ديوان : تربية الروابي أو من هو مجاهد بن جبر
تربية الروابي أو من هو مجاهد بن جبر

مصعب الرمادي
تربية الراوبي
أو من هو مجاهد بن جبر
__________________
الكتاب : الروابي
الكاتب : مصعب الرمادي
تاريخ الطبع : مايو2025م
حقوق الطبع والتأليف محفوظة للمؤلف
_____________________
(خذوا التفسير من أربعة: مجاهد وسعيد بن جبير وعكرمة والضحاك )
سفيان الثوري
_____________________________
في البدءِ
لم تكنِ الروابي سوى أكتافٍ حجرية
يحملها رعاةٌ عابرون بينَ بئرِ برهوتَ ومجرةِ الجبار
لكنَّ مجاهد بن جبر كانَ يرى الملائكةَ وهي تزرعُ القمحَ داخلَ الثقوب السوداء ويقولُ للعابرين:
كلُّ تفسيرٍ لا يلمسُ الطينَ يبقى ناقصًا مثلَ قمرٍ مكسور.
في مكةَ المكرمة
كانتِ النيازكُ تهبطُ ليلًا فوقَ أسطحِ الفقراء
وتجلسُ قربَ جرارِ الماء
كأنها صحابةٌ ضلّوا طريقَ الغزوات
وكانَ الصبيُّ الذي سيُدعى لاحقًا
شيخَ المفسّرين
يُطعمُها التمرَ ويُعلّمها سورةَ الرحمن.
لم يكنْ ابنُ عباس
يعرفُ أنَّ تلميذَهُ
سيحملُ القرآنَ إلى ما وراء سدرةِ المنتهى
وأنَّ كلَّ آيةٍ
ستتحولُ في يديه
إلى مجرّةٍ صغيرةٍ ترتجفُ فوقَ كتفِ الليل.
قالتِ الروابي القديمة:
لقد رأيناهُ يعبرُ بابل
حاملًا قنديلًا حبشيًا
وفي داخلهِ
كانتْ هاروتُ وماروتُ
تبكيانِ مثلَ طفلينِ أضاعا مفاتيحَ الجحيم.
في الليلةِ التي اختفى فيها المؤذنون
خرجتِ الكواكبُ من مداراتها
وجلستْ تستمعُ إلى تفسيرِ سورةِ يوسف
بينما كانتِ الملائكةُ
تغسلُ أجنحتها
بماءِ نهرٍ يمرُّ تحتَ عرشِ زُحل.
كانَ يرى القيامةَ
مثلَ حصانٍ أبيضَ متعب
يبحثُ عن حقلِ شعير
بينَ خرائبِ الأندلس
وكانَ يضحكُ كلما سقطَ نيزكٌ
في دفترِ أحدِ الفقهاء.
تربيةُ الروابي
ليستْ كتابًا عن الحقول
بلْ عنِ الكائناتِ التي تنامُ داخلَ الحجارة
وتصحو حينَ يسمعُ الرملُ
صوتَ مجاهد بن جبر
وهو يفسّرُ معنى الريحِ في سورةِ الجنّ.
في حضرموت
دخلَ بئرَ برهوت
فرأى جيوشًا من الظلال
تتعاركُ فوقَ سلّمٍ نحاسي
وكانتِ الشياطينُ
تكتبُ الشعرَ على جلودِ الجِمال
ثمَّ تختفي داخلَ الضباب.
لم يكنْ يبحثُ عن هاروتَ وماروت
كما تقولُ الكتب
بلْ كانَ يبحثُ عنِ اللغةِ
التي تتحدثُ بها الكواكبُ
حينَ تنطفئُ آخرُ شمس
في أطرافِ القيامة.
قالتْ لهُ الروابي:
أيها المفسّرُ
لماذا تحملُ هذا العددَ الهائلَ من النجوم؟
فأجابَها:
لأنَّ السماءَ فقيرةٌ
وتحتاجُ إلى فلاحينَ صالحين.
في الطريقِ إلى بابل
رأى ملاكًا مقطوعَ الجناحين
يبيعُ التينَ المجفف
للرعاةِ العائدينَ من الحروب
وكانَ القمرُ
معلّقًا فوقَ رأسهِ
مثلَ فانوسٍ مهجور.
كانَ يسمعُ بكاءَ الأشجار
كلما تُليتْ آيةُ الطوفان
ويرى السفينةَ
ما تزالُ عالقةً
فوقَ جبلٍ من الغبارِ الكوني
حيثُ تنامُ ذاكرةُ الماء
في تفسيرهِ
كانتِ الملائكةُ
تدخلُ الأسواقَ متنكرةً
في هيئةِ باعةِ فستقٍ
وكانتِ الشياطينُ
تبيعُ المرايا للأنبياءِ المنسيين.
لم يكنْ شيخًا عاديًا
بلْ راعيَ مجرّاتٍ قديمة
نسيها اللهُ
في أطرافِ الليل
فصارَ يجمعُها
في عباءتهِ المكيّة.
كلما قرأَ آيةً
انفتحتْ نافذةٌ
في جدارِ الكون
وخرجتْ منها
طيورٌ معدنية
تحملُ خرائطَ الجنّةِ إلى العميان.
في الليلةِ السابعة
نامتِ الروابي
فوقَ صدرِ مجاهد
ورأتْ في المنام
أنَّ الأرضَ
مجردُ سجادةٍ صغيرة
في مسجدٍ يطفو بينَ المجرّات.
كانتِ الريحُ
تحملُ أصواتَ الأنبياءِ
من كواكبَ مجهولة
وكانَ هو
يجلسُ قربَ النار
يترجمُ صمتَهم
إلى تفاسيرَ من طين.
في مكةَ المكرمة
كانَ الأطفالُ يلعبونَ بالحجارة
لكنَّهُ كانَ يسمعُ داخلَ كلِّ حجر
نبضَ ملاكٍ
سقطَ من السماءِ قديمًا.
حينَ ماتَ آخرُ رعاةِ بابل
ورثَ عنهم
مفتاحَ المجرةِ السوداء
وخريطةَ النهرِ
الذي تشربُ منهِ الكائناتُ النورانية
قبلَ بدايةِ الخلق.
قالَ لهُ ابنُ عباس:
إياكَ والغريب
لكنهُ
كانَ يرى الغرابةَ
بابًا سرّيًا
يدخلُ منهُ اللهُ
إلى قلوبِ الشعراءِ.
في كلِّ ليلةٍ
كانتْ الروابي
تغيّرُ أماكنها
كأنها جِمالٌ سماوية
تهربُ من صيادي النيازك
في أطرافِ المجرةِ البعيدة.
كانَ يكتبُ تفسيرهُ
على جلدِ غيمة
ثمَّ يتركُها
تسافرُ فوقَ الصحارى
حتى تهطلَ
داخلَ أحلامِ الفقراء.
في الأزمنةِ القديمة
كانتِ الكواكبُ
تذهبُ إلى مكةَ للحج
وتعودُ محمّلةً
برائحةِ الطواف
وصوتِ الحمامِ حولَ الكعبة.
قالتْ لهُ الملائكة:
لماذا تُكثرُ من الأسئلة؟
فأجابَها:
لأنَّ المعرفةَ
شجرةٌ لا تُثمر
إلا إذا سقاها الشكُّ
بماءِ الخوف.
في الروابي البعيدة
كانَ الرعاةُ
يربّونَ الغزلانَ والنجوم
ويعلّقونَ مصاحفَ صغيرة
على رقابِ الخيول
كي لا تضلَّ طريقَ السماء.
لم يكنْ يقرأُ القرآنَ فقط
بلْ كانَ يسمعُهُ
يخرجُ من أفواهِ الجبال
ومن أنينِ المقابر
ومن صمتِ الكائناتِ
التي لم تُخلقْ بعد.
كلُّ نبيٍّ
تركَ ظلَّهُ هناك
في ممرّاتِ المجرةِ
لكنَّ مجاهد بن جبر
كانَ يجمعُ تلكَ الظلال
ويحوّلها إلى أناشيدَ للرعاة.
حينَ اقتربتِ القيامة
أطفأتِ النجومُ مصابيحها
وجلستْ قربَ البحر
تستمعُ إلى شيخٍ عجوز
يفسّرُ سورةَ النور
للأسماكِ العمياء.
في نهايةِ الرحلة
لم يجدوا قبرَهُ
بلْ وجدوا
عباءةً مليئةً بالغبارِ الكوني
ومصحفًا مفتوحًا
على آيةٍ تتحدّثُ عن الريح.
أما الروابي
فما تزالُ حتى الآن
تنتظرُ عودتَهُ
كلَّ مائةِ عام
حينَ تمتلئُ السماءُ
بأصواتِ النيازك
ورائحةِ الطينِ المقدّس.
وهكذا
صارَ السؤالُ نفسهُ
مجرةً كاملة:
من هو مجاهد بن جبر؟
راعي الكواكب؟
أم آخرُ المفسّرينَ الذينَ عبروا الليلَ
على ظهرِ حصانٍ من نار؟.
_______
مايو 2025م
منتجع الربوة السياحي -القضارف
تعليقات
إرسال تعليق