ديوان : أخوانيات أو من هو موفق الربيعي

أخوانيات أو من هو موفق الربيعي

مصعب الرمادي

أخوانيات

أو من هو موفق الربيعي 

__________________
 الكتاب : أخوانيات أو من هو موفق الربيعي  
الكاتب : مصعب الرمادي
تاريخ الطبع : مايو2025م
حقوق الطبع والتأليف محفوظة للمؤلف 

_____________________

 كان يمشي داخلَ الخليج
كأنَّهُ آخرُ الناجينَ من حريقِ مكتبةٍ عباسية
يحملُ في جيبهِ نصفَ مئذنةٍ
ونصفَ حسينية
وصورةً باهتةً لأمٍّ سنية
كانتْ تخيطُ الليلَ بخيطٍ شيعيٍّ رفيع
كي لا تنامَ بغدادُ عاريةً تحت القصف

وكانَ كلما مرَّ قربَ ميناءِ البصرة
تساقطتْ من كتفيهِ خرائطُ العثمانيين
والصفويين
والإنجليز
كأنَّ الشرقَ الأوسطِ حقيبةُ سفرٍ قديمة
نسيها جنديٌّ سكران
في قطارٍ متجهٍ إلى كربلاء

في مقهى بالكويت
كان الشعراءُ يتبادلونَ الأخوانيات
مثلَ رسائلَ تهريبٍ سرية
واحدٌ يكتبُ لصديقِ طفولتِهِ الذي صارَ وزيراً
وآخرُ يبكي زميلاً اختفى
في دهاليزِ الأمنِ العقائدي
وثالثٌ يضحكُ حتى البكاءِ
لأنَّ ابنَ عمِّهِ السلفي
تزوّجَ ابنةَ خالهِ الشيوعي
في بيتٍ واحد
تتقاسمُ فيهِ صورُ ماركس
والبخاري
والخميني
والقرضاوي
رفَّ الملابسِ نفسَهُ

هكذا كانتْ الأخوانياتُ الجديدة
ليستْ مدائحَ بلاط
ولا رسائلَ غزلٍ أخلاقيٍّ بين الشعراءِ
بل وثائقَ نجاة
يكتبُها المنفيونَ على عجل
قبلَ سقوطِ عاصمةٍ أخرى

النصُّ الحديثُ يا صديقي
لم يعدْ يبحثُ عن البلاغة
بل عن الناجين
عن الذينَ خرجوا من حربِ الخرطوم
وحروبِ الموصل
وحصارِ غزة
وتهويماتِ بيروت
بأقلِّ عددٍ ممكنٍ من الثقوبِ في القلب

كلُّ قصيدةٍ أخوانية
كانتْ حقيبةَ إسعافاتٍ أولية
لروحٍ عربيةٍ تتآكلُ ببطء
تحتَ خطاباتِ الطوائف
وشاشاتِ النفط
وأغاني الممالكِ الحزينة

وكانَ الإخوانُ
يخرجونَ من الجدرانِ أحياناً
بربطاتِ عنقٍ أنيقة
وأحياناً بلحى كثيفة
لكنَّ الشاعرَ السريالي
كانَ يراهمْ ككائناتٍ
تحملُ في جيوبِها بذورَ الرعوية
وتخفي خلفَ الشعاراتِ
قطيعاً كاملاً من الذئابِ القديمة

قالَ أحدُ الدراويشِ في سوقِ المنامة:
كلُّ أيديولوجيا
تعدُ الإنسانَ بالجنةِ السياسية
ستنتهي غالباً
بإقامةِ محكمةِ تفتيشٍ جديدة

وكانَ البحرينيُّ الشيعيُّ
يعانقُ صديقَهُ السنيَّ
ثم يختلفانِ بعدَ منتصفِ الليل
حولَ يزيد
وحولَ النفط
وحولَ إيران
لكنَّ أمَّهما الهندية
كانتْ تضعُ الشايَ بالحليب
وتضحكُ من الجميع

البيتُ العربيُّ الواحد
صارَ خريطةَ أممٍ صغيرة
الأبُ عثمانيُّ المزاج
الأمُّ فارسيةُ الحنين
الابنُ الأولُ قوميٌّ
الثاني ليبرالي
الثالثُ يقرأُ ابنَ تيمية
والبنتُ تحفظُ قصائدَ محمود درويش
وتحلمُ بالسفرِ إلى كندا

وفي المساءِ
يجلسونَ جميعاً
حولَ صحنِ رزٍّ واحد
كأنَّ العائلةَ العربيةَ
أكبرُ من كلِّ المذاهب

لكنَّ تجارَ النقاءِ العرقي
ظلوا يبيعونَ الأكاذيبَ
مرةً باسمِ آلِ البيت
ومرةً باسمِ السلالةِ الفارسية
ومرةً باسمِ الدمِ العثماني
كأنَّ التاريخَ معملُ تحاليلَ جينية
لا مقبرةٌ ضخمةٌ
اختلطتْ فيها عظامُ الجميع

في بغداد
كانَ طفلٌ نصفُهُ كردي
ونصفُهُ تركماني
يقرأُ سورةَ يوسف
ثمَّ يغني بالأرمنية
بينما جدُّهُ الشركسي
يشتمُ الاستعمارَ البريطاني
بلكنةٍ شامية

أيُّ نقاءٍ هذا
والموانئُ العربيةُ
نامتْ قروناً
في أحضانِ الحبشة
والهند
وزنجبار
وإسطنبول
والبصرة؟

حتى الصحراءُ
لم تكنْ صافيةً كما يظنون
فالبدوُ أنفسُهم
كانوا أبناءَ قوافلَ مختلطة
وأبناءَ سبايا
وأبناءَ حروبٍ طويلة
وأبناءَ مجاعاتٍ
هربتْ من جغرافيا إلى أخرى

كانَ موفقُ الربيعي
يسيرُ داخلَ هذا الركامِ الطائفي
كطبيبٍ يحاولُ خياطةَ جثةِ العراق
بينما المقصُّ الأمريكي
أسرعُ من يدِ الجرّاح

وفي زاويةِ المشهد
وقفَ رجلٌ ماركسي
يشرحُ التاريخَ بالمادة
ويشرحُ الحبَّ بالاقتصاد
ويشرحُ الإيمانَ بوصفهِ وهماً طبقياً
لكنَّ امرأةً عراقيةً عجوزاً
أوقفتْهُ فجأةً
وقالتْ له:
لو كانتِ الحياةُ مادةً فقط
لما نجا قلبي
بعدَ موتِ أولادي الثلاثة

ومن يومها
بدأَ الشاعرُ يشكُّ
في صلابةِ الحديدِ الجدلي
وفي يقينِ الماديةِ التاريخية
وفي الخرائطِ التي تحاولُ تفسيرَ الروحِ
بواسطةِ الفحمِ الحجري
وأسعارِ القمح

"وما توفيقي إلا بالله"
كانتْ العبارةُ
تتدلى فوقَ خرابِ الشرقِ الأوسط
مثلَ قنديلٍ صغير
نجا من كلِّ الانفجارات

ليسَ التوفيقُ
أنْ تنتصرَ دائماً
بل أنْ تمرَّ وسطَ الجنون
دونَ أنْ تتحولَ إلى قاتل

أنْ ترى الطوائفَ
ولا تصبحَ طائفياً
أنْ تدخلَ السياسةَ
ولا تبيعَ قلبكَ بالكامل
أنْ تصادقَ المختلفَ عنكَ
دونَ أنْ تطلبَ منهُ نسخةً مطابقةً لروحكَ

وفي آخرِ الأخوانيات
كانَ شاعرٌ سودانيٌّ
يجلسُ قربَ نهرٍ بعيد
ويكتبُ إلى أصدقائِهِ العراقيين:

لا أحدَ ينجو وحدهُ
لا السنّيُّ وحده
ولا الشيعي
ولا الصوفي
ولا الملحد
فالخرابُ حينَ يبدأ
يأكلُ الجميعَ بالملاعقِ نفسها

وكانَ الخليجُ
يضيءُ ليلاً
مثلَ قصرٍ زجاجيٍّ هائل
لكنَّ تحتَ السجادِ الفاخر
كانتْ تمشي أشباحُ الحروب
من البصرة
إلى صنعاء
ومن الخرطوم
إلى دمشق

أما الأخوانياتُ الأخيرة
فلم تكنْ رسائلَ ودٍّ فقط
بل محاولاتٍ يائسة
لإقناعِ الإنسانِ العربيِّ
أنَّ أخاهُ
ليسَ مشروعَ عدوٍّ دائم
وأنَّ البيتَ الواحد
يمكنُ أنْ يتسعَ
لكلِّ هذا الضجيج
إذا تعلَّمَ الأبناءُ
كيفَ يختلفونَ
دونَ أنْ يرفعوا السكاكين.

حينَ عادَ المنفيونَ إلى بغداد
كانتِ الأرصفةُ تضعُ مساحيقَ تجميلٍ أمريكية
وتخفي تحتَ عباءتها
رائحةَ المقابرِ الجماعية
المدينةُ التي خرجتْ من حربٍ طويلة
دخلتْ حرباً أطول
كأنَّ العراقَ بابٌ قديم
لا يُفتحُ إلا على هاويةٍ أخرى

وفي الناصرية
وقفَ رجلٌ يوزّعُ المناصبَ
كما يوزّعُ بائعُ التمورِ عيناتٍ مجانية
هذا شيعيٌّ معتدل
وهذا سنّيٌّ صالحٌ للاستعمال
وهذا كرديٌّ قابلٌ للتحالف
أما الوطنُ
فكانَ يجلسُ في آخرِ القاعة
مثلَ يتيمٍ فقدَ بطاقةَ هويته

الشعراءُ وحدهم
انتبهوا إلى أنَّ النفطَ
يشبهُ الدمَ العربيَّ كثيراً
كلاهما يخرجُ من الأرضِ ساخناً
وكلاهما
كلما ازدادَ تدفقاً
ازدادتِ اللعنات

في الدوحة
كانَ أكاديميٌّ فلسطينيٌّ
يحاضرُ عن التسامحِ الديني
بينما يختبئُ أخوهُ
داخلَ زنزانةٍ سرية
بتهمةِ الانتماءِ إلى جماعةٍ محظورة
هكذا صارَ الشرقُ الأوسط
مسرحاً كوميدياً
يبيعُ الأقنعةَ السياسية
في صيدلياتِ الخوف

الأخوانياتُ الحديثة
لم تعدْ تبدأُ بـ "أخي العزيز"
بل بـ:
هلْ ما زلتَ حياً؟
هلْ عبرتَ الحاجزَ بسلام؟
هلْ اختفى ابنُكَ في البحر
أمْ في المعتقل؟

وفي الكويت
كانَ تاجرٌ شيعي
يتبرعُ لبناءِ مسجدٍ سنّي
ثمَّ يعودُ إلى بيتِهِ
ليسبَّ الطائفيةَ
أمامَ شاشةِ الأخبار
بينما حفيدتُهُ الصغيرة
ترسمُ العلمَ العراقيَّ
بألوانِ قوسِ قزح

ذلكَ الطفلُ الخليجيُّ
الذي يدرسُ في مدرسةٍ أمريكية
ويأكلُ الكبسةَ بملعقةٍ يابانية
ويغني بالإنجليزية
ثمَّ يبكي حين يسمعُ أمَّهُ
تقرأُ سورةَ مريم
هو النموذجُ الحقيقيُّ
للثقافةِ الهجينة
لا كما يشرحُها منظّرو القوميةِ المتقاعدون

البيتُ العربيُّ الواحد
صارَ يشبهُ حقيبةَ سفرٍ
ملأى بجوازاتٍ مختلفة
الأبُ يحبُّ جمالَ عبد الناصر
والأمُّ تتبعُ مرجعاً شيعياً
والابنُ الأكبرُ
يؤمنُ بالسوقِ الحرة
أما الابنةُ
فتكتبُ رسائلَ حبٍّ
إلى شابٍّ أمازيغيٍّ
التقتْهُ في جامعةِ مانشستر

لكنَّ الجدةَ
التي نجتْ من مجاعةِ الأربعينيات
كانتْ تضحكُ من الجميع
وتقولُ:
كلُّكم أحفادُ جوعٍ واحد
فلماذا تتفاخرونَ بالسلالات؟

في سوقِ المنامة
رأى الشاعرُ
رجلاً يدّعي أنَّهُ عثمانيُّ الدم
وآخرَ يصرخُ بأنَّهُ من نسلِ كسرى
وثالثاً يبيعُ بخوراً يمنياً
ويقسمُ أنَّ أجدادَهُ جاؤوا من الأندلس
لكنَّ الشرطيَّ البنغاليَّ
الواقفَ عندَ الإشارة
كانَ أكثرَهم انتماءً للمكان

الشرقُ الأوسط
لا يعرفُ النقاء
حتى الرمالُ
مختلطةٌ بعظامِ الغزاة

في بيروت
جلسَ ماركسيٌّ عجوز
يشربُ القهوةَ قربَ البحر
ويشرحُ لصديقِهِ
أنَّ التاريخَ تحركُهُ وسائلُ الإنتاج
لكنَّ صياداً لبنانياً
قاطعهُ قائلاً:
ومنْ يحركُ الحنين؟
ومنْ يحركُ الخوفَ في قلبِ أمٍّ
حين يتأخرُ ابنُها؟

هكذا بدأتْ الفلسفاتُ الكبرى
تتصدعُ أمامَ التفاصيلِ الصغيرة

وكانَ موفقُ الربيعي
يمشي داخلَ المشهد
كأنَّهُ طبيبُ أعصابٍ
طُلبَ منهُ علاجُ قارةٍ كاملة
بالأسبرين

في إحدى الليالي
حلمَ بأنَّ صدامَ حسين
يجلسُ معَ معارضيهِ
على طاولةِ دومينو
وأنَّ الجميعَ
كانوا يخسرونَ اللعبةَ نفسها

حتى الجلادون
بدوا منهكين
كأنَّ السلطةَ العربية
آلةُ تعذيبٍ
تلتهمُ ضحاياها
ثمَّ تأكلُ حرّاسَها أيضاً

وفي الخرطوم
كانَ شاعرٌ نازح
يكتبُ أخوانيةً طويلة
إلى صديقِهِ الذي اختفى
بينَ الجيشِ والدعمِ السريع
ويقولُ له:
لم أعدْ أعرفُ
أيُّ البنادقِ أكثرُ وطنية
لكنني أعرفُ
أنَّ الرصاصَ كلهُ
يخترقُ القلبَ بالطريقةِ نفسها

من بغدادَ إلى أم درمان
كانَ الخرابُ
يتبادلُ اللهجات

وفي المنفى
اكتشفَ العربُ
أنَّهم متشابهونَ أكثرَ مما يظنون
السوريُّ
يبكي على دمشق
والعراقيُّ على البصرة
والسودانيُّ على الخرطوم
لكنَّ الدموعَ
كانتْ تملكُ الطعمَ المالحَ نفسَهُ

وفي آخرِ المقطع
ظهرَ درويشٌ مجهول
يحملُ لافتةً كتبَ عليها:

ليسَ التوفيقُ
أنْ تربحَ المعركة
بل أنْ لا تتحولَ
إلى نسخةٍ أخرى
من عدوِّكَ.

 

_____

مايو 2026م

برج الثقافة - القضارف 

تعليقات

المشاركات الشائعة