ديوان : نصوص سيدة الإليزية االأولى بريجيت ماكرون

نصوص سيدة الإليزية االأولى بريجيت ماكرون 

مصعب الرمادي

نصوص سيدة الإليزية الأولى بريجيت ماكرون

_________________

 

في ممرات الإليزيه التي تشبه متاهةً صنعتها ساعةٌ فرنسية عتيقة،
كانت امرأةٌ تجمع شظايا النهار من فوق السجاد الأحمر،
وتضعها في مزهريةٍ من ضوء،
كأن الزمن طائرٌ أصيب في جناحه فوق باريس،
وكأن القصر كله ليس سوى مرآةٍ ضخمة
تحاول أن تتذكر وجه فرنسا كل صباح.

كانت نوافذ السين تفتح حقائبها المائية عند الفجر،
فتخرج منها أسراب الكتب والرسائل والعشاق،
وتجلس المدينة على حافة النهر تمشط شعرها بالضباب،
بينما تعبر هي بين الأشجار
كفكرةٍ هاربة من رواية لم تكتمل،
تراقب تماثيل الرخام وهي تتبادل الأسرار
مع الحمام العائد من قرونٍ بعيدة.

في اللوفر،
كانت اللوحات تتثاءب ليلاً بعد انصراف الزوار،
وتنزل السيدات المرسومات من إطاراتهن القديمة،
ليتجولن في الردهات الفارغة،
وهناك كانت باريس الأخرى تظهر،
باريس التي لا تراها الكاميرات،
باريس التي تشبه حلماً مائلاً
يسير فوق كعبين من الضوء.

كلما دقت ساعة الجمهورية،
خرجت من الجدران أشباح القرون السابقة،
ملوكٌ وجنرالات وشعراء وفلاسفة،
يتجادلون حول مصير البلاد،
ثم يختفون فجأةً داخل المرايا،
كأن التاريخ الفرنسي بحرٌ من الأصوات،
وأن الحاضر مجرد قارب صغير
يعبر فوق أمواجه المضطربة.

كانت الحدائق المحيطة بالقصر
تخفي تحت عشبها خرائط غير مرئية،
تؤدي إلى عواصم بعيدة ومدن لم تولد بعد،
وكانت الأشجار العتيقة تحفظ أسماء العابرين،
كما تحفظ المكتبات أسماء الكتب،
فتبدو باريس كلها
ككائنٍ نباتي هائل
يفكر بالأوراق والأغصان.

في الليالي الممطرة،
كانت السماء تنحني فوق المدينة،
وتضع أذنها على أسطح المباني،
لتسمع همسات الشوارع القديمة،
وهناك تختلط أصوات السيارات
بخطوات الشعراء الراحلين،
حتى يصعب التمييز
بين القرن الحادي والعشرين والقرون الأخرى.

كانت المرايا المنتشرة في القاعات
أكثر صدقاً من المؤرخين أحياناً،
فهي لا تحفظ الوقائع فقط،
بل تحفظ القلق والانتظار والتردد،
وتحفظ الظلال الصغيرة التي تمر على الوجوه،
مثل غيومٍ عابرة فوق حقول القمح،
ثم تختفي دون أن يذكرها أحد.

باريس نفسها لم تكن مدينة،
بل آلةً ضخمة لصناعة الرموز،
تحول الجسر إلى استعارة،
والنافذة إلى قصيدة،
والمقهى إلى برلمان للأحلام،
وتحول العابر المجهول
إلى بطلٍ محتمل في روايةٍ قادمة،
لم يكتبها أحد بعد.

في صباحات الخريف،
كانت الأوراق الصفراء تتساقط على الأرصفة
كما تتساقط الرسائل القديمة من الذاكرة،
وتحمل معها روائح المدارس والكتب الأولى،
كأن العمر لا يمضي إلى الأمام،
بل يدور في دوائر واسعة،
ويعود متنكراً في هيئة مواسم جديدة.

هناك دائماً طائرٌ مجهول
يحلق فوق القصر عند الغروب،
لا يعرف علماء الطيور اسمه،
ولا يظهر في الخرائط،
لكنه يعود كل مساء،
كأنه مكلف بحراسة المسافة
بين الحلم والواقع.

في الممرات الطويلة،
كانت الثريات تتدلى مثل مجرات صغيرة،
وتنثر ضوءها على السجاد واللوحات والأبواب،
فيبدو المكان وكأنه سفينة فضائية
ضلت طريقها بين النجوم،
ثم هبطت مصادفةً
في قلب التاريخ الفرنسي.

وحين يهبط الليل تماماً،
وتنطفئ معظم النوافذ،
يبقى شيءٌ واحد مستيقظاً في المدينة:
ذلك الحوار الخفي بين الذاكرة والزمن،
بين ما كان وما سيكون،
بين فرنسا المتخيلة وفرنسا الواقعية،
وهو الحوار الذي يجعل باريس،
مهما تغيرت،
تبدو دائماً كقصيدةٍ لم تصل إلى سطرها الأخير بعد.

 

كانت باريس في ذلك الصباح تشبه مخطوطةً مبللة بالحبر،
تتسرب منها الشوارع كما تتسرب الجمل من كتابٍ قديم،
وكانت المرأة العابرة بين حدائق الجمهورية
تحمل في معطفها أصوات معلمين مجهولين،
وأجراس مدارس اختفت،
وأحلام أطفال كبروا وصاروا وزراء وعمالاً وشعراء،
كأن التربية نهرٌ سريٌّ يواصل جريانه تحت إسفلت التاريخ.

كل مرآةٍ في القصر كانت تحتفظ بعمرٍ مختلف،
مرآة للعشرين،
وأخرى للأربعين،
وثالثة لسنواتٍ لا يعترف بها التقويم،
وحين تمر الوجوه أمامها
كانت الأزمنة تتبادل أماكنها،
فيصبح الماضي أصغر من الحاضر،
ويصبح المستقبل أقدم من الذكريات.

لم تكن الشيخوخة شتاءً كما يظن العابرون،
بل مكتبةً إضافية تنمو داخل الجسد،
تزداد رفوفها كل عام،
وتتراكم فيها طبقات من الضحك والأسفار والانتظارات،
حتى يصبح الوجه خريطةً دقيقة
لرحلة الروح في تضاريس الزمن.

في الليل،
كانت المدارس الفرنسية المهجورة تفتح نوافذها،
وتخرج منها حروف الأبجدية على هيئة أسراب طيور،
تحلق فوق السين،
وتحط على تماثيل الفلاسفة،
كأن اللغة نفسها تخاف الانقراض،
وتبحث عن مأوى جديد
في القرن الإلكتروني.

هناك،
عند تخوم أوروبا الرقمية،
كانت الخوارزميات تتعلم تقليد الأحلام،
وتحاول كتابة القصائد،
لكنها كلما اقتربت من سر الإنسان
عثرت على بابٍ آخر مغلق،
وعلى متاهةٍ جديدة من الحنين،
كأن الروح آخر منطقة لم تُرسم بعد
في خرائط التكنولوجيا.

كانت باريس تخلع اسمها كل مساء،
وترتدي اسماً آخر،
مرةً مدينة للرسامين،
ومرةً مدينة للثورات،
ومرةً مدينة للمهاجرين الذين يحملون أوطانهم
داخل حقائب صغيرة،
ويزرعونها في الأحياء البعيدة
كما تُزرع الأشجار الغريبة في حدائق جديدة.

الهجرة لم تكن حركة أجساد فقط،
بل هجرة ذاكرات أيضاً،
فكل قادمٍ جديد
كان يحمل معه موسيقى ومطبخاً ولهجةً وحكاية،
ثم يضعها بهدوء فوق المائدة الفرنسية،
فتتغير فرنسا قليلاً،
ويتغير القادم قليلاً،
وتولد ثقافة ثالثة
لا تشبه أحداً تماماً.

في الممرات الطويلة للقصر،
كانت السياسة تبدو أحياناً
مثل مسرحٍ كبير للأقنعة،
لكن خلف الأقنعة
كانت تقف الأسئلة القديمة نفسها:
كيف يعيش الناس معاً؟
كيف تتسع المدينة لاختلافهم؟
وكيف يمكن للعدالة أن تلحق
بسرعة العالم المتغيرة؟

الأزياء التي تعبر الشوارع الباريسية
ليست أقمشة فقط،
بل لغات صامتة،
كل معطفٍ جملة،
وكل قبعة استعارة،
وكل لون موقفٌ فلسفي صغير،
حتى تبدو الأرصفة
وكأنها صفحات كتاب
تكتبه الأقدام أثناء المشي.

وكانت أوروبا كلها تظهر أحياناً
ككائنٍ عجائبي من الزجاج والخرائط،
له رأس في بروكسل،
وقلب في باريس،
وأطراف تمتد نحو البحار والجبال،
يحلم بالوحدة،
ويخاف من الانقسام،
ويحمل فوق كتفيه
أثقل ذاكرة سياسية في العالم الحديث.

في المتاحف،
كانت اللوحات تراقب الزوار بصمت،
وتسأل نفسها:
من ينظر إلى من؟
هل البشر يدرسون التاريخ،
أم أن التاريخ هو الذي يدرس البشر؟
وهل تغيرت الوجوه حقاً،
أم أنها ما زالت تكرر
الأحلام والمخاوف نفسها؟

كل نهرٍ في فرنسا
كان يعرف طريقه إلى البحر،
أما الإنسان
فكان ما يزال يبحث عن طريقه إلى نفسه،
ولهذا ظلت المدن تمتلئ بالمقاهي،
وظلت المقاهي تمتلئ بالنقاشات،
وظلت النقاشات تتحول إلى أفكار،
ثم إلى كتب،
ثم إلى مستقبل كامل.

في إحدى ليالي الخريف،
هبط الضباب فوق السين
كأنه رسالة من قرنٍ منسي،
فبدت الجسور معلقةً بين عالمين،
عالمٍ من الحجارة،
وعالمٍ من الذكريات،
وكانت المدينة كلها تمشي على أطراف أصابعها
كي لا توقظ التاريخ النائم تحتها   .

هكذا تصبح سيدة الإليزيه في المخيلة الشعرية
رمزاً لا لشخص واحد،
بل لعبور الزمن عبر الإنسان،
ولعبور الثقافة عبر المدن،
ولعبور الذاكرة عبر الأجيال،
كأنها ظلٌّ طويل لفرنسا نفسها،
يمتد بين المدرسة والقصر،
وبين الحلم الفردي
والحكاية الجماعية.

 

في الخرطوم القديمة،
حين كانت شمس النيل الأزرق تنعكس على نوافذ الفصول الدراسية،
كانت اللغة الفرنسية تصل أحياناً
مثل مركبٍ نهريٍّ محمل بالكتب والقواميس والخرائط،
فتفتح في أذهان التلاميذ ممراتٍ سرية نحو باريس،
لكنها كانت تفتح أيضاً أسئلةً أكثر تعقيداً:
من يعلّم من؟
ومن يترجم من؟
وهل الكلمات جسور أم حدود مؤجلة؟

في إحدى زوايا الذاكرة،
يقف المركز الثقافي الفرنسي
كمنارةٍ من الورق والضوء،
تخرج منها الأفلام والندوات والكتب والمعارض،
لكن خلف الضوء كانت الأسئلة تمشي ببطء:
هل الثقافة هدية أم نفوذ؟
هل الترجمة حوار أم إعادة ترتيب للمرايا؟
وهل يمكن للمعرفة أن تعبر المحيط
من دون أن تحمل معها ظلال السفن القديمة؟

كانت الفرنكوفونية تظهر أحياناً
كشجرةٍ عملاقة تمتد جذورها بين القارات،
تغني بلغاتٍ متعددة،
وتحمل على أغصانها شعراء من إفريقيا والكاريبي وأوروبا،
لكن بعض الأغصان كانت تتذكر الفؤوس القديمة،
وتتذكر خرائط المستعمرات،
فتصبح اللغة نفسها
حديقةً جميلةً وميداناً للجدال في آنٍ واحد.

في القارة الإفريقية،
كانت الفرنسية تسير جنباً إلى جنب
مع لغاتٍ أقدم من الدول الحديثة،
لغاتٍ حفظت أسماء الأنهار والجبال والطيور والأسلاف،
وكان الحوار بين اللغات يشبه أحياناً
اجتماع أنهارٍ مختلفة المصب،
لكل نهرٍ ذاكرته الخاصة،
لكن البحر ينتظر الجميع.

أما باريس،
فلم تكن في المخيلة السودانية مدينة فقط،
بل استعارة طويلة،
تظهر في الروايات والقصائد والبعثات الدراسية والرسائل،
وتدخل إلى الأحلام عبر نهر السين،
كما تدخل القضارف إلى أحلام أبنائها
عبر حقول السمسم ومواسم المطر،
وكأن المدن تتبادل سكانها في الخيال
أكثر مما تتبادلهم الطائرات.

كان بودلير يمر أحياناً
في هيئة عابر سبيل داخل سوق شعبي،
يحمل أزهار الشر بين أكياس البهارات،
بينما كان رامبو يعبر الحدود راجلاً،
كأنه ما زال يبحث عن إفريقيا أخرى
لا تظهر في الخرائط الرسمية،
أما مالارميه
فكان يكتب قصائده على غبار النوافذ
ثم يترك الريح تكمل المعنى.

وفي جهة أخرى،
كان أبولينير يعلق الكلمات فوق أسلاك الهاتف،
فتتحول القصائد إلى طائرات ورقية،
بينما كان بريتون يفتح أبواب الأحلام
ويطلق منها حيوانات سريالية
تتجول بين القضارف وباريس
من دون أن تطلب جواز سفر.

أما جاك بريفير،
فكان يجلس في مقهى صغير
بين معلم لغة فرنسية وطالب سوداني،
ويستمع إلى الكلمات وهي تغير ملابسها
بين لغة وأخرى،
كأن الترجمة ليست نقلاً للمعنى،
بل ولادة ثانية له.

في ليالي شرق السودان،
حين تهب الرياح القادمة من الحدود،
كانت بعض القصائد الحديثة
تبدو وكأنها تحمل آثاراً بعيدة
من رامبو وبودلير وبريتون،
لا على سبيل التقليد،
بل على سبيل الحوار الطويل بين المخيلات،
فالشعر لا يعترف كثيراً بالجغرافيا،
ويحب أن يعبر القارات سراً.

هناك،
بين القضارف وباريس،
كانت الحداثة تمشي على قدمين مختلفتين:
قدمٍ إفريقية مغطاة بغبار الحقول،
وقدمٍ أوروبية مغطاة بغبار المتاحف،
وكانت القصيدة تحاول الجمع بينهما،
كما يحاول النهر الجمع بين ضفتين
تبدوان متباعدتين من بعيد.

وفي النهاية،
لم تكن القضية قضية فرنسا وحدها،
ولا قضية السودان وحده،
بل قضية الإنسان حين ينظر إلى ثقافةٍ أخرى،
ويتعلم منها،
ويختلف معها،
ويعيد صياغتها داخل تجربته الخاصة،
فتولد من هذا الاحتكاك
أشكال جديدة من الأدب واللغة والرؤية،
وتستمر الرحلة بين العواصم والقرى،
وبين الذاكرة والمستقبل،
وبين القصيدة والعالم .

 

في نهاية المطاف،
لم تكن سيدة الإليزيه الأولى امرأةً من لحمٍ ودمٍ فقط،
بل استعارةً طويلة تمشي في شوارع فرنسا،
تحمل في خطواتها أصداء المدارس القديمة،
وهمسات الحدائق الباريسية،
وألوان النوافذ المطلة على السين،
كأنها صفحة خرجت من كتابٍ فرنسي عتيق
ورفضت أن تنغلق.

كان حضورها يشبه ضوءاً خفيفاً فوق الحجر الأوروبي القديم،
لا يصرخ ولا يعلن نفسه،
لكنه يترك أثره على الأشياء من حوله،
كما يترك الفجر أثره على أسطح المدن النائمة،
وكما تترك الموسيقى الخافتة
رجفةً صغيرة في قلب المساء.

في المرايا الكثيرة التي عبرتها المطولة،
لم يظهر وجه واحد فقط،
بل ظهرت فرنسا بأعمارها المتعددة،
فرنسا الثورات والجمهوريات،
وفرنسا الشعراء والرسامين،
وفرنسا القرى البعيدة التي تنام بين الكروم،
وفرنسا التي ما تزال تبحث عن نفسها
في القرن الحادي والعشرين.

كانت أناقتها أقرب إلى هندسة الضوء
منها إلى زينة العابرين،
وأقرب إلى هدوء المكتبات
منها إلى ضجيج المنصات،
كأن الزمن نفسه
جلس طويلاً على كتفيها،
ثم قرر أن يتحول إلى حكمةٍ صامتة.

وحين مرت في أروقة الإليزيه،
بدت القاعات الواسعة
كأنها تتذكر كل من مروا قبلها،
وتفتح دفاترها القديمة،
فتختلط أصوات الرؤساء
بأصوات المعلمين والشعراء والأطفال،
وتصبح الجمهورية حكايةً إنسانية
أكبر من السياسة وحدها.

هناك،
عند التقاء الحلم الفرنسي بالحلم الإنساني،
كانت باريس تخلع أسماءها الكثيرة،
وترتدي اسمها الأول:
مدينة تبحث عن الجمال وسط الفوضى،
وعن المعنى وسط الضجيج،
وعن الأمل وسط تقلبات التاريخ،
كما تبحث القصيدة عن بيتها الأخير.

وفي السطر الأخير من هذه المطولة،
لا تبقى شخصية واحدة في المشهد،
بل يبقى نهر السين،
وبرج إيفل،
وأشجار التويلري،
وأصداء رامبو وبودلير وأراغون وإيلوار،
ويبقى السؤال القديم معلقاً فوق الجمهورية:
كيف تستطيع الأمم أن تعبر الزمن
وتحتفظ بروحها؟

عندها تذوب جميع الشخصيات في الرمز،
وتذوب المدن في الحلم،
وتذوب الحكاية في القصيدة،
ولا يبقى سوى ذلك الضوء البعيد
الذي يلمع فوق باريس عند الفجر،
كأنه نجمةٌ صغيرة
سقطت من سماء الأدب
واستقرت مؤقتاً فوق الأرض.

___

يونيو 2026م

المركز الثقافي الفرنسي - الخرطوم 

تعليقات

المشاركات الشائعة