٍ نِهَائِيٍّ؟
وَكَانَ السُّؤَالُ
أَثْقَلَ مِنَ الجِبَالِ،
وَأَبْقَى مِنَ الإِمْبِرَاطُورِيَّاتِ،
وَأَقْدَمَ مِنَ الخِلَافِ نَفْسِهِ،
لِأَنَّهُ السُّؤَالُ
الَّذِي لَا يَكُفُّ عَنِ العَوْدَةِ:
كَيْفَ نَحْمِلُ الذَّاكِرَةَ
دُونَ أَنْ تَحْمِلَنَا هِيَ؟.
_________
يوليو 2024م
عمارة عمر البدووي - القضارف

تعليقات
إرسال تعليق