ديوان : فتنة تسعى إلى سليقة شجرة الدر

فتنة  تسعى إلى سليقة شجرة الدر  

               

مصعب الرمادي

شجرة تسعى إلى سليقة شجرة الدر  

__________________
 الكتاب : فتنة تسعى إلى سليقة شجرة الدر
الكاتب : مصعب الرمادي
تاريخ الطبع : مايو2025م
حقوق الطبع والتأليف محفوظة للمؤلف 

_____________________

 لا النيلُ يعرفُ لماذا كانتْ تعبرُ من جاريةٍ إلى سلطانةٍ
ولا القصورُ تعرفُ لماذا كانتْ الأبوابُ تنحني حين يمرُّ ظلُّها
لكنَّ المماليكَ كانوا يسمعونَ في خطواتها صريرَ عصرٍ كاملٍ
كأنَّ التاريخَ كان حصانًا أعمى يقودهُ سوطُ امرأةٍ خرجتْ من هامشِ السوق لتجلسَ فوقَ ظهرِ المملكة بينما كانتِ السلالةُ الأيوبيةُ تتساقطُ مثلَ رمانةٍ نضجتْ أكثرَ مما ينبغي
في يدِ الوقت.

لم تكنْ شجرةُ الدُّر امرأةً بقدرِ ما كانتْ سؤالًا
أُلقيَ في وجهِ الفقهاءِ والقضاةِ والسلاطين
فارتبكوا جميعًا كيف يمكنُ لجاريةٍ أن تصبحَ أمًّا لعرشٍ كامل
وكيف يمكنُ للعرشِ أن يعترفَ بسريرهِ القديم
دون أن يعترفَ بدموعِ النساءِ اللواتي مررنَ عليهِ
مثلَ الغيوم دون أن يتركْنَ أسماءهنَّ فوقَ الخشب

كانتْ القاهرةُ يومها تشبهُ مرآةً مكسورة
في كلِّ قطعةٍ منها وجهُ أميرٍ
وفي كلِّ وجهٍ خنجرٌ صغير
وفي كلِّ خنجرٍ مشروعُ دولة
لكنَّها وحدها كانتْ ترى الصورةَ كاملة
ترى الحملةَ الصليبيةَ وهي تتقدّمُ مثلَ حريقٍ أبيض
وترى الجنودَ وهم يحفرونَ الخوفَ في التراب
وترى البلادَ التي تحتاجُ إلى عقلٍ بارد
أكثرَ من حاجتها إلى سيفٍ حاد

حين ماتَ الصالحُ أيوب
لم يمتْ الرجلُ وحده
بل ماتَ معهُ الترتيبُ القديمُ للعالم
غيرَ أنَّها أخفتِ الجثمانَ كما يُخفى القمرُ داخلَ غيمة
وأدارتِ المملكةَ من وراءِ ستائرَ كثيفة
كأنَّها تخيطُ ثوبًا من الزمن
بينما كانتِ الحربُ تعوي عندَ الأبواب
وكانتِ المنصورةُ تتحوّلُ إلى مصيدةٍ ضخمة
لملكٍ جاء يبحثُ عن المجد
فوجدَ نفسَهُ أسيرًا داخلَ حكايةٍ مصرية

لا الجنودُ يعرفونَ كيف كانتْ تفكّر
ولا المؤرخونَ يعرفونَ كيف كانتْ تنام
لكنَّ النصرَ الذي هبطَ على المنصورة
كان يشبهُ توقيعًا خفيًا باسمها
وكانتِ الراياتُ التي ارتفعتْ بعدَ الهزيمةِ الصليبية
تتدلّى منها أصابعُ امرأةٍ
ترتّبُ خرائطَ الخوف
كما ترتّبُ الأمُّ شعرَ طفلٍ عادَ من العاصفة

ثمَّ جلسَ الفقهاءُ حولَ سؤالهم القديم
هل يجوزُ للمرأةِ أن تحكم
وكأنَّ البلادَ لم تكنْ قد حُكمتْ بالفعل
وكأنَّ الوقائعَ تحتاجُ إلى إذنٍ من الكلمات
وكانتْ شجرةُ الدُّر تراقبُ ذلكَ الجدل
كما تراقبُ شجرةٌ عجوزُ خلافَ العصافيرِ حولَ معنى السماءِ
بينما كانتِ السلطةُ الحقيقيةُ تتسرّبُ من بينِ أصابعِ الجميع
إلى من يستطيعُ الإمساكَ بها

بعضُ المؤرخينَ رأى فيها منقذةً
وبعضُهم رأى فيها مغامرةً سياسية
وبعضُهم رأى فيها كسرًا لنظامِ الكون
لكنَّ الحقيقةَ كانتْ أكثرَ تعقيدًا من كلِّ ذلك
فهي لم تكنْ ملاكًا ولا شيطانًا
بل إنسانًا اصطدمَ بجدارِ عصرهِ
فتركَ عليهِ بصمةً لا تزالُ واضحة
بعدَ قرونٍ من الغبار

كان اسمُها يثيرُ القلقَ لأنَّه كشفَ هشاشةَ السلاسل
فالعرشُ الذي ادّعى الأبديّة
اكتشفَ فجأةً أنَّ جاريةً تستطيعُ أن تعيدَ ترتيبَ أوراقهِ
والنسبُ الذي تباهى بدمهِ
اكتشفَ أنَّ الموهبةَ قد تهزمُ السلالة
وأنَّ المصادفةَ قد تهزمُ القانون
وأنَّ التاريخَ لا يحبُّ الأبوابَ المغلقة

وحين تنازلتْ لأيبك
لم يكنِ التنازلُ هزيمةً خالصة
بل كانَ عبورًا غامضًا
من سلطةِ الوجهِ الواحد
إلى سلطةِ الطبقةِ الجديدة
التي ستُعرفُ لاحقًا بالمماليك
كأنَّها كانتْ الجسرَ الذي عبرتْ عليهِ دولةٌ كاملة
من زمنٍ إلى زمن
ومن سلالةٍ إلى أخرى

كانتْ ترى المماليكَ مثلَ نهرٍ خفي
يتدفّقُ تحتَ أرضِ المملكة
رجالًا جاؤوا من جهاتِ الريح
وحملوا معهمُ لغاتٍ وأحلامًا وندوبًا كثيرة
لكنَّهم حملوا أيضًا قدرةً استثنائية
على إعادةِ تشكيلِ القوة
ولهذا كانتْ لحظتُها القصيرة
أطولَ من أعمارِ سلاطينَ كثيرين

ثمَّ جاءتِ النهايةُ
لا بوصفِها خاتمةً
بل بوصفِها انعكاسًا لطبيعةِ السلطة
فالسلطةُ تأكلُ أبناءَها
كما تأكلُ النارُ الحطب
وكانتْ المؤامراتُ تدورُ حولَ القصر
مثلَ غربانٍ ضخمة
تحومُ فوقَ شجرةٍ تعرفُ مسبقًا
أنَّ الفأسَ في الطريق

لكنَّها بعدَ موتِها
لم تغادرِ المشهد
ظلَّتْ كامنةً في السؤال
كيف استطاعتْ امرأةٌ أن تقفَ عندَ المنعطفِ الحاسم
بين سقوطِ دولةٍ وولادةِ أخرى
وكيف تحوّلتْ حياتُها إلى معبرٍ تاريخي
عبرتْ فوقَهُ ثلاثةُ قرونٍ من حكمِ المماليك

لا الضريحُ يعرفُ لماذا ما زالَ اسمُها حيًّا
ولا الحجارةُ تعرفُ لماذا يلمعُ ظلُّها في دفاترِ المؤرخين
لكنَّ مصرَ كلّما عادتْ إلى ذلكَ القرنِ البعيد
رفعتْ ذاكرتَها نحوَ شجرةِ الدُّر
كأنَّها تصلّي
للمرّةِ الأولى
لفتنةٍ استطاعتْ أن تُربك الزمن
وتُعلّمَ العروشَ أنَّ التاريخَ لا يولدُ دائمًا من الملوك
بل أحيانًا
من امرأةٍ كانتْ تبدو عابرة
ثمَّ تحوّلتْ إلى عصرٍ كامل.


 لا الجبلُ يعرفُ لماذا تصعدين
ولا الوادي يعرفُ لماذا تعودين
لكنّ الأشجارَ ترفعُ أغصانَها كلّما مررتِ
كأنّها تصلّي
للمرّة الأولى
وكانت مصرُ تنظرُ إلى وجوهِ المماليك
كما تنظرُ المرآةُ إلى شظاياها
فلا تعرفُ أيُّها الأصل
وأيُّها الانعكاس
وأيُّها الحلمُ الذي هربَ من نومِ التاريخ

لم يهبطوا من قبيلةٍ واحدة
بل من قوافلَ ضائعةٍ بين الجهات
من سهوبِ القبجاقِ الباردة
ومن جبالِ الشركسِ المبللةِ بالضباب
ومن مراعي التركمان
ومن حوافِّ الجورج
ومن الأصواتِ التتريةِ التي كانت تبحثُ عن مأوى
وكانت مصرُ تستقبلُ كلَّ ذلك
كما تستقبلُ الشجرةُ بذورًا مجهولة
لا تعرفُ أيَّ غابةٍ ستخرجُ منها

وكان النسبُ عندهم
يشبهُ سلّمًا مكسورًا نحو السماء
لا يبدأُ من جدٍّ مؤسس
بل من سوقٍ ومن تدريبٍ ومن يمينِ ولاء
فالدمُ عندهم لم يكن كتابًا مغلقًا
بل صفحةً قابلةً للمحو
أما السيفُ فكان شهادةَ الميلادِ الثانية
والحصانُ كان اسمَ العائلة

وكانت الصالحيةُ أشبهَ بأحلامِ الصالحِ أيوب
وقد خرجت من نومهِ الثقيل
لتتجسّدَ فرسانًا وقادةً وأمراء
كأن السلطانَ لم يمت
بل توزّعَ جسدُهُ على آلافِ الرجال
وصار كلُّ واحدٍ منهم يحملُ ضلعًا من أضلاعه
في قلبِ المعركة

ثم تمددت البحريةُ فوق النيل
كأن الماءَ نفسهُ ارتدى درعًا
وكانت جزيرةُ الروضةِ تشبهُ سفينةً حجرية
ترسو في قلبِ القاهرة
ومنها خرج بيبرس وقلاوون وأقطاي
كما تخرجُ العواصفُ من صدرِ البحر
دون أن تستأذنَ أحدًا

وكان بيبرس
كأنه ذئبٌ تعلّمَ القراءة
ثم قرّر أن يكتبَ الإمبراطوريةَ بمخالبه
فكلُّ حصنٍ فتحه
كان حرفًا جديدًا
وكلُّ رايةٍ رفعها
كانت فاصلةً في جملةٍ طويلة
اسمها البقاء

أما القلاوونيون
فبدوا كأنهم يحاولون تحويلَ البرقِ إلى سلالة
وكانت القاهرةُ تمتلئُ بأبنائهم وأحفادهم
حتى خُيّلَ للنيل
أنّ القصورَ تنبتُ على ضفتيه
كما تنبتُ أشجارُ الصفصاف
في مواسمِ الطمي

ثم جاء البرجيون
الشراكسةُ القادمون من ضبابِ القوقاز
وكانوا يشبهون نسورًا هبطت من الثلج
لتبني أعشاشها فوق أبراجِ القلعة
ومن هنا صاروا برجية
لا لأنّ البرجَ حبسهم
بل لأنهم جعلوا منه عينًا طويلة
تراقبُ العالمَ من فوق

وكانت الأشرفيةُ
مجردَ أغصانٍ كثيرة
تفرعت من أسماءِ سلاطين حملوا لقب الأشرف
وكأن كلمةَ الأشرف
لم تكن لقبًا
بل شجرةً رمزيةً تتناسلُ منها الولاءات
وتتفرعُ منها خرائطُ النفوذ

وفي الأزهر
كانت خطواتُ المماليكِ ما تزالُ تتردّد
بين الأعمدة
فالسلطانُ يبني مدرسة
كي يفاوضَ الموت
ويبني مسجدًا
كي يتركَ ظلَّهُ بعد الرحيل
وكان العلماءُ والفقهاءُ والمتصوفةُ
يتقاطعون في فضاءٍ واحد
كما تتقاطعُ النجومُ في صفحةِ النهر

وفي الأسواق
كانت الأقمشةُ تأتي من الهند
والتوابلُ من اليمن
والذهبُ من إفريقيا
والعباراتُ من الشام
وكانت القاهرةُ تبدو
كأنها عقدةُ العالم
أو كأنّ الدنيا قررت أن تؤجرَ غرفةً صغيرة
على ضفافِ النيل

لكنّ الدولةَ التي ترتفعُ بالسيوف
تظلُّ تسمعُ وقعَ السيوفِ خلفها
وكان كلُّ سلطانٍ ينامُ
وفوق وسادتِه شبحُ سلطانٍ آخر
ينتظرُ الفرصة
كأنّ العرشَ نفسهُ كان مفترسًا
يتغذّى على جالسيه

وحين ظهرتِ المدافعُ العثمانية
بدت كأنها حيواناتٌ معدنية
خرجت من أحشاءِ الجبال
بينما كان فرسانُ المماليك
ما يزالون يؤمنون
أنّ الفروسيةَ قادرةٌ على هزيمةِ الحديد
كما كانت تفعلُ في الأزمنةِ القديمة

وفي مرجِ دابق
كان الغبارُ أعلى من الجنود
وكانت السماءُ تبدو
كأنها تمزّقُ خرائطها القديمة
شيئًا فشيئًا
بينما كانت دولةٌ كاملة
تكتشفُ أن الزمنَ غادرها سرًّا

ثم جاءت الريدانية
فلم تعد المعركةُ بين رجالٍ فقط
بل بين عصرين
عصرِ الحصان
وعصرِ المدفع
عصرِ السيفِ اللامع
وعصرِ النارِ البعيدة
وكان التاريخُ يحسمُ اختياره
بقسوةِ نهرٍ في موسمِ الفيضان

وحين أُعدم طومان باي
بدا المشهدُ كأنّ القاهرةَ نفسها
قد علّقت قلبها على بابٍ قديم
وكان الناسُ يبكون
لا على رجلٍ واحد
بل على قرونٍ كاملة
تغادرُ المدينةَ دفعةً واحدة

غير أنّ المماليكَ لم يسقطوا تمامًا
فالأبراجُ بقيت
والقبابُ بقيت
والأسماءُ بقيت
والزخارفُ بقيت
حتى صار السقوطُ نفسه
شكلًا آخرَ من أشكالِ البقاء

وفي مصر الحديثة
ما زال ظلُّهم يمشي
في الأزقةِ القديمة
وفي هندسةِ المآذن
وفي الحكاياتِ الشعبية
وفي عشقِ الحجرِ المنقوش
كأنّ ثلاثةَ قرونٍ من الحكم
تحولت إلى وشمٍ طويل
على جلدِ المدينة

ولهذا كلّما مرّت شجرةُ الدُّر
في ممراتِ الخيال
تتبعها جموعُ الصالحية
والبحرية
والبرجية
والأشرفية
كأنهم أغصانُ شجرةٍ واحدة
زرعها النيلُ في لحظةِ اضطراب
ثم تركها تنمو
بين العواصفِ والصلواتِ والحروب

ولا الجبلُ يعرفُ لماذا ما زلتِ تصعدين
ولا الوادي يعرفُ لماذا ما زلتِ تعودين
لكنّ مآذنَ القاهرةِ ترفعُ رؤوسَها كلَّ مساء
كأنها أشجارٌ من حجر
ما زالت تصلّي
لأولئك الغرباءِ
الذين جاؤوا من آخرِ العالم
ثم صاروا
جزءًا من ذاكرةِ مصر.

_______

مايو  2026م

حي الزيتونة  - القضارف   



تعليقات

المشاركات الشائعة