ديوان : حجر يربي قلبي ... حجر يصدع لقداسة الهيكل

حجر يربي قلبي ... حجر يصدع لقداسة الهيكل 

مصعب الرمادي 

حجرٌ يربي قلبي ... حجر يصدعُ لقداسة الهيكل   

_________________


الحجرُ لا يسألُ عن اسمي
أنا الذي أنحتُ اسمي على صمته
وأعلّقهُ مثل تعويذةٍ على رقبة الريح
في مكةٍ التي تشبهُ ظلّها أكثر مما تشبه نفسها
كنتُ أرى الأصنام تنمو مثل أشجارٍ بلا جذور
وتشربُ من حليب الخوف
كأن الطفولةَ تُرضعُ من ضرعِ الفراغ
وكأن قلبي، هذا الحجر الصغير،
يتعلّم الركوع قبل أن يتعلّم النبض

الحجرُ يربّي قلبي كما تُربّي الأمُّ نسيانها
يضعني في فم الليل ويقول: كُن
فأصيرُ صدىً بلا أصل
وتصيرُ مكةُ مسرحًا لآلهةٍ متعبة
تبدّل وجوهها كلما ضاقت بها المرايا
رأيتُ اللاتَ تبكي في زاوية السوق
والعزّى تضحك كراقصةٍ فقدت ساقيها
ومناة تعدّ خطايا العابرين كأنها نقود
وأنا بينهنّ، حجرٌ يتعلّم كيف يكون إلهًا صغيرًا

في السوق، كان الباعة يبيعون آلهةً بالتقسيط
“خذ صنمًا الآن وادفع روحك لاحقًا”
وكانت الأصابع تلمس الحجر كأنها تتحقق من صدقه
لكن الحجر لا يكذب،
هو فقط لا يقول الحقيقة كاملة
كنتُ أرى أبي يساوم على إلهٍ جديد
وأمي تخبّئ الدعاء تحت وسادتها
وأنا أعدّ عدد الآلهة التي يمكن أن تسكن قلبي
دون أن ينكسر

الحجرُ يصدّع لقداسة الهيكل
لأن الهيكلَ لا يحتمل طفولة المعنى
كلما كبُر السؤال، ضاق الجواب
وكلما اتسعت مكة، تقلّصت السماء
كنتُ أسمع صوتًا يقول:
“لا تعبد الحجر، بل ما يخفيه الحجر”
فأنظر داخله فلا أجد سوى وجهي
مكسورًا كمرآةٍ قديمة
تخاف أن تعترف بأنها انعكاسٌ فقط

في الليل، كانت الأصنام تتبادل الحراسة
واحدٌ ينام، وآخر يحلم
وثالثٌ يكتب تاريخًا لا يقرأه أحد
كنتُ أتسلّل بينهم
ألمس أقدامهم الباردة
وأهمس: هل تشعرون بشيء؟
لكن الصمت كان أثقل من السؤال
وكان قلبي يتعلّم الصمت كحرفةٍ مقدسة

الحجرُ لا يموت،
نحن الذين نموت فيه
نختبئ في تجاويفه كأنها قبور مؤجلة
ونسمّي ذلك عبادة
رأيتُ رجلًا يقبّل صنمًا
ثم يصفع ابنه لأنه لم يحفظ اسمه
ورأيتُ امرأةً تدعو حجرًا أن يعيد زوجها
بينما كانت الريح تضحك خلفها
كأنها تعرف النهاية مسبقًا

في مكة الجديدة،
الأصنام لا تُنحت من حجر
بل من ضوءٍ بارد
ومن شاشاتٍ تحفظ الوجوه ولا تفهمها
صار الهيكلُ رقميًا
وصار السجودُ ضغطة إصبع
لكن القلب بقي حجرًا
يرتجف كلما اقتربت الحقيقة

الحجرُ يربّي قلبي على القسوة
لكن العشب في داخلي يرفض التعلم
ينبتُ في الشقوق
ويكتب اسمه على الجدران
كأن الحياة اعترافٌ صغير
بأن الموت لم ينتصر بعد
وكأن كل صنمٍ يخفي بذرةً
تنتظر أن تنكسر لتتنفّس

كنتُ أرى الكعبة ككائنٍ يتذكّر
كل الذين مرّوا به
كل الدموع التي سقطت على ستاره
كل الأصنام التي سكنت ظله
وكأن التاريخ ليس إلا طبقاتٍ من النسيان
تغطي وجه الحقيقة
حتى يصير الحجر أصدق من الذاكرة

الحجرُ يصدّعني
يفتح في صدري نافذةً على العدم
ويقول: انظر
فلا أرى سوى وجوهٍ بلا أسماء
تعبد ما لا تفهم
وتخاف مما لا تراه
كأن الجاهلية ليست زمنًا
بل حالةً تتكرّر
كلما غاب المعنى

في الحلم،
رأيتُ صنمًا يمشي
يخلع قداسته ويرميها في النهر
ثم يضحك كطفلٍ نجا من لعبةٍ قاسية
اقترب مني وقال:
“أنا لستُ إلهًا، أنتَ الذي صنعتني”
فاستيقظتُ
ويدي مليئةٌ بالغبار
كأنني كنتُ أبحث عن نفسي في قبرٍ قديم

الحجرُ يعلّمني الشك
لكنني أخاف أن أصدّقه
لأن الشكّ طريقٌ بلا معابد
ولا أصنام
ولا حتى أسماء
فأعود إليه
أمسح عليه بيدي
وأقول: كن يقيني
فيضحك بصمتٍ
كأنه يعرف أنني أكذب

في السوق القديم
كان الأطفال يلعبون حول الأصنام
يرسمون لها عيونًا جديدة
ويضحكون
كأنهم يعيدون خلق الآلهة
بطريقتهم الخاصة
وكأن الطفولة هي الدين الوحيد
الذي لم يفسده الكبار بعد

الحجرُ يربّي قلبي
لكن قلبي يتيم
لا يعرف أباه
ولا يثق في السماء
يمشي بين المعابد
كغريبٍ يحمل وجهه بيده
ويبحث عن اسمٍ
لا يشبه أحدًا

وفي النهاية
لم يبقَ سوى الصدى
صدى حجرٍ
كان يظن أنه قلب
وصدى قلبٍ
كان يظن أنه إله
ومكة
تدور حول نفسها
كأنها تبحث عن بدايةٍ
لم تُكتب بعد.


لجاهلية ليست في صحراءالورقة
بل في رأس ممتلئ بأصنامٍ شفافة
نلمسها دون أن نراها
ونخاف أن نكسرها
لأنها نحن.

في  نقد الرعويات المعاصرة  
 ليست الجاهلية عبادة الحجر
بل عبادة “الفكرة حين تتجمّد”
حين يصير المعنى صنمًا
واللغةُ معبدًا مغلقًا
والإنسانُ كاهنًا لنفسه.

كأن قريش لم تمت
بل غيّرت ملابسها
دخلت المدينة الحديثة
واستبدلت اللات والعزّى
بأسماءٍ أكثر لمعانًا
وأكثر برودة

في النص،
يتحوّل التاريخ إلى كائنٍ يتنفّس
يمشي بيننا
يرتدي بدلةً أوروبية
ويتكلّم بلغةٍ علمية
لكنه في الداخل
يحمل نفس الخوف القديم
من الفراغ

الجاهلية  كما يراها مختبر الرعويات المعاصرة
ليست جهلًا
بل “معرفة بلا بوصلة
كأن العقل سفينة
والروح ميناء مفقود
وكلما تقدّمنا
ابتعدنا أكثر.

في تحليل النقد السريالي للمختبر
نرى الإنسان
وهو ينحت صنمًا من أفكاره
ثم يركع له
ثم يكتب كتابًا يبرّر ركوعه
ثم يسمّي ذلك حضارة.

لم يهاجم هميروس الماضي
بل ايقظه
كمن يوقظ جثةً
ليقول لها: أنتِ لم تموتي
أنتِ فقط
غيّرتِ شكل القبر.

في ذروة الالياذة الحديثة
لم تعد الجاهلية خارج دائرة  حبكة تداعي الافكار الحر 

 لقد كانت الافكار خارج دائرة الاحداث المذهلة
تجلس في زاوية القلب
وتهمس:
“لا تحتاج إلى إله… أنتَ تكفي”

لكن الصوت الآخر
يأتي كشقٍّ في الحجر
يقول:
“وإن كنتَ تكفي
لماذا هذا الفراغ؟”

السريالية  ليست زخرفة
بل ضرورة
لأن الواقع نفسه
صار أغرب من الحلم.

نرى الإنسان الحديث
يسجد لشاشته
يعدّ أرقامه
يؤمن بإحصاءاته
كما كان أجداده
يؤمنون بالأصنام

الفرق فقط
أن الصنم القديم
كان صامتًا
أما الجديد
فيتكلّم
ويُقنعك أنه أنت

في قراءة الرعويات المعاصرة
تستحيل الجاهلية الى لحظة مضارعة
يختفي فيها الله
لا لأن الله غاب
بل لأن الإنسان
امتلأ بنفسه.

يصبح الحجر
أكثر صدقًا من القلب
لأنه لا يدّعي الحياة
ولا يزعم الفهم.

التحليل السريالي يقودنا إلى صورة أخيرة:
إنسانٌ يقف بين صنمين
واحدٌ من حجر
وآخر من فكرة
يحاول أن يختار
فيكتشف
أنه هو نفسه
الصنم الثالث.


الحجرُ يغيّر اسمه كلما اقتربتُ منه
مرّةً يصيرُ  تخاريف  تتدلّى من سقف المعنى
ومرّةً «سلفًا» يمشي أمامي ويجرّني إلى خلفي
ومرّةً «خليفة» يجلس على عرشِ الفراغ
يوزّعُ الظلال على الكلمات
كأن السلطةَ معنىً يطلبُ جسدًا
وكأن الجسدَ نصٌّ ينتظرُ قارئه
وأنا بينهما علامةٌ تتردّدُ
لا تعرفُ لمن تنتمي.

الخرافات ليست كثافةَ الشجر
بل كثافةُ التأويل حين يثقلُ على اللغة
تتدلّى الجملُ كأغصانٍ لا تُقصّ
تتراكبُ فوق رأسي
حتى يصيرَ الفكرُ غابةً مغلقة
لا يدخلها الضوءُ إلا كخطأٍ جميل
وأفهم أن المعنى حين يفيض
يتحوّل إلى فوضى مقدّسة
تُربّي في القلب خوفًا أخضر

السلفيُّ يبدّلُ جلده
مرّةً يكونُ زمنًا
ومرّةً يكونُ تعريفًا
ومرّةً يكونُ ذاكرةً تصرّ على أن تكون قانونًا
يحملُ الماضي كمرآةٍ مكسورة
يرى فيها وجوهًا متعدّدة
فيظنّها وجهًا واحدًا
ويطلبُ من العالم أن يتطابق معها
كأن الحقيقةَ قالبٌ
والوجودُ عجينٌ يجب أن يخضع

ليس لان الخليفة
دالٌّ يبحثُ عن مدلولٍ يتسع له
بل لان الخلافة كرسيٌّ ينتظرُ جسدًا
وجسدٌ ينتظرُ معنى
وحين يلتقيان
ينشأُ وهمُ الاكتمال
لكن الكرسيّ يظلّ يهتزّ
لأن الأرضَ تحته نصٌّ غير مستقر
ولأن السلطةَ لا تعرف
أنها استعارةٌ طويلة

الحجرُ يربّي هذه المفردات
يضعها في حضنه كأطفالٍ متنازعين
يقول لها: كوني معنى
فتصيرُ صراعًا
يقول لها: كوني يقينًا
فتصيرُ شكًّا متماسكًا
كأن اللغةَ لا تطيع
إلا حين تُكسر
وكأن الكسرَ ولادةٌ أخرى
لا تعترفُ بالأصل.

كما  تطن الوساوس في رأس الخليفة
تتدلّى من تاجه
تخفي عينيه
فيحكمُ بالظلال
ويظنّ أنه يرى
والسلفيُّ يقفُ عند قدميه
يمسحُ الغبار عن الحكايات
ويعيدُ ترتيبها
حتى تبدو كأنها لم تتغيّر
رغم أن الزمنَ مرّ فوقها
كريحٍ لم تُسجَّل

في هذا المشهد
المفردةُ ليست كلمة
بل كائنٌ يتنفس
الاباطيل  تتكاثرُ كحيواناتٍ لغوية
السلفيُّ يربّيها
والخليفةُ يضع لها قوانين
والحجرُ يراقبُ بصمت
كأنه يعرف النهاية
لكنه يرفضُ أن يقولها

أدخلُ إلى الكلمة
كمن يدخلُ جسدًا
ألمسُ حروفها
أسمعُ دقاتها
أرى كيف تتشظّى
حين أحاولُ تثبيتها
وأفهم أن المعنى
ليس ما نقوله
بل ما يهربُ منا
حين نظنّ أننا قلناه

الترهات تكتبُ تاريخها بنفسها
لا تحتاجُ إلى ناسخ
كلُّ تدلٍّ هو جملة
كلُّ تشابكٍ هو فصل
وكلُّ سقوطٍ هو خاتمة
لكن الخاتمةَ لا تأتي
لأن النصّ لا يريدُ أن ينتهي
يريدُ فقط أن يتكاثر
كأنه خوفٌ من الفراغ

السلفيُّ يخافُ من هذا التكاثر
يحاولُ أن يقصّ الأغصان
أن يعيدَ الغابةَ إلى شجرةٍ واحدة
أن يعيدَ الشجرةَ إلى بذرة
ثم يضعها في كتاب
ويقول: هذا هو الأصل
لكن البذرةَ تضحك
لأنها تعرف
أن الأصلَ لا يُحبَس

الخليفةُ يمدّ يده
ليقبضَ على المعنى
لكن المعنى ينسابُ كالماء
يتحوّلُ إلى شكلٍ آخر
كلما ظنّ أنه أمسكه
كأن السلطةَ تحاولُ الإمساك بالريح
وتكتبُ قوانينَ للهواء
ثم تغضبُ حين لا يطيع

الحجرُ يصدّعُ المشهد
يفتحُ شقوقًا في الكلمات
يحرّرُها من ثقلها
يجعلُ الهضاليمَ تسقط
والسلفيَّ يتلعثم
والخليفةَ يشكّ في كرسيّه
كأن الحقيقةَ زلزالٌ صغير
لا يُرى
لكن يُغيّر كل شيء

أصيرُ أنا النصّ
وأصيرُ القارئ
وأصيرُ  قداسة الهيكل حين أتدلّى من نفسي
وأصيرُ السلفي حين أبحثُ عن أصلٍ يحميني
وأصيرُ الخليفة حين أتوهمُ أنني أملك المعنى
ثم أضحك
لأنني أرى
أنني لا أملك شيئًا
سوى هذا التشظي

في النهاية
لا يبقى سوى اللغة
وهي تتنفس بصعوبة
تبحثُ عن شكلٍ جديد
تتخلّى عن أثقالها
تتركُ خلفها
وتكسرُ مرايا السلفي
وتخلعُ تاج الخليفة
ثم تمشي عاريةً
في صحراءٍ بلا أسماء.


وأنا أتبعُها كظلٍّ نسي جسده
لا لأفهمَ—فالفهمُ قفصُ الضوء
بل لأتلاشى في عتمةٍ تعرف اسمي أكثر مني
أذوبُ في الفراغ كحرفٍ لم يُنطق بعد
وأتركُ نفسي تتكسّر على حوافّ المعنى
كأن الضياعَ بابٌ سرّي
تدخلُ منه اللغةُ عاريةً من يقينها
ليولدَ المعنى
لا كإجابة
بل كجرحٍ يتعلّم كيف يتكلّم.


 ليس غير مرآةً جديدةً تُلمّعُ قلقها القديم ،

ليس غير حجر  يختال بإحالةٍ لغوية، ويهربُ من قداسة الهيكل إلى قداسة التأويل.  ليس غير تلك اللغةَ  التي لم تخرج من الجاهلية بل أعادت تسويقها في هيئةٍ أكثر نعومة.  ليس غير احتفاء بالضياع كأنه خلاص، بينما الضياع  قناعٌ آخر للاتجاه الواحد كلُّ تفكيكٍ فيه يعيد بناء مركزٍ خفيٍّ لا يعترف بانكساره
والرموزُ التي تتكاثر فيه لا تُحرّر المعنى بل تُكثّف حصاره . ليس غير السرياليةَ بعد ان اضحت  نظامًا جديدًا للطمأنينة المقنّعة بالفوضى والقلبُ الذي يُعلن التشظّي ما زال يبحث عن وحدةٍ لا يجرؤ على تسميتها .


_______

أبريل 2026م

حي العباسية - القضارف

تعليقات

المشاركات الشائعة