ديوان : تهابيش أو من هو مجاهد بن جبر

تهابيش أو من هو مجاهد بن جبر 

مصعب الرمادي

تهابيش

أو من هو مجاهد بن جبر

__________________
 الكتاب :  تهابيش أو من هو مجاهد بن جبر
الكاتب : مصعب الرمادي
تاريخ الطبع : مايو2025م
حقوق الطبع والتأليف محفوظة للمؤلف 

_____________________

 (خذوا التفسير من أربعة: مجاهد وسعيد بن جبير وعكرمة والضحاك )
سفيان الثوري
_____________________________

كان " مجاهد بن جبر "  يعبر أزقة مكة كأن جسده ملفٌّ قديمٌ سقط من أرشيف السماء ولم ينتبه إليه أحد . كان  التراب يلتصق بقدميه كأنه يحاول تذكّر اسمه الحقيقي  كان "ابن عباس"  ينظر إليه بقلق رجلٍ يرى المعنى يتآكل حيًّا أمامه كلُّ سؤالٍ يُطرح عليه كان يفتح داخله نفقًا مظلمًا لا يعود منه كاملًا بينما كانت كلُّ إجابةٍ تخرج من فمه تبدو محترقة الحواف كأنها عبرت جحيمًا خفيًا حتى صار القرآن في صدره ضيقَ تنفّسٍ كونيًّا لا يُقرأ بقدر ما يُستنشق كدخانٍ ثقيلٍ قادمٍ من بداية الخلق..


لم يكن يفسّر النص بل يشرّح جثّة الضوء
كأنّ المعاني ماتت قبل وصولها إلى اللغة
وكان هو آخر من يغسلها قبل دفنها في كتب الحديث
في الليل يسمع الآيات تمضغ نفسها داخل جمجمته
ويرى الحروف تتقاتل مثل قبائل من الملائكة العمياء
حتى اللغة نفسها كانت ترتجف حين يلمسها
كأنها تعرف أن التأويل شكلٌ آخر من القيامة.

مكة لم تكن مدينة عنده
بل معدةً حجرية تهضم الأنبياء ببطء
الطواف دورانُ دمٍ حول قلبٍ غير مرئي
والكعبة حجرٌ سقط من مجرةٍ لم يكتمل خرابها
والناس يجرّون أقدامهم حولها كأنهم يدفعون الزمن بظهورهم
بينما كان مجاهد يسمع صرير الملائكة داخل الهواء
كأن السماء ماكينة ضخمة لطحن الأرواح.

حين جلس أمام عبد الله بن عباس
لم يكن تلميذًا بل شقًا في جدار التفسير
ابن عباس يسأله فتتساقط من السقف خرائط لبابل القديمة
ويجاوبه مجاهد بصمتٍ يشبه انهيار قارةٍ كاملة داخل البحر
كأن المعرفة لم تكن انتقالًا للفهم
بل عدوى سوداء تنتقل من فمٍ إلى آخر
حتى يتحول الإنسان إلى مقبرةٍ للمعاني التي ابتلعها.

كان يرى الأحاديث ككائناتٍ بحريةٍ عميقة
تطفو أحيانًا على سطح الزمن ثم تختفي
والرواة أقفاصًا عظمية تحمل أصوات الموتى
أما السند فكان عنده سلّمًا مكسورًا يصعد إلى فم الغيب
وكلّما اقترب من الحقيقة
ازدادت الحقيقة تشوّهًا واتساعًا
كأن الله يخبئ المعنى عمدًا داخل الضباب.

ذهب إلى بئر برهوت لا ليرى الجنّ
بل ليتأكد أن الأرض تمتلك ذاكرةً تتعفّن مثل البشر
هناك سمع الطين يتهامس بأسماءٍ لم تذكرها الكتب
ورأى أرواحًا تتدلّى من جدار البئر مثل خفافيش قرآنية
وكان الماء أسود كأن الليل ذاب فيه
فسأل البئر عن معنى السقوط
فأجابه الصدى بصوت يشبه بكاء نجمٍ ميت.

وفي بابل كان الخراب أكثر بلاغةً من اللغة
هاروت وماروت ليسا ملاكين
بل فكرتين مريضتين خرجتا من رأس الحضارة
الطين هناك يملك أعصابًا
والجدران تتنفس مثل صدور المذنبين
ومجاهد يمشي بينها كأنه يمشي داخل حلمٍ يكتبه الجنّ
كلُّ حجرٍ يحدّق فيه كقاضٍ قديم
حتى شعر أن وجهه نفسه صار نقشًا بابليًا متشققًا.

كان يعتقد أن الشياطين أخطاءٌ نحوية في كلام الكون
وأن الملائكة علامات ترقيمٍ سقطت من مخطوطة الخلق
لهذا كان يخاف من الجمل المكتملة
لأن الكمال عنده شكلٌ متقن للموت
أما النقص فهو الباب الوحيد الذي يتسرّب منه الله
وكان كلّ تفسيرٍ يكتبه
يشبه محاولة يائس لترميم سماءٍ محطمة.

في حلقات العلم كان العلماء يجلسون حوله
كأنهم حول حريقٍ لا يريد أحد الاعتراف به
صوته لم يكن يخرج من حنجرته
بل من حفرةٍ بعيدة تحت العالم
وكلُّ رواية يذكرها كانت تجعل الهواء أثقل
حتى الحبر نفسه كان يتردد قبل أن يلامس الورق
كأن الكتابة تعرف أنها توثّق انهيارًا لا علمًا.

البيوت التي مرّ بها كانت تمتلئ بصمتٍ عضوي
الأمهات يخبزن الخبز كأنهن يرقعن ثقوب العالم
والأخوات يخبئن خوف العائلة داخل أواني الماء
أما الآباء الغائبون فكانوا يطفون فوق الموائد كأرواحٍ إدارية
ومجاهد يرى كل ذلك كتفسيرٍ اجتماعي لسورةٍ مفقودة
حيث الرحمة ليست فضيلة
بل وظيفة سرية تمنع الكون من الانهيار.

الطوابير الطويلة في الأسواق كانت تبدو له
كأنها يوم حشرٍ مؤجل
الأجساد تقف في حرّ الانتظار كآياتٍ مهملة
والناس يتبادلون الصبر مثل عملةٍ قديمة
كلُّ خطوةٍ نحو الرغيف كانت خصمًا من الكرامة
وكلُّ عينٍ تنظر للأمام كأنها تنظر نحو نهاية العالم
حتى الأطفال تعلّموا أن الزمن عقوبةٌ جماعية لا ساعة.

الأسماء المستعارة كانت تثير رعبه
لأن الإنسان حين يبدّل اسمه
يقتلع جزءًا من روحه ويتركه للكلاب
في المنفى رأى الناس يغيّرون أسماءهم كما يغيّر الجنّ جلودهم
فشعر أن البشرية كلها تعيش داخل قناعٍ ضخم
وأن الاسم الحقيقي ليس إلا جثةً قديمة
يدفنها الإنسان كي ينجو من نفسه.

الشائعة كانت عنده كائنًا اجتماعيًا أذكى من الحقيقة
تدخل البيوت دون استئذان
وتنام تحت الوسائد مثل أفعى دافئة
الناس يصدقونها لأنها تمنحهم تفسيرًا سريعًا للرعب
أما الحقيقة فتصل دائمًا متأخرة ومصابة بالنزيف
ولهذا رأى مجاهد أن المجتمعات لا تعيش على الوقائع
بل على القصص التي تمنعها من الجنون.

الأجساد كانت كتبه السرية
كل ندبة تفسيرٌ مختصر لحربٍ قديمة
وكلُّ انحناءة ظهر آيةٌ عن الفقر
حتى الشيخوخة بدت له كمخطوطةٍ يتآكل حبرها ببطء
وكان يقرأ الناس من طريقة جلوسهم
كما يقرأ المفسرون الحروف المشكلة
كأن الجسد هو القرآن الوحيد الذي لا يكذب.

الأطفال الذين يلعبون في المدن الناقصة
بدوا له كأنهم يعيدون خلق الأرض من الحجارة
يبنون عوالمهم فوق الإسمنت المتشقق
ويضحكون كأن الضحك مقاومةٌ ضد الخراب
أما المدينة نفسها فكانت جنينًا مشوهًا
لا يعرف إن كان سيصبح عاصمة أم مقبرة
وكان مجاهد يرى البراءة كدينٍ أخير للبشرية.

الحرب عنده لم تكن معركة
بل مرضًا لغويًا يجعل الكلمات تنزف
تدخل البيوت من تحت الأبواب
وتعيد ترتيب الوجوه من الداخل
حتى السلام بدا مجرد إشاعةٍ قديمة
والأمهات أصبحن خزانات بكاءٍ متنقلة
أما الأطفال فحملوا في عيونهم خرائط المدن المحروقة.

كان يسمع في الليل أصوات المفسرين الذين لم يولدوا بعد
ينادونه من ثقوب الزمن
ويطلبون منه تفسيرًا لأحلامهم المستقبلية
لكنه كان يعرف أن كل تفسيرٍ يولد ناقصًا
وأن الحقيقة كلما اقتربت منها
تحولت إلى دخانٍ بارد
ثم اختفت داخل فم الغيب.

النسيان كان عنده عبادةً خفية
لأن الذاكرة لو بقيت كاملة
لانفجر العقل مثل كوكبٍ محمّل بالموتى
لهذا كان البشر ينسون كي يستمروا
ويمسحون وجوه أحبائهم من الداخل تدريجيًا
حتى يصبح الحزن أخفَّ من أن يُرى
لكنه أثقل من أن يُشفى.

الأسواق كانت تبدو له كمجازر ناعمة للمعنى
الباعة يصرخون كأنهم يبيعون أجزاءً من أرواحهم
والنقود تتحرك بين الأيدي مثل جراثيم معدنية
كلُّ مساومة كانت حربًا صغيرة على القيمة
حتى الرغيف نفسه صار يحمل رائحة الإذلال
وكأن الاقتصاد تفسيرٌ قاسٍ لفكرة النجاة.

في النهاية شعر أن اسمه ليس له
وأن “مجاهد” مجرد لقبٍ أعطته اللغة لارتباكها الخاص
أما “جبر” فليس نسبًا
بل محاولة يائسة لترميم تشققات الوجود
وكان كلُّ ما عاشه
مجرد تهابيش ضخمة على هامش كتابٍ سماويٍّ ممزق
حيث البشر يكتبون شروحهم فوق الرماد ثم يختفون


_______

مايو 2025م

منتجع الربوة السياحي -القضارف

تعليقات

المشاركات الشائعة