ديوان : مرتفعات أزالئيل

مرتفعات  أزالئيل

   

مصعب الرمادي 

مرتفعات أزالئيل

_________________

 * إلى : بلقيس فتحي

___________________________________

 

 كان الاسمُ قبل أن يُنطقَ حجرًا،
وقبل أن يصيرَ مدينةً كان شقًّا في هواءٍ لا يثبت،
قالت الجبالُ: هذا هو “أزال” حين يتذكّرُ نفسهُ كظلّ،
وقال الراعي: بل هو صوتٌ ينزلُ من فمِ الغيب ولا يعود،
فتكاثرت الحروفُ حوله كأغنامٍ بلا سياج،
وصار الاسمُ مرتفعًا لا يُرى، بل يُصعَد إليه بالندوب،
ومن هناك بدأت “مرتفعات أزالئيل” كفكرةٍ تُنكرُ أصلها.

في البدءِ لم تكن صنعاءُ مدينةً بل جسدًا يتعلّمُ الوقوف،
بين جبلين يتنازعان على الذاكرة: نقم وعيبان،
وكان “أزال” يمشي بينهما كطفلٍ يختبرُ أسماءه الأولى،
كلُّ حجرٍ يتهجّى اسمهُ بطريقته،
وكلُّ ظلٍّ يضيفُ إليه حكايةً لا تُحكى،
حتى صار الاسمُ أثقلَ من الأرض،
فحملهُ الغيبُ إلى مرتفعاتٍ لا يراها إلا من سقط منها.

ثم جاءت حميرُ لا كدولةٍ بل كنبضٍ يتعلّمُ التوسّع،
مدّتْ حدودها داخل اللغة قبل الخرائط،
واستعارت من الريح عادةَ الحكم دون أن تُمسكَ بشيء،
فصار الملكُ ظلًّا والظلُّ قانونًا،
وصارت الممالكُ جُملاً تُكتَب على جسد الجبل،
كلُّ جملةٍ تفتحُ طريقًا وتغلقُ تاريخًا،
ومن هنا تعلّمت “أزالئيل” كيف تكونُ أكثر من زمنٍ واحد.

كان سدُّ مأربَ وعدًا يلبسُ هيئةَ حجر،
لا ليمنعَ الماء بل ليؤخّرَ الأسطورة،
تتجمّع خلفهُ السيولُ كذكرياتٍ لم تُحسم،
وكلما ارتفعَ جدارُهُ ازدادَ الغيبُ ثقةً بانهياره،
فالمدنُ التي تُمسكُ بالماء تُمسكُ بقلقها أيضًا،
والقلقُ لا يبقى طويلًا دون أن يجدَ طريقًا للانفجار،
وهكذا بدأ التصدّعُ من فكرةٍ لا من شقّ.

حين انهار السدُّ لم يسقط،
بل تبدّلَ موضعهُ من الحجر إلى الحكاية،
انطلقت القبائلُ كجُملٍ تبحثُ عن فعلٍ يكتمل،
وتحوّلت مأربُ إلى ممرٍّ للذاكرة لا إلى مدينة،
ومن بين الغبارِ خرجت “أزالئيل” كأنها نتيجةُ الانهيار،
مرتفعاتٌ تُقيمُ فوق ما تهدّم،
وتكتبُ على الخراب اسمًا جديدًا لكلِّ شيء.

بعد ذلك، صار التاريخُ عادةً سيئة،
يتكرّرُ دون أن يتعلّم،
حميرُ تعودُ في كلِّ جيلٍ بشكلٍ آخر،
والملوكُ يتبادلون الأسماء كما تتبادلُ الجبالُ صمتها،
وفي كلِّ مرةٍ يُظنُّ أن المملكةَ استقرّت،
تظهرُ “أزالئيل” لتذكّرهم أن الاستقرارَ خدعة،
وأن المرتفعات لا تُبنى بل تُستعاد.

في الأزمنة القريبة،
حين نطقَ الناسُ بأسماءٍ حديثةٍ للسلطة،
كانت الجبالُ تبتسمُ بسخريةٍ قديمة،
فكلُّ رئيسٍ هو نسخةٌ مؤقتة من ملكٍ غابر،
وكلُّ خطابٍ هو صدى لمرسومٍ لم يُقرأ جيدًا،
وحين سقطَ الحاكمُ الذي ظنّ نفسهُ تاريخًا،
فتحت “أزالئيل” نافذةً ليدخل منها الغبار.

لم يكن السقوطُ حدثًا،
بل كان كشفًا لما كان قائمًا دون أن يُرى،
الأطرافُ لم تتكوّن فجأةً،
بل كانت تنتظرُ لحظةَ التسمية،
شمالٌ يتذكّرُ نفسهُ كجبل،
وجنوبٌ يكتبُ ذاته كبحرٍ يرفضُ القيود،
وبينهما تتشظّى البلاد كمرآةٍ لا تريدُ أن تكتمل.

في هذه اللحظة،
تدخلُ الأسطورةُ كطرفٍ ثالث،
لا تُحاربُ أحدًا لكنها تُعيدُ ترتيب الجميع،
تصيرُ الجماعاتُ أسماءً لطبقاتٍ زمنية،
ويصيرُ الصراعُ محاولةً لاحتكار الذاكرة،
كلُّ طرفٍ يدّعي أنه الأصل،
وأزالئيل تضحك لأنها تعرفُ أن الأصلَ وهمٌ مُتقن.

الحربُ ليست رصاصًا فقط،
بل هي سوءُ فهمٍ بين الجبال،
كلُّ جبلٍ يظنُّ أنه أعلى من الآخر،
وكلُّ مدينةٍ ترى نفسها مركزًا للكون،
لكن الكونَ في هذه البلاد موزّعٌ بالتساوي على الندوب،
ومن لا يرى الندوبَ لا يفهمُ الخرائط،
وهكذا تستمرُّ الحربُ كدرسٍ لا يُحفظ.

في الليل،
حين تهدأ الأصواتُ،
تتقدّم “مرتفعات أزالئيل” لتقرأ ما حدث،
تجمعُ بقايا الكلماتِ من الشوارع،
وتعيدُ ترتيبها كقصيدةٍ لا تُنهي نفسها،
تكتبُ: لم تبدأ الحربُ حين بدأت،
بل حين نسي الناسُ كيف يختلفون دون أن ينهاروا.

ثم، فجأةً،
هبطت طائرةُ الشاعر في فجرٍ لم يكتمل،
على مدرج مطار صنعاء الدولي
كانت المدينةُ تبدو ككتابٍ مفتوحٍ على صفحةٍ ممزّقة،
البيوتُ تتشبّثُ بالجبال كجُملٍ خائفة،
والضوءُ يتسرّبُ بينها كاعترافٍ متأخر،
ومن النافذة، بدأت المقارنةُ دون إذن.

ظهرت إيميلي برونتي كأنها خرجت من غيمةٍ بعيدة،
ألقت روايتها على المدينة كما يُلقى حجرٌ في بئر،
فارتفعت “مرتفعات ويذرنغ” داخل صنعاء،
لكنها لم تجد مكانها،
لأن الريح هنا ليست نفس الريح،
والحب هنا لا ينتهي بموتٍ جميل،
بل يبدأ منه كفصلٍ أول.

قالت الجبالُ:
نحنُ لسنا مروجًا باردة،
نحنُ ذاكرةٌ حارّة لا تبرد،
وقالت الرواية: أنا حبٌّ يدمّر أصحابه،
فأجابت أزالئيل: هنا الحبُّ يدمّر البلاد،
ومن هذا الاختلاف،
وُلد نصٌّ ثالث لا ينتمي لأحد.

كلما تقدّمت الطائرةُ في الهبوط،
كانت الحكاياتُ تصعدُ إليها،
تحاولُ أن تشرح نفسها لمن لا ينتمي،
لكن الشاعر كان يعرفُ أن الفهمَ خيانةٌ بسيطة،
وأن ما يُرى من الأعلى ليس الحقيقة،
بل مجرّد احتمالٍ حسنِ النية،
أما الحقيقةُ فتبقى في المرتفعات.

وهكذا،
استمرّت المطولة دون أن تكتمل،
كلُّ مقطعٍ يلدُ مقطعًا آخر،
وكلُّ فكرةٍ تفتحُ بابًا لا يُغلق،
حتى صار النصُّ نفسهُ “مرتفعات أزالئيل”،
مكانًا يُقرأ ولا يُفهم،
ويُسكن ولا يُغادر.

 

 في الليلةِ التي انطفأت فيها أسماءُ القرى،
خرجت الجنّ من شقوقِ الجبال كأنها حروفٌ سقطت من كتابٍ قديم،
كانت تتكلّمُ بلهجةٍ لا يفهمها إلا الغبار،
وتسردُ حكاياتٍ عن زمنٍ كانت فيه مأربُ شجرةً لا مدينة،
كلُّ غصنٍ فيها يلدُ قبيلةً وكلُّ ظلٍّ يلدُ أسطورة،
وكان الراعي يسمعُ ولا يجرؤ على التفسير،
لأن التفسيرَ في تلك البلاد خيانةٌ لسرّ الجبل.

قالت الجنّ: نحنُ سكّانُ ما قبل الأسماء،
نحرسُ الطرقَ التي لا تُرسم على الخرائط،
نكتبُ التاريخَ على الماء ثم ننساه عمدًا،
وحين انهار السدُّ لم نبكِ،
بل جمعنا شظايا الصوت ودفنّاها في كهوفٍ لا يصلها الضوء،
ومن هناك بدأت الهجرةُ لا كرحيلٍ بل كتحوّلٍ في الكينونة،
وصارت السلالةُ التي تُدعى بالسيفية ظلًّا يبحث عن جسده.

في جهةٍ أخرى من الحكاية،
كانت “أزال” تتكوّن ببطءٍ كجرحٍ يتعلّمُ كيف يصبح مدينة،
الأحياءُ تتراكمُ فوق بعضها كطبقات حلم،
حارةٌ تنام فوق كهف، وكهفٌ يفتحُ بابًا إلى وادٍ،
والوادي يفضي إلى جبلٍ يكتبُ اسمهُ كلَّ صباح،
وكانت البيوتُ تُنحتُ من الارتفاع لا من الطين،
كأنها محاولةٌ للصعود لا للسكن.

هناك، في زوايا صنعاء القديمة،
تسكنُ الجنّ كما يسكنُ الصمتُ في الكلمات،
تراقبُ الأسواقَ وهي تبيعُ ذاكرةً مستعملة،
وتضحكُ حين يساومُ الناسُ على أثمانٍ لا تخصّهم،
لأن كلَّ حجرٍ في تلك الأزقّة يعرفُ أنه أقدمُ من المشتري والبائع،
وأن الحكاياتِ لا تُشترى بل تُورث كلعنة،
ومن لا يرثُها يظلُّ غريبًا ولو عاش ألف عام.

السيفيون لم يكونوا سلالةً فقط،
بل فكرةً قرّرت أن تهاجر حين ضاقت بها الأرض،
عبروا من مأرب إلى ما وراء الرمل،
يحملون معهم خرائط لا تُرى إلا في النوم،
ويتركون خلفهم أسماءً تتشظّى كزجاجٍ قديم،
حتى وصلوا إلى بحيرةٍ لا تعرفُهم لكنها تذكّرتهم،
فعادوا إلى أنفسهم كأنهم لم يغادروا.

في شرقِ تلك البحيرة،
أعادت الجنّ كتابة النسب،
جعلت من “سيف” جذعًا لشجرةٍ لا تنتهي،
ومن كلِّ فرعٍ مملكةً صغيرة تتعلّمُ كيف تنسى أصلها،
لكن الأصلَ كان يعود في الليل ككابوسٍ جميل،
يقول لهم: أنتم من ماءٍ كان يُحاصَر في سدّ،
ومن حجرٍ تعلّم كيف ينكسر دون أن يموت.

في مرتفعات أزالئيل،
لا توجد ممالك متعاقبة بل طبقاتٌ تتكلّم،
سبأُ هي الصوتُ الأول،
ومعينُ هي الصدى الذي تأخر قليلًا،
وحميرُ هي الصمتُ الذي ظنّ نفسه نهاية،
لكن المرتفعات تعرفُ أن النهايةَ مجرّدُ استراحةٍ للغة،
وأن كلَّ مملكةٍ تتركُ بابًا مفتوحًا لغيرها.

كان الراوي يحاولُ أن يكتب،
لكن الكلمات كانت تهربُ منه إلى الجبال،
تصعدُ كدخانٍ وتتحوّل إلى نقوشٍ لا تُقرأ،
وحين يعودُ إليها يجدها قد غيّرت معناها،
كأن النصَّ يكتبُ نفسهُ خارج إرادته،
وكأن “أزالئيل” ليست قصيدةً بل كائنٌ يرفضُ التثبيت،
ويعيشُ على الحافة بين الفهم والنسيان.

في الكهوف التي تحت الأحياء،
تجتمعُ الجنّ والسلالاتُ المنسية،
يتبادلون الحكايات كمن يتبادلُ الأعضاء،
كلُّ واحدٍ يمنحُ الآخر جزءًا من ذاكرته،
حتى تختلط الأنسابُ بالأساطير،
ويصيرُ التاريخُ كائنًا هجينًا لا يعرفُ أصله،
وهذا الهجين هو ما يُدعى الآن بالبلاد.

في الصباح،
تستيقظُ صنعاء كأنها لم تنم،
تعدّلُ مواقعَ بيوتها قليلًا،
تبدّلُ أسماءَ شوارعها دون إعلان،
وتتركُ للسكان مهمةَ الاكتشاف،
لكن السكان مشغولون بالبقاء،
ولا وقت لديهم ليفهموا أن المدينة تتحرّك تحتهم.

أما السيفيون،
فلم ينتهوا في إفريقيا ولا في اليمن،
بل استقرّوا في الفكرة نفسها،
كلما ذُكر اسمُهم تغيّر شكله،
وكلما حُكي عنهم ابتعدوا خطوةً إلى الداخل،
حتى صاروا سلالةً داخل اللغة،
تُهاجر من جملةٍ إلى أخرى دون أن تُرى.

وهكذا،
تتداخلُ الحكاياتُ كأنها لا تريدُ الانفصال،
الجنّ تكتبُ، والممالكُ تُمحى،
والمدنُ تصعدُ وتهبطُ كأنها تتنفس،
و”مرتفعات أزالئيل” تبقى في المنتصف،
لا هي مكانٌ ولا زمان،
بل محاولةٌ لفهم ما لا يريدُ أن يُفهم.

 

 من نافذةٍ لا تُفتحُ إلا على احتمالاتٍ عالية،
كان الشاعرُ يطلّ كمن يتذكّرُ شيئًا لم يعشه،
تحتَهُ صنعاء تتشكّلُ كجملةٍ تتردّدُ قبل أن تُقال،
تتدلّى من الجبال كقلادةٍ من طينٍ وضياء،
وتصعدُ في الوقت ذاته نحو السماء كأنها تجرّ جذورها معها،
لا يعرفُ هل ينظرُ إلى مدينةٍ أم إلى ذاكرةٍ ترفضُ أن تهبط،
وكانت النافذةُ مرآةً لشيءٍ بينهما، لا يكتمل.

في ذلك العلوّ،
تبدّلت المقاييسُ:
البيوتُ صارت نبضًا،
والأزقّةُ صارت عروقًا،
والجبالُ صارت أجسادًا تنامُ على جنبها منذ قرون،
كلُّ شيءٍ بدا حيًّا بطريقةٍ لا تُفسَّر،
كأن المدينةَ لا تُرى من الداخل، بل من حافة الغياب.

قال لنفسه:
لابدّ من صنعاء وإن طال السفر،
لكنّه أدركَ أن الوصولَ ليس حركةً في المكان،
بل انكسارٌ خفيفٌ في الرؤية،
وأن السفرَ الحقيقي هو أن ترى ما تعتقد أنك تعرفه
وقد تغيّر دون أن يعترف بذلك،
وأن تُصدّق هذا التغيّر كأنه أصل.

تحت الجناح،
كانت “أزال” تتحرّكُ ببطءٍ محسوب،
تبدّلُ مواقعَ ظلالها كما تبدّلُ الذاكرةُ مواضعَ الندوب،
كلُّ حيٍّ يكتبُ سطرًا في كتابٍ لا يقرأه أحد،
وكلُّ كهفٍ يفتحُ نافذةً داخل الأرض لا خارجها،
والوادي يلتفُّ كجملةٍ طويلةٍ تبحثُ عن نقطة،
لكن النقطة كانت دائمًا مؤجّلة.

في تلك اللحظة،
عاد صوتُ الجنّ كهمسٍ يمرّ عبر الزجاج،
لا يُسمعُ لكنه يُفهَم بطريقةٍ غامضة،
قالوا: نحنُ الذين نحملُ المدينة حين تنام،
نرفعُها قليلًا كي لا تنكسر تحت ثقل تاريخها،
نبدّلُ مواقعَ الحجارة كي تتنفس،
ونتركُ لكم الوهمَ بأنه ثابت.

كان الشاعرُ يراقبُ،
لكن المراقبةَ تحوّلت إلى مشاركةٍ دون إذن،
دخلَ في النسيج كخيطٍ لا يعرفُ لونه،
صار جزءًا من المشهد دون أن يُرى،
واكتشفَ أن “مرتفعات أزالئيل” ليست نصًا يُكتب،
بل حالةٌ تُصابُ بها اللغة حين ترتفعُ أكثر مما ينبغي،
فتفقدُ توازنها وتبدأ في الرقص.

في الأفق،
لم تكن هناك نهايةٌ للجبال،
بل تكرارٌ لنفس الفكرة بأشكالٍ مختلفة،
كلُّ قمةٍ تقول: أنا البداية،
وكلُّ انحدارٍ يهمس: أنا ما تبقّى منها،
والمدينةُ في المنتصف تتعلّمُ كيف تكونُ بينهما،
لا أعلى ولا أسفل، بل احتمال.

فجأةً،
تذكّرَ السدَّ الذي لم يعد سدًا،
والسيولَ التي صارت أسماء،
والقبائلَ التي تحوّلت إلى اتجاهات،
والسلالاتَ التي هاجرت داخل اللغة،
وعرفَ أن ما يراه ليس حاضرًا،
بل طبقاتٌ من الماضي تتظاهر بأنها الآن.

في الطائرة،
كان الزمنُ يسيرُ بخطٍ مستقيم،
لكن خارجها،
كان الزمنُ يلتفُّ كأفعى تعرفُ طريقها إلى الداخل،
كلُّ لحظةٍ تتداخلُ مع الأخرى،
ولا شيء يبدأ أو ينتهي حقًا،
بل يتبدّلُ موضعه فقط.

قالت له المدينة دون صوت:
لا تحاول أن تفهمني،
الفهمُ يختزلني في شكلٍ واحد،
وأنا أعيشُ من تعددي،
خذني كما أنا:
مرتفعاتٌ من معنى،
وأوديةٌ من نسيان.

في تلك الرهافة التي لا تُدرَّس،
أدركَ أن الشعر ليس ما يُقال،
بل ما يبقى بعد أن تنتهي الجملة،
وأن “أزالئيل” ليست اسمًا،
بل ارتجافٌ خفيفٌ في اللغة
حين تلامسُ شيئًا أقدم منها،
ولا تعرفُ كيف تسمّيه.

كانت الطائرةُ تهبط،
لكن الإحساسَ بالصعود كان يزداد،
كأن الاقترابَ من المدينة هو ابتعادٌ عن التعريف،
وأن كلَّ مترٍ يُختصر من المسافة،
يُضافُ إلى الغموض،
حتى صار الهبوطُ نفسهُ نوعًا من الارتفاع،
لا يُقاسُ إلا بالدهشة.

وقبل أن تلامس العجلاتُ الأرض،
كان الشاعرُ قد وصل بالفعل،
لا إلى صنعاء،
بل إلى تلك النقطة بين الرؤية والاعتراف،
حيث تتكوّن القصيدةُ دون أن تُكتب،
وحيث يعرفُ أخيرًا،
أن السفرَ لم يكن إليه، بل منه.

 

 ثم لامستِ العجلاتُ الأرضَ كأنها تجرّ وراءها سماءً كاملة،
وارتدّ الصدى إلى داخل الجسد لا إلى المدرج،
فشعرَ الشاعرُ أنّ الهبوطَ ليس نزولًا بل دخولٌ في طبقةٍ أخرى من الهواء،
حيث تتباطأُ الأسماءُ وتزدادُ الأشياءُ وضوحًا بقدر ما تغترب،
وأنّ المدينةَ لا تستقبلُ أحدًا، بل تُعيدُ ترتيبَ القادم داخلها،
حتى يصيرَ جزءًا من إيقاعٍ لا يُرى،
إيقاعٍ يكتبُه الحجرُ ويُصحّحه الصمت.

عند بوابةٍ من حديدٍ يعرفُ أكثر مما يقول،
مرّ كمن يعبرُ من زمنٍ إلى زمنٍ دون ختمٍ على جواز،
الوجوهُ تتشابهُ كأنها خرجت من مرآةٍ واحدة،
لكن لكلِّ وجهٍ صدعٌ صغيرٌ لا يراه إلا من عاشه،
وكانت الندوبُ هنا لغةً ثانية،
يقرأ بها الناسُ بعضهم دون أن يرفعوا أصواتهم،
وتقرأ بها المدينةُ تاريخها حين تتعبُ من التذكّر.

خارج المطار،
كان الضوءُ أكثر خشونةً،
كأن الفجرَ مرّ من هنا وترك جزءًا منه عالقًا في الغبار،
الجبالُ تقتربُ فجأةً كأقاربٍ لا ينسون،
والبيوتُ ترتفعُ لا لتُرى بل لتُثبتَ أنها قادرةٌ على البقاء،
وفي كلِّ نافذةٍ عينٌ قديمة،
تراقبُ العابرين كأنها تعدّهم داخل حكايةٍ أكبر.

قالت له الأزقّةُ:
تعالَ من هنا، فالخطواتُ لا تُحسبُ بالمسافة،
بل بما تتركهُ فيك من انزياح،
وكانت الأرضُ تميلُ قليلًا تحت قدميه،
ليس لأنّها غير ثابتة،
بل لأنها تعوّدت أن تُخفي ميلانها عن الغرباء،
ثم تكشفهُ لمن يقبلُ الدعوة.

في الحاراتِ التي تُحسنُ الاختباء،
يتكاثرُ الوقتُ كعشبٍ في ظلٍّ دائم،
كلُّ بابٍ يُفضي إلى بابٍ أقدم،
وكلُّ درجٍ يصعدُ بك إلى ذاكرةٍ أعمق،
حتى يصبحَ الاتجاهُ سؤالًا بلا جواب،
وتصيرُ الوجهةُ عادةً يتخلّى عنها القلب،
كي يسمعَ ما تقولهُ الجدران.

تحت البيوتِ،
تتنفّسُ الكهوفُ ببطءٍ لا يشيخ،
تجمعُ ما يسقطُ من السقوفِ من كلمات،
وتُعيدُ تدويرهُ كهمسٍ يعودُ إلى الأزقّة،
الجنّ هنا لا يظهرون،
لكن حضورهم يُقاسُ بمدى خفّة الظلّ،
وبالانحناءةِ الصغيرة التي تأخذها النوافذُ نحو الداخل.

سألَ نفسه:
هل أنا أمشي، أم أنّ المكانَ يمشي بي؟
فأجابهُ حجرٌ عند زاويةٍ ضيّقة:
أنتَ تُستعاد،
فالمدينةُ تحفظُ نسخًا من كلِّ من يمرّ بها،
وتستدعيها حين تحتاجُ إلى شاهدٍ جديد،
وأنتَ الآن شاهدٌ يُكتب.

في سوقٍ يلمعُ كذكرى،
تتبادلُ الأيادي أشياءَ تعرفُ طريقها دون تسمية،
الفضّةُ تلتقطُ ضوءًا قديمًا،
والبهاراتُ تُعيدُ ترتيبَ الهواء،
والأصواتُ ترتفعُ لتخفي ارتجافها،
كأن الحياةَ هنا تمرّ عبر قنواتٍ دقيقة،
لا تُرى إلا إذا توقّف القلبُ لحظة.

مرّت امرأةٌ تحملُ الليلَ في عينيها،
فأدركَ أن الظلالَ ليست غيابًا،
بل حضورٌ يُتقنُ التخفي،
وأنّ كلَّ ما يُظنّ أنه انتهى،
إنما يغيّرُ موضعهُ في الداخل،
ليظهرَ بشكلٍ آخر حين لا نتوقّع،
ويعيدَ تعريفَ ما نظنّهُ حاضرًا.

على حافةِ درجٍ يقودُ إلى لا شيء،
جلسَ قليلًا ليصغي،
فسمعَ المدينةَ تتكلّم دون كلمات،
تقول: لا تكتبني كما أنا،
اكتبني كما أكونُ حين تغمضُ عينيك،
فالحقيقةُ هنا لا تُرى،
بل تُستدعى من غيابٍ دافئ.

في تلك اللحظة،
عاد صدى الجبال من الداخل،
كأنها ارتفعتْ فيه لا حوله،
وصارت “مرتفعات أزالئيل” وضعًا للروح،
لا يُغادرُه حتى وهو بين الناس،
يرى به ما لا يُقال،
ويصمتُ كي لا يُفقدهُ كثرةُ القول.

ثم نهضَ،
لا ليكملَ الطريق،
بل ليتركَ الطريق يكمله،
فالمدينةُ تعرفُ كيف تقودُ من لا يقاوم،
وتمنحُه من نفسها بقدر ما يتخفّف،
وتمضي به إلى حيث لا يريد،
كي يصلَ إلى ما لم يعرف أنه يبحثُ عنه.

 

في “أزالئيل”، التي يُقال إنّها مدينةُ سام بن نوح حين كان الاسمُ غضًّا كغصنٍ لم يتعلّم بعدُ الانكسار،
لا تُرى صنعاء كمدينةٍ تُقام على الأرض،
بل ككائنٍ ينهض من طبقاتٍ متراكبة من الطبيعة والذاكرة والغريزة،
كأن الجبلَ جسدٌ، والبيتُ نبضٌ، والشارعُ شريانٌ يمرّ فيه الزمن ببطءٍ حنون،
وهناك، عند الحدّ الفاصل بين القانون والبرية،
تتحوّل الروح إلى عاصفةٍ لا تهدأ،
تشبه ذلك الاضطراب العميق الذي سكَنَ شخصيات مرتفعات ويذرنغ.

في “أزالئيل”،
الطبيعةُ ليست خلفيةً للمدينة،
بل أصلها الذي لم ينقطع،
النباتاتُ تنمو كأنها تتذكّر شكلها الأول قبل أن تُسمّى،
شجيراتُ الرمان تتدلّى كقلوبٍ صغيرة تُجيد الصمت،
والعنبُ ينسجُ ظلًّا رقيقًا فوق الجدران الطينية،
كأنه يحاول أن يخفّف من صلابة الذاكرة،
وفي كلِّ ورقةٍ ارتعاشٌ خفيّ، كأنها تتهجّى اسم الريح دون أن تنطق.

أما الطيور،
فلا تحلّق فقط،
بل تكتبُ في الهواء خطوطًا لا تُقرأ إلا لمن تعلّم الإصغاء،
الحمامُ يهبط على الأقمار الطينية كرسائل مؤجلة،
والسنونو يعبرُ بين السطوح كخيطٍ يربط السماء بالأرض،
كلُّ جناحٍ حركةٌ في قصيدةٍ لا تنتهي،
وكلُّ زقزقةٍ تذكيرٌ بأن الحياةَ هنا تُقالُ بنبرةٍ أخفّ من أن تُمسك.

وأقمارُ الطين—
تلك النوافذُ المستديرة التي تتسلّلُ منها الشمس كاعترافٍ هادئ—
ليست زينةً معمارية،
بل عيونٌ تُراقب الضوء وهو يتغيّر،
تُصفّي النهار من خشونته،
وتُعيدُ صياغته كحلمٍ يمكن احتماله،
كأن البيتَ لا يفتحُ على الخارج،
بل يفتحُ الخارجَ على نفسه.

في هذا التداخل،
لا يعودُ ممكناً الفصلُ بين الغريزة والقانون،
فالإنسانُ هنا ابنُ الجبل،
يحملُ في صوته خشونةَ الصخر وحنانَ الطين،
يسيرُ وفق نظامٍ قديم،
لكن قلبهُ ينحرفُ قليلًا نحو البرية كلما ضاق عليه الطريق،
وهذا الانحرافُ هو ما يصنعُ إنسانيته،
وما يجعلُ روحهُ عاصفةً لا تستقر.

كما في عوالم إيميلي برونتي،
حيث الحبُّ ليس طمأنينة بل توتّرٌ دائم،
تصبحُ “أزالئيل” مسرحًا لصراعٍ غير مرئي،
بين ما ينبغي أن يكون وما يتدفّق من الداخل دون إذن،
المدينةُ تنظّمُ الحياة،
لكن الطبيعةَ تظلُّ تُربك هذا التنظيم،
والروحُ تتأرجحُ بينهما كغيمةٍ لا تعرفُ أين تمطر.

في صنعاء،
حين يهبط المساء،
تتغيّرُ اللغة دون أن يشعر بها أحد،
تصيرُ الجدرانُ أكثر دفئًا،
والأزقّةُ أكثر قربًا من القلب،
والنباتاتُ تُبطئ نموّها كأنها تستمع،
والطيورُ تعودُ إلى أعشاشها محمّلةً بما رأت،
ثم يعلو صمتٌ خفيف،
يشبهُ لحظةَ ما قبل البكاء أو ما بعده.

وهنا،
تكتملُ “أزالئيل” كفكرةٍ لا تُمسك،
مدينةٌ بين الطبيعة والمدينة،
بين الغريزة والقانون،
بين السكون والعاصفة،
لا تُفهمُ إلا إذا تُركت دون تفسير،
ولا تُحبُّ إلا إذا قُبلت كتناقضٍ جميل،
كروحٍ تهبّ بلا سبب… ولا تهدأ.
 

 في “أزالئيل” يتكاثفُ الاسمُ حتى يصيرَ عتبةً بين لغتين،
لغةٌ تُنزلُ النصَّ كأمرٍ، وأخرى ترفعهُ كسؤال،
يُقال إنّ الجذرَ يلمعُ بين أزمنةٍ كجنديٍّ لا يخلعُ درعه،
وأنّ المعنى التوراتيَّ يمرّ كريحٍ تحملُ أسماءً ثم تتركها،
فتبقى “أزالئيل” منطقةَ التباسٍ جميلٍ بين لفظٍ وأثر،
حيثُ الاسمُ ليس تعريفًا بل اختبارٌ لمدى احتماله،
وهناك تتعلمُ الحروفُ أن تكونَ مرايا لا حدودًا.

في أحياء صنعاء القديمة،
تجلسُ الكلماتُ على عتباتٍ من طينٍ وتعدّلُ نبرتها،
يهوديةٌ تُغنّي للمساء، وإسلامٌ يفتحُ فجرهُ بهدوء،
ومسيحيةٌ تمرّ كظلٍّ أبيض فوق سقفٍ بعيد،
لا تتنافى الأصواتُ بقدر ما تتجاورُ كطبقاتِ صخر،
كلُّ طبقةٍ تحفظُ ماءها، وكلُّ ماءٍ يتسرّبُ إلى الآخر،
فتنشأُ لغةٌ ثالثةٌ لا تُسمّى، لكنها تُعاش.

قبل حكايةِ الفيل،
كان الطريقُ إلى الجنوب مرصوفًا بآياتٍ تُقرأ على مهل،
تجّارٌ يحملون كتبهم في صدورهم،
وأسماءٌ تعبرُ البحرَ دون أن تفقدَ ملحها،
كانت المدينةُ تُصغي ولا تُحاكم،
تتعلّمُ من مرورِ المختلف كيف تُثبّتُ توازنها،
وكيف تتركُ البابَ مواربًا لزائرٍ لا يعرفُ عنوانه.

ثم مرّت القصةُ كغيمةٍ ثقيلة،
اسمُ القائدِ يلمعُ على حوافِّ الرواية كحجرٍ مصقول،
والكعبةُ تُختبرُ بوصفها فكرةً لا جدارًا،
تتكسّرُ النوايا على هواءٍ لا يُرى،
ويعودُ المكانُ إلى نفسهِ دون أن يشرحَ ما جرى،
كأنّ التاريخَ يفضّلُ أن يُلمّحَ بدل أن يُصرّح،
ويتركَ لنا مهمةَ الإصغاء إلى ما لم يُقل.

بين تلك الانعطافة،
تُعيدُ الأسرُ ترتيبَ نسبها كما تُرتّبُ الأسماءُ حروفها،
اليهوديةُ هنا ذاكرةُ نصٍّ يمرّ عبر الأجيال،
والمدينةُ حافظةٌ أمينةٌ لما لا يُحفظ،
تخفيهُ في شقوقِ الجدران وفي أعينِ الصانعين،
وتستدعيهُ حين تحتاجُ إلى ميزانٍ أدقّ،
ميزانٍ يقيسُ القلوبَ لا المواقف.

بعيدًا، عند حوافِّ بحيرةٍ لا ترى هذا الارتفاع،
تتذكّرُ السلالةُ التي تُنسبُ إلى السيف طريقها القديم،
تحملُ أثرَ الجنوب في لهجةٍ وفي إيماءةٍ،
تتجاورُ مع نصوصٍ أخرى دون أن تفقدَ نبرتها،
تتعلّمُ من الصحراء كيف تُخفّفُ من صلابتها،
ومن الماء كيف تتبدّلُ دون أن تذوب،
فتصيرُ الجسورُ بين القارات جُملاً قابلةً للتأويل.

الدياناتُ هناك لا تتصارعُ بقدر ما تتفاوض،
كلُّ واحدةٍ تُقدّمُ تأويلًا للحياة،
والحياةُ تُعيدُ توزيعَ هذه التأويلات على الناس،
فتخرجُ معتدلةً كخطٍّ بين قمتين،
لا ينتمي لأيٍّ منهما لكنه يربطهما،
وهذا الربطُ هو ما يبقي الحكايةَ مفتوحة،
ويمنعُها من التحوّل إلى حكمٍ نهائي.

وفي عمقِ السرد،
تظهرُ الحكايةُ العجيبة كوميضٍ لا يطلبُ التصديق،
أمٌّ يقال إنها من جنٍّ يكتبُ اسمهُ على الريح،
وأسرٌ يُختبرُ فيه الصبرُ كحدٍّ للكرامة،
وأسماءٌ تتقاطعُ ثم تفترقُ كخطوطِ برق،
تلمعُ لتضيء الطريقَ ثم تختفي،
كأنّ العجائبيَّ وظيفةُ التذكير لا الإقناع.

حين تُستعادُ الحكاية،
لا تُستعادُ لتُثبت، بل لتفتحَ بابًا للمعنى،
أن تكونَ الأمُّ جسراً بين عالَمين،
وأن يكونَ الخطفُ امتحانًا للزمن لا للقلوب،
وأن يكونَ التحريرُ عودةً إلى اسمٍ نجا من العتمة،
كلُّ ذلك يشتغلُ داخل النص كطاقةٍ رمزية،
تغذّي اللغةَ وتمنحها قابليةَ التحوّل.

في “أزالئيل” الجاهلية،
لا يُفهمُ الغيابُ بوصفه نقصًا،
بل فسحةً يتدرّبُ فيها المعنى على نفسه،
أهلُ الفترة يسيرون بين إشارتين،
لا يملكون نصًّا مكتملًا، لكنهم يملكون حسًّا دقيقًا،
يميزون به بين القسوة والعدل،
وبين ما يُقال وما ينبغي أن يُترك.

ثم يأتي القرنُ الحادي والعشرون كمرآةٍ مضطربة،
تتكاثرُ فيها الأصواتُ حتى تكادُ تغرقُ المعاني،
الهواتفُ تحملُ العالم إلى الجيب،
لكن القلبَ يحتاجُ إلى صمتٍ أطول،
فتعودُ “أزالئيل” كاقتراحٍ للبطء،
لتعليم العين كيف ترى دون أن تلتهم،
وكيف تُنقذُ المعنى من فائضه.

المدينةُ بين الغريزة والقانون،
تتعلّمُ أن تُوازنَ بين اندفاعٍ ضروريٍّ وضبطٍ مُنقذ،
لا تُلغِي أحدهما، بل تُصالحُهما داخل سلوكٍ يومي،
الخبزُ يُعجنُ بنيةٍ واضحة،
والخطوةُ تُقاسُ بظلّها،
والكلمةُ تُطلقُ بحذرٍ جميل،
كأنّ الأخلاقَ هنا فنٌّ عمليٌّ لا شعار.

في الأزقّة،
يُعادُ توزيعُ الضوء على الأقمارِ الطينية،
فتصيرُ النوافذُ مصافي للنهار،
تُهذّبُه قبل أن يدخل،
وتمنحُ الداخلين نصيبًا متوازنًا من السماء،
كأنّ العمارةَ تعلّمُ الروحَ كيف تُديرُ رغباتها،
وكيف تُحوّلُ الفائضَ إلى جمال.

الطيرُ يكتبُ فوق هذا التوازن،
يختبرُ الحدودَ دون أن يكسرها،
يهبطُ حيثُ يجدُ أمانًا، ويصعدُ حين يضيقُ المكان،
والنباتُ يتدرّبُ على الصبر،
يُخزّنُ الماءَ كفكرةٍ بعيدة،
ويفتحُ أوراقهُ حين يتأكدُ من الضوء،
كأنّ الطبيعةَ هنا مدرسةٌ للعيش.

في القلبِ من ذلك كلّه،
تُعادُ صياغةُ “أزالئيل” كاسمٍ يُجرّبُ نفسه،
لا يكتفي بدلالةٍ واحدة،
بل ينتقلُ بين طبقاتٍ من الفهم،
مرةً بوصفه نصًّا، ومرةً بوصفه مكانًا،
ومرةً بوصفه حالةً للروح،
تعلّمُها كيف تبقى متيقّظة.

وعند كلِّ منعطف،
تعودُ الجملةُ التي تُشبهُ بوصلةً خفيّة:
لابدّ من صنعاء وإن طال السفر،
ليس لأن الوصولَ نهاية،
بل لأن الطريقَ يتعلّمُ معناها وهو يمتدّ،
ولأن المدينةَ تختبرُنا بقدر ما نطلبُها،
فتمنحُنا ما نحتمل، وتتركُ لنا ما نبحثُ عنه.

وفي الخاتمةِ التي لا تُغلق،
تلتقي الحكاياتُ كأنها لم تفترق،
التاريخُ يمدّ يدهُ للأسطورة،
والدينُ يجاورُ اليوميّ دون صخب،
واللغةُ تُنقّي نفسها من زوائدها،
لتبقى “أزالئيل” مرتفعاتٍ من معنى،
تُرى من الداخل… أكثر مما تُرى من الأعلى.


_____

أبريل 2026م

صنعاء - الجمهورية العربية اليمنية  

تعليقات

المشاركات الشائعة