ديوان : بيضة و حجر
بيضة ٌ و حجر
مصعب الرمادي
بيضةٌ و حجر
_________________
في بهوٍ بيزنطيٍّ من رخامٍ أزرق،
تتدلى البيضةُ كقنديلٍ فوق رأس الجدال،
الرهبانُ ينسخون السؤال على جلودٍ مرتعشة،
والأيقوناتُ تحدّق في قشرةٍ لا تفتح،
كلُّ لاهوتٍ يضع أذنه على الصمت
ليسمع خفقةَ دجاجةٍ لم تولد بعد،
أم صدى حجرٍ يطرق باب العدم.
الإمبراطورُ يجلس على عرشٍ من احتمالات،
يمسك بيضةً في يدٍ، وحجرًا في الأخرى،
يسأل: أيُّهما أقدم من ظلي؟
الوزراءُ يجيبون بلغةٍ من ذهبٍ مكسور،
لكن البيضةَ لا تنحاز،
والحجرُ لا يعترف،
والسؤالُ يتكاثر كجنودٍ بلا حرب.
في دهاليز السحر،
تتبدل البيضةُ إلى طائرٍ من دخان،
والحجرُ إلى قلبٍ يخفق في قبعة ساحر،
الأيادي الخفيةُ أخفُّ من نيةٍ سيئة،
تمرُّ بين العيون كريحٍ بلا أثر،
تزرعُ اليقينَ في كفٍّ،
وتسرقه من الكفّ الأخرى دون أن يلاحظ أحد.
الدجّالُ يضحك من خلف ستار المرآة،
يقول: ليست الخدعةُ في الشيء، بل في النظر إليه،
يحرّك البيضةَ بخيطٍ من وهم،
ويترك الحجرَ يسقط ليُصدّق الجمهورُ الثقل،
كلُّ تصفيقٍ شهادةُ غفلة،
وكلُّ دهشةٍ
ولادةٌ جديدة لخطأٍ قديم.
في شاشة السينما،
البيضةُ تنفجر إلى ألف مشهد،
والدجاجةُ تُعاد مونتاجها كذكرى،
اللقطةُ خدعةُ زمنٍ يُقصُّ ويُلصق،
العينُ ترى ما يُراد لها أن ترى،
والظلالُ تؤدي أدوار الضوء،
كأن الحقيقةَ فيلمٌ أُسيء تحريره عمدًا.
في التشكيل،
الحجرُ لا يبقى حجرًا،
بل يصبح جسدًا يتذكر يدَ النحات،
والبيضةُ لونٌ يهرب من حدوده،
الفراغُ يشارك في الرسم،
والخطُّ يخطئ ليصيب،
كأن الفنَّ اعترافٌ بأن الثبات كذبةٌ مؤقتة.
قصيدةُ النثر،
تكتب البيضةَ بلا قافية،
وتترك الدجاجةَ خارج الوزن،
الحبُّ بلا حدودٍ ينساب كحبرٍ في شقوق اللغة،
لا بدايةَ له ولا نهاية،
فقط ارتعاشُ معنى
يحاول أن يتجسد ولا يكتمل.
الحبيبةُ تقول: أنا البيضةُ التي كسرتكَ،
وأنا الحجرُ الذي حملتَه دون أن تدري،
الحبُّ ليس جوابًا،
بل سؤالٌ يزدادُ كلما اقترب،
كلُّ قبلةٍ
تفقسُ شكًا جديدًا،
وكلُّ غيابٍ يضع قشرةً أخرى حول القلب.
في فلسفة الثابت،
الحجرُ يدّعي الأبدية،
لكن الزمنَ ينحتُه ببطءٍ لا يُرى،
وفي فلسفة المتحول،
البيضةُ ترتجفُ من فرط الإمكان،
كأن الوجودَ يتأرجح
بين صلابةٍ تخاف، وهشاشةٍ تحلم.
الانزياحُ ليس انحرافًا،
بل طريقٌ آخر للمعنى،
حين تقول البيضةُ: أنا البداية،
ينزلق الحجرُ إلى الخلف ليصير أصلًا،
كلُّ كلمةٍ
تخون معناها الأول،
كي تنجو من الموت في وضوحٍ زائف.
الصيرورةُ نهرٌ بلا ضفاف،
تحمل البيضةَ كسرٍّ،
والحجرَ كذاكرة،
كلُّ شيءٍ يتغير
لكي يبدو ثابتًا،
وكلُّ ثباتٍ
قناعٌ لحركةٍ خفية لا تهدأ.
في معبدٍ مهجور،
يُعبد السؤالُ دون إجابة،
تُقدَّم البيضةُ قربانًا للغموض،
ويُترك الحجرُ شاهدًا بلا لسان،
الكهنةُ يعرفون السرّ،
لكنهم يخفونه
لأن الكشفَ نهايةُ سلطتهم.
الساحرُ الأخيرُ يعترف:
لم أخلق شيئًا،
فقط رتبتُ دهشتكم،
البيضةُ كانت هناك،
والحجرُ أيضًا،
أنا فقط جعلتُكم تنظرون
حيث لا يجب أن تنظروا.
الجمهورُ يخرجُ من العرض،
يحمل يقينًا مؤقتًا،
لكن في الطريق،
تسقط البيضةُ من جيب المعنى،
ويتدحرج الحجرُ نحو شكٍّ جديد،
كأن الحقيقةَ
لا تقيم إلا في لحظة فقدها.
البيزنطيُّ الأخيرُ يكتب:
ليست المسألةُ أيهما أول،
بل لماذا نحتاج إلى أول،
السؤالُ نفسهُ
فخٌّ للزمن،
والإجابةُ
قيدٌ نضعه حول رقبة اللامعنى.
وفي النهاية التي ليست نهاية،
تعود البيضةُ إلى بياضها الأول،
ويصمت الحجرُ في مكانه القديم،
لكن شيئًا ما تغيّر:
العينُ التي رأت،
والقلبُ الذي شكّ،
والعالمُ الذي صار أكثر هشاشةً… وأكثر صدقًا.
كأنَّ الأصلَ صدىً يتيمٌ يجرُّ ذيله عبر ممرّات اللغة،
بيضةٌ تُصغي إلى قوقعةِ دجاجةٍ لم تُخلق بعد،
والحجرُ—ذلك الشاهدُ الأعمى—يضعُ أذنه على صدع الزمن،
ليسمعَ من يلدُ من: الصمتُ أم الضجيجُ المؤجلُ في القشرة.
المعنى قشرةٌ تتشققُ كلما نطقناها،
والفكرةُ فرخٌ أعمى يتعثرُ في بياضٍ كثيف،
اللغةُ ليست سوى ريشٍ يتطاير من فمٍ محترق،
فمن الذي يفقسُ من الآخر: الكلمةُ أم حفرةُ الصمت؟
الزمن دائرةٌ تتذكّرُ أنها خطأٌ مستقيم،
كلُّ بدايةٍ تنحني لتلدَ نهايةً تتنكرُ لها،
والبيضةُ تتدحرجُ في حلقِ الأبد كحجرٍ يرفضُ السقوط،
فأيُّهما أقدم: الخطوةُ أم الأثرُ الذي يسبقها؟
اليقينُ جرحٌ يصرُّ على تسميته حقيقة،
والاحتمالُ طائرٌ يغيّرُ سماءه كلما اقتربنا،
في هذا الفراغِ الذي يتكلمُ بلسانين،
يسألُ السؤالُ نفسه: هل أنا بابٌ أم هاوية؟
الروحُ جسدٌ تائهٌ في فكرةٍ لم تكتمل،
والجسدُ ظلٌّ يتذكّرُ أنه كان نورًا،
كلُّ لحمٍ يكتبُ سيرته على جدار العدم،
وكلُّ فكرٍ يسقطُ كحجرٍ في بيضةٍ لا تنكسر.
النورُ خدعةُ الظلال حين تتكاثر،
والعتمةُ رحمٌ يبتلعُ أسماءه،
في انكسارِ المرآة تتوزعُ الوجوهُ كطيورٍ مذبوحة،
فمن الذي يرى: الضوءُ أم شقوقُ الرؤية؟
الاسمُ قفصٌ يعلّقُ الصمتَ كجثةٍ شفافة،
والصمتُ كتابٌ يقرأُ نفسه في العمى،
كلُّ حرفٍ فخٌّ منصوبٌ لمعناه،
وكلُّ معنى حجرٌ يتدحرجُ خارج اسمه.
الوهمُ ذاكرةٌ تلبسُ أقنعةَ الحقيقة،
والماضي حلمٌ يكتبُ سيرته بأثرٍ رجعي،
في هذا التداخلِ الذي لا يعترفُ بزمن،
تتذكرُ الأشياءُ ما لم يحدث، وتنسى ما كان.
الذاتُ مرآةٌ تكسّرت لتصيرَ آخرين،
والآخرُ ظلٌّ يتكاثرُ كلما اقتربنا منه،
كلُّ وجهٍ يخلعُ وجهه ليرى نفسه،
لكن البيضةَ تبقى مغلقةً على سؤالها.
النهايةُ ولادةٌ متأخرةٌ لخطأٍ أول،
والموتُ بابٌ يُفتحُ على غرفةٍ بلا جدران،
كلُّ سقوطٍ ارتفاعٌ مؤجل،
وكلُّ حجرٍ يطفو حين ينسى وزنه.
في البدء لم يكن هناك بدءَ،
بل ارتطامُ بيضةٍ بذاكرةِ حجر،
ومن ذلك الصدعِ خرجت اللغةُ عرجاء،
تحملُ معناها كندبةٍ لا تلتئم.
المجازُ حفرةٌ يدفنُ فيها العقلُ يقينه،
والحقيقةُ طيفٌ يرفضُ أن يُلمس،
كلُّ استعارةٍ جنازةٌ مؤجلة،
وكلُّ واقعٍ وهمٌ يتقنُ التنكر.
العقلُ قفصُ طائرٍ مكسور،
والجنونُ سماءٌ بلا حدود،
في هذا التوترِ الذي لا يُحتمل،
تفقسُ الأسئلةُ من بيضتها كشررٍ بارد.
الوجودُ خطأٌ يكررُ نفسه بإصرار،
والعدمُ فكرةٌ ترفضُ أن تُمحى،
كلُّ كينونةٍ شقٌّ في جدار اللاشيء،
وكلُّ لاشيءٍ مرآةٌ لما لم يكن.
اللغةُ خيانةُ الصمت الأولى،
والصمتُ ثأرُ المعنى الأخير،
بينهما تتكسرُ البيضةُ ألف مرة،
ولا تخرجُ منها سوى قشرةٍ أخرى.
السؤالُ حجرٌ يُرمى في بحيرةِ اليقين،
والجوابُ دوائرُ تتسعُ حتى الاختفاء،
كلُّ معرفةٍ موجةٌ تمحو سابقتها،
وكلُّ جهلٍ شاطئٌ يتآكلُ ببطء.
هكذا تتوالدُ الأشياءُ من لاشيئها،
بيضةٌ تلدُ حجرًا، وحجرٌ يحلمُ بجناحين،
وفي هذا التواطؤِ الكونيِّ الغامض،
يبقى السؤالُ حيًا… لأن الإجابةَ ماتت قبل أن تُولد.
__
أبريل 2026م
حي السيول - القضارف


تعليقات
إرسال تعليق