ديوان : وائل بن ربيعة أو من هو عبد عبد الله البلوشي
وائل بن ربيعة أو من هو عيد عبد الله البلوشي

مصعب الرمادي
وائل بن ربيعة
أو من هو عبد الله البلوشي
__________________
الكتاب : وائل بن او من هو عيد عبد الله البلوشي
الكاتب : مصعب الرمادي
تاريخ الطبع : مايو2025م
حقوق الطبع والتأليف محفوظة للمؤلف
_____________________
كانَ اسمُ وائلٍ يتدلّى فوقَ خرائطِ العرب
كفانوسٍ بحريٍّ نجا من غرقِ القبائل
لا يعني رجلاً واحداً
بل يعني ذلكَ اللاجئَ الأبديَّ داخلَ دمِهِ
ذلكَ الذي ينامُ في آخرِ الخيمة
ويستيقظُ أولَ الفاتحينَ إلى المنافي
وكان عيدُ عبدُ الله البلوشيُّ
يشبهُ هذا الاسمَ تماماً
كأنَّهُ موئلٌ صغيرٌ ضاعَ بينَ منحٍ وبلوتشتان .
وائلُ ليسَ اسماً
بل حفرةٌ قديمةٌ في ذاكرةِ الصحراءِ
كلُّ من سقطَ فيها
خرجَ شاعراً أو قاتلاً أو بحّاراً
وكان كليبُ بنُ ربيعة
ينامُ داخلَ تلكَ الحفرةِ
مثلَ ذئبٍ جريحٍ يحرسُ خرابَ القبيلة
بينما المهلهلُ يسكبُ الخمرَ على قبورِ إخوتِهِ
ويكتبُ أولَ نشيدٍ عربيٍّ عن الفقد
كأنَّ الشعرَ منذُ البداية
كان محاولةً لترميمِ موتٍ مستحيل .
في حضرموت
كان وائلُ بنُ حجرٍ
يمشي بثيابِ الملوكِ فوقَ غبارِ القوافل
ثمَّ يصلُ المدينةَ
كأنَّهُ نخلةٌ بعيدةٌ جاءتْ لتبايعَ المطر
وكان النبيُّ يرى في وجهِهِ
بقايا الجنوبِ العربيِّ القديم
ذلكَ الجنوبُ المملوءُ بالبخورِ والمرِّ
وأصداءِ السفنِ الذاهبةِ نحوَ الهند
بينما معاويةُ بنُ أبي سفيان
يمسكُ زمامَ الناقةِ
كأنَّ التاريخَ كلَّهُ
يتدرّبُ على فكرةِ السلطةِ بصمت .
عيدُ البلوشيُّ
لم يكنْ يدركُ وهو طفلٌ في عزِّ السكنية
أنَّ اسمَ وائلٍ
سيطاردهُ مثلَ طائرٍ صحراويٍّ أسود
كلما اقتربَ من البحر
كان يسمعُ الأسماءَ القديمةَ
بكرٌ وتغلبُ وعنزة
فتتحولُ في رأسِهِ إلى قطعانِ جمالٍ نارية
تعبرُ الخليجَ ليلاً
ثمَّ تختفي داخلَ أحياءِ الجيزةِ
حيثُ العماراتُ الإسمنتيةُ
تشبهُ حصونَ عمانَ المرهقة .
وائلُ من الوألِ
من النجاةِ التي تشبهُ الهرب
من الاحتماءِ الذي يشبهُ الخيانة
كلُّ القبائلِ العربيةِ
كانتْ تبحثُ عن موئلٍ أخير
حتى وهيَ ترفعُ السيوفَ في وجهِ بعضها
وكانتْ حربُ البسوس
في حقيقتها
صرخةَ يتيمٍ يبحثُ عن أمٍّ
لا حربَ ناقةٍ كما قالتِ الكتبُ المدرسية
وكان جساسُ
يبكي سراً كلَّ ليلة
كأنَّهُ آخرُ طفلٍ عربيٍّ
أضاعَ طريقَ العودةِ إلى خيمتِهِ .
في عمانَ
كان الفلجُ يلمعُ تحتَ الشمس
مثلَ شريانٍ فارسيٍّ قديم
وكان عيدُ يمشي قربَهُ
كأنَّهُ يتتبعُ نسبَهُ المائيَّ الغامض
بلوتشتانُ لم تكنْ بلداً بالنسبةِ إليه
بل رائحةَ هيلٍ
وصوتَ امرأةٍ تغني بالأورديةِ
وعينينِ واسعتينِ لبلوشتيةٍ
كانتْ تبيعُ الزعفرانَ قربَ السوق
بينما الأطفالُ العمانيونَ
يرشقونَ القططَ بالحجارةِ
ويضحكونَ مثلَ قراصنةٍ صغار .
في الخرطومِ بحري
كان الشاعرُ السودانيُّ
يرى نفسَهُ داخلَ اسمِ وائل
كلُّ سودانيٍّ في المنفى
يحملُ هذا الاسمَ سراً
حتى لو لم يُسمَّ به
لأنَّ السودانَ نفسَهُ
صارَ موئلاً مكسوراً
وصارتْ شمباتُ
تشبهُ أرملةً نوبيةً
تنتظرُ أبناءها العائدينَ من الحرب
ولا يعودُ أحد .
قال المتنبيُّ ذاتَ ليلةٍ
وهو يعبرُ نزوى بخطواتٍ متعبة
إنَّ الإنسانَ لا يهربُ من الملوكِ
بل يهربُ من النسخةِ التي يصبحُها قربَهم
ثمَّ تركَ هجاءَهُ الأخيرَ لكافور
تحتَ وسادةِ شاعرٍ عُمانيٍّ مجهول
واختفى داخلَ الصحراءِ
كأنَّهُ آيةٌ ناقصةٌ
من كتابٍ عربيٍّ قديم .
كان وائلُ بنُ قاسط
أكبرَ من مجردِ جدٍّ للقبائل
كان فكرةَ الانقسامِ العربيِّ الأولى
كلُّ ابنٍ لهُ
تحولَ لاحقاً إلى سلالةِ حربٍ
وكلُّ حفيدٍ
صارَ مشروعَ منفىً جديد
حتى الخليجُ العربيُّ
ليس سوى خيمةٍ كبيرةٍ لبني وائل
تعبتْ من ترحالِ الرمل .
وفي مصر
حينَ دخلها عمرو بنُ العاص
كانتِ النيلُ ينظرُ إلى العربِ
كما تنظرُ امرأةٌ رومانيةٌ
إلى بدوٍ قادمينَ من آخرِ العالم
لكنَّ الإسلامَ هناكَ
تعلّمَ سريعاً لغةَ القمحِ والماءِ
أما في السودان
فإنَّ البقطَ
جعلَ التاريخَ أشبهَ بمعاهدةِ هدنةٍ طويلة
بينَ الصحراءِ والغابة
بينَ العربِ وأشباحِ النوبة
بينَ السيفِ والطبلة .
عيدُ عبدُ الله البلوشيُّ
كان يقرأُ كلَّ ذلكَ
في وجوهِ سائقي الشاحناتِ
وفي لهجاتِ العمالِ الآسيويينَ
وفي حزنِ المغتربينَ السودانيينَ
الذينَ يشربونَ الشايَ قربَ محطاتِ مسقط
كأنهم ينتظرونَ قطاراً
لن يأتي أبداً
وكان يفهمُ أخيراً
أنَّ وائل
ليسَ بطلاً تاريخياً فقط
بل كلُّ إنسانٍ
يبحثُ عن مكانٍ صغيرٍ
يضعُ فيهِ قلبَهُ المتعب .
في نهايةِ المطولة
لم يبقَ سوى الاسم
وائل
كأنَّهُ ميناءٌ عربيٌّ قديم
تكسرتْ فيهِ سفنُ التاريخ
وبقيتْ رائحةُ البحر
وكان عيدُ البلوشيُّ
يجلسُ قربَ فلجِ منح
يتأملُ القمرَ العُمانيَّ
ويضحكُ بصوتٍ خافت
بينما الشاعرُ السودانيُّ
يكتبُ آخرَ سطرٍ في المنفى
كأنَّهُ يضعُ رأسَهُ أخيراً
على كتفِ موئلٍ بعيد .
كان وائلُ بنُ ربيعة يجرُّ ظلهُ فوقَ رمالِ ولايةِ منح
كأنَّهُ آخرُ بحّارٍ بلوشيٍّ نجا من عاصفةٍ قربَ سواحلِ جوادر
وكان عيدُ عبدُ الله البلوشي يخبئُ طفولتَهُ داخلَ علبةِ هيلٍ صدئة
ويضحكُ كلما مرّتْ قوافلُ الزعفرانِ قربَ عزِّ السكنية
بينما المؤذنُ العجوزُ يعلّقُ الفجرَ فوقَ جذوعِ النخيلِ كقنديلٍ فارسيّ
والشاعرُ السودانيُّ المتوحِّدُ يتذكّرُ شمبات
حيثُ الخبزُ الطريُّ يخرجُ من أفرانِ الخرطومِ بحري مثلَ آياتٍ صغيرة
وحيثُ النيلُ يلمعُ كحدِّ سيفٍ تركهُ المتنبي تحتَ وسادةِ كافورٍ وهرب .
في الطريقِ إلى حصنِ منح
كانتِ الأفلاجُ تتحدثُ باللغةِ السنسكريتيةِ مع صبيانِ البلوش
وكان عيدُ يركضُ حافياً خلفَ عنزةٍ سوداءِ تشبهُ ذاكرةَ السودان
بينما النسوةُ القادماتُ من تخومِ بلوتشتان
ينثرنَ القرنفلَ فوقَ رؤوسِ الأطفالِ كأنهنَّ يباركنَ مجاعةً قديمة
وفي السوقِ الصغيرِ قربَ القلعة
كان رجلٌ أعمى يبيعُ خرائطَ سريةً للقاهرةِ القديمة
ويقولُ إنَّ بولاقَ الدكرورِ تبدأُ من منحٍ وتنتهي في شمبات .
قال المتنبي وهو يغادرُ عمانَ القديمةَ ليلاً
لقد تعبتُ من مدحِ الملوكِ الذينَ ينامونَ فوقَ جماجمِ الشعراءِ
ثمَّ مزّقَ قصيدتَهُ الأخيرةَ ضدَّ كافور
ورماها في بئرٍ قربَ الحصن
فخرجتْ منها طيورٌ زرقاءُ تحملُ روائحَ المنوفية
وأغنياتِ الصعيدِ المصريِّ من قنا إلى نجعِ حمادي
بينما عيدُ البلوشيُّ يضحكُ في المقهى
ويقولُ إنَّ الشعرَ يشبهُ شاحناتِ البرتقالِ القادمةِ من الزقازيق
حينَ تتعطلُ فجأةً في صحراءِ نزوى .
في عزِّ السكنية
كانتِ الطفولةُ تسرقُ التمورَ من بساتينِ الغرباءِ
وكان الأولادُ يركضونَ خلفَ الحمامِ الإيرانيِّ
كأنهم يطاردونَ أشباحَ البحارةِ القادمينَ من كراتشي
أما الشاعرُ السودانيُّ
فكان يبحثُ عن وجهِهِ داخلَ مرايا البلوشيات
حيثُ الكحلُ الهنديُّ يشتعلُ مثلَ حرائقِ الخرطوم
وحيثُ العيونُ الواسعةُ تشبهُ مرافئَ بعيدةً
لا تصلها سفنُ المنفى إلا متأخرةً دائماً .
في الفجرِ
كان عبدُ الله بنُ أبي السرحِ يعبرُ السودانَ على حصانٍ من دخان
بينما عمرو بنُ العاصِ يفتحُ مصرَ بسيفٍ من نحاسٍ أخضر
وفي عمان
كان الإسلامُ يدخلُ بهدوءِ ماءِ الفلج
لا بضجيجِ الطبولِ ولا رائحةِ الدماءِ
وكان عيدُ يحدّقُ في الخرائطِ القديمة
ويتساءلُ لماذا صارَ المغتربُ السودانيُّ
أكثرَ شبهاً بحقيبةِ سفرٍ ممزقةٍ
منهُ بإنسانٍ لهُ بيتٌ وأمٌّ وقبرٌ معلوم .
في السوقِ المركزيِّ للخضرِ والفواكهِ بالخرطومِ بحري
كان الباعةُ ينادونَ على الطماطمِ كأنهم منشدو ملاحمَ آشورية
وكانتْ النساءُ يحملنَ الخضارَ فوقَ رؤوسهنَّ
مثلَ تماثيلَ أفريقيةٍ خارجةٍ من معبدٍ نوبيّ
بينما عيدُ البلوشيُّ
يشربُ الشايَ بالزعفرانِ في منح
ويتخيلُ أنَّ شمباتَ ليستْ سوى قريةٍ عُمانيةٍ ضائعة
نامتْ قربَ الخليجِ العربيِّ
ثمَّ استيقظتْ فجأةً داخلَ الخرطوم .
كانتِ البلوشياتُ يسرنَ في الليلِ
كأنهنَّ أميراتٌ هارباتٌ من أساطيرِ المغول
وكان الزعفرانُ يشتعلُ في شعورهنَّ السوداءِ
مثلَ شمسٍ صغيرةٍ خرجتْ من خرائبِ فارس
أما عيدُ
فكان يخبئُ رسائلَ حبِّهِ داخلَ أكياسِ الهيل
ويخافُ أنْ تقرأها أمُّهُ
التي تؤمنُ أنَّ الحبَّ مرضٌ بحريٌّ
يحملهُ البحارةُ معهم من الهند .
قال الشاعرُ السودانيُّ لعيدٍ ذاتَ مساء
كلُّ المنافي تبدأُ من سريرٍ ضيقٍ وغرفةٍ بلا نافذة
وكلُّ الحروبِ تنتهي برجلٍ يبيعُ الشايَ قربَ محطةِ باصات
ثمَّ صمتا طويلاً
وكانتِ القلعةُ العُمانيةُ تلمعُ تحتَ القمرِ
مثلَ خوذةِ جنديٍّ برتغاليٍّ ميت
بينما أصواتُ المؤذنينَ تختلطُ بأغنياتِ أم كلثوم
القادمةِ من مذياعٍ قديمٍ في الدقي .
في الجيزة
كانتِ العجوزةُ تفتحُ أبوابَها للفقراء
وكانتِ الدقيُّ تشبهُ امرأةً أوروبيةً
تضعُ عطراً فرنسياً فوقَ عباءةٍ صعيدية
أما بولاقُ الدكرور
فكانتْ تضحكُ مثلَ بحّارٍ سكرانَ في ميناءِ الإسكندرية
بينما الشاعرُ السودانيُّ
يتذكرُ كيفَ كانَ ينامُ في غرفٍ رخيصةٍ
ويحلمُ بأفلاجِ عمانَ أكثرَ من حلمهِ بالنيل .
في منح
كان الأولادُ يربطونَ العلبَ المعدنيةَ بذيلِ القطط
ثمَّ يركضونَ خلفها حتى الفجر
وكان عيدُ أكثرَهم شقاوةً
إذْ سرقَ ذاتَ مرةٍ عمامةَ إمامِ المسجد
وخَبَّأها داخلَ جذعِ نخلةٍ عجوز
فضحكَتِ القريةُ كلُّها
حتى الحصنُ الحجريُّ القديمُ
اهتزَّ مثلَ رجلٍ عجوزٍ يسمعُ نكتةً فارسية .
كان المتنبيُّ يجلسُ قربَ فلجِ دارس
ويدخنُ سجائرَ هنديةً رخيصة
ثمَّ يكتبُ هجاءهُ الأخيرَ ضدَّ كافور
على أوراقِ جريدةٍ مصريةٍ قديمة
ويقولُ للشاعرِ السودانيِّ
إنَّ الملوكَ لا يحبونَ الشعراءَ إلا موتى
وإنَّ القاهرةَ تشبهُ امرأةً جميلةً
تسرقُ قلبكَ ثمَّ تبيعُهُ في سوقِ العبيد .
في حربِ الخرطومِ الأخيرة
كانتِ السماءُ تمطرُ شظايا وذكريات
وكانتْ شمباتُ تحترقُ ببطءٍ
كأنَّها مكتبةٌ فارسيةٌ هائلة
أما المغتربونَ في الخليج
فكانوا يحدقونَ في هواتفهم بصمت
مثلَ بحارةٍ فقدوا البوصلة
وكان عيدُ البلوشيُّ
يرسلُ لصديقهِ السودانيِّ صورَ الأفلاج
كي لا يموتَ عطشاً في المنفى .
في عمانَ الجديدة
كانتِ الأبراجُ الزجاجيةُ ترتفعُ فوقَ ذاكرةِ الطين
وكانتْ السياراتُ اليابانيةُ تمرُّ قربَ القلاعِ القديمة
مثلَ روبوتاتٍ ضلّتْ طريقها إلى التاريخ
أما الشاعرُ
فكان يبحثُ عن عمانَ التي رآها أولَ مرة
حينَ كان الخبزُ أرخصَ من الحنين
وكانتِ المقاهي الصغيرةُ
تعرفُ أسماءَ الغرباءِ واحداً واحداً .
كان عيدُ يقولُ دائماً
إنَّ البلوشيَّ الحقيقيَّ لا يخافُ البحر
حتى لو ابتلعَ أباهُ وجدَّهُ وأحلامَهُ القديمة
ثمَّ يضحكُ
ويرفعُ فنجانَ القهوةِ العُمانية
كأنَّهُ يرفعُ رايةً سريةً لبلوتشتان
تلكَ البلادُ التي تعيشُ في الذاكرةِ
أكثرَ مما تعيشُ على الخرائط .
في نهايةِ الليل
كان الشاعرُ السودانيُّ يسمعُ أصواتَ القطاراتِ القادمةِ من مصر
رغمَ أنَّهُ في قلبِ عمان
وكان يرى المتنبيَّ
يسيرُ فوقَ رمالِ منحٍ
كأنَّهُ نبيٌّ عربيٌّ فقدَ طريقَهُ إلى الكوفة
بينما عيدُ عبدُ الله البلوشي
يغني أغنيةً بحريةً قديمة
عن طفلٍ ضاعَ بينَ الخليجِ والنيلِ
ولم يجدْ وطنَهُ إلا داخلَ قصيدة .
______
مايو 2026م
عز - سلطنة عمان

تعليقات
إرسال تعليق