ديوان : جرة ماء فوق الشباك
جرة ماء فوق الشباك
مصعب الرمادي
جرة ماء فوق الشباك
_________________
إلى صديقتي الشاعرة النرويجية : إيلدريد لوندن
____________________________
في البدء،
لم تكن الجرةُ جرةً،
بل فكرة ماءٍ تبحث عن جسدٍ يحتملها،
وكان الفخار احتمالًا يتذكّر طينَه قبل أن يُسمّى،
وكان الشباك عينًا مفتوحةً على ما لا يُرى،
وكانت المدينة تمرّ من تحته كريحٍ لا تثق في أسمائها،
كأن كل شيءٍ ينتظر أن يُكتَب ليعرف أنه موجود.
كانت الجرةُ فوق الشباك،
لكنها لم تكن فوقه،
بل كانت بين الداخل والخارج،
بين بيتٍ يحتفظ بأنفاسه،
ومضيقٍ يعبره الضوء كفكرةٍ لا تستقر،
وكان الماء فيها لا يلمع،
بل يفكّر في السقوط كاحتمالٍ أخير للمعنى.
هناك،
حيث يشبه الملحُ ذاكرة البحر،
وحيث يشبه الزجاجُ جملةً لم تُغلق بعد،
كانت الجرةُ ترى ما لا يراه العابرون،
ترى أن السفن لا تمضي،
بل تُمحى ببطءٍ من صفحة الماء،
وترى أن الموج لا يعود،
بل يعيد كتابة نفسه كل مرة كأنه لم يكن.
وفي البعيد،
كانت حكاية الرجلين
تتسلل كظلٍّ في شوارع الإسفلت،
تلبس هيئة إعلانٍ مضيء،
أو شاشةٍ تومض بالأرقام،
وكان البستان يظهر كواجهةٍ زجاجية،
تعد بالدوام،
ثم تنسى وعدها عند أول ارتطامٍ بالصمت.
الغني هناك،
لم يكن يملك جنتين،
بل كان يملك جملةً واسعةً بما يكفي ليضيع فيها،
وكانت الجملة تزداد ثقةً كلما كررها،
حتى صارت جدارًا لا يرى خلفه،
وكانت الجرةُ تراقبه من بعيد،
وتعرف أن الماء لا يُحفظ بالكلام،
بل بانكساره حين يُسكب.
والفقير،
لم يكن فقرًا،
بل شقًّا صغيرًا في يقين المدينة،
كصوتٍ خافتٍ في آلةٍ صاخبة،
يقول:
ما تراه لن يبقى،
وما تمسكه سيفلت،
وما تسميه جنةً هو مجرد اسمٍ لم يُختبر بعد.
وكان اللون،
الأصفرُ الذي يشبه ضحكة الموز،
والبنفسجيُّ الذي يشبه ثِقل العنب،
يلتقيان في ذاكرة الجرة،
كأنهما طفلان لم يختارا اسميهما بعد،
وكان المزيج يرتجف في جسد الفخار،
كأنه يعرف أن النار قادمة،
وأن المعنى لا يولد إلا بعد احتراقه.
ثم مرّت النار،
لا كحدثٍ،
بل كفكرةٍ تُعيد ترتيب الأشياء من الداخل،
فصار الطين ذاكرة،
وصار اللون اعترافًا،
وصارت الجرةُ أكثر صدقًا
لأنها فقدت قدرتها على أن تكون شيئًا آخر.
وفي تلك اللحظة،
لم يسقط البستان،
بل سقط اسمه،
وصارت الأشجارُ ظلالًا بلا يقين،
وصار النهرُ زمنًا مكشوفًا بلا زينة،
وكان الرجل يقلب كفيه،
لا على ما فقد،
بل على ما ظنّ أنه لن يفقده.
والمدينة،
لم تتوقف،
استمرت في ضجيجها كأن شيئًا لم يحدث،
لكن الجرة كانت ترى الفراغ الجديد،
ترى أن طبقةً من المعنى قد اختفت،
وأن الوجوه صارت أخفّ من ظلالها،
كأن العالم نجا…
لكنه فقد سبب نجاته.
وفي الليل،
حين يبرد الزجاج،
وتصير الأنفاس مرئية،
تسمع الجرةُ صدى الآية
لا ككلامٍ،
بل كاهتزازٍ في الأشياء،
كأن الحياة كلها ماءٌ يُسكب ببطء،
ثم يُنسى،
وكأن البقاء ليس إلا خطأً مؤقتًا في حساب الغياب.
وهناك،
يا صديقتي القادمة من برد المعنى،
حيث تكتبين اللغة وهي تتفكّر،
تصير الجرةُ جملةً،
والشباكُ سطرًا مفتوحًا على لا نهاية،
ويصير الإنسانُ أثرًا في نصٍ لا يملكه،
يقرأه مرةً واحدة،
ثم يكتشف أنه كان مكتوبًا فيه منذ البداية.
وفي الخاتمة التي لا تُكتب،
تسقط الأسماء عن الأشياء،
ويعود اللون إلى طينه،
ويعود الطين إلى احتماله،
وتبقى الجرةُ فوق الشباك،
لا كشيءٍ،
بل كسؤالٍ أخير:
هل كان الماء في داخلها…
أم كانت هي في داخله منذ البدء؟.
في تلك النافذة التي تطلّ على ما يشبه نوسفلورد،
لم تعد الجرةُ جرةً فقط،
بل صارت مضيقًا صغيرًا يحتفظ بسرّ الماء،
وكان الضباب يهبط عليها كجملةٍ تتردد قبل أن تُقال،
وكانت البيوت الخشبية الحمراء تتكئ على حواف المعنى،
كأنها تعرف أن السقوط ليس خطرًا…
بل احتمالٌ جماليّ لم يُجرَّب بعد.
ومن بعيد،
كانت بيرغن تمطر ببطءٍ يشبه تفكير اللغة في نفسها،
كل قطرةٍ تسقط لا كحدث،
بل كتصحيحٍ خفيفٍ في نصّ العالم،
وكانت الشوارع تلمع كمرآةٍ متعبة،
تعكس وجوهًا لا تثق في ثباتها،
كأن كل عابرٍ هناك…
يمشي داخل جملةٍ لم تُحسم نهايتها.
وفي عمق الرؤية،
كان سوغنيفيورد يمتد كفكرةٍ لا قاع لها،
ماءٌ كثيفٌ يتذكّر صمته الأول،
ويحمل الجبال على سطحه كأنها حروفٌ ثقيلة،
وكانت الجرةُ فوق الشباك ترتجف قليلًا،
كأنها تدرك أن الماء الذي فيها
هو نسخةٌ مصغّرة من هذا العمق الذي لا يُقاس.
وعلى امتداد البياض،
كانت هضبة هاردانغيرفيدا
تبدو كصفحةٍ لم تُكتب بعد،
ثلجٌ يفكّر في احتمالاته،
وصمتٌ واسعٌ كأن الزمن نسي أن يمرّ عليه،
وهناك،
في ذلك الفراغ الأبيض،
تتعلّم الجملة كيف تمشي دون أن تترك أثرًا،
كما تفعلين أنتِ… حين تكتبين.
وكانت الجبال البعيدة،
جبال يوتونهيمين،
تنهض ككلماتٍ ضخمة خرجت من فم الأرض،
تتراكم فوق بعضها كأنها تريد أن تقول شيئًا،
لكنها تتراجع في اللحظة الأخيرة،
وتترك المعنى معلقًا بين الصعود والسقوط،
كأن العظمة ليست في ما يُقال،
بل في ما يُؤجَّل إلى الأبد.
وفي انكسار الضوء،
كان هاردانغيرفيورد
يشبه بستانًا مائيًا بلا أشجار،
ثمارُه انعكاسات،
وجذوره غارقة في لا شيء،
وكانت القوارب الصغيرة تمرّ عليه
كأنها جملٌ قصيرةٌ في نصٍ طويل،
لا تغيّر المعنى…
لكنها تمنحه إيقاعًا خفيًا.
وفي لحظة سقوطٍ خفي،
كان شلال فورينغسفوسن
يندفع كجملةٍ فقدت توازنها،
ماءٌ يهوي لا لأنه يريد،
بل لأنه لم يجد شكلًا آخر للبقاء،
وكان الصوت ليس ضجيجًا،
بل اعترافًا بأن الثبات
مجرد تأجيلٍ طويل للسقوط.
وهناك،
حيث يمرّ نهر فلوم
كخيطٍ باردٍ في جسد الأرض،
كانت الجرةُ تفهم أخيرًا،
أن الماء لا يُحتجز،
بل يُستضاف مؤقتًا،
وأن كل امتلاءٍ
هو بدايةٌ خفيّة للفراغ.
وفي هذا التداخل،
بين بستانٍ قرآنيٍّ ينهار بصمت،
ومضيقٍ نرويجيٍّ يتماسك بالضباب،
تصير الحكاية واحدة،
تصير الجنةُ واجهةً قابلة للكسر،
ويصير الإنسانُ عابرًا
بين جملةٍ يكتبها…
ونهايةٍ تُكتب له دون أن يراها.
وهكذا،
يا إيلدريد،
لا تعود الجرةُ فوق الشباك شيئًا،
بل تصبح نصًا،
نصًا يطلّ على فيستلاند
كما يطلّ على داخله،
يرى أن العالم
ليس ما نملكه،
بل ما يمرّ بنا
ثم يتركنا نفكّر فيه…
كأنه لم يحدث أبدًا.
لم تعد الجرةُ تكتفي بأن تكون وعاءً،
صارت عزلةً كاملةً على حافة الشباك،
كأن الشمال دخلها واستقرّ فيها دون إذن،
بردٌ لا يُقاس بالحرارة بل بدرجة الوعي،
وكانت الوحدة تتمدد داخلها ككائنٍ شفاف،
لا يطلب النجاة… بل يطلب أن يُفهَم،
كأن العزلة ليست غياب الآخرين… بل حضور الذات أكثر مما تحتمل.
وكان الزمن هناك لا يمشي،
بل يذوب ببطءٍ في أطراف الضوء،
ليلٌ لا ينتهي لأنه لا يجد سببًا لينتهي،
ونهارٌ يمرّ كفكرةٍ خاطفةٍ تخجل من بقائها،
وكانت الجرةُ تتعلم إيقاعًا جديدًا،
إيقاعًا لا يعتمد على التكرار،
بل على الانقطاع الذي يترك الجملة معلّقةً في فراغها.
الصمت لم يعد خلفية،
صار مادةً أولى،
شيئًا يمكن لمسه إذا أُصغي إليه بما يكفي،
وكانت الكلمات تمشي فوقه كأنها تخاف أن توقظه،
كأن اللغة تعلم أنها ليست الأصل،
بل أثرٌ متأخر لشيءٍ أعمق،
شيءٍ يتشقق تحتها دون أن يظهر كاملًا.
والجسد،
ذلك الذي ظنّ نفسه مركزًا،
صار هامشًا في اتساعٍ بارد،
ظلًّا يتحرك داخل فضاءٍ لا يعترف به،
وكانت الجرة ترى أن الامتلاء ليس قوة،
بل هشاشةٌ مؤجلة،
وأن كل ما يحتوي… يمكن أن يُترك فارغًا في لحظةٍ لا تُعلن.
البيوت التي عبرت النص،
لم تعد بيوتًا،
صارت ذاكرةً متكسرةً كخشبٍ قديم،
تسكن داخل الجملة كأثرٍ لا يُرمم،
وكانت الحقول تتحول إلى صورٍ داخلية،
لا تُزرع في الأرض،
بل في الوعي الذي فقد يقينه بواقعيته.
والماء…
لم يعد ماءً،
صار كائنًا يفكر في شكله قبل أن يستقر،
في المضيق، في المطر، في النهر،
وكانت الجرةُ نسخةً مصغّرة من هذا القلق السائل،
تعرف أن الاحتفاظ وهم،
وأن الجريان هو الحقيقة الوحيدة التي لا تحتاج إلى تفسير.
وفي مواجهة الضجيج،
لم ترفع القصيدة صوتها،
بل انخفضت حتى كادت تختفي،
كأنها تختبر حدودها الأخيرة،
وكان الهمس أكثر كثافة من الصراخ،
لأنه لا يقول كل شيء،
بل يترك المعنى يتشكل في الفراغ الذي يخلّفه.
واللغة،
تلك التي بدت مألوفة،
بدأت تتفكك من داخلها،
تخلع دلالاتها كما تُخلع الأسماء عن الأشياء،
وكانت الكلمات تعود إلى حالتها الأولى،
قبل أن تُستخدم،
كأنها تحاول أن تتذكر كيف تكون بلا معنى… لتصير معنى.
الهشاشة،
لم تعد ضعفًا،
بل صارت شكلًا من أشكال الاكتمال،
كأن التصدع هو الطريقة الوحيدة لرؤية الداخل،
وكانت الجرةُ تتشقق ببطء،
لا لتنكسر،
بل لتكشف أن ما فيها لم يكن ثابتًا كما بدا.
والإنسان،
لم يعد كائنًا يمشي في العالم،
بل جملةً مؤقتةً في نصٍّ لا يكتبه،
وكان يظن أنه يملك المعنى،
بينما المعنى يمرّ به كريحٍ لا تتوقف،
حتى أدرك متأخرًا،
أنه لم يكن سوى قراءةٍ عابرة لنصٍ لن يُعاد.
وفي الخاتمة التي لا تُغلق،
تتلاشى الجرةُ في الشباك،
ويذوب الشباك في المشهد،
ويصير المشهد فكرةً بلا إطار،
ويعود كل شيء إلى احتماله الأول،
حيث لا بستان… ولا ماء… ولا أسماء،
بل سؤالٌ مفتوح:
من الذي كان يرى الآخر؟
الجرة… أم الفراغ الذي كانت تملؤه؟!.
__
أبريل 2026م
حي المعمورة - الخرطوم


تعليقات
إرسال تعليق